المنهج الكيفي I I : الفهم ، التأويل و التفسير في مقاربة الهوية والمجالات الاجتماعية
تدرس مقاربة الهوية والمجالات الاجتماعية المجالات الاجتماعية ، بصفتها مجالات تفاعلية فهي تنطلق من المجال الاجتماعي كوحدة للتحليل السوسيولوجي بهدف فهم طبيعة النموذج الثقافي الذي يحكم التفاعلات التي تتم في هذه المجالات الاجتماعية وبذلك تتجاوز المفاهيم السوسيولوجية الكلاسيكية للمجتمع كبنية " فمفهوم المجال يتجاوز هذه المفاهيم مثل المجتمع ، الضمير الجمعي النسق الاجتماعي لأنه في اعتقادنا أن مضمون هذا المفهوم عملي يتحدد من طرف المبحوث نفسه>
فالمبحوث هو الذي يحدد المجال أو المجالات التي يتفاعل فيها فعليا ويحدد كذلك شدة ومدة التفاعل فمن خلال تحديد أو فهم النموذج الثقافي لهذا المجال ، تتحدد الهوية التي يعمل المبحوث على إنتاجها وإعادة إنتاجها من خلال ممارساته وتفاعلاته اليومية في هذا المجال الاجتماعي ،ففكرة المجتمع عند علماء الاجتماع الكلاسيكيين الوظيفيين خاصة ، هي التي تحدد علاقة الفرد بذاته و بالآخرين وهي تقوم على الحتمية الاجتماعية والثقافية وأن هذا الفرد هو مجرد مستدمج للقيم التي يضعها النسق الاجتماعي وهو الذي يحرك الفرد و تمثلاته للعالم ،كما أن الحتميات المادية عند الماركسيين تعتقد بان الفرد هو مجرد مستهلك وأن وجوده في طبقة اجتماعية ما هو الذي يحدد وعيه و ذاته كفرد و بالتالي فان أي تفسير للواقع الاجتماعي هو مرتبط بأسبقية البنية على الفرد إلا أن قراءتنا للواقع الاجتماعي والملاحظة اليومية بينت لنا أن المجتمع كمفهوم افتراضي لم يعد قادرا على فهم متغيرات الواقع الجديد بكل مؤشراته وبالتالي ارتأينا أن الدراسة السوسيولوجية تأخذ المجال الاجتماعي كوحدة للتحليل بالمفهوم الذي ذكرناه سابقا .
I.1 -المجالات الاجتماعية بأية مقاربة منهجية ؟
تبين لنا من خلال تتبعنا لمضمون الإنتاج السوسيولوجي، أنه مازال خاضعا لنمطية منهجية مبنية مسبقا من طرف الباحث أي نمطية وأسبقية الإجراءات المنهجية على موضوع المعرفة مما يجعله غير قادر على إنتاج معرفة علمية أصيلة ، جديدة كون هذه النمطية جعلت الباحث مغتربا للأدوات المنهجية (المنهج والأداة) عوض أن يكون واعيا بموضوع بحثه و بالأدوات المنهجية التي تناسب موضوعه وفي نفس الوقت يكون هذا الباحث مندمجا كليا في موضوع بحثه بمعنى أن يقترن وعيه العلمي باغترابه أي أن يكون واعيا وعيا علميا بأن يتحلى الباحث باليقظة الابستمولوجية والنظرية التي تتجاوز العوائق لتي يمكن أن تحجب المعرفة على الباحث .
ووعيا منهجيا أي بمعنى انه لا يسقط في النمطية المنهجية و في نفس الوقت يكون مندمجا كليا في موضوع بحثه و هذا ما نطلق عليه من وجهة نظرنا اقتران الوعي العلمي بالاغتراب ، فالواقع السوسيولوجي المعاصر نجد أنه تجاوز نمطية الفكر السوسيولوجي الكلاسيكي و تحرر من الحتميات الاجتماعية والثقافية والمادية ، بحيث انه كسر الأطر المعرفية التقليدية التي كانت تؤطره و أنتج أشكال معرفية جديدة ويظهر ذلك في المنظورات السوسيولوجية المعاصرة التي تنطلق في تصورها من الفرد كذات له القدرة على إنتاج تفاعلاته في المجالات الاجتماعية وليس كفرد تابع آليا للبنية والظاهرة و العلاقة و النسق الاجتماعي ،مما يتبين أن الفكر السوسيولوجي قد تحرر من الحتميات التي تقيد الباحث وتجعله غير قادر على انتاج معرفة جديدة تنطلق من أطروحات الفعل والتفاعل ، فالعلاقة بين المجال و الفرد كانت علاقة حتمية، في الأطروحات الكلاسيكية بينما في الأطروحات المعاصرة فان هذه العلاقة هي من تشكيل المبحوث انطلاقا من تفاعلاته بعكس المدرسة الوضعية التي ترى أن الظاهرة الاجتماعية تخضع للقوانين ومن ثم جاءت هذه المقاربة لتحرر الباحث من هذه الحتميات المفروضة مسبقا ، من جهة أخرى تكشف لنا هذه المقاربة عن التقسيمات الموجودة في المجال سواء العمراني أو الاجتماعي وكيف تشكلت المجالات وهويتها ، فهي تنطلق في تحليلها من تحديد طبيعة المجالات العمرانية الاجتماعية وخصوصيتها وتنطلق مما هو كائن أي من التفاعلات اللحظية للأفراد ، فما هي الافتراضات التي تقوم عليها هذه المقاربة ؟
مرحبا بك في بوابة علم الاجتماع
يسعدنا تلقي تعليقاتكم وسعداء بتواجدكم معنا على البوابة