📁 آخر الأخبار

وضعية المرأة بين المجتمع التقليدي و المجتمع الحديث: سيرورة تهميش مركب و سيرورة عسيرة للتحرر - ديرار عبد السلام

 وضعية المرأة بين المجتمع التقليدي و المجتمع الحديث: سيرورة تهميش مركب و سيرورة عسيرة للتحرر - ديرار عبد السلام

 وضعية المرأة بين المجتمع التقليدي و المجتمع الحديث: سيرورة تهميش مركب و سيرورة عسيرة للتحرر.

ديرار عبد السلام

تمهيد:

     كانت الثورة البورجوازية في فرنسا و الأخرى في انجلترا بمثابة  " إعلان عالمي " على أرض الواقع بأن المجتمعات الإنسانية باتت منقسمة منذ الآن (أي منذ تاريخ الثورتين) الى واحدة حديثة و أخرى تقليدية، و البون شاسع بينهما إلى حد كبير و على كل المستويات : فالأولى اضحت أرضا"للدولة" الحديثة كنمط جديد للتنظيم السياسي الذي لم يكن معروفا من قبل، و المواطن كإنسان جديد بكل المقاييس، و للديمقراطية السياسية أو الحداثة السياسية القائمة على التعاقد و الحوار و الأخذ و الرد، و للفكر الحر...، ثم (و هذا ما يهمني أساسا هنا ضمن هذا العمل)، الاعتراف بالمرأة ككائن كامل العضوية، كمواطن فاعل في الحياة الاقتصادية و السياسية و الاجتماعية و الثقافية، بل لا يمكن تصور ديناميكية فعلية للمجتمع دون إدماج المرأة في نسيج هذا المجتمع الحديث(1). أما المجتمعات الثانية، فهي التي استمرت في الاشتغال ضمن منطق يعيد إنتاج البنيات التقليدية على كل المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية و التنظيمية و الثقافية... إنها قلاع للاستبداد و لأجهزة للحكم تقليدية و للإنسان البعيد كلية في مواصفاته عما يميز الإنسان – المواطن الحديث، ثم إنها (و هذا ما يهمني أيضا هنا) مجال لعدم الاعتراف بالمرأة ككائن كامل العضوية، و بإنتاجيتها و قدراتها و فعلها...، و بإنسانيتها عموما.

      و للإشارة منذ البدء، فنحن واعون بأن المجتمع الحديث ليس "جنة" على مختلف الأصعدة، لأن الديمقراطية – كما يقول جيل دولوز و فيلكس غاتاري- تتعايش مع قوى الأمن و الجيوش القوية، و كذا مع انحطاط و ابتذالية الحياة الملازمة للديمقراطيات. و "حقوق الانسان" هي مجرد معايير اصطلاحية ( Axiomes ) تتعايش مع معايير أخرى في السوق،
و خاصة تلك المتعلقة بضمان الملكية التي تتجاهل هذه المعايير أو تعلقها أكثر مما تتعارض معها. إن حقوق الانسان لا تقول أي شيء عن أنماط العيش المحايثة للإنسان المتمتع بالحقوق (2). و فيما يخص وضعية المرأة بهذا المجتمع الحديث فإذا كان من الغير الممكن إنكار التحولات العميقة و الجذرية التي شهدها شرطها في اتجاه التحرر و المساواة في الحقوق، فإن ذلك لا يلغي استمرار عديد من أنماط التمييز سواء في الشغل بصفة عامة أو في ولوج بعض المهن أو بعض الانشطة، و في اقتحام الحياة السياسية للمجتمع و ولوج مناصب المسؤولية...(3). 
  و الآن نتساءل ما هي وضعية المرأة الفعلية في كل من المجتمع الحديث و المجتمع التقليدي؟

I- المرأة في المجتمع الحديث: سيرورة عسيرة للتحرر:

     لا نفكر هنا في رصد جميع جوانب واقع المرأة في المجتمعات الحديثة، لأن هذه المهمة لا تخدم رهان عملنا أولا، ثم إنها تستدعي بحوثا تاريخية و سوسيولوجية كاملة تتجاوز بكثير حدود عملنا. أما ما نهدف هنا، فهو أساسا الوقوف على التحولات العميقة التي شهدها وضع النساء في هذه المجتمعات، و كذا على شروط هذه التحولات و العوامل المركزية الفاعلة فيها، و الفاعلين الأساسيين ضمنها، كل ذلك بغية الإمساك بعناصر للتحليل صلبة و إمكانيات للربط و المقارنة، تمكننا من قراءة واقع المرأة المغربية و شروط إعادة إنتاجها لهامشيتها ، و خصوصا موقع المرأة المغربية القروية ضمن عملية الإنتاج الذي لا يعترف لها بموقعها و ثقلها فيه رغم كونها تلعب دور المحرك الأساسي للاقتصاد القروي (كما سيتضح لنا في مراحل لاحقة من هذا العمل).

     أ- المحطات البارزة في سيرورة التخلص من ثقل الماضي:

        لن نتورط هنا في تلك النقاشات حول صحة وجود شكل من الجنة المفقودة بالنسبة للنساء في الماضي البعيد . و لن نعود إلى قانون حمو رابي في القرن الثامن عشر قبل الميلاد و الذي عبّر عن وضع عال للنساء، إذ تم الاعتراف لهنّ بالاستقلالية الاقتصادية بواسطة القانون . و نفس الشيء بالنسبة لمصر القديمة، حيث أقر القانون المساواة بين الرجال و النساء(4). إنها قضايا و إشكاليات تهم التاريخ و الأنتروبولوجيا بدرجة أكبر . أما ما يهمنا هنا، فهو تلك التحولات التي عرفتها وضعية المرأة و الملازمة للتحولات الكبرى الاقتصادية – الاجتماعية التي شهدتها المجتمعات الاوربية منذ بداية تخلصها من منطق القرون الوسطى، أي منذ بداية تفكك المجتمع الفيودالي و قيام المجتمع الرأسمالي أو البورجوازي . ذلك أنه إذا تصفحنا تاريخ الإنسانية إلى حدود الفصل بين المجتمع المدني و الدولة، هذا الفصل الذي تحقق عبر مراحل متتابعة، ابتداء من القرن الثامن عشر، فغن عبارة "المرأة و البيت" تبدو لنا و كأنها تحصيل حاصل خالص . ففي كل المجتمعات حيث الحياة الاجتماعية تمر عبر مختلف أشكال الجماعات، كانت العائلة دوما هي البيئة الوحيدة التي انتمت إليها النساء . فلم يعترف أبدا باستقلالهن، و لم يساهمن أبدا في اتخاذ القرارات في الهيئات الاجتماعي أو السياسية الأكثر اتساعا (باستثناء الملكات)، فمصالحهن كانت تمثل من طرف آبائهن و أزواجهن(5). لا يتعلق الامر هنا بالمرأة كانسان كامل العضوية في المجتمع بل بكائن تابع، مهمش و ينظر إليه
نظرة دونية. و بالرغم من أن النساء كن يساهمن – في نطاق يساوين فيه الرجل على الأقل-
في أشغال الفلاحة و الصناعة التقليدية، فإن ذلك لا يرجع إلى إقرار المساواة بين  الرجل و المرأة في الشغل و في المساهمة في الحياة الاقتصادية و الاجتماعية، بل فقط في الحاجة اليهن (6). و قد استمر المجتمع الاوربي في إعادة إنتاج هذا الشرط الشاذ للمرأة – نصف المجتمع- إلى غاية مراحل جد قريبة، فقد كان نابولين يضع المرأة في خدمة الرجل و يؤكد رسميا اللامساواة بين الرجل و المرأة، و إلى غاية القرن التاسع عشر كان إفراغ الشمندر السكري بمصانع السكر يتم بواسطة النساء ليلا لأنهن يصبرن على تحمل الأوساخ و البرد(7) !! (سنرى في محطات تحليلية – تفكيك للمفاهيم ضمن هذا العمل أن المجتمع الجديد بالغرب، أي المجتمع البورجوازي لم يقطع نهائيا مع كل أشكال البناء الاجتماعي للامساواة بين الرجل والمرأة و للتمييز ضد المرأة، بل إن لهذا المجتمع (الحديث) اقتصادا للخيرات الرمزية يكرس استعدادات غير منفصلة عن بنيات هي التي تنتج تلك الاستعدادات و تعيد إنتاجها، سواء عند الرجال أو عند النساء، مفعولها دونية و هامشية المرأة، و كذا (Dissymétrie ) مركزية بين ذات و موضوع، بين فاعل و أداة، بين رجل و امرأة على ساحة التبادلات الرمزية و علاقات إنتاج و إعادة إنتاج الرأسمال الرمزي)(8). غلا أن ذلك لا يمس في شيء قيمة الخطوات الحاسمة التي خطتها المرأة بالمجتمع الحديث في اتجاه فرض نفسها كمواطن بكل ما يحمله هذا المفهوم من معاني الكرامة و الانسانية و الحضور الفاعل و المعترف به في البنية الاجتماعية العامة .

 1- تواريخ حاسمة في سيرورة التخلص من الإرث الثقيل:

       إلى غاية القرن الخامس عشر كانت Christine de Pisan، رغم سخطها على المكانة المخصصة للمرأة، لا تجرؤ على المطالبة بالمساواة بين الرجال و النساء . و عندما كتبت خلال سنة 1405-  1406 :"مدينة النساء" ، كانت كتابتها مجرد تساؤلات حول قناعات سائدة آنذاك بشكل شاسع مضمونها "قبح" و "شر" و "دونية" و "سلبية"...المرأة، و أجهدت Christine de Pisan نفسها لتثبت خطأ هذه المزاعم، و لم يكن مسعاها يتجاوز رد الاعتبار للنساء، و لم تكن أبدا تبحث عن تغيير لمكانتهن داخل المجتمع(9).
    و في عام 1673 كان لPoullain de la Barre رد فعل قوي تجاه الخطابات حول دونية النساء، و ذلك من خلال نشره لكتابه الشهير(10). و قد ألح في تقديمه لهذا الكتاب على تفنيده – كدكتور في الفلسفة و قس و مفكر حر معتنق للبروتيسطانتية – للرأي الشائع القائل بدونية المرأة، و بين أنه بعد فحص هذا الرأي، تبين أنه خاطئ و قائم على فكرة مسبقة و تقليد شعبي، و بالتالي يتأكد (بالنسبة لPoullain de la Barre) أن الجنسين متساويين، بمعنى أن النساء هن أيضا شريفات و خاليات من العيوب (11) .
   و شهد عام 1775 حدثا فكريا بارزا في خندق شق الطريق أمام المرأة بالغرب لولوج عالم المواطنة، و تمثل هذا الحدث في إقدام الفيلسوف السياسي الأمريكي المشهور آنذاك طوماس بين ( Thomas Paine) على الكتابة في الدفاع عن حقوق المرأة بشكل مباشر و أكثر جرأة(12) .
          و في سنة 1787، و في كتاب كان له صدى كبير في عصره(13) دافع كوندورسيه  ( Condorcet ) عن الحقوق السياسية للنساء، و وصف حرمانهن منها بالعمل الارهابي .
         و قد توالت الأحداث الفكرية المهتمة بمشكل المرأة بوثيرة جد سريعة إلى الحد الذي يجعل من الصعب جدا الإحاطة بها من كل جوانبها . لقد ساهم فيها عالم الاقتصاد و الفيلسوف و الفنان (مسرحي روائي و غيرهما) و السياسي و حتى القس، يجمعهم كلهم الايمان بضرورة تحرر المرأة، و كذا الارتباط القوي بين التقدم الاجتماعي و مسيرة المرأة نحو الحرية و بالتالي اسهامها في صناعة التقدم و التنمية إلى جانب الرجل .
     
      و بالرغم من الصدى الذي كان لكل هذه الأحداث، فإن البنيات الأساسية للمجتمع الغربي آنذاك (أي خلال القرن الثامن عشر و التاسع عشر) لم تكن قد نضجت بعد بالشكل الذي يستجيب لطموحات النساء و النسائيين،أي بالشكل الذي يسمح بتبنين جديد للهياكل الاجتماعية يكون للمرأة فيها موقع المواطن الفاعل، الحاضر و المشارك في مختلف مستويات الحياة الاجتماعية، فإذا كان Poullain de la Barre  قد دافع عن المساواة بين الجنسين منذ نهاية القرن الثامن عشر كما رأينا سابقا، فإن الثورة الفرنسية ستبدو أقل انفتاحا اتجاه المسالة النسائية(14)، إذ باستثناء Condorcet، كان  كل الدستوريين معارضين لحق المرأة في التصويت خلال الانتخابات . و بالفعل، لم يعترف دستور  1789 بهذا الحق عند اعلانه . و تؤكد Adler Laure أنهم كانوا ناذرين أولئك الرجال الذين ساندوا النساء و حقهم في أن يصبحن مواطنات بالكامل، و أن Condorcet كان الأكثر تألقا من بينهم، إذ منذ ثالث يوليوز 1970 و في العدد الخامس من "جريدة المجتمع 1789" ( Journal de la
société de 1989 )، وضع مشكل انتماء النساء للجماعة المدنية، و عظم Prôner)) المساواة في الحقوق كأساس موحد للمؤسسات السياسية . أما استثناء النساء فينتمي إلى موقف غير مبرر ثقافيا، و غير قابل للتبرير أخلاقيا (15).
      و كرد على إعلان حقوق الانسان و المواطن لسنة 1789، حررت Olympe de  Gouges عام 1791 إعلان حقوق المرأة و المواطنة، مدافعة عن الحقوق السياسية للنساء، و ملحة على أن القانون ملزم بعدم التمييز بين المواطنين و المواطنات مما يعني أن النساء يلزم أن يلجن كل الاماكن و كل المناصب و كل الوظائف العمومية، حسب قدراتهن و دون تمييزات إلا ما يخص فضيلتهن و مواهبهن(16). و قد فشلت Olympe de Gouges في نضالها من أجل الحقوق السياسية للنساء: حين تم اعتماد دستور 1792، لم تستفد النساء أيضا من حقهن في التصويت. و بعد ذلك بسنة تم إعدام Olympe de Gouges (17).مما يؤكد أن طريق المرأة بالمجتمعات الحديثة اليوم نحو التحرر كان شاقا و أن ثمن انعتاقها كان باهظا،  و أن المرأة بالذات هي صانعة و منتزعة هذا الانعتاق . 

        2- المرأة بالمجتمع الحديث هي صانعة حاضرها:

        تجمع معظم الدراسات المهتمة بتاريخ المرأة بالمجتمعات الحديثة على أن معركتها من اجل فرض نفسها كمواطنة (هذه المعركة التي لم تربح بعد بالكامل) تطلبت نضال المرأة ذاتها و تسخيرها لطاقاتها المادية  الاخلاقية و الثقافية لولوج ساحة معركة حقيقية و على جبهات متنوعة . إنه صراع مرير صاحبته العديد من أشكال الحرمان و خيبة الأمل و المتاعب و المعاناة أيضا(18). لقد كانت النساء سباقات إلى التجمع يوم خامس أكتوبر 1789 قبل التوجه نحو فرساي،متبوعات – فيما بعد- بالحرس الوطني . و قد استولت نساء الشعب على الطريق و احدثت الاصطدامات التي تلت تلك التي شهدها شهر ماي 1793 . و هن أيضا اللائي سنصادفهن بين  20 و 23 ماي 1795، صانعات للحدث و محدثات لاضطرابات حقيقية حتى داخل نفوس الثوريين أنفسهم، هؤلاء الذين سارعوا إلى كبح جماح طموحات النساء بوضع نهاية لقبول طلبات هؤلاء للانخراط في الحرس الوطني، و إغلاق نوادي النساء في أكتوبر 1793 و اختيار دستور يحتكر فيه الرجال الحق في الاقتراع (19) .و لابد من التذكير هنا مرة أخرى بإعدام Olympe de Gouges التي كانت لها الجرأة الكافية لكتابة إعلانها الشهير عن حقوق المرأة المواطنة، و هي مثال خالد على أن حركية قضية المرأة و حريتها و مواطنتها كان لها ثمن باهض أدته النساء أساسا .
     و تلزم الإشارة إلى أن الدفاع عن حقوق المرأة ترافق – في الغالب- مع الدفاع عن كل المحرومين. فبالولايات المتحدة الأمريكية، ناضلت Sojourner Truth  في بداية القرن التاسع عشر ضد الاستعباد و ضد المعارضين لحقوق النساء . و في 1848 نظمت Elizabeth Cady et Lueretia Mott أول جمعية تأسيسية لحقوق النساء. و خلال سنة 1866 أسست  مجموعة  من النساء كانت –  Elizabeth Cady stanton من بينهن- : "Rights Association  L’American Equal" التي كرست نفسها للدفاع عن حقوق
كل من السود و النساء .إذ لا يمكن فصل حقوق النساء عن حقوق السود. و قد رفضت Flora tristan عزل قضية النساء عن قضية العمال في الاتحاد العمالي (L’Union Ouvrière) عام 1813 و كتبت ما يلي: إن الانسان الاكثر قهرا يمكنه ان يقهر كائنا هو زوجته"المرأة" التي هي بروليتاري البروليتاري(Prolétaire du prolétaire )(20). إنه نفس المنطق الذي يحكم الجنوب افريقية Frenne Ginwala  حول التنمية، إذ تنطلق من نفس الفكرة القائلة بالارتباط القوي بين قضية النساء و قضية الفقراء، بين الرفع من وضعية النساء و التنمية، فهي ترفض أن تنظر إلى التحرر(النسائي) كمشكل اجتماعي يمكنه أن يكون معزولا بشكل من الاشكال عن الحقائق الاقتصادية و السياسية . و بالتالي ف"النضال من أجل حقوق النساء يندرج و يتأطر ضمن نضال أساسي بشكل أكبر من أجل تحرير سياسي و اقتصادي و اجتماعي أيضا"(21)، و التنمية بهذا المعنى عند  Frenne Ginwalaيلزمها أن تحول المجتمع لا وضعية النساء داخل المجتمع فقط (22) .
      و قد كانت المطالب النسائية في المجتمعات الحديثة اليوم متعددة، فإلى جانب الحقوق السياسية، فقد تركزت – في آن واحد أو بالتناوب – حول الحرية الجنسية، و الطلاق و التبية المشتركة للأطفال، و الأمومة الإدارية، و الرفع من أجور النساء...الخ . إنه الإصرار على خلخلة بنيات محددة و إقامة بنيات جديدة، خلخلة – بل تدمير– بنيات المجتمع التقليدي/ مجتمع القرون الوسطى و إقامة  بنيات  لمجتمع  جديد هو المجتمع  البورجوازي  الحديث  المعروف بالديمقراطية و الحرية و بالضبط، المشهور بكونه صرحا للمواطن و المواطنة و لدولة الحق
و القانون الساهر على ضمان كرامة ذلك المواطن و تلك المواطنة (23) . 
      و قد كانت إحدى أكبر مطالب النساء بالغرب و هو في أوج مرحلة تحولاته الجذرية لينفصل / ليتميز عن بقية العالم، هي مطالبتهن بالمساواة في التعليم . إذ من خلال التربية يمكن للنساء الإفلات من الدور التقليدي الذي كان مخصصا لهن بدرجة المطلق و هو دور ربة البت و الأم. و لم يكن من السهل تحقيق هذا المكسب (المساواة في التعليم) كمل تؤكد ذلك الحالة الفرنسية. فقد عارض نابولين بقوة "التربية العمومية للنساء" ، و نظم قانونGuizot  لسنة 1833 التعليم الابتدائي و لكن هذا الأخير لم يخص البنات. و لم تفتح المدرسة لهن إلا مع قانون Falloux لسنة 1850 وقانون Duruy لسنة 1867 ولكن الأمر كان يتعلق بمدارس خاصة بالبنات. و قد اقترح قانون "See" لسنة 1880 تعليما خاصا بالأولاد و آخر خاصا بالبنات علما بأنه هو القانون الذي خلق الثانويات.
      و قد كلف اجتياز باكالوريا موحدة بين الذكور و الإناث بفرنسا كفاحا مريرا أيضا. إذ لم تحصل أول فتاة فرنسية على الباكالوريا إلا عام  1861 بمدينة ليون. أما بباريس فكان ترشيح البنات قد رفض لعدة مرات. و في سنة 1919 تم تأسيس باكالوريا للإناث، و لم يتم توحيد البرامج كما لم يتم الاعتراف بمماثلة باكالوريا الذكور لباكالوريا الإناث إلا عام 1924. أما الاختلاط بين الجنسين بالتعليم الثانوي فلم يبدأ العمل به إلا عام 1950 (24). ألسنا هنا أمام إصرار لهذا المجتمع على إعادة البناء الاجتماعي المكرس لوضعية خاصة للمرأة، و بالتالي للامساواة بينها و بين الرجل؟ هذه الوضعية التي لا يمكن تصور اختراق لها بسهولة و بدون معاناة و بوضع منفعل للمرأة. يتعلق الأمر هنا بانبثاق للمرأة/المواطنة، بولادة عسيرة، تحت آلام مبرحة، بلغة الفلاسفة عند حديثهم عن ولادة الفلسفة و عن الشروط التي ينتج /يبدع فيها الفيلسوف  فلسفته.  لقد  ولدت المرأة  المتحررة  بالغرب  بفعل  نسائي  نضالي على  مختلف
الجبهات: السياسية و الفكرية و النقابية...، حرصت المرأة على أن تسمع في كل منها صوت امرأة جديدة رافضة لوظيفتها التقليدية و مكسّرة للتمثلات البالية عنها، و معلنة عن ولوجها الحياة العامة بكل أبعادها (25).   
     و قد كانت الشروط العامة للمجتمع الاوربي على الخصوص قد نضجت بالشكل الذي سمح لصوت المرأة الجديد بأن يجد صدى له على مستوى البنيات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية، و أن يتفاعل ضمن منطق جدلي مع هذه البنيات (سنرى مثلا بأن التحولات الاقتصادية الكبرى التي شهدتها اوربا خلال القرنين الثامن عشر و التاسع عشر على الخصوص، و بالتالي الحاجة إلى ايدي عاملة إضافة (نسوية على الخصوص) مهدت و تطابقت مع بداية نحت و تكسير الاقتصاد الرمزي الذي يحكم العلاقات بين الجنسين و الموروث عن القرون الوسطى، ذلك الذي يجعل الرجل ذاتا و المرأة موضوعا بلغة عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو) .

  ب- سيرورة تحرر المرأة بالمجتمع الحديث في تفاعل جدلي مع الشروط
       العامة لهذا المجتمع :

      تبين لنا فيما سبق أن التحولات التي شهدها شرط المرأة الحديثة، كان للمرأة فيها دور فاعل / المحارب و المناضل / المعتقل و المشنوق / المنفي و المحاصر. و حين كان الصمت يفرض على نضال النساء، كانت المثقفات تنوب عن أخواتهن الثوريات، كل منهن تستنبط فلسفتها من التجربة الأليمة. كيف لا تكون التجربة أليمة و الجراح مبرحة و قد وجدت النساء أنفسهن في العديد من الحالات أمام تنكر لهن من قبل رفاقهن الرجال في الثورات  أنفسهم،  بل
و من الاشتراكيين أيضا؟ !(26). إلا أن إصرارهن على المساهمة في بناء  مجتمع جديد يضمن لهن موقعا جديدا كان أكبر من العوائق و القيود التي تدبرها كل قوى المحافظة و الإصرار على تكريس الماضي و إعادة إنتاجه، و بالضبط، استدامة وضع المرأة ككائن هامشي و تابع لا كمواطنة فاعلة و حاضرة على مسرح الحياة.
      و الملاحظ أن تلك الحركية التي طبعت الفعل النسائي بالمجتمعات الحديثة خلال القرنين الثامن عشر و التاسع عشر على الخصوص كانت مشروطة بشروط المجتمع الذي افرزها و بكل مكوناته و شروطه الاقتصادية – الاجتماعية و السياسية ...، و في تفاعل جدلي مع هذه الشروط، كما كانت استجابة لسيرورة تطور هذه المكونات، لقد كانت تلك الديناميكية التي ميزت الفعل النسائي نتاجا لسيرورة طبيعية في التحولات الكبرى التي شهدها المجتمع الاوربي . فمع قدوم المجتمع البورجوازي و التنمية الصناعية و التزايد السكاني، هذه العوامل المولدة لحاجات جديدة لم تعد منذ الآن مشبعة بالمتحد الأسري، بل بالمقاولة الرأسمالية، هنا سيكون تقسيم العمل موضوع إعادة تنظيم على أسس أكثر اتساعا. سيحدث هنا الانتقال من اقتصاد عائلي منفصل مرتبط بالمجتمعات الرعوية و الزراعية، إلى اقتصاد من نمط جماعي (Collectiviste) هو نمط المجتمع الصناعي الحضري. هنا ستصبح العلاقات الاجتماعية داخل الأسرة منظور إليها كمنتجة للخيرات، تابعة للعلاقات التي تفرضها العلاقات داخل  المقاولة الرأسمالية. فميلاد الرأسمالية الصناعية يميل إلى تذويب الأساس الذي تقوم عليه سلطة الأب على الأطفال أولا، و على الزوجة ثانيا داخل الأسر العمالية و الأسر البورجوازية أيضا(27) لقد خلقت الصناعات القطنية الأولى بانجلترا حاجة ملحة إلى اليد العاملة الإضافية
هي أيادي النساء و الأطفال أيضا. كما أن التنظيم الصناعي لكل الخدمات المنزلية التي كانت منوطة سابقا بالمرأة(إعداد الأطعمة، علاجات، إسعافات، تربية الأطفال...)،أدى إلى إدماج المرأة داخل الأنشطة خارج البيت (28). ثم إن متغيرا جديدا قد أثر بشكل ملحوظ على معدل نشاط المرأة خارج البيت، و يتعلق الأمر بعدد الأطفال الذي عرف تراجعا كبيرا. و تراجع متوسط عدد الأطفال بالنسبة لكل أسرة يمكنه وحده أن يشرح كون النساء المتزوجات تقضين وقتا أكبر بسوق الشغل. و ليست هذه هي الظاهرة المهمة بل إن ارتفاع معدل الأجور الفعلية، و المجهودات التي أفضت إلى تقدم واضح في إنتاج منتوجات مماثلة لتلك التي ينتجها العمل المنزلي و لكن في شكل بضاعة، كلها عوامل جعلت "عمل السوق" (travail marchand) نافعا للنساء، و بالتالي ساهمت في الرفع من حضورهن في الحياة النشيطة خارج البيت كما أن الرفع من إنتاجية العمل المنزلي (باستعمال الآلات المنزلية مثلا) سمح بالحصول على نفس كمية المنتوجات المنزلية و لكن في وقت إنتاج أقل(29).
     و قد كشف ماكس فيبر على شروط انعتاق المرأة (و كذا الأطفال) من السلطة التقليدية الأبوية و الزوجية، و ذلك ضمن تحليله الشمولي للسيرورة التي قامت عليها الرأسمالية، إذ يبين أن جزءا من هذه السيرورة يرتبط بنمطين تاريخيين للأسرة: النمط الأول هو الجماعة العائلية، تلك التي على كل فرد أن يأتي إليها بمساهمته حسب إمكانياته الخاصة و يأخذ إشباعه حسب حاجياته في حدود الخيرات المتوفرة،و تفترض هذه الجماعة العائلية نموا كافيا لاستغلال الإمكانيات الطبيعية، الفلاحية أساسا. و من جهة أخرى تفترض الاعتراف بسلطة الشخص الأكثر قوة. و بالإضافة إلى ذلك يلزم الجماعة أن تحيا التساكن و تمارس التضامن لتضمن حماية ذاتها. هذا النمط من التنظيم العائلي الذي وجد في بعض المجتمعات القديمة يتضمن بنية اقتصادية قادرة على ضمان الخيرات المادية و الخدمات الضرورية للجماعات، بالرغم من أن ذلك قد يستدعي ممارسة بعض أشكال التبادل مع العلم الخارجي.
    أما النمط الثاني التاريخي للعائلة، فيتأسس عند فيبر على الاقتصاد المالي و توزيع الخيرات بين أفراد الجماعة العائلية و الذي من نتائجه انعتاق المرأة و الأطفال من السلطة الزوجية و الأبوية. إذ مع نمو مجموع البنيات الاجتماعية و ارتفاع الانتاج، كان لهذه العوامل أثر تمزيق التضامن العائلي و الموروث، بعمق. فالإنتاج بات يميل إلى التطور خارج البيت، كما بات التنظيم العائلي يفقد طابعه الوظيفي شيئا فشيئا، مما أدى إلى ظهور النزعة الفردية، و بالتالي بداية تجسد الميل إلى تقييم الأداءات العائلية، و التي كانت- تقليديا- غير محسوبة، بل إن المنطق الذي كان سائدا هو منطق نفي مثل تلك الحسابات(30).
      يتضح من كل ما سبق أنه إذا كان من غير الممكن تجاهل كون المرأة بالمجتمعات الحديثة هي التي اخترقت منطق السلطة التقليدية و صنعت حاضرها كمواطنة فاعلة خارجة البيت على مستوى البنيات الانتاجية و السياسية و الثقافية، فإن هذا الفعل التحرري كان متطابقا مع سيرورة تطور البنيات و الهياكل الاقتصادية و الاجتماعية للمجتمع الغربي، كما كان مشروطا بالشروط الخاصة لهذا المجتمع في مرحلة من مراحل تطوره.
    و الآن نتساءل: إذا كان الأمر على هذا الشكل بالمجتمعات الحديثة، فماذا عن المرأة بالمجتمعات التقليدية؟

     اا- المرأة في المجتمع التقليدي:  سيرورة للتهميش و الاستغلال المضاعف
    و الاقصاء:

       تبين لنا سابقا أن المجتمعات التقليدية هي كل المجتمعات التي لم تكن مسرحا للأحداث و التحولات الكبرى و الجذرية التي شهدها القرن الثامن عشر على الخصوص و التي ترجع جذورها الأولى إلى القرن الخامس عشر. و هي الأحداث التي مست كل جوانب الحياة السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية بالمجتمعات التي شهدتها، و التي أدت إلى ميلاد
مجتمعات جديدة بكل معنى الكلمة. إنها المجتمعات الرأسمالية التي تختلف كلية عن المجتمعات الفيودالية. و قد باتت الرأسمالية تجر أوربا نحو انتشال إقليمي عصري، حر و ديمقراطي رائع يجده المهتمون بالتأريخ للفلسفة يحيل إلى المدن – الدول اليونانية بما اشتهرت به من ديمقراطية سياسية و ثقافية.
      إن المجتمع التقليدي إذن، هو كل مجتمع استمرت بنياته في الاشتغال بنفس المنطق التقليدي الموروث عن القرون الوسطى و المكرس لقيم الماضي، خصوصا ما يتعلق منها بتلك التي تحكم علاقة الإنسان بالإنسان. فماذا عن شرط المرأة بهذا المجتمع؟

     1- المرأة بالمجتمع التقليدي مورد اقتصادي هام غير منظور:   

    تشكل النساء بالمجتمعات التقليدية القوة الاقتصادية الأكثر حيوية، و لكن المنظورة بشكل أقل. فحضورهن عام و دائم داخل البيت، إذ غالبا ما تربط ثقافة المجتمع التقليدي ربطا لا يقبل الجدل بين المرأة و أشغال البيت (ينطبق ذلك بدرجة كبيرة على المجتمع المغربي بشكل عام و على قراه بشكل خاص، كما يمكن لكل ملاحظة عادية رصده عاريا تماما ). ثم إن النساء يشكلن بهذه المجتمعات القوة الأساسية لمكافحة البؤس و التخلف، ففي دراسة لمنظمة الأمم المتحدة للتغذية و الزراعة تبين أن 77% من البيوت تديرها النساء باللوسوطو، و 40% بسيراليوني و 30 % بمالاوي، و 21 % بماليزيا و 19% بسيريلانكا و 17%  باندونيسيا
و 34 % بالجماييك و 23% بالبيرو و 22 % بالهندوراس و 15% بالمغرب و 14% بسوريا...إلخ.(31)، و هذه أرقام جد دالة على جسامة المسؤولية الاقتصادية التي تتحملها المرأة بهذه المجتمعات. و تتضح الصورة أكثر حين نعرف أن النساء بإفريقيا مثلا ينتجن حوالي 80% من المنتوجات الغذائية (32)، و بالمجتمعات العربية بشكل عام، و بمجتمعات
شمال إفريقيا بشكل خاص، يبقى حضور المرأة على المستوى الاقتصادي وازنا رغم الغموض و التدبدب الذي يكتنف الإحصائيات الرسمية. و إذا ما أدركنا طابع الإحصاءات كنتاج اجتماعي، تجنبنا استعمالها و كأنها صورة موضوعية محايدة و طبق الأصل عن الواقع الاقتصادي و الاجتماعي للمجتمعات المعنية. فالمسائل التي تتناولها الاحصاءات و المسائل التي تغفلها، و التعريفات المستخدمة للنشاط الاقتصادي و التوزيع المهني و الحالة الاجتماعية، و الطرق و الاساليب المعتمدة في القياس و في بناء المؤشرات، و المتغيرات المعتبرة و غير المعتبرة، كلها تساهم في جعل الإحصاءات أحد حقول انعكاس موازين القوى الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية داخل المجتمع "الموصوف" . و بهذا المعنى فهي إذن مؤشر مفيد عن تلك الموازين بقدر ما هي مقارنة كمية عددية "لوقائع" مادية تبدو بديهية(33).
      و بالنسبة للمجتمع المغربي الذي يهمنا بالدرجة الاولى في هذا العمل، فإن حضور المرأة على الساحة الاقتصادية يعتبر مركزيا و على مستويات متعددة. و تؤكد الاحصائيات الرسمية (على علات منطقها الإحصائي و هفواتها المنهجية و تصوراتها المغلوطة عن "النشيط" و "غير النشيط"...) أن معدل نشاط المرأة المغربية و مساهمتها في الدورة الإنتاجية يسير في خط تصاعدي منذ الستينات، إذ انتقل من 6،9% عام 1960 إلى 8% عام 1971  ثم إلى 11،5% سنة 1982 (34). و إذا كان الخطاب الرسمي يؤكد "أن نسبة التزايد مهمة أكثر بالمجال الحضري منه بالمجال القروي" (35)، فإنه سرعان ما يستدرك ضمن خطاب غير واضح بأن الأمر على هذا النحو (أي أهمية تزايد نسبة النساء النشيطات بالعالم    الحضري ) " لأن  المرأة  القروية  قد  مارست   دوما  نشاطا  اقتصاديا  ضمن  الاستغلالية       العائلية"(36). و قد تأكد – حسب آخر دراسة وطنية حول السكان الحضريين النشيطين المنجزة عام 1988 أن معدل النشاط النسوي قد ارتفع إلى حوالي 16%، و أنه إذا أخذنا بعين الاعتبار السكان النشيطين الذين تتراوح أعمارهم بين 15 سنة و أكثر، فإن هذه النسبة تصل إلى 23،7% (37)، مما يؤكد أن حضور و مساهمة المرأة في النشاط الاقتصادي أصبح ظاهرة فاعلة على مستوى التغير الاجتماعي الذي يعرفه المجتمع المغربي، بل ظاهرة حاملة لتغيرات كبرى داخل هذا المجتمع في اتجاه بعث ديناميكية فيه و تنميته، خصوصا حين يتعلق الأمر بنساء نشيطات شابات في الغالب (38). و يبدو حضور المرأة أكثر وضوحا بالعالم القروي، إذ خلال سنة 1991 نجد أن 40% من ضمن النشيطين بالوسط القروي نساء، كما أن النساء القرويات يمارسن نشاطا مزدوجا لأنهن يقمن بالأعباء المنزلية و يشتغلن في الحقول. و غالبا ما يكون نشاطهن خارج البيت مندرجا في إطار الخدمات العائلية بما أن 8 من ضمن 10 نساء نشيطات هن مساعدات عائلية...و عموما هناك صعوبة التمييز بين النشاط المنزلي  و النشاط الاقتصادي (39). إنه حضور قوي للمرأة المغربية على مستوى النشاط الاقتصادي، إنتاجا و تسييرا و تنظيما و تدبيرا لاستهلاك المواد الضرورية لعيش المجموعة (العائلية). إلا أنه حضور لا يجد صداه في الحسابات الرسمية، إذ يتفرد الكثير من الإحصائيين و الاقتصاديين العرب بموقف بادي التعسف إزاء عمل النساء. نفاجأ بأن الإحصائيين العرب ينظرون إلى النساء و يصنفون أغلبيتهن الساحقة في الفئة غير العاملة. و على مستوى القارة الإفريقية فإن الاحصائيين الأفارقة (ساحل العاج، ملغاشيا، بنين، إفريقيا الوسطى، غامبيا، ليبيريا، مالي... )  يقدرون  معدل  نشاط  المرأة  بأكثر  من  40% ن  بينما يقدر احصائيو
افريقيا العربية معدل عمل المرأة بأقل من 8% (الجزائر:2%، المغرب:8%، تونس:4%، ليبيا:3%، مصر:5%)(40). و المرأة العاملة في المنطق الرسمي هي التي تعمل في القطاع العصري للإنتاج، و في مؤسسات اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية، إنها فئة جديدة من النساء لم تكن موجودة قبل الحرب العالمية الثانية و ظهرت بعد الاستقلال، أي طبقة نسوية خاصة... أما العمل اليدوي الذي تقوم به المرأة البدوية أو المرأة الفقيرة فهو غير معترف به. و من هنا يمكننا فهم العمى الذي يصطنعه المخططون و كذا التقنوقراطيون إزاء العمل اليدوي النسوي كما تدل على ذلك الإحصاءات و مخططات التنمية(41).

2- المرأة بالمجتمع التقليدي أكثر تعرضا للفقر:

  إذا كانت النسا فاعلات أساسيات في الحياة الاقتصادية للمجتمعات التقليدية كما اتضح لنا سابقا، فإنهن الأكثر تعرضا للفقر و تبعاته بهذه المجتمعات. و إذا كان الفقر ظاهرة تمس شرائح عريضة بالمجتمعات الافريقية و السيوية و الأمريكو- لاتينية من بين المجموعات التي يمسها الفقر، تعتبر النساء على رأس قائمة هذه المجموعات لأنهن الأقل حظا فيما يخص الوصول إلى الغذاء و الصحة و التربية و الخدمات الأخرى. و تصاحب الفقر شرور مرتبطة به:سوء التغذية، عدد مرتفع من الأطفال، أمية و حالة صحية سيئة(42).    و الملاحظ أن الأرقام المعبرة عن فقر النساء عبر العالم ككل تثير الفزع: أكثر من 900 مليون امرأة يعشن تحت عتبة الفقر. و إذا كان الفقر عند الذكور قد ارتفع بنسبة 30% منذ 1970، فإنه ارتفع
 عند النساء بنسبة 50%(43). إلا أنه إذا أخذنا بعين الاعتبار ما توفره المجتمعات الحديثة المهيكلة من آليات للتحكم في هذه الظاهرة و الحد من آثارها ضمن دولة الحق و القانون (التعويض عن البطالة، آليات التضامن العقلاني المهيكل...)، يتأكد أن تلك الأرقام الباعثة للفزع إنما تخص المجتمعات التقليدية أساسا لأن المرأة هنا محرومة من الأرض في الغالب نتيجة التقاليد و العراف و كذا القوانين المنظمة لحيازتها و توزيعها، ثم إنما مقصية من إمكانيات الحصول على القروض التي تخصص للفلاحين و الصناع التقليديين، هذا في الوقت الذي يعترف فيه بأن المرأة أكثر وفاء بديونها من الرجل و أن قدرتها على التوفير أكبر بكثير من قدرته. كما أن النساء لا يمثلن سوى  نسبة ضئيلة جدا داخل نظام التعاونيات الزراعية...(44). و هي كلها عوامل تتداخل فيما بينها لتشرط وضعية النساء بمجتمعات العالم الثالث و تجعل منهن الشريحة الأكثر تعرضا للفقر و تبعاته. و هي المجتمعات التي يسيطر فيها الرجال بشكل شبه كلي، هنا حيث ندرة المواد الغذائية، و سيادة أنماط مختلفة للعنف، و الكوارث الطبيعية،... فالنساء هن اللائي يعانين أكثر كلما كانت هناك معاناة(45).
إنها مفارقة فعلية و بكل معنى الكلمة: أن تشكل النساء أغلبية الفقراء و أن يكن هن اللائي ينتجن القسط الأوفر من المنتوجات الغذائية(46).
     و تجدر ألإشارة هنا إلى أن التحليل العلمي لهذه الظاهرة يقتضي وضعها في إطارها الصحيح و ربطها بعواملها الفاعلة فيها، إذ أنها في الغالب نتجت عن ضغط الهيمنة الاستعمارية و آثارها على البنيات الأساسية للمجتمعات المستعمرة،و خصوصا على التنظيمات التقليدية و ما كان يحكمها  من علاقات اجتماعية خاصة، و التي تعرضت للتخريب كأحد الأدوات الفعالة التي اعتمدها المعمر للتغلغل و لربط مصير المجتمعات الخاضعة بالمراكز الرأسمالية (سنفصل ذلك ضمن الفصل الثاني من  هذا العمل  فيما  يخص المجتمع
المغربي على الخصوص حتى نوضح آثر التدخل الاستعماري على البنيات الأساسية للمجتمع المغربي آنذاك، و موقع المرأة فيها).
      أما المجتمعات المتقدمة، فإن تحولات كبرى قد غيرت المشهد الاجتماعي ككل و موقع المرأة فيه، خصوصا تحت تأثير العمل النقدي الجبار للحركة النسائية. و قد سار  جنبا إلى جنب و ضع البديهيات التقليدية على نار السؤال و النقد مع التحولات العميقة التي شهدها شرط المرأة. و كان لارتفاع نسب ولوج التعليم الثانوي و العالي، و الانخراط في العمل المأجور، و عبره المجال العمومي، ثم خلق مسافة فاصلة مع المهام المنزلية و وظائف إعادة الإنتاج نتيجة اتساع دائرة استعمال موانع الحمل و تخفيض حجم العائلة...كان لكل ذلك آثاره الواضحة في
تخلص المرأة من الفقر و إفلاتها من دائرة مغلقة تجعلها المعنية الوحيدة به و بتبعاته(47).و رغم كل تلك الإنجازات التي تحققت للمرأة بالمجتمعات المتقدمة، فإن باحثة اجتماعية مثل ماري فيكتوار (Marie Victoire) لا تتردد  في التأكيد على"أن هذا التضليل الثقافي و السياسي للقرن العشرين يريد أن يجعلنا نعتقد أن العالمية المعلنة لمبادئ حقوق الإنسان تشمل حقوق المرأة أيضا"(48)

 3 - المرأة القروية بالمجتمعات التقليدية أكثر الفئات الاجتماعية تحملا لتبعات التخلف:

    تتعرض المرأة بشكل عام بالمجتمعات التقليدية لأصناف متعددة من الظلم و القهر، نتيجة سيادة المنطق الذكوري و هيمنة القيم الباترياركية التي تبخس قيمة المرأة و تكرس تمثلات دونيتها، مما يفتح المجال أمام استلابها و استعبادها و قهرها. هذا إلى جانب الظلم الذي تتعرض له المرأة غلى جانب الرجل بحكم انتمائهما إلى شرائح اجتماعية محددة.
   إلا انه حين نأخذ بعين الاعتبار التمايزات المجالية الشاسعة ببلدان العالم الثالث و تمركز البنيات و الخدمات (إن وجدت) بالمدينة، و افتقار البوادي لأبسط التجهيزات  الأساسية، تتضح فظاعة شرط المرأة القروية بهذه المجتمعات. فإلى جانب نهوضها لوحدها بكل الأعباء المنزلية و مشاركتها خارج البيت في الأشغال الفلاحية، فإن عدم تزويد البوادي بالماء الصالح للشرب يكلفها مشاق البحث عن ماء الآبار و السواقي ، كما أن ضعف القدرة الشرائية بالنسبة للأغلبية الساحقة من سكان البوادي و بالتالي عدم القدرة على اقتناء بعض التجهيزات الأساسية البسيطة
(و التي باتت ثانوية بالمجتمعات المتقدمة و ببواديها) (فرن كهربائي أو غازي، موقد للطبخ...)، يكلف المرأة القروية مشاق دائمة للبحث عن الحطب و جلبه إلى المنزل و كذا الاحتفاظ به طيلة السنة.
    و في تقرير لمنظمة الأمم المتحدة للتغذية و الزراعة، يتضح أن شروط العيش المتدنية بالوسط القروي بلدان العالم الثالث، و نقص فرص الشغل، كلها تؤدي إلى هجرة قروية موسمية أو دائمة تخص الرجال و الشبان في الغالب، مما يجعل النساء تتحملن المسؤولية كاملة (ببعض المناطق الإفريقية 60% من رؤساء الأسر هم نساء)خصوصا في لاتخاذ القرارات، هذا في الوقت الذي لم تتخذ فيه اجراءات لتحسين شروط وصولهن إلى الموارد و مراقبتهن لها(49). كما اتضح حسب نفس التقرير – أن النساء اللائي يترأسن السر يمتلكن في الغالب أراضي زراعية أقل امتدادا و أقل انتاجية أيضا(50)،مما يعمق معاناتهن و يضخم متاعبهن من أجل تلبية حاجيات أسرهن.
     و بالنسبة للمغرب مثلا، فإن 73% من الأسر القروية تسكن في دور من التراب أو الصفيح تشكو من نقص بالغ في البنية التحتية، إذ أن 6%  من المساكن القروية فحسب ترتبط بشبكة توزيع الماء الشروب ، و 12%  تتوفر على الكهرباء، في  حين  أن أسرتين مقابلة كل
ثلاث أسر لا تتوفر على قنوات الواد الحار، أو حفرة لتفريغ المياه المستعملة(51)، و هي كلها شروط تضيف متاعب أخرى للمرأة القروية نتيجة ما تستدعيه دور التراب من صيانة دائمة ترتبط بالمرأة في الغالب، و ما يستدعيه غياب الكهرباء من تدبير يومي للإنارة...الخ.
    هذه المرأة القروية التي تبدو جليا أنها هي الأكثر تحملا لتبعات التخلف، هي في نفس الوقت فاعلة أساسية في إنتاج الأغذية و ضمان الأمن الغذائي في العديد من دول العالم الثالث كمصر و المغرب و تونس و لبنان و السودان و سوريا و ايران و باكستان...(52). و مع ذلك فهي الأقل حظا في التعليم و محو الأمية، و كذا في الخبر و الإرشاد، ثم في الاستفادة من منجزات التقدم التقني... و هي عوامل تعرقل انتاجيتها و تقلل من فرص ولوجها مسارا للتكوين و التوعية. إنها مفارقة بكل معنى الكلمة، و هي مفارقة تشرط وضع الفقر و البؤس بالبوادي العالم- ثالثية، لأن إنتاجية المرأة و حظوظ خلق شروط خاصة محددة لعمل النساء و لضمان مداخيل لهن، يلزم أن تتحسن حتى يتسنى التخفيف من حدة الفقر بالوسط القروي(53).

   4 - مشكل المرأة بالمجتمعات التقليدية هو مشكل بنيات و ليس مشكل دين:

      يتضح مما سبق أن "قضية" المرأة بالمجتمعات التقليدية قضية لا يمكن فصلها عن المشكلات الكبرى التي تعاني منها هذه المجتمعات سواء على المستوى الاقتصادي أو السياسي أو التنظيمي...الخ. إنها قضية معقدة و متشابكة مع قضايا أخرى متعددة الأبعد تتفاعل معها. إلا أن العديد من التفسيرات و التحليلات البسيطة تربط - بشكل تعسفي- بين وضعية المرأة بهذه المجتمعات التقليدية و الدين، و بالتالية، لا تكلف نفسها عناء تفكيك و استنطاق الوقائع للكشف عن الحقيقة. ذلك ما يحكم الخطاب السوسيولوجي الاستعماري حول المرأة المغربية مثلا، إلا أن له خلفيته الأيديولوجية/ الاستعمارية التي كانت توجهه، و من السذاجة الاعتقاد بأن التبسيطية هي سر التصور الاستعماري. لقد أدركت السوسيولوجيا الاستعمارية المرأة المغربية المسلمة ككائن بدائي، مغلق و متخلف(54)، و أن الإسلام هو أساس هذه الوضعية ما دامت المرأة البربرية ضمن السوسيولوجيا الاستعمارية تبدو ككائن متحرر، متفتح و غير متخلف (لأنها غير مسلمة في المنطق الاستعماري).
    واضح جدا أن هذا الخطاب بعيد كلية عن منطق المعرفة العلمية، بقدر ما يتعلق الأمر بدسائس استعمارية تلبس ثوب المعرفة لتؤدي وظيفة تخريب بنيات تعرقل التغلغل الاستعماري و تحقيقه لمصالحه المرسومة، و يتعلق الأمر هنا أساسا بإصرار المعمر على خروج المرأة إلى العمل لدعم الرأسمال أولا، و لاختراق وضع المرأة التقليدي الذي ظل يشكل شكلا من أشكال المقاومة الخاصة للوجود الاستعماري.
     إلا أن هذه التبسيطية في ربط شرط المرأة في المجتمع التقليدي بالدين، إذا كان لها ما يبررها بالنسبة للخطاب السوسيولوجي الاستعماري (و المبرر هنا هو إرادة تخريب هياكل المجتمع المستعمر و خدمة المصالح الاستعمارية) فإنها تبدو صادمة حين نصادفها عند باحثأو مفكر ينتمي إلى هذه المجتمعات تدفعه التوظيفات الايديولوجية/ السياسية للدين في اتجاه تغييب إنسانية المرأة و تأبيد النظر إليها ككائن تابع و هامشي، إلى الوقوع في شراك الربط التبسيطي
بين ما تعانيه المرأة بهذه المجتمعات من ضروب التمييز و القهر و الاستعباد المضاعف و عدم الاعتراف بقيمة عملها، و بين الدين(55). إذ يتهم الإسلام مثلا بأنه قد شيّأ المرأة و جعل منها مجرد موضوع لمتعة الرجل و نظر إليها كقاصرة، و كغير معنية بمجريات الأحداث خرج البيت... إلى غيرها من الصفات التي تحط من قيمة المرأة كإنسان. إلا أن التحليل الموضوعي الحريص على الإفلات من الوقوع في المزالق المنهجية و النظرية، يكشف أن الاسلام كان قد شكل قفزة نوعية بالنسبة للشرائع السماوية السابقة عليه فيما يخص موضوع المرأة و القضايا المرتبطة بها، بالتأكيد على أحقيتها في اختيار زوجها، و حقها في فسخ عقد الزواج إن اتضح أنها أكرهت عليه، و الدعوة إلى المساواة بين الرجل و المرأة، و الحث على احترام المرأة بالقدر الذي يليق بمكانتها...كلها جوانب تؤكد تجاوز الاسلام بكثير لما سبقه من الشرائع(56). ثم إن النص الديني الإسلامي جعل المرأة و الرجل نفسا واحدة ("يا أيها الناس اتقوا ربكم، الذي خلقكم من نفس واحدة، و خلق منها زوجها، و بث منهما رجالا، كثيرا و نساء" "و اللّه جعل لكم من أنفسكم أزواجا و جعل لكم من أزواجكم بنينا و حفدة(سورة النحل 77 )، كما جعل الإسلام العلاقة بين الرجل و المرأة تتمحور حول أبعاد ذات مدلولات إنسانية رفيعة بعيدا عما شهدته عبر تاريخ البشرية من استغلال و استعباد و سيطرة، بل و تشييء لكيان المرأة و اختصار وجودها في جسدها ( "و من آياته أن خلقنا لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها، و جعل بينكم مودة و رحمة، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون" سورة الروح21).و لن نمضي في هذا التحليل لأنه يصلح لبحث من نمط مغاير و بفرضيات مغايرة، إلا أن ذلك لا يمنع من القول أن العديد من الآيات القرآنية تؤكد بما لا يدع مجالا لسوء الفهم أو التأويل أن الإسلام يعترف للمرأة بصراحة بحقها في المعاملة التجارية و المالية،و يدعو لأسلوب أكثر تطورا مما تضمنته الديانات السابقة في المعاملة بين الرجل و المرأة، و لاعتماد تقاليد متقدمة في المعايشة، كما  ساوى بين الرجل و المرأة فيما يخص الولاية على المال و في
تنفيذ الاتفاق على العقود و نسج للمرأة أدوارا فعلية في الحياة العملية مارستها على عهد محمد (ص). و عموما، فقد وقف الاسلام موقفا صريحا من المرأة كشخص بكل ما يحمله المفهوم من معاني الإدارة و الحرية، و كإنسان له دور أساسي في المجتمع، و على مستوى الوقائع يؤكد التاريخ أن المرأة المسلمة ساهمت في معارك نشر الرسالة، و في حركية التعليم و في المجهود المعرفي و العلمي عموما، و في الإبداع الفني و الأدبي و غيرهما. و الدين إجمالا، قابل للتوظيف من أجل التنوير و التحرير و حتى التثوير! كما هو قابل لعكس ذلك تماما.
     كل هذا من جهة، و من جهة أخرى – و هي الأساسية ضمن عملنا السوسيولوجي كعمل نقدي و تفكيكي، فالإسلام لا يصح الحديث عنه بصيغة المفرد العمومية و المجردة لأنه على الأقل، هناك الإسلام الفقهي و العقائدي كما يجري تداوله و تطبيقه على الواقع، حيث يقترن بالتعصب و الضيق و الإلغاء و الإقصاء و الإرهاب و قد تكون المرأة و إنسانيتها أولى ضحاياه، ثم إنه بمثابة مخزون ثقافي يمكن توظيف عناصره و معطياته لتشكيل ثقافة جديدة أو إنتاج معرفة حديثة و فاعلة(57). يتعلق الأمر هنا بإسلام بعيد عن التحجر و الدوغمائية، أي بإسلام قابل للتجدد و التطور باستمرار من خلال الاشتغال عليه على نحو مفتوح كإرث أو كتقليد أو كنص ينبغي الاشتغال عليه و توظيفه لإنتاج الفكرة الحية أو القوة الفاعلة في الوقائع أو الصيغة المدنية الحضارية أو النموذج السلوكي الذوقي(58).إن التعامل مع النص المقدس - إذن – لا يمكن أن يكون إلا تفسيرا أو تأويلا أو تفكيكا، بل الإمكان المتاح لقراءته هو ممارسة الاختلاف عنه أو العمل على نسخه أو إعادة إنتاجه تبعا لإستراتيجية القارئ التي قد تكون معرفية و قد تكون سلطوية و قد تكون عصبوية.
     و الخلاصة الأساسية التي تهمنا من كل هذا هي أن وضع المرأة بالمجتمع المغربي مثلا كمجتمع إسلامي لا يمكن أبدا ربطه بالإسلام كما فعلت السوسيولوجيا الاستعمارية، و كما يقع في ذلك العديد من المفكرين الوطنيين، فمشكل المرأة ليس مشكل دين بل هو مشكل بنيات و
هياكل اجتماعية و اقتصادية و سياسية و ثقافية هي التي تشرط ذلك الوضع و هي التي يلزم الاشتغال عليها علميا من أجل بنائها حتى تتضح المتغيرات الفاعلة فيها و العلاقات القائمة بينها،و هي التي توظف الدين ، و تجعله مشكلا.

    فالانتشار الواسع للأمية بين النساء و سيادة الفكر الغيبي – الأسطوري يجعل المرأة في موقع الضعف و بالتالي موضوعا صائغا لكل أشكال العسف و الاستغلال سواء من طرف الرجل أو من طرف المجتمع ككل. ثم إن غياب تنظيمات سياسية و نقابية فعلية بالمجتمعات التقليدية (ينطبق ذلك على البادية المغربية بدرجة تقارب المطلق) يجعل النساء محرومات من القوة السياسية الضرورية للحصول عل الخدمات وللتمكن من الوصول إلى الأرض، و للحصول على القروض، و كذا لولوج سيرورات اتخاذ القرارات و الاستفادة من منافع التنمية(59). ثم إن الركود الذي تحياه المجتمعات التقليدية يكرس "سلطة" تقليدية و "دولة" تقليدية، يعطل ميلاد "دولة" عصرية تقلب البنية الاجتماعية للمجتمع الذي تحكمه و تفرض على كل الأفراد منطقا للسلوك و للطاعة غير معروف من قبل، يجعل المرأة تخرج من دائرة الكائن الهامشي و الخاضع إلى دائرة " المواطن" كإنسان جديد(60).
     و حين نقول أن مشكل المرأة هو مشكل بنيات و ليس مشكل دين، فإننا لسنا غافلين على كون الدين يستثمر بطريقة معينة ضمن هذه البنيات بشكل يضمن تكريس وضع المرأة ككائن مستغل و مضطهد، أي بشكل يضمن إعادة إنتاج الماضي و ضمنه ماضي المرأة البئيس بهذه المجتمعات التقليدية.
    و إذا أخذنا في الحسبان كون المرأة تشكل نصف المجتمع على الأقل، فإن تأييد و ضعها غير الطبيعي هو شل لحركية المجتمع ككل و لفعاليته، من هنا نفهم كون المطالبة بدمج المرأة في البنيات الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية، أي في سيرورة التطور الشامل، لا يعني جعل وضعية المرأة، في الإطار الحقيقي فحسب و إنما يعني، جعل المجتمع ككل في وضعه العادي و الطبيعي.

* نـتـائـج :

     ذلك واقع المرأة في كل من المجتمع الحديث و المجتمع التقليدي، و تلك هي الشروط التي تحدد وضع المرأة في كل منهما، و يمكنني اختصار النتائج فيما يلي:
     1- ترتبط التغيرات الكبرى التي شهدها وضع المرأة في اتجاه الاعتراف بها كمواطنة كاملة العضوية بالمجتمع الحديث بالتحولات الكبرى الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية و الثقافية التي كان هذا المجتمع مسرحا لها.
     2- كانت المرأة بالمجتمع الحديث فاعلا أساسيا في التحولات التي عرفها شرطها، بل إنها هي صانعة حاضرها.
     3- لم يحسم بعد مشكل المساواة بين الرجل و المرأة بصفة شمولية بالمجتمع الحديث نفسه، فإذا كان اليابان يتمتع بإحدى أعلى مستويات التنمية البشرية في العالم، فإن الفروق بين الرجال والنساء تبقى حاضرة بعمق ففي سنة 1993 وضع مؤشر التنمية البشرية اليابان في الصف الأول، إلا إنه حين نعتبر نفس المؤشر بالعلاقة مع الجنس يصبح اليابان بالمرتبة السابعة عشرة(61).
     4- الشروط المتدنية للمرأة بالمجتمعات التقليدية مشروطة بتكريس بنيات تقليدية تخدم هذا الوضع المجحف في حق نصف المجتمع دون اعتبار المقهورين رجالا و نساء نتيجة وضعهم الطبقي.
    5- المرأة القروية بالمجتمعات التقليدية أكثر تعرضا للمعاناة نتيجة التخلف الذي تعاني منه هذه المجتمعات و الذي يتجسد بالبادية في شكل غياب لأبسط التجهيزات الأساسية (شبكة الماء الصالح للشرب، الكهرباء، سكن بمواصفات مقبولة...)، مما يضاعف متاعب المرأة.
    6- صعوبة الاستناد إلى الإحصائيات الرسمية في تقييم عمل المرأة القروية و موقعه في الدورة الاقتصادية للمجتمعات التقليدية لأنه عمل غير مأجور في الغالب و لأن المرأة القروية
لا تمارس شغلا محددا بل أنشطة متعددة و متداخلة تمتد من الأنشطة المنزلية إلى الأنشطة الفلاحية و غيرها خارج البيت.
     7- إذا كانت بوادي المجتمعات التقليدية قد بدأت تشهد ظاهرة "العمل المأجور" بالنسبة للنساء(خصوصا مع التغلغل الاستعماري و تستمر الظاهرة بضيعات كبار الملاكين الذين هيمنوا على تركة المعمر)، فإن الظاهرة تبقى اسمية لأنها ليست نتاجا طبيعيا لسيرورة طبيعية في تطور البنيات الخاصة لهذه المجتمعات، بل هي مجرد مظهر شكلي جاء على أنقاض الاقتصاد العائلي و علاقات الانسان بالإنسان التقليدية التي تعرضت للتخريب، بمعنى أن ما أحدثه المعمر و يستمر اليوم بضيعات كبار الملاكين ليس عملا مأجورا بالفعل بل هو عمل سخروي دبرت عملية جر المرأة القروية إليه.
    8- المرأة القروية بالمجتمعات التقليدية تختزن طاقات مهمة قد تشكل أداة فاعلة لضمان الأمن الغذائي بل للتنمية، شريطة أن توفر لها الشروط الضرورية للعمل الحر غير المستلب و الذي لن يتحقق دون تمكين هذه المرأة من الأرض و من الحق في الحصول على قروض و من ولوج التعاونيات كعضو له ما له و ما عليه...و ليس كتابع لعضو آخر (الزوج أو الأخ...).

مراجع العمل:

1-Yves Déloye : Sociologie Historique du politique- Edition/La Découverte- Syros-Paris1997p.p :38-53
2-Gilles Deleuze et Félix Guattari :Qu’est ce que la philosophie ?Les éditions de minuit- Pris1991-p :163.
3- Jacques Veron : Le monde des femmes-Inégalités des sexes, inégalité des sociétés- édition du Seuil-1997-p :53.
4-Karen Greenspan :The Timetables of women’s history: a chronology of  the  most important people and Women’s history-New-York- Simon and Schuster                                         - 1994- cite in: Jacque Veron: Le monde des      Femmes-Inégalité des sexes, Inégalité des    societés-Op-cit-p:73.
5- أنيس هيلر- فيرينك فيشر: الماركسية و الديمقراطية – ماسبيرو – 1981 – ذكره مصطفى أعراب و محمد الهلالي : ما هو المجتمع المدني؟ مطبعة أمبريال – ط 1 – 1999- ص:11.
6- أنيس هيلر- فيرينك فيشر: نفس المصدر السابق – ص 11.
7- Gubbels Robert : Le travail Au Féminin – édition : Gérard and Co -1987 p 14.
8- Pierre Bourdieu : La domination masculine – édition de seuil collection liber – 1998 – p 48.
9- Jacque Veron : Le monde des femmes…Op- cit- p- 73
10- Poullain de la Barre : De l’égalité des deux Sexes : Discours physique et moral- cité in : Le monde des femmes…Op- cit- p : 73
11- Karen Greenspan :The Timetables of women’s history…Op-cit- p: 109
12- Karen Greenspan :The Timetables of women’s history…Op-cit- p: 109
13- Lettres d’un bourgeois de Newhaven à un citoyen de Virginie- cité in : Le monde des femmes - Op- cit – p :74.
14- Nadeije Laneyrie – Dagen Jaques Marseille : Les grands événements de l’histoire des femmes – Paris – Larousse 1993 – p :213
15- Laure Adler : Les femmes politiques – édition du seuil – 1993 – p : 17
16-Nadeije Laneyrie- Dagen et Jaques Marseille : Les grandes événements de l’histoire des femmes – Op- cit. p :74.
17- Jacque Veron : Le monde des femmes…Op- cit . p- 74
18- Laure Adler : Les femmes politiques : Op-cit - p :13
19- Laure Adler : Les femmes politiques : Op- cit – p :16
20-Nadeije Laneyrie – Dagen Jaques Marseille : Les grands événements 
                      de l’histoire des femmes – Paris – Larousse 1993 – p : 127.
21- Frenne Ginwala :cité par : Jacque Veron : Le monde des femmes… Op-   cit . p- 74.
22- Frenne Ginwala :cité par : Jacque Veron : Le monde des femmes… Op-   cit . p- 74.
23- مرة أخرى، نؤكد أننا لا نمتدح هذا المجتمع البورجوازي و النظام الرأسمالي، و إن ما نريد تأكيده هو أن هذا المجتمع يجسد مرحلة جد متقدمة في سيرورة تطور حقوق الانسان و ضمان كرامته، رجلا كان أم امرأة (طبعا ضمن الحدود التي تسمح بها الديمقراطية كلعبة للمجتمع البورجوازي).و ها هو هذا المجتمع اليوم ، يعرف انتكاسة مريبة، تنبئ بعودة"نبلاء جدد"! إن لم يستدرك المقهورون الأمر...
24- Christian Baudelot Et Roger Establet : Allez les filles ! –édition du seuil – Paris- 1992- p : 176
25-إننا واعون هنا بأن مسيرة تحرر المرأة بالمجتمعات الحديثة لم تكتمل بعد، و أن الهياكل و البنى الأساسية لتلك المجتمعات ما تزال تخزن عدة أشكال من التمييز ضد المرأة، و هيمنة النزعة الذكورية، بل و تشييء المرأة أيضا، مما يجعل النظام الاجتماعي لتلك المجتمعات يشتغل كآلة رمزية ضخمة تميل إلى إقرار الهيمنة الذكورية . إلا أن المهم هنا هو أنه إلى جانب هذا الواقع و من صميمه، يكبر إصرار المرأة على تحقيق المزيد من المكاسب و تكسير آخر القيود.
26- تؤرخLaure Adler  أنه غداة الانقلاب السياسي الذي شهدته فرنسا عام 1850 ، لم تعد للنساء وسائل للتعبير عن أفكارهن ، و لم يعد لهن الحق في كتابة العرائض: هذا الحق الذي رفض بأغلبية ساحقة وسط ضحك صاخب. أما الرجال الذين ساندوهن فباتوا يعدون على اصابع اليدين، و تذكرهم Laure Adler  بالأسماء دون نقط حذف :  . O.Rodgine. Emile Crémieux. Macé. Barrault
 .E.Strourm. Delbrouck..  و أخيرا Victor Hugo الذي نظم قصيدة شعرية في رثاء  Pauline Roland التي كانت قد توفيت بالمنفى بالجزائر و هي قصيدة أهداها Victor Hugo لكل نساء الثورة أنظر :- Laure Adler : Les femmes politiques Op- cit – p :38
27- Encyclopédie Famille2000 – Tome : Histoire de la famille – édition des connaissances modernes – Paris – 1971 – p :139
28- Encyclopédie Famille2000 – Tome : Histoire de la famille : Op-cit-   p :140.
29-Catherine Sofer : La division Du travail entre hommes et femmes- édition : Economica – Paris 1958 p :133
30- Max Weber : Economie et société- cité in : Encyclopédie Famille 2000- Tome : Histoire de la famille – Op- cit – p :143
31- Un avenir plus juste pour les femmes rurales :Organisation des nations   unies pour l’alimentation et l’agriculture – Rome – 1994 p :4 
32- Un avenir plus juste pour les femmes rurales : Op-cit – p :8
33- United Nation : The World’s Women :Trends and statistics – Social statistics and Indicators – Serie K – N°8 – New York – 1991 –p:13
34- C.E.R.E.D :Femmes et développement au Maroc – Direction de la statistique – 1992- p :135.
35- C.E.R.E.D :Femmes et développement au Maroc – Op-cit -1992- p :136
36- C.E.R.E.D :Femmes et développement au Maroc – Op-cit -1992- p :136
37- C.E.R.E.D :Femmes et développement au Maroc – Op-cit -1992- p : 287
38- C.E.R.E.D :Femmes et développement au Maroc – Op-cit -1992- p :136
39- Aicha Belarbi : in (collectif) :Femmes rurales – collection dirigée par :Aicha Belarbi – éd. Le Fennec - Casablanca 1995 – p :7
40-Les femmes dans la société : revue Peuples volume7N°4 –1990–Cité in :
- فاطمة المرنيسي: نساء الغرب – دراسة ميدانية – ترجمة: فاطمة الزهراء أزرويل- SMER- ط.1 – 1985 ص :22.
41- فاطمة المرنيسي: نساء الغرب – مصدر مذكور سابقا – ص :46.
42-Politique et stratégie de développement en faveur des femmes rurales :Organisation des nations unies pour l’ alimentation et l’agriculture –Rome – 1994 – p :5
43- Jack Lang : Demain, les Femmes…Op-cit p :57.
44- Politique et stratégie de développement en faveur des femmes rurales : Op-cit – P :4
45- Jack Lang : Demain, les Femmes…Op-cit p : 18
46- Un avenir plus juste pour les femmes rurales :Op-cit – P :5
47- Pierre Bourdieu : La domination masculine :Op-cit –p :96
48- Marie Victoire Louis : cité in : Jacques Veron : Le monde des femmes- Op-cit –p :41
49- Un avenir plus juste pour les femmes rurales :Op-cit – P :9
50- Un avenir plus juste pour les femmes rurales :Op-cit – P : 10
51-Collectif : Femmes rurales- dirigée par : Aicha Balarbi – Edition : La Fennec – Casa – 1995 p/6
52-Rural Women and Food security in the near east region: Curent status and perspectives – by De : Lamia El Fattal –F.A.O. – CAIRO- 1996 – p:9
53- Un avenir plus juste pour les femmes rurales :Op-cit – P :  17

54- انظر التفاصيل بمدخل هذا العمل.

55- ينطبق ذلك على الباحثة المغربية فاطمة المرنيسي في العديد من كتاباتها و كذا على الباحثة الجزائرية فاطمة آيت صباح.
56- الدكتورة زاهية قدوة: حقوق المرأة في الإسلام – ص: 90- 93 – بحث مقدم لندوة : الإسلام و تنظيم الأسرة – الرباط 24- 29 دجنبر 1971.
57- علي حرب: الممنوع و الممتنع – نقد الذات المفكرة – المركز الثقافي العربي –الدار البيضاء – 1993  – ص: 180.
58- علي حرب : نفس المرجع – ص: 18

59- Un avenir plus juste pour les femmes rurales :Op-cit – P :   19
60- Yves Déloye : Sociologie Historique du politique – Op-cit –p :49
61- Rapport Mondial sur le développement humain Publié par le programme des nations unies pour le développement (P.N.U.D.) – édition : Economica 1993

♡ إدعمنا بمشارك المنشور مع المهتمين . شكرا
فريق موقع بوابة علم الاجتماع
فريق موقع بوابة علم الاجتماع
تعليقات