الزوج الذي تحبه المرأة
أ. بسام أبو عليان
محاضر بقسم الاجتماع ـ جامعة الأقصىأغلبنا سمع أو قرأ حديث (أم زرع) الطويل الذي روته عائشة رضي الله عنها لرسول الله صلى الله عليه وسلم. إذ ذكرت فيه اجتماع إحدى عشر زوجة في عهد سابق تعاهدن أن يذكرن صفات أزواجهن، الحسن منها والسيئ. لن أقف عند حديثهن كلهن، إنما سأقف عند حديث الزوجة الأخيرة (أم زرع).
تذكر الرواية التي وردت في صحيح البخاري: "... قالت الحادِيةَ عشْرَةَ: زوجِي أبو زَرْعٍ، فمَا أبو زرعٍ، أَنَاسَ من حُلِيٍّ أذني [أي أذناها مليئة بالذهب المدلى]، ومَلأَ منْ شَحْمٍ عَضُدَيَّ، وبَجَّحَنِي فَبَجَحَتْ إليَّ نَفْسِي [أي منحها الألقاب المحببة إليها فشعرت أنها أفضل نساء زمانها]، وجَدنِي في أهلِ غُنَيْمَةٍ بِشِقٍّ [كانت تعيش في حي فقير]، فجَعَلَني في أهلِ صَهِيلٍ [خيل]، وأَطِيطٍ [إبل]، ودَائِسٍ [أهل زع]، وَمُنَقٍّ [المنخل]، فعنْدَهُ أقولُ فلا أُقَبَّحُ [أي يحترم رأيها ولا يقبحه]، وأَرْقُدُ فَأَتَصَّبحُ [تبقى نائمة حتى وقت الضحى؛ لوجود خادمة في بيتها تخدمها وتؤدي عنها كل الأعمال البيتية]، وأشْرَبُ فَأَتَقَنَّحُ [أي تشرب حتى ترتوي]. أمُّ أبِي زرعٍ، فَمَا أمُّ أبِي زَرْعٍ، عُكُمُهَا رَدَاحٌ [الأحمال التي توضع فيها الأمتعة]، وبيتُهَا فَسَاحٌ [واسع]... قالتْ: خرجَ أبو زرعِ والأَوْطَابُ تُمْخَضُ، فَلَقِي امرأةً معَهَا ولدانِ لهَا كالفَهْدَيْنِ، يلعبانِ من تحتِ خَصْرِهَا بِرُمَّانَتَيْنِ، فطَلَّقَنِي ونَكَحَهَا، فنَكَحْتُ بعدَهُ رجلًا سرِيًّا [أي من أشراف الناس]، رَكِبَ شَرِيَّا [ركب الخيل الأصيل]، وأَخذَ خَطِّيَّا [يحمل الرمح تحت إبطه]، وأرَاحَ عليَّ نِعمًا ثَريًّا [أي أغرقها في النعيم]، وأعطانِي منْ كلِّ رائِحَةٍ زوجًا [أي أعطاها من كل شيء زوجين اثنين]، وقالَ: كُلِي أمَّ زرعٍ، ومِيرِي أهْلَكِ [أعطي أهلك من النعيم كالذي تنعمين فيه]، قالتْ: لو جَمَعتُ كلَّ شيءٍ أعطَانِيهِ، ما بَلَغَ أصغَرَ آنِيَةِ أبي زرعٍ. قالت عائشةُ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (كنْتُ لكِ كأَبِي زرعٍ لأمِّ زرعٍ)". (انتهى).
في قصة أم زرع أكثر من محطة تستحق الوقوف عندها وتأملها، ويمكن للأزواج الاسترشاد بها في علاقاتهم الزوجية.
المحطة الأولى: سعة صدر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتمتعه بمهارة الإنصات والإصغاء الفعال لزوجته (عائشة) وهي تحدثه عن قصة إحدى عشر امرأة وعلاقة كل واحدة منهن بزوجها. فلم يقاطعها أو يتأفف من سردها القصة على طولها.
بالنظر إلى واقع أسرنا نجد الأزواج جل وقتهم خارج البيت بسبب أعمالهم ومشاغلهم، في حين الوقت المسخر للحوار الأسري قليل. فإذا جلست الزوجة تحدث زوجها في موضوع ما للتفريغ النفسي، أو للسمر، أو تبادل أطراف الحديث ربما يتذمر منها، أو يقاطعها، أو يهمل حديثها؛ لأن الموضوع لم يرق له، أو ليس من اختصاصه، أو يدعي النعاس فيترك ذلك في نفسها أثرًا سيئًا. فالتجاهل وعدم الاهتمام من أكثر الأشياء التي تؤذي المرأة نفسيًا.
المحطة الثانية: فهم النبي صلى الله عليه وسلم لمراد عائشة من سردها للقصة. فكان تعقيبه في خاتمة الرواية (كنت لك كأبي زرع لأم زرع)، وفي رواية (إلا أنَّ أبا زرعٍ طلَّق، وأنا لا أُطلِّقُ). أي يكون معها من حيث الصفات الحميدة والأخلاق الحسنة والجود والكرم كالذي عامل به أبو زرع أم زرع. على الرغم من سمو أخلاقه وصفاته صلى الله عليه وسلم، وهو القدوة الحسنة، والنبي المعلم. إلا أنه فهم مراد زوجته، ودغدغ عواطفها، وأعطاها ما تتمنى سماعه ليطرب أذنيها.
أحيانًا في واقعنا الأسري بحكم التنشئة المحافظة والخجل وخُلُق الحياء الذي يغلب على شخصية المرأة لا تطلب صراحة من زوجها إشباع نواقصها العاطفية فتلجأ لطرق غير مباشرة، بذكر قصة، أو موقف، أو بيت شعر، أو مَثَل...إلخ. علَّ الزوج يفهم مرادها. لذا، يجب أن يكون الزوج فطنًا لذلك.
المحطة الثالثة: الرواية تعرض تجربة زواج أم زرع مع رجلين، هما: (أبو زرع، وآخر لم تذكر اسمه). كلاهما كريم جواد من الناحية المادية، إلا أن الزوج الأول (أبو زرع) تربع على عرش قلبها واحتل فكرها أكثر من الآخر؛ لأنه أشبع عندها حاجة لم يشبعها الآخر، إنها الحاجة العاطفية. فقد منحها الألقاب الطيبة، وأسمعها الكلام المنمق المعسول، وجالسها ليؤنس وحدتها، واحترم رأيها. أما الزوج الآخر كان كرمه ماديًا. لكنه بخيل عاطفيًا. فكانت أم زرع تكيل المدح والثناء على الأول أكثر من الآخر.
على الرغم من طلاق أبو زرع لأم زرع إلا أنه بقي محتفظًا بمكانته في قلبها وفكرها. إذ أن المرأة في الغالب عندما تطلق تتجاهل كل حسنات زوجها، ولا تذكر إلا سيئاته؛ لأنه طلقها. كيف لا وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم الطلاق بكسر المرأة.
خلاصة القول: أي زوجة مهما أغدق عليها زوجها بالعطاء المادي وكان بخيلًا على الصعيد العاطفي، فلن تقدر له عطاءه، وربما تنساه سريعًا. لكن إن أغدق عليها المشاعر الدافئة والكلمات الحانية فإنه سيتربع على عرش قلبها، وإن كان قصير ذات اليد.

مرحبا بك في بوابة علم الاجتماع
يسعدنا تلقي تعليقاتكم وسعداء بتواجدكم معنا على البوابة