![]() |
| كيف نفهم علم الاجتماع |
ماهية علم الاجتماع
نعيش - في مطلع القرن الحادي والعشرين - في عالم حافل بالقلق والتوتر، غير أنه ينطوي على وعود خارقة للعادة بالنسبة إلى المستقبل. إنه عالم متسارع التغير، تشوبه الصراعات العميقة، والتوترات ومظاهر التفكك الاجتماعي، كما أنه يتعرّض لهجمة شرسة من جانب التقانة الحديثة على البيئة الطبيعية. غير أن بوسعنا أن نتحكم بمصيرنا ونشكل حياتنا ونسيّرها نحو الأفضل على نحو لم تكن الأجيال السابقة قادرة على تصوّره في جميع الأحوال .تُرى ، كيف وصل عالمنا المعاصر إلى هذه الحال ؟ ولماذا تغيرت واختلفت ظروف حياتنا عمّا كانت عليه في عهد آبائنا وأجدادنا ؟وما الجهة التي سيتخذها التغير في المستقبل ؟ هذه هي بعض الأسئلة التي تتخذ مكان الصدارة في اهتمامات علم الاجتماع، وهو مجال الدراسة التي تتولى بالتالي دوراً حيوياً في الثقافة الفكرية الحديثة.
إن علم الاجتماع معني بدراسة الحياة الاجتماعية والجماعات والمجتمعات الإنسانية. إنه مشروع مذهل وشديد التعقيد لأن موضوعه الأساسي هو سلوكنا ككائنات اجتماعية. ومن هنا فإن نطاق الدراسة الاجتماعية يتسم بالاتساع البالغ، ويتراوح بين تحليل اللقاءات العابرة بين الأفراد في الشارع من جهة، واستقصاء العمليات الاجتماعية العالمية من جهة أخرى.
إن الكثرة الكاثرة ما ترى العالم من خلال الملامح المألوفة لدينا في حياتنا ويُظهر علم الاجتماع لنا الحاجة لإلقاء نظرة أوسع على الأسباب التي جعلتنا في ما نحن عليه الآن، والأسباب التي تدعونا إلى العمل والتصرّف بهذه الطريقة أو بتلك. إنه يعلمنا أن ما نعتبره طبيعياً، ومُحتماً، أو حَسَناً وصحيحاً قد لا يكون كذلك في واقع الأمر، بل إن "مُعطيات" ، حياتنا تتأثر تأثراً كبيراً بقوى اجتماعية وتاريخية، ومن هنا فإن فهم الطرق العميقة الخفية والمركبة التي يعيش فيها الفرد، إنما يُمثل السباقات التي تكتنف تجربتنا الاجتماعية، وهي التي تنطلق منها النظرة السوسيولوجية
تطوير نظرة علم اجتماعية
إن تطوير التفكير بصورة سوسيولوجية، وبعبارة أخرى، اتخاذ نظرة واسعة وأكثر شمولاً، يعني من جملة أمور أخرى شحذ المُخيلة. إن دراسة علم الاجتماع ليست مجرد عملية روتينية لاكتساب المعرفة. إذ يُفترض في عالم الاجتماع أن يكون قادراً على التحرر من الظروف الشخصية المباشرة ويضع الأمور في سباق أوسع. والعمل السوسيولوجي، على ما يرى المفكر الأمريكي س. راست ملز في عبارة مشهورة ، يعتمد على إعمال المخيلة السوسيولوجية ( 1970 , Mills )إن المُخيّلة الاجتماعية تتطلب منا في المقام الأول أن ننأي بأنفسنا عن المجربات الروتينية ليتسنى لنا أن نلقي عليها نظرة جديدة. أنظر على سبيل المثال إلى تناولنا فنجاناً من الفهرة ، ما الذي يمكننا قوله ، من ناحية علم الاجتماع ، عن هذا التصرف الذي لا يبدو في ظاهرة مثيرة للاهتمام ؟ إن بوسعنا أن نقول الكثير في واقع الأمر.
☺️ يمكننا أن نشير أول الأمر إلى أن القهوة ليست مجرد شراب منعش أو منبه، بل إن لها قيمة رمزية باعتبارها جزءا من أنشطتنا الاجتماعية اليومية والطقوس التي صاحب أحتساء القهوة أهم من استهلاكنا لها. إن فنجان القهوة أو الشاي لكثير من الناس في الشرق أو الغرب هو علامة فارقة في روتين السلوك الشخصي، إنه خطوة رئيسية أولى لبدء نشاط ذلك اليوم، وقد يتلوه تناول ذلك الشراب في وقت لاحق في ذلك اليوم مع آخرين، مما يُحوّله إلى واحد من الطقوس الاجتماعية. وعندما بلف اثنان لتناول القهوة سوياً ، فإنهما ربما يكونان مهتمين باللقاء والحديث أكثر من اهتمامهما بشرب القهوة، وتناول الشراب والطعام بمثل في جميع المناسبات فرصة للتفاعل الاجتماعي وممارسة الطقوس، وتمثل هذه اللقاءات مجالاً خصباً للدراسة الاجتماعية.
![]() |
| يحتسي الكثيرون القهرة سعياً وراء هذه الجرعة الإضافية من التنبه |
3 ومن جهة ثالثة ، فإن الشخص الذي يتعاطى القهوة يدخل في مجموعة مُعقدة من العلاقات الاجتماعية والاقتصادية التي تمتد إلى أنحاء أخرى من العالم . فالقهوة هي أحد المنتجات التي تربط الناس في أغنى البلدان وأفقرها في مُختلف أرجاء المعمورة : فهي تُستهلك بكميات هائلة في الأقطار الغنية ولكنها تُزرع وتُنتج أساساً في البلدان الفقيرة . وتحتل القهوة المرتبة الثانية بعد النفط باعتبارها السّلعة الأكثر أهمية في التجارة العالمية ؛ إذ إنها تُزوّد العديد من الأول بالمصدر الأكبر للتبادل الخارجي . كما أن إنتاج القهوة ونقلها وتوزيعها يتطلب التعامل والتبادل بين أناس يبعدون آلاف الأميال عمّن يشربونها . وتقع هذه المبادلات التجارية العالمية في صلب اهتمامات علم الاجتماع ، إذ إن جوانب عديدة من حياتنا تتأثر بعوامل اجتماعية وبالتقدم في مجال الاتصالات في جميع أنحاء العالم .
丩 ومن جهة رابعة، فإن ارتشاف القهوة يُفترض مساراً كاملاً لمراحل مُتلاحقة من التنمية الاجتماعية والاقتصادية. فالقهوة، شأنها شأن الكثير من مُفردات التغذية في الغرب ، كالشاي والموز والبطاطا والشعر الأبيض ، لم يبدأ شيوعها وانتشارها إلا في أواخر القرن التاسع عشر. ورغم أن القهوة قد بدأت في الشرق الأوسط ، فإن استهلاكها بكميات ضخمة قد بدأ مع عمليات التوسّع الغربي قبل ما يقرب من قرن ونصف القرن. ويأتي معظم ما نتعاطاه اليوم من القهوة من مناطق ( في أمريكا الجنوبية وأفريقيا ) استعمرها الأوروبيون ، وهي بالتالي ليست بهذا المعنى جزءاً طبيعياً » من الغذاء الغربي . كما أن الإرث الاستعماري قد تَرَك بمجمله آثاراً هائلة على تطور تجارة القهوة الدولية.
5وخامساً ، لا يفوتنا أن نذكر في هذا المجال أن القهوة هي من المنتجات التي تقف في مقدمة المساجلات الراهنة حول العولمة ، والتجارة الدولية ، وحقوق الإنسان ، وتقويض البيئة . فمع انتشار القهوة وتزايد شعبيتها ، أصبح هذا المنتج مرسوماً ، ومُسيّساً ، كما أن القرارات التي يتخذها المستهلكون حول نوع القهوة التي يشربونها ومصادر ابتياعها قد اصبحت تُمثل خيارات الأسلوب الحياة . فقد
البشرة ؟ ما القيام بع تعليمك و علم الاج أكثر من ث الجامعيه من مهاد الرأي . فنا التي تعتق يفضل بعض الناس تناول القهوة العضوية ، أو القهوة الخالية من الكافيين أو ثلاه التي تجري المتاجرة بها بأسلوب مُنصفه ( أي بموجب مبادلات يجري فيها دفع أسعار السوق كاملة لمنتجي القهوة الصغار في البلدان النامية ) . كما أن آخرين قد يساندون مؤسسات المستقلة ، بدلاً من سلسلة المحلات الكبرى ، التي تُزوّده بالقهوة مثل مقاهي ستاربكس . وربما يقاطع من يتعاطون القهوة منتجاتها من بلدان محددة ذات سجل سبي في مجال حقوق الإنسان والعناية بالبيئة . ويهتم علماء الاجتماع أيضاً بدراسة أثر العولمة في تزايد حدة الوعي لدى الناس تجاه قضايا ومشكلات تبرز في أقاصى الأرض ، ولكنها تدفعهم إلى اتخاذ مواقف مُعيّنة انطلاقاً من وعيهم لآثار هذه التطورات على حياتهم .
دراسة علم الاجتماع
تتيح لنا المخيّلة الاجتماعية أن ندرك أن كثيراً من الأحداث التي تؤثر في ظاهرها على الفرد فحسب إنما تعكس قضايا أوسع وأهم ، فقد يبدو الطلاق ، على سبيل المثال ، مسألة صعبة جداً أو ، كما يقول ملز، مشكلة شخصية، لمن يمرّ بها. غير أن الطلاق في الوقت نفسه قضية عامة في المجتمع كما هي الحال في بريطانيا الآن حيث ينهار أكثر من ثلث الزيجات خلال فترة لا تتجاوز عشر سنوات. والبطالة، كمثال آخر، قد تكون كارثة شخصية لشخص فَقَد عمله ولم يستطع أن بجد بديلاً في عمل آخر. غير أن الأمر يتجاوز حدود الخسارة الشخصية عندما تطال البطالة ملايين الناس في المجتمع فتغدو قضية عامة تعبر عن اتجاهات اجتماعية واسعة.ويجدر بكل واحد منا أن يطبق هذه النظرة على حياته الشخصية. وليس من الضروري أن تقتصر هذه الرؤية على الأحداث والقضايا الإشكالية . تأمّل، على سبيل المثال ، في الأسباب التي تدعوك إلى -قراء هذا المقال- أو تدفعك إلى دراسة علم الاجتماع . فقد تكون دارساً لعلم الاجتماع على مضض، لأن هذا المساق الدراسي هو من متطلبات الدرجة الجامعية التي تسعى إليها. ولعلك تكون راغباً بالفعل في معرفة المزيد عن هذا الموضوع . ومهما كانت الدوافع، فإنك تُشارك الآخرين في مسعاهم في دراسة علم الاجتماع، ومن دون أن تدرك ذلك بالضرورة. إن قرارك الشخصي هذا ينم عن موقعك في المجتمع الواسع حولك.
! فمثلاً : هل تنطبق عليك الخصائص التالية ؟ هل أنت في مقتبل العمر ؟ أبيض البشرة من خلفية مهنية اجتماعية تضم ذوي الباقات البيضاء ؟ هل قمت أو تعتزم القيام بعمل إضافي لزيادة دخلك ؟ هل تريد أن تجد وظيفة جيدة عندما تنهي تعليمك ولكنك غير حريص على تكريس جهدك للدراسة ؟ هل أنت غير ملم بماهية علم الاجتماع غير أنك تعتقد أن له علاقة باسباب سلوك الجماعات من الناس ؟ إن أكثر من ثلاثة أرباع القراءاء قد يجيبون بالإيجاب عن جميع هذه الأسئلة. إن الطلاب الجامعيين لا يُمثلون الناس جميعاً في المجتمع؛ لأنهم ينحدرون على الأغلب، من مهاد اجتماعي أكثر حظوة، وهم في العادة يُشاركون أصدقاءهم ومعارفهم الرأي. فالبهادات الاجتماعية التي ننشأ فيها تؤثر تأثيراً كبيراً على نوعية القرارات التي نعتقد أنها تناسينا .
ولنفترض في المقابل أن إجابتك ستكون بالنفي عن واحد أو أكثر من هذه الأسئلة. فقد تكون نشأتك في إحدى الأقليّات الاجتماعية أو في أسرة فقيرة. وقد تكون في أواسط العمر أو أكبر من ذلك. ومهما يكن من أمر، فإن من الممكن أن نخلص إلى استنتاجات أخرى، فربما عانيت وكافحث لتصل إلى الحالة التي تجد فيها نفسك الآن؛ وربما كان عليك أن تُذلّل ردود الفعل المعادية من جانب أصدقائك وأشخاص آخرين عندما أبلغتهم أنك تعتزم الالتحاق بالجامعة؛ أو أنك، من جهة أخرى، قد جمعت بين الدراسة العليا ومسؤولياتك بوصفك أباً، أو أماً، أو رب أسرة.
☺️ إن السباقات الاجتماعية التي نجد أنفسنا فيها تؤثر فينا جميعاً. غير أن هذه السباقات ليست هي وحدها التي تسير سلوكنا وتتحكم به. فنحن نملك بل ونصنع شخصيتنا الفردية.
ومن المهمات التي يضطلع بها علم الاجتماع أن يتقصي الترابط بين ما يفعله بنا المجتمع من جهة، وما نفعله بأنفسنا من جهة أخرى . إن أنشطتنا تبني، أي تُشكل العالم الاجتماعي حولنا مثل ما العالم الاجتماعي يبني ويُشكل هذه الأنشطة في الوقت نفسه .
إن مفهوم البنية الاجتماعية هو من الموضوعات المهمة في علم الاجتماع. فهو يشير إلى أن السياقات الاجتماعية في حياتنا لا نتكوّن من تشكيلة عشوائية من الأحداث والأفعال، بل إنها تُبنى أو تُصاغ بأساليب متميزة، وهناك إيقاعات منتظمة لأساليب السلوك والعلاقات التي يقيمها أحدنا مع الآخر. بيد أن البنية الاجتماعية لا تشبه البنية المادية الطبيعية التي نشاهدها في العمارات مثلاً، ذلك أن الأخيرة قائمة بنفسها بصورة مستقلة بمعزل عن الفعل الإنسائي. أما المجتمعات الإنسانية فإنها في حالة مستمرة من التباني والتشكل. إنها تُبنى وتُشكل من جديد كل لحظة من جانب الطوب أو لبنات البناء التي شكلتها وكوّنتها قبل قليل ، أي ، بعبارة أخرى، من جانبنا نحن البشر.
وعلى سبيل المثال، تأمّل مرة أخرى مسألة القهوة. إن فنجان القهوة لا يصل إلى متناول يدك بصورة عفوية آلية. فانت الذي تتوجه إلى المقهى او المتجر لتحصل على القهوة ثم تتناولها سوداء أو بيضاء كما تشاء. وفي الوقت الذي تتخذ فيه هذه القرارات، أنت وملايين أخرى من الناس، فإنك تسهم في بناء سوق القهوة وتشكيلها وتؤثر في حياة مُنتجيها الذين قد يعيشون ويسكنون في بقعة نائية من العالم تبعد عنك آلاف الأميال ... ☺️
من كتاب علم الاجتماع للكاتب امتوني جدنز ( ص 47 - 54)
هل اعجبك الموضوع ؟ شاركه مع المهتمين شكرا
♡ إدعمنا بمشارك المنشور مع المهتمين . شكرا


مرحبا بك في بوابة علم الاجتماع
يسعدنا تلقي تعليقاتكم وسعداء بتواجدكم معنا على البوابة