ميشال أونفري - تمساح أرسطو : تاريخ للفلسفة من خلال الرسم
المحور الأول، فريدريك نيتشه، بريشة ادفار مونك، 1906
( ترجمة يوسف اسحيردة )
بورتريه نيتشه هذا، هو بورتريه للنيتشوية أيضا، كما أنه بورتريه ذاتي للرسام نفسه. هو، بالفعل وبدون منازع، بورتريه لنيتشه، كما أنه، لسوء الحظ، قد تحول إلى صورة ورعة تُستخدم كغلاف للمقالات التي تكتب حوله، للطبعات المخصصة لكتبه في صيغتها الجيبية، للمواقع التي تنشر له، للكتيبات التي تعرض مقتطفات من أعماله، لإعلانات الندوات التي تُعقد في موضوعه. متى الطابع البريدي؟ إن لم يكن قد حدث سلفا..
مهما يكن من أمر، فإننا نتعرف على وجه نيتشه : الشارب الكثيف الذي يغطي فمه، الأنف المستقيم، الإغريقي، الأذنين الصغيرتين الفخور بهما حسب ما أخبرنا به في كتابه "هذا هو الانسان"، التسريحة المتجهة نحو الخلف، والتي تُبرز جبهته، النظرة الهادية المغروسة في الجمجمة والتائهة في عالم آخر، يديه الطويلتين والرشيقتين، اللتان كان يرتجل بهما، بعظمة، على لوحة مفاتيح بيانو. الشهادات المستقاة من الأشخاص الذين اقتسموا معه النزل العائلية في مدينة إنجادين (سويسرا) تذهب جميعها في نفس الاتجاه : بالنسبة لرجل يعيش لوحده، فقد كان أنيق الملبس ونظيفه، يرتدي بدلا مفصلة بعناية. نلاحظه في هذا الرسم بربطة عنق وأزرار كم يظهر من تحته معصم قميص أبيض. دائما في "هذا هو الإنسان"، يجعل نيتشه من الطهارة أجمل وأعظم فضيلة فلسفية – فهي تعني نظافة على مستوى الجسد والملبس لكن أيضا نزاهة في الميدان الثقافي.
بطول يقدر ب 1,73 مترا، قامة نيتشه هنا هي قامة رجل رشيق. كما يليق بشخص مهتم بعلوم التغذية، هاو للحميات الغذائية، ومشاء من الطراز الرفيع، كان نيتشه يتميز بهيئة مستقيمة. عادة ما نتخيله كشخص يعاني من السمنة. على خلاف ذلك، يبرز نيتشه، هنا، كجسد عظيم حاضر بقوة في العالم. لكن نظرته توضح أن جزءا آخر منه لم يعد موجودا. ينظر بعيدا، وإن يكن في نفس هذا العالم الوحيد الذي يأخذ عند ايدفار مونك طابع الزيغ اللوني (chromatisme) الخالص. يداه، كما لو أنهما متضايقتين. معقودتين لأنه لا يعرف ما الذي يفعله بهما، أو مضمومتين كما في صلاة وثنية.
في حقيقة الأمر، أنجز ادفار مونك هذا الرسم بعد طلب من الصراف ارنست تهيل سنة 1905. من أجل القيام بذلك، انتقل الرسام إلى أرشيفات مدينة فايمار، حيث تعرف على مجموعة الصور التي قام بها هانس أولد في الفترة الممتدة ما بين شهر يونيو وشهر غشت 1899. من المعلوم أن الفيلسوف قد أصبح يعاني من الجنون منذ شهر يناير 1889، ويعيش رفقة اخته ألأيزابيث في مدينة فايمار، مستلق باستمرار على كرسي يشبه السرير، واضعا يديه على غطاء يغطي أسفل جسمه.
في الخلفية، إلى الأسفل، نشاهد هيئة قرية تبدو في لون أزرق متباين الحدة، مباشرة تحتها يمر جدولان لمجرى مائي، نهر كبير أو واد صغير. أبعد بقليل، تظهر بقايا آثار منصهرة في الغراء الأصفر، منغمسة في المنظر برمته. يمكن أن نحدس بأن الأمر يتعلق بقرية مثل أخرى. مع ذلك، يمكن أن نميز جرس كنيسة، عادي للغاية، لكن أيضا جزءا محطما من برج قصر. ما يشبه الجناحين في ظهر نيتشه، ويحولانه إلى حشرة طائرة، يمكن أن يكون بحيرة. في المقابل، نعرف بأن مونك أراد أيضا إلقاء إطلالة على البطاقات البريدية أو صور المناظر الطبيعية، التي تخص الفيلسوف. ليس غريبا إذن أن يجد صورا تعود لمدينة روكن، مسقط رأسه، نورنبورغ ، مدينة طفولته، بفورتا، مدينة الثانوية الصارمة حيث درس، بون، حيث التحق بالجامعة من أجل دراسة اللاهوت، وبعدها ليبزيغ، حيث تخصص في الفيلولوجيا وقابل فاجنر، تريبشن، حيث كان يطول به المقام، بال، حيث قام بتدريس الفيولوجيا في الجامعة. لكن ألمانيا ليست هي البلد المختار والمرغوب من طرف الفيلسوف، إنها بلد عائلته، دراسته وعمله الأول.
يُوجد عند نيتشه استقطاب آخر غير استقطاب ضباب الشمال، يتعلق الأمر بايطاليا والبحر الأبيض المتوسط. روما، حيث قابل لو سالومي في كنيسة القديس بيير، ليحبها فورا، قبل أن يكرهها بلا حدود بعد اكتشافه استحالة مسعاه؛ نابولي، وبالضبط سورينتو، حيث استقبلته مالويدا فون ميسنبوج في فيلتها ذات الاطلال التي تحبس الأنفاس على جبل فيزوف البركاني والخليج النابويلتاني؛ جنوة، حيث صحح نسخ كتابه "الفجر"؛ خليج رابالو وبورتوفينو، حيث شرع في كتابة "هكذا تكلم زرادتش"؛ فينيسيا، حيث قابل صديقه بيتر غاست وتواعدا على تأليف كتاب مشترك حول شوبان، والتي ستتحول مقبرتها إلى جزيرة للأموات في إحدى أناشيد "هكذا تكلم زرادشت"؛ تورينو، حيث فقد عقله من خلال ارتمائه باكيا تحت أقدام حصان كان يضربه مالكه في الشارع. لكن أيضا نيس وطريق إز، بإطلالته الخلابة على البحر الأبيض المتوسط، وهو المشهد الذي ألهمه مفهوم "إرادة القوة".
اعتقد بعض المنقبين المهتمين بدقائق الأمور، بأن هذه المشاهد السريالية تعكس مشاهد واقعية، وفي هذه الحالة، يصبح النهر هو نهر زاله، أحد روافد نهر إلبه، القصر هو قصر ديوسبورغ، في مقاطعة نورنبيرغ، البرج هو برج سالسبورغ. هذا ممكن. لكن ماذا نفعل بهذا اللون الأزرق الذي يبدو أنه بحيرة؟ ففي هذه الحالة، هذه المرة، لا تعود المشاهد الألمانية هي التي تستحق الاستحضار، بل بحيرات انجادين ، حيث كان الفيلسوف يقضي شهوره الصيفية، حتى ينعم ببعض الطراوة التي تتيحها القمم هناك. بحيرات سيلس، سيلفابلانا، أورتا، تعج بذكريات الفيلسوف وقد أُلهم نظرية "العود الأبدي" في سورليج، على إحدى ضفاف هذه البحيرات. الجمع بين الجيولوجيا والجغرافيا الألمانية، ونظيرتها الإنجادينية (نسبة إلى مدينة إنجادين السويسرية)، يقوي فرضية قرية متخيلة.
بحيث أن الرسام يعرض أيضا لفكرة: هذه القرية في الأسفل، ترمز للحضارة، بسكانها، بمدينتها، بكنيستها، التي تختصر السلطة اليهودية-المسيحية، وبقصرها، الذي يدل على السلطة الامبريالية الألمانية. الرسام يوضح لنا هنا، المنظومة الحضارية التي تجمع بين المواطن، البابا والإمبراطور. بصيغة أخرى، كل الأمور التي قطع معها الفيلسوف – الله، الدين، اليمين، اليسار-، والتي يمكن أن نضيف إليها، بما أن الأمر يتعلق بأماكن طفولته، تربيته البروتستانتية، الكنيسة اللوثرية، تحكم وسيطرة أمه وأخته، اللتان أعاقتاه بإتقان طوال حياته، احتضار، موت وقبر الوالد القس – بكلمة واحدة : ألمانيا.
هذه اللوحة تعبر عن بورتريه للنيتشاوية أيضا. لكن ماذا نعني بالنيتشاوية؟ يوجد تطور في فكر نيتشه : في مرحلة أولى، وبتأثير من شوبنهاور وفاغنر، رأى الفيلسوف في الأوبرا الفاغنرية مناسبة من أجل جعل ألمانيا في طليعة قارة أوربية أرادها مفكرة، تحركها الثقافة. كان ذلك اتجاه "ميلاد التراجيديا" (1872). تواطؤ فاغنر مع الارستقراطيين، البورجوازيين، أصحاب البنوك، الأمراء من أجل تمويل مسرح بايرويت، الذي كان يمثل معقل هذه النهضة المفترضة، جعل الفيلسوف يدخل في خصومة مع المؤلف الموسيقي. نضيف إلى ذلك الأزمة العاطفية التي كانت سببها الزوجة الشابة للعجوز فاغنر : كوزيما، ابنة فرانز لست، الزوجة القديمة لقائد الأوركسترا هانس فان بلو، الذي كان يصمم أعمال فاغنر، هذا الأخير أخذ له زوجته، التي كانت، في الواقع، أقرب في العمر للفيلسوف منها إلى زوجها. إلا أن الفيلسوف قد هَوَّمَ (من الهوام) حول تلك التي كان يدعوها بأريان.
في مرحلة ثانية، أكثر فولتيرية (نسبة إلى فولتير)، بعد تلك الصداقة المحطمة وذلك الحب المُحبَط، سيطمح نيتشه، على خطوات أبيقور، إلى سلام داخلي تحققه حكمة عملية : لزمن، رفقة الفيلسوف بول ري ولو سلومي، التي ستصبح لاحقا عشيقة لريكله، وبعدها صديقة لفرويد، رغب نيتشه في تأسيس مجمع فلسفي خاص بالأصدقاء، يتشاركون الحياة في ضيعة واحدة، حيث يفلحون الأرض تحقيقا للكفاف. إنه زمن "العلم المرح" (1882). العمل، القراءة، النقاش، التفكير، المشي، البساطة، كلها أمور كانت ضمن البرنامج. غير أن نيتشه قد رغب في أن يقوم ري بتبليغ لوعته إلى لو، في حين أن ري نفسه متيم بها. بعد زمن كوزيما، جاء زمن لو : خصومات جديدة.
المرحلة الثالثة هي، بالأحرى، الفترة التي نأخذها عادة بعين الاعتبار حين نتحدث عن النيتشاوية. إنها مرحلة المفاهيم الكبرى والنظرية العملاقة : خلالها أعلن نيتشه موت الإله ودعا إلى ضرورة تجاوز المسيحية التي يقدمها كديانة للعبيد تفرض، منذ ما يزيد عن ألفي عام، استبداد المثل التقشفي من خلال كراهية الجسد والبدن، الرغبات والشهوات، الحياة والتمتع؛ كما أكد وجود حقيقة واحدة : إرادة القوة، والتي يمكن أن نُعرفها بكونها قوة كامنة في كل ما يرغب بالحياة هناك حيث توجد الحياة، ومحركة لكل ما هو موجود : انطلاقا من المتناهي في الصغر لخصلة العشبة أو الزهرة وصولا إلى المتناهي في الكبر للكواكب في النظام الكوني، مرورا بما يحرك الحيوانات والبشر، ليس الخير أو الشر ما ترومه إرادة القوة، لأنها ما وراء الخير والشر، وإنما الوجود وتنمية الحياة في كل ما هو حي.
إلى جانب هذا التجاوز للمسيحية وهذه النظرة الحيوية إلى العالم، أثبت نيتشه العود الأبدي للأشياء : كل ما يحدث سبق له الحدوث لعدد لا متناه من المرات وسيعود بنفس الهيئة تماما لعدد لا حصر له من المرات. في حين أن البشر لا يملكون حرية الإرادة، الحرية مجرد وهم، فهم مجبرون على أن يكونوا كما هم، ولا شيء آخر، دون امتلاك خيار تغيير مصيرهم.
التفسير الذي ساد في القرن العشرين، بسبب جيل دولوز، والذي بموجبه أن النيتشاوية تدعو، في الحياة، إلى إرادة ما نود أن يتكرر باستمرار، هو تفسير غاية في التناقض والمغالطة، فليس باستطاعتنا أن نريد ما يريدنا قصد منعه، إعاقته، إكراهه، سيكون الأمر بمثابة إدخال الإرادة الحرة من النافذة بعد أن طردناها من الباب. كل شخص يعرف الطبيعة المأساوية لكل ما هو موجود والطابع الحتمي للعود الأبدي، وكل شخص، بعد معرفته هذه، يحب الطبيعة المأساوية لكل ما هو موجود والطابع الحتمي للعود الأبدي – وهو ما يسميه نيتشه بحب القدر (Amor Fati) ، حب مصيرك – هذا الشخص هو إنسان أعلى. الإنسان الأعلى يعلم حقيقة العود الأبدي ويحب هذا الواقع الذي يعود متخذا نفس أشكاله تماما. هذه المعرفة وهذا الحب يحققان فرح حكمة ما بعد مسيحية.
هذا إذا ما نسميه بالنيتشاوية : إعلان موت الإله؛ دعوة إلى تجاوز المسيحية، باعتبارها ديانة للحقد والضغينة؛ قراءة للعالم ما وراء الخير والشر من خلال إرادة القوة وحدها؛ تلقين عقيدة العود الأبدي لنفس الأشياء؛ حتمية كل ما يحدث وضرورة حب ما يعود - وبلوغ غبطة أرضية، طمأنينة محايثة وفرح هنا والآن.
نحن، هنا، إزاء لحظة "هكذا تكلم زرادشت" (1885-1883). هذا الكتاب المفصلي، هو عبارة عن قصيدة ضخمة يختلط فيها الغنائي، بالمجازي، بالرمزي. القصيدة تعرض شخصية تحمل أفكار نيتشه، زرادشت، يرافقه أسد وثعبان باستمرار، والذي يتكلم بطريقة مجازية وسط حيوانات تتكلم أو شخصيات غريبة الأطوار – البابا الأخير، الملكين، أكثر البشر قبحا، الرجل العلقة، المتسول المتطوع، الساحر، الظل المسافر، الكاهن، البهلوان. لجأ نيتشه إلى هذا الخيار الشعري من أجل التعبير عن تبعات نظرية العود الأبدي بعد أن فشل في البرهنة على هذا الحدس علميا.
هذا الخيار، الذي يتطلب فك الرموز والاستعارات المعقدة، ساهم كثيرا في حالات سوء الفهم التي تعرض لها فكر نيتشه – على أن أكثرها ضرار هي تلك التي جعلت من كاتب " ما وراء الخير والشر" مبشرا بالفاشية والنازية، وذلك من خلال أخته، إليزبيث فوستر، التي كانت معادية للسامية، صديقة لموسوليني وهتلر، وقد أهدت هذا الأخير عكاز الفيلسوف. نيتشه، الذي كان يكره الدولة، الذي غادر ناشرا فقط لأنه كان يطبع نصوصا معادية للسامية، الذي كان يدعو إلى قتل أعداء السامية رميا بالرصاص، الذي كان يحتقر غريزة الجموع، الذي كان يكره الحشود والرعاع، كان ليكره، بنفس الطريقة، أنظمة القرن العشرين الشمولية. كان ليجعل من مونسوليني، من هتلر ونظرياتهما، لكن أيضا من لنين، من ستالين ومذاهبهما، نموذجا للحقد الذي أعلن عليه حربه الفلسفية.
في مطلع هذه القصيدة الضخمة، سنعلم بأن زرادشت قد غادر العالم في سن الثلاثين، وهي السن التي بدأ فيها السيد المسيح دعوته، وبأنه، متسلحا بما اكتسبه في أيام خلوته التي دامت عشرة سنوات، قد قرر النزول إلى الوادي، هناك حيث يقطن البشر، من أجل تعليمهم ما اكتشفه وما أتينا على تسميته بالنيتشاوية.
إن لوحة مونك نيتشاوية، ليس فقط لأنها تظهر نيتشه وكأنه زرادشت يستعد للنزول من جبله بغية تلقين سكان الوادي عقيدة الإنسان الأعلى، ولكن لأنها تترك للزيغ اللوني (chromatisme) مهمة التعبير عن اهتزازات إرادة القوة. الأصفر الشمسي المهذب بالبرتقالي، الأزرق السماوي لمياه عميقة وخصبة من الناحية الفلسفية، الغراء الترابي الذي يميز الطريق حيث يقف الفيلسوف متجمدا، متسمرا، موقوفا من هول فكر يرهبه هو نفسه، الأخضر في حقول الوادي الذي وضعه الرسام على شكل زخرفة عربية، الكل رُسم من خلال منحنيات قوية تذكر بحركة الواقع في النباتي والكوني، الكل وجُد من أجل الاهتزاز، الكل هنا يريد الاهتزاز، الكل ينقل الطاقة الديونيزية، الكل يتحرك كما في الثانية الأولى من زلزال أرضي نجهل ما إذا كان سيمسح مدينة من على الخريطة، الكل يرتج كما في اللحظات التي تسبق انفجارا بركانيا يمكن أن يغمر مدينة بأكملها، كل الطبيعة ترتعد حول هذا الجسد الذي يلج إلى الجنون.
لكن هذه اللوحة نيتشاوية، بالأخص، من خلال الدرابزين – وعليه، فهي تشكل أيضا بورتريها ذاتيا للرسام. في الحقيقة، إن لوحة ادفار مونك مقسومة بواسطة درابزين يشبه القطر يأتي من الركن العلوي جهة اليمين لكي يصل إلى الركن السفلي يسار العمل. يسقط مثل البرق، مثل سهم، مثل أثر ناري لنيزك.
هذا المنصف يقسم العالم إلى مجالين متباينين للغاية: من جهة، في الجانب الأيسر من اللوحة، في الوادي، في الأسفل، القرية بسكانها، بأبراجها وكنيستها كما هو الحال مع كل الأمكنة التي ترمز للسلطة الزمنية والروحية، الإنسانية المفرطة في إنسانيتها؛ من جهة أخرى، في الجانب الأيمن من العمل، فوق القمم، فوق الأعالي، في الجبل، الفيلسوف، وحيدا في العالم ومقطوعا عنه، الإنسان الأعلى.
لا شك في أن لهذا الجنون ما يدعمه من الناحية الفيزيولوجية : يتعلق الأمر، في الحقيقة، بزهري تلقفه إبان فترة الشباب والذي تطور ليصل إلى مستوى عال، الشيء الذي يوضح، بعد الكثير من المعاناة المتواصلة والصداع النصفي الرهيب، دخول الفيلسوف في حالة من الجنون منذ بداية شهر يناير من سنة 1889، قبل أن يوقفها الموت في ال25 من شهر غشت من سنة 1900. لكن مفسرين، ويوجدون حتى الآن، اعتبروا هذا الجنون بمثابة الثمن المدفوع مقابل إعلان نيتشه لموت الإله.
البورتريه يُظهر الفيلسوف متضايقا من يديه، كما لو أن الواحدة منهما تمسك بالأخرى. نظرته مثبتة بعيدا في الأرضية. جسمه متوقف. أفكاره في مكان آخر. جبهته عالية، حاجباه معقودان، فمه غير مرئي، وكأن لسان حال الرسام يقول : يداه سوف لن تكتبا أبدا، سوف لن تلعبا على البيانو، عيناه سوف لن تشاهدا أي شيء، هذا الفم سوف لن ينطق بأي كلمة، هذا الجسم سوف لن يتحرك، سوف لن يتنقل، سوف لن يمشي أبدا : نيتشه متسمر وهو واقف في الجنون، مفصول، نهائيا، عن العالم بواسطة هذا الدَرابْزين، منغلق على نفسه إلى الأبد. ليس نيتشه الذي في الصورة هو ذلك الشخص الذي يستعد للنزول من الجبل قصد تدريس عقيدة الانسان الاعلى، بقدر ما هو ذلك الشخص الذي سيبقى هناك، مقهورا بما اكتشفه في القمم الفكرية – 30000 قدما فوق سطح الأرض، كما كتب في "هذا هو الإنسان" - ، هناك حيث قابل العود الأبدي والإنسان الأعلى.
هذا الدرابزين الذي فصل نيتشه عن العالم، عن الآخرين، عن الواقع – مثل نيرفال، هولدرلين، موباسون، فان جوخ، آرتو، سيلان...- قد فصل أيضا إدفار مونك عن عالم العقل. على كل حال، فنحن نعثر على العديد من الدرابزينات في لوحات الفنان النرويجي : " الآنسات على الجسر" (1927)، "الصرخة" الشهيرة (1893)، المعالجة بلاستيكيا وجمالية كما هذا الرسم لنيتشه، "حديقة مع المنزل الأحمر" (1882)، "قلق" (1894)، نسخ عديدة من "الفتيات الشابات على الجسر" (1901)، "على سلالم الفيرندا" (1922-1924)، دون الحديث عن بقية اللوحات حيث نصادف نفس الشيء لكن باستخدام الحواجز هذه المرة.
عائلة مونك خبرت الاكتئاب، الإحباط، أخته أمضت حياتها بأكملها محتجزة في مصحة للأمراض العقلية، وذلك منذ سن ال 20، مونك نفسه كان ينزل بمصحات للطب نفسي حيث كان يعالج بالصعقات الكهربائية. لا يمكن أن نتخيل أبدا بأن الشخص الذي يرسم الموت، القلق، الصراخ أو أيضا جنون الفيلسوف، لم يضع هنا شيئا آخر غير ما يتعلق بالفيلسوف. هذه النظرة التائهة، هذا الحضور في العالم الذي هو غياب، هذا الفصل عند الإحياء، بين أولئك الذين يستمرون بالحضور في العالم وأولئك الذين لم يعد لهم وجود، كل هذه الأمور ساهمت في شهرة نيتشاوية نهاية القرن. بشكل أصبح معه "هكذا تكلم زرادشت" بمثابة بوابة لدخول عالم اعتزل فيه العقل، أكثر مما هو طريق لمعانقة الإنسان الأعلى. ما تعبر عنه هذه اللوحة ليس هو الإنسان الأعلى، بقدر ما هو إنسان القرن العشرين.
♡ إدعمنا بمشارك المنشور مع المهتمين .
شكرا على زيارتك



مرحبا بك في بوابة علم الاجتماع
يسعدنا تلقي تعليقاتكم وسعداء بتواجدكم معنا على البوابة