📁 آخر الأخبار

الجامعـة و الانفـتـاح على المحيـط الخارجي الإنتظـارات و الرهـانات

الجامعـة و الانفـتـاح على المحيـط الخارجي الإنتظـارات و الرهـانات
الجامعـة و الانفـتـاح على المحيـط الخارجي

 الجامعـة و الانفـتـاح على المحيـط الخارجي الإنتظـارات و الرهـانات

 مــكانة الجـامعة في المـجتـمع:


      لعل من أهم المسلمات التي أصبحت شائعة في أدبيات التنمية، هي مسلمة"الاستمرارية" أو"الحياة"، والتي مفادها أنه إذا أردت أن تبني لسنة ابن مصنعا، وإذا أردت أن تبني للحياة فابن جامعة.

     هذه إشارة واضحة إلى أهمية المكانة التي تحتلها الجامعة في حياة الأمم والشعوب، وذلك بالنظر إلى رسالتها التعليمية والعلمية، والاجتماعية والروحية والسياسية والحضارية، فضلا عن قيادتها عملية التغيير الاجتماعي، باعتبارها العمود الفقري للتقدم، وقمة الهرم الأكاديمي المنتج للمعرفة.

     وكلنا يدرك أن الجامعة كانت ولا زالت تشكل ركنا أساسيا في بناء الدولة العصرية، وولوج مجتمع المعرفة بكل تحدياته. ولذا، قد يكون من غير المبالغ فيه القول بأن الجامعة كمنارة علم، وحقل استثمار لمد المجتمع بما يحتاجه من متخصصين وخبرات؛ صارت قاطرة أمل في التنمية وسور الأمة الحصين.[i]

       وبهذا الخصوص، نكاد نلمح إجماعا بين الدارسين، على أن التعليم العالي يشكل ثروة كبيرة لا تقدر بثمن، وأن المؤهل للقيادة والأقدر على الاختيار واتخاذ القرار،هو

من ينتج ويمتلك المعرفة التي صارت المورد الاستراتيجي الجديد في الحياة الاقتصادية.

      إن الجامعة الجزائرية مدعوة اليوم لرفع التحدي، والحرص على إنتاج النخبة العلمية والاستثمار أكثر في المعرفة، وتكوين أجيال تتميز بالكفاءة والصرامة العلمية،والولاء للوطن، أجيال تدرك قيمة العلم والمعرفة، ودورهما في ازدهار الشعوب، وتحقيق التنمية المستدامة. وغير خاف أن ترقية وتطوير المؤسسة الجامعية، هو واجب يخص كل من يهتم بمستقبل شعبه، ومصير أمته، كما أن تحويل الجامعة إلى ورشة بحث، صارت مطلبا ضروريا لمواكبة ثورة المعلوماتية التي تتدفق كأمواج هادرة. وعليه، تكاد تتفق معظم التحليلات حول طبيعة العلاقة الجدلية بين الجامعة والمجتمع،على أن علاقات التأثير المتبادلة بينهما، هي علاقات مشاركة وتفاعل.

       وفي هذا الإطار، تؤكد الشواهد الواقعية أن نجاح الجامعة* في أي مجتمع يتوقف على مدى تفاعلها معه والاقتراب منه. والحقيقة، أن جانبا لا يستهان به من التراث العلمي المرتبط بهذه المسألة، قد استوعب عددا من المحاولات التي بذلت لتحديد مسؤولية الجامعة في التنمية الاجتماعية والاقتصادية، ومساهمتها بفعالية وإيجابية في تلبية حاجات الفرد والمجتمع الفورية والمستقبلية.[ii]

       وتتأكد أهمية انفتاح الجامعة على محيطها الاجتماعي والاقتصادي، في ربط التعليم الجامعي بحياة الناس ومشكلاتهم، وحاجاتهم وتطلعاتهم، دون إغفال أهمية دورها في بناء القدرات والمهارات، وتطوير وتحسين أداء الأفراد في المجتمع. ومن ثم تتحول الجامعة – إذا فقدت قدرتها على التنافس وقيادة التغيير الاجتماعي-، إلى مؤسسة للاسترزاق وخلق الصراع حول قضايا تافهة بغرض تحسين الظروف المعيشية  أو الارتقاء في السلم المهني والتباهي".

        وبالنظر إلى التشكيلة البشرية المتحكمة في مسار الجامعة الجزائرية، وتحولها إلى قوة بيروقراطية متسلطة همها الوحيد بناء العلاقات "للبقاء والاستفادة"، فإن آفاق تطورها بات محدودا رغم ما تبذله الدولة من مجهودات جبارة لجعل جامعاتنا قلاعا علمية، ومصانع تصنع العقول، لمواكبة التحولات التي يشهدها مجتمع المعرفة.

           وإذا كانت الدراسات الاجتماعية، تؤكد أن الجامعة مرتبطة أيما ارتباط بالمجتمع، تتفاعل معه وتؤثر فيه وتتأثر به، فإن الشواهد الواقعية تقدم صورة قاتمة عن ممارسات التعتيم والتضليل والتجهيل من ناحية، وبقاء مؤسساتنا استاتيكية* لا تراوح طروحات التايلورية والمحسوبية. فهي غارقة في الصراعات والفساد وهدر المال العام، فضلا عن السلبية واللامبالاة التي أصبحت طاعونا ينخر جسم مؤسساتنا المتعبة من ويلات الزمان وتآمر ذويها على تخريبها.

           فإذا كان التقدم هو الغاية من تلك العلاقة الجدلية بين المجتمع والجامعة، فإن درجة التقدم الاجتماعي تتوقف على مقدار المعرفة المتوافر لدى المجتمع. ولا غضاضة أن نقر بهزالة هذا "المقدار" عندنا، وبهزالة الجامعة ومؤسسات المجتمع الأخرى الغارقة في الترقيع وإعادة إنتاج واقعها المأساوي. وإذا كان كذلك، فليس بمقدورنا سوى العودة إلى طروحات منظري التنمية، والقائلة بأن التعليم عندنا وظف لإعادة إنتاج التخلف، لأن نوع الفرد يتوقف على ما تقدمه له المؤسسة التعليمية. وليس من المستغرب إذن تأكيد الأطروحة القائلة بأن الفرق بين المجتمعات هو فرق الإنسان بما يحمله من علم وفكر وثقافة، وقدرة على الإبداع والإنتاج والتطور.

          وهذا ما يؤكده الكثير  من الباحثين الذين ميزوا بين خصائص المؤسسة الرشيدة (مركز الضبط والإشراف، الكفاءة، الفنية، تقسيم العمل) والسلوكية (الموضوعية، الدقة والاتساق، حرية التصرف). ومن الواضح أن هذه الأخيرة تتصل بالفرد وتصرفاته وتجعل المؤسسات تختلف فيما بينها. ومن ثم لم يكن من قبيل المبالغة قولنا أن الخصائص السلوكية كانت دائما نتاجا لطبيعة البنية الاجتماعية  والاقتصادية السائدة. زد على ذلك أن الجامعة أصبحت مثل بقية المؤسسات الأخرى التي يحكمها – على حد تعبير كروزيي- الروتين، وتسودها المنافسة المشبعة بثقافة المصلحة والأنانية.

           واتساقا مع هذا التصور، أشير إلى أن جامعاتنا، مازالت تعنى بنشر المعرفة المستوردة دون إنتاجها، والأدهى والأمر من هذا، أنها تعد طلبتها بطريقة سريعة (الضحالة، وضمور العام الدراسي بسرعة: كثرة الأعياد والعطل والمهرجانات)،ودونما اعتبار لحاجات التنمية وحركية البيئة الخارجية المدفوعة برياح العولمة واقتصاد المعرفة. وثمة أدلة وافية تؤكد أن هذا النمط من التعليم العالي يشكل عبئا على التنمية وعائقا لها، ويؤدي إلى خلق الكثير من المشكلات الاجتماعية والاقتصادية التي يرتبط، في مجملها ببطالة الجامعيين، وضعف العائد من التعليم العالي. ومن هذه الزاوية يمكننا فهم مصداقية الأطروحة القائلة بأن الدولة التي لا تدرك أن المعرفة هي اليوم العامل الحاسم الأكثر أهمية للانتقال من التخلف إلى التطور، ستجد نفسها على هامش مسيرة التقدم. وما يخيفني هنا أكثر، وبحكم الحقائق المتوفرة عن مستوى المورد البشري، وتحويل الجامعات إلى مدارس عليا، هو تحقق أطروحة سمير أمين عن بقاء مهمشي اليوم هم مهمشو الغد، وبقاء المراكز الأساسية المهيمنة اليوم في موقع المتحكم والمحدد لمسارات المستقبل.

         وكنتيجة لذلك، صار التعليم المستمر مطلبا أساسيا، وضرورة من ضرورات البقاء، كما أن الارتقاء بالثروة البشرية لن يحققه إلا تعليم تتوافر فيه شروط الجودة الكلية في كافة مراحله ومستوياته. وهذا ما يفرض علينا تحويل المخزون المعرفي في الجامعة إلى منتجات ذات قيمة إقتصادية، إلى جانب تحويل مخرجات البحث إلى واقع ملموس، وتحويل الجامعة إلى مخبر للبحث المتواصل.[iii]

         وفي المقابل لابد من الإشارة إلى ضرورة تحرير الجامعة من الروتين وتحديث الإدارة، دعم المناخ الأكاديمي، تشجيع البحث العلمي، استثمار طاقة الأستاذ والإفادة من تخصصه ومن انجازاته العلمية، فضلا عن تشجيع الابتكار والإبداع، ووضع برامج بحثية طموحة، والاستثمار في التعليم وتحويله إلى تعليم منتج، وجعل الابتكار أسلوب حياة الجميع من ناحية، والإنتاج العلمي السلاح الأول لولوج سوق المعرفة والمنافسة العلمية من ناحية أخرى...

للإطلاع على الملف كاملا المرجو تحميلة من الرابط أسفله 

الجامعـة و الانفـتـاح على المحيـط الخارجي pdf



[i]- جاسم محمد زكريا، دور التعليم الجامعي في تكوين التفكير العلمي، دراسة تحليلية ناقدة في جدالية الدور والأداء واستحقاقات التنمية، جامعة دمشق، 2010، 04.

*ألم يحن الوقت بعد لإعادة النظر في تصنيف الجامعات القلئم على أساس مكافأة المنطقة، و كذا مراجعة مصداقية الوظيفة المزدوجة (أستاذ ومحامي في نفس الوقت) و تداعياتها.

2- عبد الرحمن العيسوي، تطوير التعليم الجامعي العربي، الإسكندرية، منشأة المعارف، ص 10.

     - أنظر أيضا: محمد منير مرسي، التعليم الجامعي المعاصر: قضاياه واتجاهاته، القاهرة، دار النهضة المصرية، 1977، ص27.

[iii] - للتوسع في هذا الموضوع، أنظر: قيرة اسماعيل ," الميكانيكية و طقوس المرور", مجلة البحوث و الدراسات الإنسانية العدد 01,2009

  - محمد مراياتي، اقتصاد المعرفة: تكنولوجيا المعلومات والتعريب، اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا، الاسكوا، بيروت، 2010، ص 7-11.

* في ظل الظروف السائدة لا فرق بين ذوي الخبرات العالية وبين مفتقديها ‼!

♡ إدعمنا بمشارك المنشور مع المهتمين . شكرا
فريق موقع بوابة علم الاجتماع
فريق موقع بوابة علم الاجتماع
تعليقات