📁 آخر الأخبار

الحرية والتربية العربية: علاقة غائبة - أ.د. صابر جيدوري


الحرية والتربية العربية: علاقة غائبة
  •  أ.د. صابر جيدوري
  • أستاذ أصول التربية بجامعة طيبة
  • المدينة المنورة

    لا شك أن التعليم العربي عمومًا يُعاني من أزمات كثيرة، نتج عنها قناعة فكرية ومنهجية لدى الكثير من الباحثين في الحقل التربوي، في أن أزمة المجتمع العربي المتفاقمة هي في جوهرها أزمة تربوية، ومن ثم تبدو أهمية المخرج التربوي سبيلًا للخروج من هذه الأزمة، والانعتاق من إسارها الحضاري. 
     فالتربية هي المدخل إلى تنمية شاملة، ودرعنا الواقي ضد الاكتساح الثقافي. ومع أن هناك من يرى أن التربية لا تستطيع وحدها مواجهة الأزمة، إلا أنها يجب أن تكون هي جبهة العمل الأولى لمواجهة التحديات التي تواجه الأمة العربية، ولاسيما ما يتصل منها بتحدي العولمة ومؤثراتها. ولهذا فقد عملت دول عربية كثيرة على تحديث أنظمتها التربوية، حتى تبدو غير متخلفة عن إيقاع العصر، ولكن هذا التحديث اقتصر على البيئة المادية والتنظيمية والشكلية لهذه النظم، أو ما يُمكن تسميته بالمظاهر الخارجية للتحديث التربوي (المباني، المرافق، الأدوات والتقنيات، التمويل، التدريب، أشكال التعليم إلخ..).
     بيد أن هذه النظم لم تتجاوز التحديث Modernization الشكلي، لتنتقل إلى الحداثة Modernity في النظام برمته (بنية ووظائف) ومن ثم، عجز هذه النظم عن تكوين الإنسان العربي القادر على العيش والتفاعل في عصر ما بعد الحداثة بمختلف معطياته. لماذا؟ لأن المؤسسات التربوية العربية وظفت توظيفًا أيديولوجيًا، وما زالت تُمارس أثرًا طبقيًا يعزز اتجاهات التسلط، والإكراه، والانتقائية إلى حد كبير، فهي بأساليب عملها، وآليات اشتغالها تعمل بصورة واعية، شعورية أو لا شعورية، على تعزيز قيم التسلط والتمايز والإكراه والاصطفاء، وتُعطّل بصورة عامة اتجاهات العمل الحر والإبداع والنزعة العقلية، وتحقيق التكامل في الشخصية الإنسانية. ومن هنا فإن إشكاليات كثيرة في التعليم كانت السبب في فشل تربية الإنسان العربي على الحرية، نذكر منها:
  • أولًا: الحرية وتسييس التعليم:

الحرية والتربية العربية: علاقة غائبة - أ.د. صابر جيدوري
     المشاهد لما يجري على مسرح الواقع السياسي والاجتماعي العربي يدرك أن الاستبداد الذي تُمارسه بعض الأنظمة العربية على شعوبها، ما هو إلا نتاج لثقافة اجتماعية أنتجتها هذه الأنظمة لتكرس من خلالها الطغيان والطبقية والاضطهاد، حتى بلغ شعورنا بالهوان إلى درجة الاحتقان والانفجار من مواقف هذه الأنظمة نحونا، المستهينة بأقدارنا، والمصرة على أن نعيش معاناة مُرّة مميتة، تضطرم فيها حياتنا بالمآسي التي تحرق الأرض، وتحطم الحجر والبشر.
     ولأن الأمر كذلك، فقد انطلقت الثورات في بعض الدول العربية لكي تفضح الاستبداد، وتترجم غضب فئات عديدة من شعوبها على الحالة الاقتصادية والسياسية والتربوية، التي أوصلتها إليها القيادات السياسية والسُلط الحاكمة منذ عقود، مما دفع الشباب العربي إلى المطالبة برحيل بعض الأنظمة.
    ومع عدم الوقوف عند الأسباب التي أدت إلى الوضع الذي نحن عليه، أودُ الإشارة إلى أن نظام التعليم العربي هو أولى ضحايا النظم السياسية المستبدة، بعد أن بات يشهد استبدادًا واضحًا وتدهورًا كبيرًا في العلاقات الإنسانية، وهدمًا منظمًا لمنظومة القيم التربوية والأخلاقية، ولعل أبشع ما ارتكبته هذه الأنظمة هو تسيسها للتعليم بعد أن سمحت لأصحاب الهيمنة وركوب السلطة بالتسلل إلى فضاء المؤسسة التربوية كي تعيث فيها فسادًا وخرابًا ودمارًا، وتُجرد الإنسان من حريته وكرامته، وتسخره لخدمة أغراض السلطة، ومشروعاتها المختلفة. (جيدوري، 2012)
     ومن القرائن والمؤشرات التي تدل على هذا التسييس أن طلبة المدارس والجامعات وأساتذتهم يُطلب إليهم تصديق كل ما يقال لهم، ويعاقبون إذا هم عبروا عن شيء ينم عن عدم إيمانهم بما يُلقن لهم، كما أن أحدًا لا ينكر البيروقراطية الطاغية، ووجود البوليس السري في فضاء المؤسسات التربوية. يقول علي وطفة:
     "إن الطلاب في بعض دول العالم العربي يعانون الانهيار والاغتراب والتسلط والاستبداد تحت صدمات القهر، ومطارق الفعل التربوي التسلطي، الذي يبدد كل القيم والمفاهيم ذات الطابع الديمقراطي الإنساني، فضلًا عن تقمص بعض المدارس والمؤسسات التربوية العربية الطابع التربوي الذي عرفناه في عهد الهتلرية والنازية، فأصبحت بذلك معاقل تتدفق منها كل قيم الاستبداد والتسلط والإكراه". (وطفة، 2000)
     وفي تحليله لإشكالية التسلط التربوي يؤكد "وطفة "أن التسلط التربوي يؤدي إلى إنتاج الشخصية السلبية التي تعتريها روح الهزيمة والضعف والقصور، وهو يُشكل الإطار العام لعملية تشريط تربوي سلبية تبدأ في إطار الأسرة، وتنتهي في أحضان المؤسسات التربوية المختلفة، ومن شأن ذلك أن يذهب بكل إمكانية لتحقيق عملية النمو والتكامل والازدهار في الشخصية الإنسانية، لأن ما يتعرض له الأطفال من قهر وتسلط تربوي يضعهم في دائرة استلاب شاملة، تُكرس كافة مظاهر القصور والسلبية في الشخصية الإنسانية". (وطفة، 2000)
     وفي السياق نفسه يؤكد الكواكبي في طبائع الاستبداد "إن عبيد السلطة التي لا حدود لها هم غير مالكين أنفسهم، ولا هم آمنون على أنهم يربون أولادهم لهم، بل هم يربون أنعامًا للمستبدين، وأعوانًا لهم عليهم، وفي الحقيقة إن الأولاد في عهد الاستبداد هم سلاسل من حديد يرتبط بها الآباء على أوتاد الظلم والهوان والخوف والتضييق". (الكوكبي، 2006)  
    وهذا يعني أن التربية في ظل الاستبداد تُصبح أداة مختطفة لتثبيت واقع القهر، وتبرير هذا الواقع وإعادة إنتاجه، وفي هذه النقطة يلتقي "الكواكبي" مع "وطفة"، الذي يرى "أن المدرسة في بعض الأنظمة التربوية العربية تُوظف لتُمارس دورًا أيديولوجيًا يتمثل في عملية إعادة إنتاج علاقات القوة والسيطرة.
     ومن ثم فإن إعادة علاقات السيطرة والقوة والخضوع أمر يتم في المؤسسات التربوية، سيما في إطار الأسرة والمدرسة، وهذا يعني أن مهمة المدرسة في الأنظمة المتسلطة هي إنتاج قيم الطاعة والخضوع، التي تأخذ شكل العلاقة بين المعلمين والمتعلمين في المدرسة، وشكل العلاقة بين الآباء والأبناء في الأسرة، وعليه فإن قيم الطاعة والخضوع لا يمكن أن يتم تعلمها كقيم نظرية.
     ولذا فإن المدرسة تعمل على تفعيل هذه القيم بصورة حية مجسدة، من خلال الممارسة التربوية المستمرة في إطار نسق العلاقات، الذي يقوم بين المعلمين والمتعلمين بوصفه نسقًا من علاقات الخضوع والسيطرة والهيمنة، كمثال حيوي للعلاقة القائمة بين القاهرين والمقهورين في إطار الحياة الاجتماعية". (وطفة، 2011)
     وبالرغم من المدة الزمنية البعيدة التي تفصل بين المفكرين، والظروف المحيطة بهما، فقد اتفقا على أن المدرسة في ظل الاستبداد تكون أداة للقهر. يقول الكواكبي: "إن الاستبداد المشؤوم الذي تُمارسه المدرسة يؤثر في الأجسام فيورثها الأسقام، ويسطو على النفوس فيفسد الأخلاق، ويضغط على العقول فيمنع نماءها بالعلم". (الكواكبي، 2006) 
     وإلى الفكرة نفسها يذهب "وطفة" مؤكدًا "أنه ما زالت مظاهر العنف تجد مرتعها بين جدران المدرسة العربية، وما زالت وجنات الأطفال تتوهج تحت تأثير الصفعات، وأيديهم ترتعش تحت وطأة العصي والمساطر، ناهيك عما يتعرضون له من حملات التوبيخ والشتائم، وأبجديات القهر والتهديد في إطار المدرسة، بما من شأنه أن يحطم وجودهم الإنساني، ويقوض كل المعاني الخلاقة للحياة الكريمة". (وظفة، 2011)
     وهكذا فإن ما تقوم به المؤسسة التربوية هو تنميط عمل التعليم ليكون مخرجه متعلمًا من النمط نفسه، إذ لا يُسمح لهذا المتعلم أو ذاك من إبداء رأي، أو طرح فكرة تُلامس حياته من قريب أو بعيد، مما يجعل التعليم المختطف في صميمه استغلالًا لإنسانية الإنسان لمصلحة السلطة المختطفة، التي تريد منه أن يكون إمعة كالببغاء عقله في أُذنيه، ومعتقلاً داخل النص الذي يكتبه المستبد كما يهوى. 
     أما السؤال الذي يطرح نفسه بشكل مستمر: هل نمط التربية العربية الحالي ما زال صالحًا لمواجهة المتغيرات التي ظهرت في الساحة العالمية؟ وهل تستطيع هذه التربية إعادة صوغ الأهداف الأساسية، وقيم الحرية، لتناسب الشروط الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تعصف بالمجتمع الإنساني؟
     إن الإجابة عن هذين السؤالين تُشير إلى أن التربية العربية مازالت تقليدية، تؤدي الوظيفة التي كانت تؤديها منذ مئات السنين، كما أنها مازالت في جوهرها غير متغيرة في عالم سريع التغير، ولا يعني هذا أن بعض التغيرات لم تحدث أثرًا في جسد التربية العربية، ولكن هذه التغيرات بقيت شكلية وليست جوهرية، فبالرغم من إعادة تنظيم الأجهزة والوحدات الإدارية التربوية، وبالرغم من بناء مدارس جديدة، وتأليف كتب جديدة تعكس محتوى بعض التطورات العلمية، ظلت التربية العربية تُركز على هدف رئيس واحد هو تمكين المتعلم من النجاح في الامتحانات، وهذه الامتحانات بقيت بصورة عامة محور النشاط التربوي بعيدة عن جوهر الحياة خارج المدرسة.
     ورغم تعاظم الإنتاج العلمي في حقول التربية وعلم النفس التربوي وعلم نفس النمو، ورغم الاهتمام الكبير بإعداد المعلمين لتأهيلهم لهذه المهنة، فمازال التلميذ المثالي في نظر المعلم هو التلميذ الخاضع المطيع الذي يحضر دروسه بانتظام، ويبقى دائمًا متقبلًا لسلطة المعلم وسلطة المدير، وسبب إخفاق هذه النظرة أنها ترفض روح المحبة الخلاقة عند التلميذ، وتعرقل نموه، وتعيق تربيته على الحرية لكي لا يحصل على الاستقلال الفكري والعاطفي.
  • ثانيًا: الحرية وغياب الفلسفة التربوية:


   رغم التغير الاجتماعي الملحوظ في المجتمعات العربية، ورغم كثافة السكان، وظهور مشاكل جديدة تتحدى الفرد والمجتمع، نلاحظ أن التربية العربية مازالت تتجاهل الكثير من علوم الثلث الأخير من القرن العشرين، كعلم الكمبيوتر، وعلم البيئة، وعلم الفضاء، وعلم السكان، وإن كانت بعض أنظمة التعليم في العالم العربي تعلن دخولها هذه المجالات، فإعلانها هذا لم يوضع موضع التطبيق الحقيقي، وبقي شعارًا فارغًا من مضمونه.
     ومع أن التربية العربية نجحت نجاحًا ملحوظًا في إعداد الأخصائيين من أطباء ومهندسين ومحاميين، وأساتذة وغيرهم، إلاّ أن نجاحها في تربية الإنسان على الحرية، وتطوير مفاهيمه الاجتماعية والوطنية والإنسانية، وتمكينه من التعامل مع الآخر بإرادة حرة مستقلة مازال محدودًا جدًا، ويتضح إخفاق النتاج التربوي من خلال الممارسات الاجتماعية السائدة في المجتمع، إذ أصبح الطابع العام لسلوكنا يزداد في سلبيته، كعدم الاكتراث بحقوق الآخرين وحرياتهم، واللامبالاة تجاه المسؤولية العامة والإنسانية وغيرها.
     وعلى الرغم من التوسع الكمي السريع الذي يحدث في البلدان العربية من زيادة في الخدمات التربوية والأبنية المدرسية والإنفاق، لا تزال المجتمعات العربية عاجزة عن تعميم التعليم على جميع الأطفال، وهذا الأمر إن دلّ على شيء إنما يدل على عجز النظم التربوية القديمة والتقليدية عن مسايرة التفجر السكاني السريع في العالم بشكل عام، وفي البلدان النامية بشكل خاص.
    ولعل ما يؤكد وجود هذه الأزمة في التربية العربية هو مظاهر الانفصام بين السياسة التربوية والسياسة الاقتصادية والاجتماعية المتجسدة في الواقع من خلال بطالة واسعة لدى المثقفين، ولدى أصحاب الاختصاصات التقنية أنفسهم، وما نجده في الوقت نفسه من حاجات المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية إلى الكثير من الاختصاصات التي لا يوفرها نظام التربية السائد.
     ومن مظاهر هذا الانفصام البارزة في الجانبين، السياسة التربوية من جانب، والسياسة الاقتصادية والاجتماعية من جانب آخر، ضعف العناية بتعليم الكبار، وضعف العناية بشتى أشكال التربية غير النظامية، رغم الأثر الكبير الذي تُمارسه في التنمية الاقتصادية والاجتماعية السريعة، فضلًا عن ضعف الكفاية الداخلية للنظم التربوية العربية، وارتفاع معدلات الرسوب والتسرب، ومن ثَمَّ ارتفاع كلفة التعليم.
     ولعل المستقرئ لواقع التربية العربية يجد أن كل ما تُعانيه التربية العربية في سعيها لبناء الإنسان العربي الحر هو بسبب أهم غياب الفلسفة التربوية الواضحة، التي يقع على عاتقها نقد العمل التربوي وتحليله وتنسيقه وتوجيهه من جوانبه كافة، وأن عدم وضوح هذه الفلسفة في معظم البلدان العربية أدى إلى انخفاض كفاية الأنظمة التعليمية العربية، وانحدار في مستوى الفكر والثقافة، ومن أجل الخروج من هذا المأزق لا بد أن تمتع المؤسسة التربوية، والمعلمين، والتلاميذ، بقدر عال من الحرية، التي من دونها قد ينهار التعليم، ويتحول إلى سلطة استبداد تستخدمها الأيديولوجيا السائدة لصالحها، وليس لصالح التلاميذ وتنمية قدراتهم واستعداداتهم ومعارفهم وميولهم كافة. 
     خلاصة القول: نحن بحاجة إلى فلسفة تربوية عربية تكون قادرة على تحديد غايات التربية وأهدافها، بحيث تنظر إلى الحاضر والواقع المجتمعي القائم بأوضاعه ومتغيراته الراهنة، وتعمل على الموازنة بين الرهان على ما هو كوني في مضامين التربية والتعليم، وبين ما ينبغي أن يظل مرتبطًا بالواقع المحلي مساهمًا في بناء علاقة سليمة معه، وذلك عبر تدعيم مواطنة إنسانية منفتحة واعية من جهة، ومتفاعلة مع المتغيرات المعرفية والقيمية والحضارية للنظام العالمي القائم من جهة أخرى، ومتمتعة من جهة ثالثة بهامش كبير من الحرية (تفكيرًا وتعبيرًا).
  • ثالثًا: الحرية وأزمة الشباب:

الحرية والتربية العربية: علاقة غائبة - أ.د. صابر جيدوري
   والمشكلة لا تقف عند هذا الحد، لأن عجز النظم التربوية العربية عن تكريس التربية على الحرية يُعدّ واحدًا من متغيرات المشكلة الرئيسة، مع أنه ربما يكون سببًا لعدة مشاكل أخرى تربوية. فالتعليم العربي اليوم في إطاره التقليدي، لا يُكسب الشباب الاتجاهات والمعارف والمهارات التي تجعل منهم أداة صالحة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في مجتمعهم، بعبارة أخرى، إن حصيلة التعليم لا تتلاءم مع متطلبات المجتمع وحاجاته، والدليل على ذلك أن آلاف الشباب من خريجي الثانويات الصناعية – في دولة مثل سورية – لم تتوافر لهم فرص الدراسة الجامعية، فهم ضائعون تائهون، غير نافعين لا لأنفسهم ولا للمجتمع، يعيشون في حالة قلق شديد، فاقدي الثقة بأنفسهم، في الوقت الذي يجب أن يكونوا فيه أمل المستقبل.
     وحتى يكونوا كذلك لابد من تربية مشتركة تتمخض عنها أشكال تربوية جديدة، تهدف إلى تعليم يوفر للتلاميذ فرص التفكير بحرية، والانتقال للنقاش الديمقراطي، كبديل للتعليم القائم على التلقين والتبعية في التفكير. تعليم يُمكّن التلاميذ من إظهار قدرتهم على التحليل والخلق والإبداع والأصالة، كبديل للتعليم الذي يُشجع على الحفظ والتقليد والاقتباس، تعليم يُدرب التلاميذ على أن يفكروا "كيف يعرفون" بدلاً من أن يفكروا "ماذا يعرفون". تعليم يكشف المواهب وينميها، بدلًا من تعليم يطمس المواهب ويقتلها.
     ومع أن الأزمة التربوية التي تعاني منها الدول العربية، هي امتداد للأزمة السياسية التي تعاني منها هذه الدول، فهذا لا يسوغ الحالة السيئة التي وصلت إليها التربية، فإذا كانت طبيعة الأزمة في المجتمع العربي والمجتمعات النامية الأخرى ناجمة عن عدم التوافق بين التربية وحاجات المجتمع التكنولوجي السريع، وقيم هذا المجتمع، فإن القيم الاجتماعية في هذه المجتمعات أخذت تتداعى أمام التقدم التقني المذهل، الأمر الذي أدى إلى انفصال الجيل الجديد عن قيم مجتمعه، وأخذت التربية تلهث وتجمع أنفاسها للحاق بهذا التطور التقني، ولمواجهة المشاكل الإنسانية والقيمية التي رافقته.
     إن هذا الذي يحدث في مجتمعاتنا، والذي يعود في مجمله إلى السياسات العامة للدول، هو الذي دفع الأستاذ الدكتور محمود السيد إلى التأكيد على ضرورة إعادة النظر في أنظمتنا التربوية لتكون قادرة على اللحاق بالتقدم السريع للعلوم التقنية، وذلك عن طريق التربية التغيرية لا التدويمية، والتربية الإبداعية لا تربية الذاكرة، وتكريس التربية الحوارية الانفتاحية لا التربية التسلطية الانغلاقية، واستخدام التكنولوجيا القادرة فعلًا على تعليم جميع قطاعات المجتمع عن طريق تجاوز السن المحددة للتعليم، وهذا يشمل نظام جميع مراحل العمر، تمشيًا مع مفهوم التربية مدى الحياة (التربية المستمرة).
  • رابعًا: الحرية ومركزية في التعليم:

الحرية والتربية العربية: علاقة غائبة - أ.د. صابر جيدوري

     تبين الدراسات في مجتمعاتنا العربية، أنه بالرغم من التوسع الكمي الكبير في مراحل التربية، لا تزال الأنظمة التربوية عاجزة عن تلبية مطالب الضغط الاجتماعي المستمر، والتزايد السكاني الكبير، ولا تزال التربية مقصرة في توفير حاجات التنمية الاقتصادية الاجتماعية. وبالرغم من الجهود المبذولة لتحسين نوعية التعليم، إلاّ أن حصيلة التعليم عاجزة عن مساعدة الفرد على تنمية شخصيته فكريًا ونفسيًا واجتماعيًا.

     ويبدو من الدراسات التنبؤيه أنه إذا تابعت المجتمعات العربية سيرها المألوف، وإذا جاء مستقبلها امتدادًا عاديًا لحاضرها، ستكون في المستقبل من بين المجتمعات التي لا تتمكن من تعميم التعليم الابتدائي على جميع الأطفال، وسوف تتعاظم الهوة بينها وبين المجتمعات المتقدمة، فعلى المجتمعات العربية أن تقفز بتطورها إذا ما أرادت لنفسها التقدم العلمي والتقني، وعليها أيضًا أن تُحدث تغيرات جذرية في النظم والأهداف التربوية إذا أرادت لنفسها قيمًا اجتماعية إنسانية، تقوى على جعل هذا التقدم في خدمة الإنسان والمجتمع.
     وفي ضوء واقعنا التربوي، فإن أهم ما تحتاجه المؤسسات التربوية، هو التغيير الجوهري في النظم التربوية، كي تصبح أكثر ملائمة لمتطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، والإفادة من التكنولوجيا الحديثة في هذا الشأن، وأول ما ينبغي تغييره هو "مفهوم المركزية في التعليم"، من منطلق أن القيادة التربوية ليست دائمًا الأوسع نظرًا في كل الحالات، فبالرغم من التغيرات والتوسعات التي أحدثتها المؤسسات التربوية في أجهزتها الإدارية والفنية، إلا أن النمط الإداري لا يزال خاضعًا لنظام الروتين البيروقراطي المركزي المنافي للحرية، الذي يهتم بالأمور الشكلية قبل اهتمامه بجوهر العملية التربوية، ويهتم بروتين العمل أكثر من اهتمامه بنوعية النتاج التعليمي.
     وفي هذا السياق يقول "علي وطفة": "إن الإدارة التربوية – في أغلب البلدان العربية – يغلب عليها طابع التسلط، وكثيرًا ما يأخذ هذا التسلط شكل المركزية الشديدة، التي تعني الاتجاه نحو تركيز السلطة، والرجوع إلى ديوان الوزارة في اتخاذ القرارات المنظمة للعمل كافة، كما أن مركزية الإدارة التربوية تُشكل أكبر المشكلات التي تواجه التربية العربية المعاصرة، إذ تجعل من الهيئات المدرسية أدوات لتنفيذ تعليمات وأوامر الجهاز المركزي". ومن المعلوم أن المركزية في العمل تحرم المسؤولين الإداريين والفنيين من الانطلاق وتحمل المسؤولية، وتدفعهم إلى الاتكالية والتقيد بالتعليمات وحرفيتها، وتفقدهم القدرة على التفكير والمبادرة والثقة بالنفس. (وطفة، 2000)
     إن النظام البيروقراطي السائد في التربية العربية، يُخضع المعلم للسير في طريق مرسوم، رسمته له المناهج والتعليمات والامتحانات، وأصبحت مقاييسنا للمعلم الجيد هو المعلم الذي يتقيد بحرفية التعليمات، وبحدود الكتاب المقرر حتى لو كان سيئًا وجافًا، وعليه أن ينفذ السياسة التربوية التي تنسجم مع فكر السلطة دون اعتراض، وإن هو ابتعد عنها أو خالفها لضرورات تربوية، يكون مصيره الإقصاء عن مهنة التعليم كما يحصل في بعض الدول العربية. كما أصبحت مقاييسنا للتلميذ الناجح المفضل، هو التلميذ الذي يفكر كما يفكر المعلم ويحفظ ما يطلب منه المعلم، 
     وخلاصة القول: إن التغيير المطلوب في هذا المجال هو الاتجاه نحو اللامركزية والديمقراطية في أنظمتنا التربوية، حتى تصبح التربية العربية بمقدورها أن تربي الإنسان العربي المفكر الحر المسؤول، والمواطن المنتج، وهذا لا يتم إلاّ عن طريق إعادة النظر جديًا في المناهج المدرسية التقليدية وتطوير محتواها، بحيث تتلاءم مع مراحل نمو الطفل وإدراكه من جهة، ومع متطلبات المجتمع القائمة وتطلعاته المنتظرة من جهة أخرى، فضلًا عن ضرورة تضمين المناهج قيم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والسلام، ولكي يتحقق هذا لابد من صياغة فلسفة تربوية جديدة تنطلق منها أنظمة التعليم العربي، وترتد إليها عندما تتعثر تربية الإنسان العربي في تحقيق أهدافها.

  • مراجع المقالة

- جيدوري، صابر (2012) التربية على الاستبداد بين وطفة والكواكبي: قراءة من منظور الثورات العربية المعاصرة. مسترجع من موقع رابطة الكتّاب السوريين بتاريخ 8/3/2013.
http://webcache.googleusercontent.com/search?q=cache:l3f2SgG7axgJ:syrianswa.org/ar/article/2012/02
- الكواكبي، عبد الرحمن (2006) طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، بيروت، دار النفائس للطباعة والنشر والتوزيع، ص132.
- وطفة، علي (2011). التربية على الاستبداد في العالم العربي: هل يأتي زمن التربية على المواطنة؟ مركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية. مسترجع من موقع:
http:llwww.mokarabat.com\s8533.htm
- وطفة، علي (2000). بنية السلطة وإشكالية التسلط التربوي في الوطن العربي، ط2، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية.

فريق موقع بوابة علم الاجتماع
فريق موقع بوابة علم الاجتماع
تعليقات