📁 آخر الأخبار

تجليات التربية الوطنية في بلاد الشام في النصف الثاني من القرن التاسع عشر

تجليات التربية الوطنية في بلاد الشام  في النصف الثاني من القرن التاسع عشر
تجليات التربية الوطنية في بلاد الشام
في النصف الثاني من القرن التاسع عشر

تم التحقق من هوية الكاتب
صابر جيدوري 

     نتيجة للحالة الطائفية التي سادت في بعض البلدان العربية، لا سيما في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بدأ الشعور يتجه نحو مفهوم جديد يتخطى الطائفية وحدودها، فكانت الحركة الوطنية التي هدفت إلى وضع أسس راسخة لنهضة إصلاحية شبه شاملة، وتنمية الشعور بالوطنية لدى الأجيال الناشئة. ومن أهم المفكرين الوطنيين برز كل من: الشدياق والبستاني وفرنسيس مراش وغيرهم. ومن أهم ما تمّ إنجازه على أيديهم إنشاء الجمعية العلمية السورية، وظهور تيار ثقافي تربوي وطني يتميز بالآتي:
أ - العناية بإحياء اللغة العربية، وجعلها أداة طبيعية لاستيعاب المفاهيم الحديثة.
ب - اعتماد المبدأ الوطني، بديلًا للرابطة الدينية والقضاء على الطائفية، مع الاحتفاظ بالتعليم الديني، وتقبل مبدأ العبادة كشأن شخصي.
ج - العناية بالعلوم الحديثة وإدخالها ونشرها في البلاد، والتركيز على التعليم الصناعي والمهني من أجل التقدم.
د - التشديد على كون الإنسان ابن بيئته، والمطالبة بنشر التعليم على الجميع من دون أي تمييز.
      ومما يستحق الإشارة إليه أن أمورًا ثلاثة أسهمت في توليد النهضة في بلاد الشام هي: تحرك الفلاحين، ونمو الشعور القومي، وتغير في ميزان القوى الاجتماعية. فمن ناحية حاول الفلاحون الثورة على الملتزمين المعينين من قبل السلطة العثمانية، احتجاجًا على سوء المعاملة، وطلبا للعدالة في حيازة الملكية، فكانت هذه الحركة بداية وعي حقوقي جديد لدى عامة الشعب.
     تبع هذه الحركة ظهور طبقة جديدة من التجار والمتعلمين وأصحاب الاختصاص الفني، وأخذت تنافس الأعيان التقليديين على النفوذ السياسي والوجاهة، وأبرزت في الوقت نفسه حاجات جديدة ومطالب لم تكن معهودة، وقد رافق ذلك نمو في الشعور القومي تبلور على مستوى تذوق اللغة العربية، وعلى مستوى السعي لتحقيق نوع من التضامن والوحدة. هذه العوامل وغيرها كانت وراء وجود مفكرين تربويين في بلاد الشام آمنوا بالوطنية وعملوا من أجلها. نذكر منهم:
أحمد فارس الشدياق (1804-1887)
     هو أحمد فارس بن يوسف بن يعقوب بن منصور بن جعفر شقيق بطرس الملقب الشدياق، كان من أوائل الذين اضطلعوا برسالة التثقيف والتوجيه والتنوير والإصلاح في القرن التاسع عشر، غير أن معظم الدراسات التي تناولته عنيت بالجانب اللغوي والأدبي، وأهملت الجانب الإصلاحي التربوي لديه، مع ملاحظة أنه لم ينل ما ناله معاصروه من الاهتمام من أمثال: ناصيف اليازجي، ورفاعة الطهطاوي، وعبد القادر الجزائري.
     وهو كاتب وصحفي ولغوي ومترجم لبناني، أصدر أول صحيفة عربية مستقلة بعنوان "الجوائب"، كان مثقفًا لامعًا، وعقلًا صداميًا. كان مارونياً بالولادة، وتحول أكثر من مرة إلى أكثر من طائفة في المسيحية إلى أن استقر على الإسلام. عاش في إنجلترا ومالطة ثم رحل إلى فرنسا.
      يُعدّ أحمد فارس الشدياق أحد أهم الإصلاحيين العرب في عهد محمد على، وله منهجه الإصلاحي الخفي الذي يبدو فيه أنه فضل التورية والترميز على التصريح والإشهار، وذلك لما كان يحويه منهجه من انتقادات لاذعة للقيادات الرجعية، ولخوفه من أن يدان من قبلها أو تحرق أعماله.
     كانت للشدياق، الذي عاصر فيكتور هوجو وجوستاف فلوبير وإدجار ألن بو وتشارلز ديكنز، اتصالات بمستشرقين ومثقفين أوروبيين، وكذلك بمفكرين إصلاحيين عرب، وبوصفه متمكنًا وبارعًا في اللغة العربية، ومتمرس بفن البلاغة وبدقائق القاموس اللغوي، فقد كان في الوقت ذاته أحد أهم مجدديها، فقد ساهم مساهمة فعالة في تطوير لغة صحفية حديثة منقّاة من البلاغة الزائدة، وصقل العديد من المصطلحات الحديثة مثل عبارة "الاشتراكية" التي أضافها إلى اللغة العربية.
     من أهم مؤلفاته: الواسطة في أحوال مالطة، وكشف المخبأ في أحوال أوروبا، والجاسوس على القاموس، انتقد فيه معجم القاموس المحيط، والساق على الساق فيما هو الفارياق، وكنز الرغائب في منتخبات الجوائب، ومقالاته المنشورة في جريدة الجوائب. (انترنت، ويكيبيديا)
     أما على صعيد الفكر التربوي فقد أعطى رأيه في شؤون التربية والتعليم، وبخاصة فيما يتصل بالتربية الأخلاقية، وتعليم اللغة العربية، وجدوى المناهج. ففي المنطلق الأساس الأخلاق، لم يخرج الشدياق كثيرًا عن الخط الذي رسمه المجتمع في مؤتمر لويزة، فظل يزعم أن الإنسان مطبوع أصلًا على الشر، ولكنه أخذ موقفًا تقدميًا متفائلًا، فلم ييأس من إمكانية إصلاحه بواسطة التربية، فقد وجد الشدياق في التربية علاجًا للطبع البشري، وفي إهمالها أصلًا لمعظم المفاسد التي تلازم الإنسان، فشدد على ضرورة التربية الخلقية من الصغر.
     أما من جهة اللغة والمناهج، فقد توخى المفيد النافع الذي يخدم الغرض من التربية، فلا جدوى من التعليم الديني برأيه قبل الثانية عشرة، لأن الأطفال في هذا السن لا يدركون شيئًا على حقيقته. وتبقى الأولوية لتعليم يصون صحة الأطفال، ويكسبهم مهنة للارتزاق وتأمين العيش. (الشدياق، 1880، 16)
     كما عبر الشدياق عن حاجات تربوية جديدة منها: الإيمان بقدرة الإنسان على النهوض بنفسه، وضرورة الابتعاد عن الأشكال الفارغة الجافة في التعليم، وتبني المقاصد الحقيقية للحياة، وتامين التكيف الفردي والاجتماعي، إضافة إلى مشاركته سائر مفكري النهضة الإيمان بمبدأ وطني تذوب معه النعرات الطائفية، وألوان التعصب الإقليمي الضيقة.
بطرس البستاني  (1883-1819)
     ولد بطرس البستاني في قرية "الدبية" من مناطق الشوف في لبنان في1 مايو عام 1819م، تلقى علومه في اللاهوت والشرع الكنسي، ودّرس الإنكليزية على نفسه، وفي عام 1840م ذهب إلى بيروت واتصل ببعض المبعوثين الأمريكيين يعلمهم العربية ويعرب لهم الكتب، وقد استعانوا به على إدارة الأعمال في مطبعتهم،‏ وعين أستاذًا في "مدرسة عبية" عام 1860م فمكث فيها سنتين، ثم عُين ترجمانًا للقنصلية الأمريكية في بيروت.‏
     بعد عام 1860م وجه عناية فائقة إلى توعية الشعب في بلاده، فأنشأ جريدة "نفير سورية" وهي أول جريدة وطنية راقية، دعا فيها إلى الألفة ونبذ الأحقاد، ثم رأى أن القلوب لا تتفق إلا إذا اعتادت الاتحاد والوئام، فأسس سنة 1863م "المدرسة الوطنية" الشهيرة، وكانت أول مدرسة وطنية عالية، فأمها الطلاب من المناطق كافة، ومن البلدان المجاورة ليتعلموا فيها، وفي جملة ما يتعلمونه العربية والإنكليزية والفرنسية ومحبة الإنسان والتعلق بالأوطان.
     وأكثر ما عُرف به البستاني هو اللغة والتأليف، فقد اشتغل بالتأليف فصنف كتبًا متعددة في الحساب والنحو والصرف واللغة والأدب، كما ترك لنا آثارًا كان لها أبلغ الأثر في ثقافة عصره، وكذلك‏ ترك عددًا من الخطب والمحاضرات والمقالات، التي كان يلقيها في المنتديات والجمعيات ويدبجها في الجرائد والمجلات، كما أنشأ مستعينًا بابنه الأكبر سليم أربع صحف، بالإضافة إلى نفير سورية وهي :الجنان، والجنة، والجنينة. وكانت جميعها صحفًا سياسية، وتجارية، وأدبية أسبوعية أو يومية.‏
     أما أعظم آثاره على الإطلاق فهي دائرة المعارف التي عرفها بقوله: "إنها قاموس عام لكل فن ومطلب". وقد صدر منها في حياته ستة أجزاء، وصدر منها بعد وفاته خمسة أجزاء. واشتغل فيها أبناؤه، وبخاصة سليم، وتوقف العمل قبل أن يكمل المشروع، وتُعدّ هذه الموسوعة فعلًا أول موسوعة وطنية قائمة على المنهج الحديث في التأليف.‏
     أما الأثر الثاني له، والباقي أيضًا فهو معجم محيط المحيط، وهو أول قاموس عصري في اللغة العربية طبعه في مجلدين كبيرين في بيروت عام 1870م ورفعه إلى السلطان العثماني، فنال عليه الوسام المجيدي الثالث، ولا يزال هذا المعجم أحد أهم المعاجم العربية الحديثة، يحتاج إليه كل عالم لغة وطالب بحث، رغم مرور أكثر من مئة عام على تأليفه، وذلك لأنه رتبه على حروف المعجم باعتبار الحرف الأول من الثلاثي المجرد، وجمع فيه كثيراً من مصطلحات العلوم والفنون سواء منها القاموسية أم المعّربة، وشرح أصول بعض الألفاظ الأجنبية، وجمع كثيرًا من الألفاظ العامية الحية وفسرها، واعتمد المعاجم القديمة الموثوقة، واستخدم العبارة السهلة البسيطة.‏
     وقد قامت "مكتبة لبنان" بإعادة طبع المعجم بمجلديه، ثم جددت طبعة سنة 1977م في مجلد واحد، وصححت الأخطاء الطباعية وميزت المداخل الجذرية والرئيسة بلون مختلف، مما يساعد على سهولة استعمال المعجم.‏ قال القس عيد صلاح: إن شعار"الدين لله والوطن للجميع" أول من قاله في الوطن العربي هو بطرس البستاني، وليس سعد زغلول كما يُشاع.
     دعا البستاني إلى مبدأ فصل الدين عن الدولة، ومبدأ الحرية الشخصية في العبادة، وإلى شيوع التسامح بين الأديان وتبادل المحبة والاحترام فيما بينها، فالأديان جميعها تلتقي على خدمة الإنسان وعبادة الإله الواحد، وبحث عن بديل للطائفة كأساس للحكم وتنظيم الحياة الاجتماعية، فوجده في الوحدة الوطنية والشعور بمحبة الوطن، لأن الوطنية عند البستاني تعني لديه محبة البلاد السورية بمعناها الجغرافي، بما لأهلها من عادات وتقاليد مشتركة، وعلى صعيد التعلم كانت تعني له جميع المسيحيين والمسلمين من الطلاب تحت سقف واحد، لكي يتعلموا أن يتعايشوا في المحبة والإخاء قبل أن يتعلموا العلوم على اختلافها. (انترنت، ويكيبيديا)
      ويرى البستاني في اللغة عاملًا معززًا للشعور الوطني، فدعا إلى إحياء اللغة العربية، وصرف جهدًا كبيرًا ليجعلها أقرب تناولًا من الناس، فيحملون على محبتها والانصباب على تراثها تعزيزًا للشعور الوطني، ومن أجل اعتمادها كوسيلة لبث المعرفة في أبناء وطنه، وإيصال العلوم الأوروبية إليهم، فمن دون المعرفة الراسخة الصحيحة لم يكن البستاني يأمل نشوء نهضة اجتماعية ذات قيمة، أما الوسيلة لبلوغ هذه النهضة فهي إتباع تدابير كثيرة منها سياسية ومنها تربوية، وتتمثل التدابير السياسية بتحقيق مبدأ فصل الدين عن الدولة، بينما اشتق التدابير التربوية من نظرته إلى الإنسان، والعوامل التي تؤثر في نموه. (البستاني، 1873، 627)
     كما أولى البستاني المزيد من الاهتمام لقضية تعليم النساء، كأساس للتمدن وضمان لحصوله، ففي عصر تنكر للمرأة وأساء إليها وحجز عليها حريتها، نجده يوصي بتعليمها في مدارس خاصة، تضع مناهجها بما يناسب حاجتها في العصر الذي تعيش فيه، وما يتفق مع متطلبات الدور التربوي الذي يجب أن تؤهل له. (البستاني، 1875، 232)
     ومما يستحق الإشارة، إن بطرس البستاني قد وضع المصلحة الاجتماعية العامة في مكان الصدارة من تفكيره، كما أنه لم يشدد على التبشير في المدارس، بل استنكره ودعا إلى تنمية الروح الوطنية في المحبة والعدل، وبث العلم والمعرفة في جميع المواطنين، وفتح أبواب المدارس أمامهم دون تمييز طائفي أو إقليمي.
فرنسيس مراش (1836 – 1873م)
     هو أديب وكاتب وشاعر سوري، له مؤلفات وكتب شعرية كثيرة، تميزت كتاباته بجودة وجزالة وتميز واضح. ولد فرنسيس مراش وتوفي في مدينة حلب، حيث عاش حياته في رحاب الأدب والفن، وترك مؤلفات ومراجع كثيرة أغنت المكتبة العربية. ومن مؤلفاته وكتبه: رحلة باريس، شهادة الطبيعة في وجود الله والشريعة، غابة الحق، إذ يعدّها بعض النقاد أول رواية عربية، بينما ينكر ذلك آخرون، وهي رواية تدور حول كيفية إقامة مملكة المدنية والحرية، وتتضمن الكثير من آراء المؤلف حول الحاجة إلى العقلانية والسلام والوطنية، بعيدًا عن الطائفية أو التعصب الديني. (انترنت، ويكيبيديا)
     وعلى الرغم من ميوله الأدبية، فقد كانت النزعة العلمية هي الغالبة على كتاباته، إذ أكد أن ثقافة العقل لا تكون إلا بترويضه على العلوم والفنون، ودراسة المعارف الطبيعية والأدبية، مبررًا ذلك كون العلم يخلق في الإنسان قلبًا نقيًا وروحًا مستقيمة، ويجعله ظافرًا بكل الصفات الصافية ونافرًا عن كل ما يشين الجوهر الإنساني.
     تأثر فرنسيس مراش بمفكري الغرب، وكان أول أديب في القرن التاسع عشر استطاع أن يرفع صوته عاليًا، ويطالب بالحرية والديمقراطية والمساواة وسيادة العدل والعقل ونشر العلم، وفتح المدارس الحديثة، ودعا إلى أن يكون جميع الناس متساوين أمام القانون دون أي تمييز بينهم.
     ولعل مراش أكثر أصالة في تفكيره التربوي، وإن كان من المدرسة ذاتها، فهو يبدأ من السؤال عن انحطاط المدنية في العالم العربي، وكيفية علاجها من أجل حياة فضلى، وجوابه على ذلك أن الإصلاح يتم من خلال: إصلاح الحكم من جهة، وإصلاح المدارس من جهة ثانية، وما يجب أن يتوخاه الإصلاح في جملته بلوغ حالة من التمدن ترشد الإنسان إلى كمال قواه الطبيعية والأخلاقية.
     كما اعتبر مراش أن إصلاح التعليم يتم بثلاثة سبل هي: تحسين الأخلاق، وتهذيب العقل، وتعليم العلوم والصنائع الملائمة، فالتربية لدية هي إنشاء الأخلاق الأدبية في طبيعة الإنسان، وتطبيعه على التصرف فيها بين أشباهه، فأخلاق الشخص مشتقه من التربية، ومنشأ هذه النظرية زعمه أن الطبيعة الإنسانية الأصلية بسيطة وخيرة. (مراش، 1876، 227-228)
     وهكذا، فقد كان من ثمار أعمال هؤلاء المفكرين قيام حركة ثقافية جديدة، أعطت ثمارها العملية في العقود الأولى من القرن العشرين، ولئن كان يصعب العثور على نظريات تربوية متكاملة في تلك الفترات، إلا أنه قد برز عدد من التيارات الفكرية التربوية الواضحة، التي تناولت أهداف التربية وسياستها وتنظيم المناهج وأساليب التعليم.

مراجع المقال
- البستاني، بطرس (1873). خطة المدرسة الوطنية، مجلة الجنان، الجزء الثالث، بيروت.
- البستاني، سليم (1875). أم الدنيا، مجلة الجنان، الجزء الحادي عشر، القاهرة.
- الشدياق، احمد فارس (1880). كنز الرغائب في منتخبات الجوائب، بيروت، الدار العربية للنشر والتوزيع.
- مراش، فرنسيس (1876). السلوك الإنساني، مجلة الجنان، الجزء الثامن عشر، بيروت.


♡ إدعمنا بمشارك المنشور مع المهتمين . شكرا
فريق موقع بوابة علم الاجتماع
فريق موقع بوابة علم الاجتماع
تعليقات