الحداثة وما بعد الحداثة في فلسفة
ريتشارد رورتي
مقتطف من الرسالة
يمكننا أن نصطلح على الفلسفة بأنها سؤال دائم ورصد مستمر لمسار الحيـاة الإنسـانية. ووصف متجدد لجواهرها وأعراضها، وهي أيضا فحص متمرس من الإنسان لوجـوده فـي أبعاده الفردية والاجتماعية والكونية. من هنا، تتبادر إلى الذهن تساؤلات عامة يثيرها الوضـع الإنساني الكلي الشامل باعتبار الإنسان كائنا حيا ضمن محيط يزخر بالكائنات الأخرى المماثلة والمختلفة، يشاطرها الحياة في هذا الوجود ويتعامل معها فتكون له معها ردود أفعال وعلاقات تحكمها جدلية التأثير والتأثر، الفعل والانفعال، السلب والإيجاب وفي مثل هذه المسائل العامـة لا يكون هناك اختلاف فيما يطرح وما يثار فالمشكلات تتسم بالعموم.
من هذا المنظور تكاد تكون المعضلات والاستفهامات البشرية واحدة لكن كيفية معالجتهـا هي التي تتمايز فيها فلسفة عن أخرى، وهي التي يبدو فيها تباين استدلال مذهب فلسفي عـن مذهب آخر. وقد عزا بعضهم هذا التباين إلى نسبية العقل في المكان والزمان وإلـى عوامـل ظرفية تمس بشكل عام الحضارة، التاريخ، المحيط الاجتمـاعي والمـادي، التـراث الثقـافي والروحي وهي في النهاية معا وبتفاعلها مع عوامل وعناصر أخرى تطبع بطابعهـا الخـاص والمميز هذه الفلسفة أو تلك، ويكون هذا ما يكرس الفرق بين اتجاه فلسفي أو مذهب عن آخـر أو حركة، مدرسة، نزعة فلسفية عن سواها في المبادئ والأسس، التصورات والطروحـات، النتائج والآثار. تحتل الفلسفة الأمريكية -على الرغم من حداثة تجربتهـا مقارنـة بالفلسـفات الأوربيـة الأخرى- حيزا هاما ومكانة متميزة في الفكر الفلسفي العالمي ما فتئت تتعاظم قـوة وتـزداد انتشارا بفعل طروحاتها المتميزة وكذلك بفعل الدور القوي والمهيمن الذي تمارسـه الولايـات المتحدة الأمريكية في جميع الميادين ما جعل أمريكا، رائدة الحضارة ما يزيد على قـرن مـن الزمان بعد ظهورها أكبر دولة في العالم والقوة العظمى فيه لاسيما بعد تدهور وتحلل الاتحـاد السوفياتي. القوة المنافسة سياسيا وإيديولوجيا والتي واكبت نمو وتطور الولايات المتحدة ممـا جعلها أحد الطرفين في معادلة الصراع الكوني والحرب الباردة. فأمريكا اليوم تتصدر قوائم الدول إنتاجا واستهلاكا، إبداعا واختراعا، استيرادا وتصـديرا، استثمارا وتنمية ونادرا ما نجدها تحتل مرتبة ثانوية – خاصة إذا تعلق الأمر بثروة من ثروات الطبيعة- وأما ما يمس الفعل البشري وما تطاله يد الإنسان من ثقافة وفن وتكنولوجيا فمصدر الصدارة فيه يكون غالبا أمريكيا. وإذا كان الدور الأمريكي قد مارس ويمارس هيمنة وتـأثيرا عالميا متناميا في جميع الأصعدة وخصوصا في المسائل السياسية والاقتصادية.
لقد أضحت "الأمركة"
américanisation نموذجا للديمقراطيـة الليبراليـة وللسياسـات الإصلاحية التي تصدر وتفرض على مناطق كثيرة- على الرغم مما تقابله من مقاومة - فـي
العالم من آسيا والشرق الأوسط الكبير إلى إفريقيا وأمريكا الجنوبية مرورا بالبلقـان وأوربـا
الشرقية. أمريكا أيضا، نموذج للثقافة العالمية التي تعاونت التطبيقات التكنولوجية المتسـارعة
ووسائل الإعلام والاتصال الحديثة والصناعات المتطورة والدقيقة، لاسيما في ميادين السـينما
والسمعي البصري التي تستحوذ فيها أمريكا على حصة الأسد، على الترويج لهـا ومحاولـة
فرضها نموذجا عولميا لثقافة كونية تكون بديلا لثقافة تعدد الهويات أو إن شئنا فهـي تطـرح
نموذجا واحديا لتعدد ثقافي بمعنى النموذج المعياريstandard الذي تذوب فيه الهويات الثقافية.
من البديهي القول، أن تُمثّل الفلسفة داخل هذا النموذج الثقافي الأمريكي بعـدا لـه دلالتـه
وأهميته التي تستوجب منا التوقف والتأمل في الدور المنوط به مليا. لكن على الرغم من كـل
هذه الأهمية للفلسفة الأمريكية وعلى الإمكانيات التي تتيحهـا لنـا فـي التعـرف والإطـلاع
على نموذج فكري مختلف وعلى آليات استدلاله وتفكيره وما يشـتمل عليـه مـن مضـامين
وطروحات فكرية تجعلنا على معرفة بما يتضمنه هذا الفكر من صلات بين الأجيال والثقافات
المحلية، في علاقة المثقف بالسلطة وكيفية ممارسة الفلسفة لوظيفة أولية أو ثانوية في مجتمـع
فسيفسائي تكثر فيه الأعراق والعقائد ومجتمع صناعي أو ربما ما بعـد صـناعي بالأسـاس
قوانينه بنيت على اتفاقية العقول وعلى احترام حقوق الإنسان وعلى التسامح الديني والثقـافي.
أو بكلمة موجزة فيما أفرزته خطابات الأنوار، الحداثة وما بعد الحداثة من سجال وجدال تمتـد
أطرافه إلى أبسط مناحي الحياة.
ومما يعزز قناعتنا بهذا المسعى كون الفلسفة الأمريكية بصورة عامـة لـم تحـظ بكبيـر
الاعتناء والمزيد من الاهتمام الذي لقيته مثلا الفلسفات الأوربية فالبحوث والدراسات الفلسـفية
الأكاديمية وأيضا الكتب والمؤلفات ذات الطابع الفلسفي غالبا ما تلتفت إلـى فلسـفات أوربـا
ومذاهبها وشخصياتها لكن قليلا ما يكون اهتمام الباحثين بالشخصـيات الفلسـفية الأمريكيـة
أو المذاهب الممثلة للفلسفة في أمريكا بل إن الاهتمام بهـا إن وجـد ينحصـر فـي الفلسـفة
البراغماتية وكأنها هي كل الفلسفة الأمريكية ولئن كان هذا الأمر صحيح نسبيا إلا أن الفلسـفة
في أمريكا لا تنحصر فقط في البراغماتية، بل تتنوع بتيارات أثبتت وجودها الفلسفي الفاعـل...
مرحبا بك في بوابة علم الاجتماع
يسعدنا تلقي تعليقاتكم وسعداء بتواجدكم معنا على البوابة