في تباين المواقف تجاه الاحتجاجات القطاعية و الجهوية الاجتماعية و التنموية في تونس
جعفر حسين، باحث تونسي في علم الاجتماع
تصاعدت في الفترة و الأونة الأخيرة تجاه الاحتجاجات القطاعية و الجهوية الاجتماعية
و التنموية في تونس خاصة بعد الاتفاق التي وقعته الحكومة التونسية أخيرا مع جهة تطاوين من الجنوب التونسي فكثرت الاحتجاجات في العديد من المناطق و الجهات و كذلك العديد من القطاعت المهنية.
إن هذه الاحتجاجات القطاعية و الجهوية الاجتماعية و التنموية تباينات مختلفة حولها فما هي مختلف هذه المواقف؟
الموقف الأول هو الذي يساند و يدعم هذه التحركات، فهذه الفئة تعتبر أن المطالب مشروعة بعد سنوات من المماطلة و التسويف، فالدولة بالنسبة لهؤلاء مطالبة بتحقيق مطالب القطاعات المهنية و الجهات و مختلف شرائح المجتمع استنادا إلى ما حققته العديد من القطاعات المهنية في تونس منذ 2011 من مكاسب مادية و مهنية.
إن الدولة حسب هذا الموقف هي راعية اجتماعية فمن واجبها توفير كل الضروريات الحياتية
و الأساسية للمواطن و القطاعات الحيوية(التعليم و الصحة) و توفير التشغيل و التنمية في الجهات.
الموقف الثاني فهو رافض لهذا الاحتجاج و هذه التحركات الاجتماعية و القطاعية و الجهوية داعين إلى هدنة قطاعية و اجتماعية لفترة زمنية طويلة حتى تستقر الحكومة و النظام السياسي و تنكب على معالجة المشاكل الاقتصادية و الاجتماعية ففي نظر هؤلاء فإن المطلبية الاجتماعية المفرطة أضرت الاقتصاد الوطني و تركت الدولة في مأزق لعدم قدرتها على الالتزام بتعهداتها الداخلية و الخارجية ضمن منطق ما يسمى"حب الوطن و المصلحة الوطنية" و كل مرة يقال أن الوقت لا يسمع و في حالات يبرر للبعض و يمنع للبعض الآخر.
إن كلا من الموقفين لهما مبرراته و خلفياته لكن هناك مجموعة من الحقائق الملموسة التي جعلت البلاد في هذه الوضعية، فهناك أولا تشتت في النظام السياسي التونسي إذ يلاحظ للمشهد أن السلطات الثلاث متشتتة و ليس هناك تنسيق فيما بينها إضافة للتجاذبات السياسية بين مختلف الفرقاء السياسيين التي لا تنتهي و بالتالي هذا يؤثر بشكل كبير على أداء أجهزة الدولة ككل، النقطة الثانية هي مسألة التنمية التي بقيت عائقا كبيرا للنهوض بالبلاد فجميع التحاليل
و القراءات و التوجهات الاقتصادية تبين عجز هذا النظام على التقدم باقتصاد و لم نجد من يقترح بديلا للنظام الاقتصادي الحالي إلا مزيدا من الخوصصة و تحرير المنتوجات و الانفتاح بدون ضوابط و مزيد من الاقتراض.
كما يهيمن منذ سنوات خطاب محدودية الإمكانيات المالية للبلاد فالمالية العمومية تعرف عجزا
و صعوبات كبيرة لكثرة المصاريف و قلة المداخيل لكن في المقابل تصرف أموالا لقطاعات مهنية معينة و لا تصرف لأخرى كما يصعد البعض سواء سياسيين أو إعلاميين أو ناشطين أو مدونين أو غير ذلك من الفاعلين الاجتماعيين و يصرح بشكل عاطفي و أناني بأن قطاع معين يستحق مثلا العلاج في مؤسسات صحية مخصوصة نظرا لمكانتهم الاجتماعية ألا هذا يعتبر تعدي على أبسط مقومات حقوق الإنسان في إظهار التمييز بين المواطنين و الذي يتعارض مع روح الدستور التونسي الذي نسمع صباحا مساءا بضرورة احترامه عندما يقع الانحراف بممارسته. إن كل ذلك يثير الاستغراب و الحيرة فهل الإمكانيات المالية شرعية بنسبة لقطاعات و غير شرعية لقطاعات أخرى و الصحة"الجيدة" على سبيل التوصيف هل لمواطن على آخر أو لقطاع مهني معين على آخر أسئلة تحتاج إلى إجابات غير موجودة إلى حد هذه اللحظة.
في النهاية إن المطلبية القطاعية و الجهوية هو أمر لن يتوقف في أي دولة من الدول فهو يعبر عن شكل من أشكال ديناميكية اجتماعية حيث أن المجتمع يمر بحراك داخلي مستمر صعودا أو نزولا، مؤثرا و متأثرا فلا يمكن أن تكبح المطلبية المجتمعية و هو قانون اجتماعي كوني فهي متجددة حسب الزمن و المكان و الأوضاع و المسارات المختلفة و المتنوعة في كل مجتمع، كما أن الدول و مؤسساتها مطالبة بإيجاد الحلول لبعض مشاكلها و لا توجد دولة في العالم قادرة على حل جميع المشاكل في بلدها و لكن تجتهد و تنوع من طرقها و وسائلها في المعالجة.

مرحبا بك في بوابة علم الاجتماع
يسعدنا تلقي تعليقاتكم وسعداء بتواجدكم معنا على البوابة