بقلم ذ. عبد الحق بن درى
![]() |
| تم التحقق من هوية الكاتب |
قراءة في كتاب " التفكير العلمي " للدكتور فؤاد زكرياء
الحديث عن التفكير العلمي يتطلب اكتساب قدرات ومعارف معرفية ومنهجية، تجارب وخبرات مهمة ميدانية عملية، ونظرية اكاديمية، تحقق من خلالها اكتفاء علميا مهما. الحديث عن التفكير العلمي هو حديث عن معرفة نخبوية، تستوجب شروط وظروف معينة كي تحقق السبق والابداع، وإلا فإن الامر لن يكون الا إعادة انتاج ما تم انتاجه مسبقا، او التعبير عن حقائق واعمال تم التوصل اليها مسبقا، وبالتالي تغيب القيمة العلمية المضافة الى البحث في المجال. ليس من السهل خوض غمار تجربة الكتابة العلمية، ولا الإنتاج المعرفي الذي يحترم المناهج الاكاديمية والميدانية الفعالة، رغم اختلاف المدارس والمذاهب الفكرية في المجال. ذلك ان الدراسات العلمية البحثة، والاوراق البحثية الجادة تحتاج الى وقت وجهد مهم، بحث وتنقيب عن كل ما يتعلق بالموضوع قيد الدراسة، حتى تتمكن من إضافة قيمة نوعية وفائدة مقدرة. وهو الامر الذي اشتغل عليه الدكتور فؤاد زكرياء في كتابه.
حاول الكاتب ملامسة الموضوع من مختلف الجوانب، وحاول أن يشير الى مختلف الزوايا المشكلة للموضوع، ولقد توفق في ادراج جوانب جوهرية متعلقة بالتفكير العلمي، الذاتية منها والموضوعية. فقد شرع في كتابه في الحديث عن سمات التفكير العلمي، أي الخصائص التي من اللازم ان تتوفر لتحقيق نوع من التفكير العلمي، والتي تعطي للمعرفة معنى وأهمية، وأكد على أهمية التراكمية كسمة أساسية، أي مراكمة ما يكفي من المعطيات حول الموضوع المدروس من دراسات وبحوث مسبقة. ثم سمة التنظيم، فلا قيمة لعمل غير منظم ولا يحترم تنظيما منطقيا يساعد المطلع على فهم واستيعاب الموضوع من البداية الى النتيجة الأخيرة. وكذلك سمة البحث عن الأسباب، بمعنى ضرورة معرفتها بشكل دقيق لانها تساهم في أول مراحل المعرفة وهي أصناف، أسباب مادية، وصورية، وفاعلة، وغائية. ثم سمة الشمولية واليقين، وهو يقين ذاتي ويقين نفسي، الشيء الذي يساعد على التأكد من ما تقدمه من معطيات. وأخيرا الدقة والتجويد، فلا عمل بدون دقة معرفية ومنهجية لتجنب كل اشكال التناقض والشكوك، اما عن التجويد فهو ما يضفي جمالية وحنكة على العمل.وعرج الكاتب على مجال اخر لا يقل أهمية عن الأول، وهو عقبات في طريق التفكير العلمي، حيث تحدث في هذا المحور على مرحلة الأسطورة والخرافة التي سادت التفكير الإنساني لوقت مهم من الزمن، وساهمت في خلق نمط تفكير تأثر بالمنطق الأسطوري الذي بني على الخرافة والخيال، ثم تحدث عن مشكلة الخضوع للسلطة وهو ما ينم عن عجز وافتقار الى الروح الخلاقة وبالتالي التأثر بالأفكار الموروثة، وثقافة انتشار الرأي واشكالية الشهرة والتي قد تؤثر سلبا على مجرى العلم وتطوره وأخيرا أشار الى انكار قدرة العقل في مرحلة من المراحل بما يحمله من حدس ونبوغ وتدافع، وفصل في الحديث عن الحدس هنا بين الحدس الحسي والحدس في المجال العقلي، وحدس عاطفي وحدس صوفي وحدس فني. ومميزات الحدس هنا ثلاث معرفة مباشرة ولب الموضوع ومعرفة فردية. كما تحدث عن التعصب كاعتقاد باطل وكدا الاعلام المضلل حيث تنقل المعلومات بشكل غير معقول وتوصيلها الى المتتبع بطريقة مغلوطة.
ان ما أثار انتباهي في الكتاب المحور الذي خصصه للمعالم الكبرى في طريق العلم، حيث الرجوع الى اهم المحطات التاريخية العظيمة التي عرفتها المعرفة على مر الزمان، من خلال رصد ما عرفته العصور القديمة من لحظات فكرية وعلمية مهمة، وما لعبته من أدوار في تطوير حياة الانسان. بدءا بالعالم القديم الذي طغى عليه التحيز الحضاري والسعي نحو تصحيح الصور التقليدية الشائعة، والعصور الوسطى التي وجب التمييز فيها بين العلم الإسلامي، وأوروبا في العصر الوسيط، وكدا ما حملته كل مرحلة من قضايا انسانية وفكرية كبيرة، كان لها دور مبير في تغيير ملامح الحضارة الإنسانية، سواء في مرحلتها الأولى التي جاء فيها الإسلام وبصم بصمته الكبير في حياة البشرية، وما تلاها من اعلام وقامات دينية وفكرية مهمة، ساهمت في ابداع مفاهيم جديدة، غيرت من أولويات الانسان وتوجهاته. والعصر الحديث الذي تجدرت فيه المذاهب الفكرية الكبرى في الفكر الفلسفي وعلى رأسها المذهب التجريبي مع المفكر فرنسيس بيكون، ثم بعد ذلك المذهب العقلاني مع المفكر الكبير روني ديكارت.
انتقل الكاتب بعد ذلك الى محور اخر خصه للعلم والتكنولوجيا، وركز فيه على التحولات الجوهرية في العلم بفعل التكنولوجيا، وهنا اختلف زوايا مقاربة المفكرين لهذا الاشكال، تيار ذي النزعة التي ترفض إمكانية المزاوجة بين العلم والتكنولوجية، وهي نظرة تقليدية ومحافظة، وتيار يدعو الى ادماج التكنولوجيا في العلم، وأكد على أهمية الالة في اخراج الانسان من مختلف أشكال العبودية، وهناك تيار ثالث اختلف مع التيارين السابقين، واعتبر الالة ما هي الا وسيلة لخدمة الانسان.
انتقل الكاتب في محور آخر ليدخل غمار لمحة عن العلم المعاصر، من خلال دراسة مجموعة من الأسس. أولها الأساس النظري حيث طغت الميكانيكا في المحل الأول، وتجلى ذلك في الحملة التي أقيمت على التفكير الغيبي والميتافيزيقي، وظهور الفلسفة الوضعية مع المفكر اوكست كونتauguste comte ، وما قدمه الطبيب الفرنسي المشهور كلود برنار في التعبير عن المرحلة حيث انتصار النظرة الآلية على العالم انتصارا مطلقا.
وفي مستوى ثان تحدث الكاتب عن الوضع الحالي للعلم في القرن العشرين، وما خلفته الثورة العلمية بكيفية هائلة في المجال العلمي، وتضاعفت كمية المعرفة البشرية التي كانت تستغرق السنين الطوال في العصور الماضية، كما عرفت مجموعة من المجالات الأخرى تطورا سريعا خصوصا في مجال الأسلحة والميدان العسكري. كما انتقل المؤلف الى الابعاد الاجتماعية للعلم المعاصر، من خلال الحديث عن العلم وعلاقته بالمجتمع والأوضاع الجديدة التي تعيشها المعرفة، وطفت على السطح إشكالات أصبحت تؤرق الانسان كمشكلة البيئة وظواهرها المختلفة، ومشكلة الموارد الطبيعية الأساسية، ومشكلة العلو والقيم الإنسانية حيث الخروج على الاطار العادي واستبداله بالأنانية، والمصلحة وحب الاستهلاك.
وقد اختتم المؤلف بالحديث عن شخصية العالم والصفات التي ان يتحلى بها في ارتباطه بالعلم كنشاط عقلي يقوم به علماء متخصصون ويتخذ طابعا لا شخصيا، وان كل ما يتوصل به العالم يصبح ملكا للبشرية جمعاء. وعرج على العناصر الأخلاقية في شخصية العالم، كالأخلاق المتصلة بعمله العلمي، والتفرقة بين المسلك الشخصي والمسلك الذي يمس العلم تفرقة هامة، وان يتحلى بالروح النقدية حيث لا يتأثر بالمسلمات السائدة والشائعة، والقدرة على تحمل نقد الاخرين، والنقد الذاتي، وان يتصف بالنزاهة قدر الممكن من حيث الموضوعية والحياد.
لا يمكن اليوم حسب الكاتب فصل الاخلاق عن العلم المعاصر، ففي مطلع العصر الحديث انهار منطق المثل الأعلى القديم للمعرفة، وحل محله العلم لأجل العلم، فأخذ العلم يسعى الى تحقيق الهدف نفسه في مجال الانسان، واتيحت فرصة التقريب بين المعرفة العلمية والتطبيق العلمي. كما اننا اليوم امام اثارة لمشكلات تتعلق بكيفية استخدام العلم والغايات التي ينبغي ان يخدمها. كما استطاع العلم اقتحام مجال النفس الإنسانية والمجتمع البشري، إيذانا بعهد جديد يقترب فيه العلم من صميم المشكلات العملية للإنسان. فلا مفر من البحث عن النتائج الأخلاقية للعلم والتأمل بعمق في مسار التفكير العلمي.


مرحبا بك في بوابة علم الاجتماع
يسعدنا تلقي تعليقاتكم وسعداء بتواجدكم معنا على البوابة