📁 آخر الأخبار

جائحة "كورونا" و المجتمع، بين تصور طبيعي وتصور ثقافي في ظل سياق التحول المجتمعي، من منظور سوسيولوجي نقدي

جائحة "كورونا" و المجتمع، بين تصور طبيعي وتصور ثقافي في ظل سياق التحول المجتمعي، من منظور سوسيولوجي نقدي

جائحة "كورونا" و المجتمع، بين تصور طبيعي وتصور ثقافي في ظل سياق التحول المجتمعي، من منظور سوسيولوجي نقدي

✅ الكاتب : ذ. لحسن بعلا 

شهد العالم منذ حوالي أزيد من ربع سنة خروج فيروس "كورونا المستجد؛ كوفيد 19" من العدم إلى الوجود، من بؤرة مسماة بمدينة "وُهان" بدولة "الصين". بداية كان انتشار الفيروس محليا فحسب، و مع توالي الشهور توالى الانتشار عبر القارات و عبر دول العالم ليصبح كجائحة عالمية كاد عدد الدراسات و المقاربات التي قاربت الفيروس يصل لعدد المصابين به، فقد هم الباحثون من كل تخصص علمي معرفي للبحث في هذا الفيروس، إذ نجد فريق يدرس الوباء من الجانب الطبيعي و فريق آخر يدرس الواقعة من منظور ثقافي.
 التضارب بين التصور الطبيعي(البيولوجي) و التصور الثقافي(الاجتماعي) في تناول الموضوع أدى إلى رؤيته من بؤرتين، كل هذا و ذاك يكمل صورة الموضوع اتضاحا من طرف المتتبعين ما نبتغيه تحديدا من هذا المقال هو خلق تلك البؤرة الثالثة التي سترى نقطة تقاطع كل من البحوث ذات المنظور الطبيعي للموضوع مع نظيرتها ذات المنظور الثقافي وبالتالي، يتموضع الإشكال هنا الذي يذهب إلى التساؤل حول *الرؤية السوسيولوجية لفيروس "كورونا" باعتباره ظاهرة طبيعة و واقعة اجتماعية في ظل سياق التحول المجتمعي، و مقاربة واقع المغرب نموذجا؟
 
يجب علينا أن نعلم، قبل البدء في تحليل هذا الموضوع الراهني، أن العودة إلى الماضي أمر مفيد من حيث معرفة موقعنا تجاه هذا الوباء. كما جاء في مضمون أحد أفكار المؤسس المنهجي لعلم الاجتماع "ايميل دوركايم" في كتابه "التطور البيداغوجي في فرنسا" ، و في صلب التنظير السوسيوتاريخي علينا الرجوع إلى الماضي لفهم الحاضر.

 بهذا فإن تاريخ الظواهر الطبيعة و البيولوجية من نظير الأوبئة  كالطاعون العظيم، الكوليرا و الإنفلونزا.. منذ القرن الثامن عشر ميلادي نموذجا، و جائحة وباء الإيدز التي لا يزال العالم يعانيها، كما جاء في مقدمة المترجم في كتاب الفيض -الجزء الأول - لصاحبه "ديفيد كوامن".

 إلى يومنا هذا لنا مع الجوائح الوبائية اتصال ومعارك عتيدة، القاسم المشترك لكل تلك الأوبئة وإن شئنا القول شقها المشرق هو ظرفيَتها، فمهما مكثت وافتكت غادرت في النهاية، بهذه النظرة الايجابية يتضح أن الرهان المتعلق بوباء "كورونا المستجد" هو رهان الزمن بمعنى زمن مكوث الوباء بالمجتمع دون أن يخفى علينا البعد العلائقي البديهي الذي يربط كلا من الوباء كيفما كان بصفة عامة و الإنسان، على اعتباره المتلقي الأول للوباء سواء مباشرة أي ماديا(عضويا) أو ضمنيا أي رمزيا(التداعيات النفسية الاجتماعية) بشكل لا محسوس بلغة عالم الاجتماع الفرنسي "بيير بورديو".

 بشكل مخصوص فإن وباء "كورونا المستجد" يصيب عضويا الرئتين بانتقال الفيروس من إنسان لآخر عن طريق انتقال اللعاب الفموي من الشخص المصاب إلى غير المصاب ليصاب هو الآخر، لتظهر عليه أعراض كضيق في التنفس، الحمى، السعال الجاف، ألم في المفاصل... و مع هذا الانتقال الوبائي تنتقل كذلك الحالة النفسية السلبية و ما يتلوها من اندثار لمناعة و لصحّة الشخص الموبوء بصفة عامة على اعتبار هذا الفيروس كجائحة وبائية بيولوجية عالمية من طرف المختصين في المجالات العلمية الطبية و الفيروسية، و مرورا عبر جسر التفسيرات العلمية للموضوع نجد أنفسنا ننتقل من التفسير العلمي البيولوجي الذي قمنا به بشكل موجز إلى التفسير السوسيولوجي تذهب السوسيولوجية بالأساس لاعتبار مواضيع دراستها كظواهر اجتماعية، و ارتباطا بموضوعنا سننطلق مبدئيا بسؤال مفاده : هل يمكن اعتبار جائحة كورونا ظاهرة اجتماعية ؟

للإجابة، لابد من معرفة خصائص الظاهرة الاجتماعية التي كما وضعهم "ايميل دوركايم" في كتابه "قواعد المنهج في علم الاجتماع"، باختصار فإن الظاهرة الاجتماعية حسبه يجب أن تكون عامة على كل المجتمع، و يجب أن تكون قهرية ذات طابع إلزامي، و أيضا يجب أن تتسم بالتكرار في المجتمع
ألا يجب إذن أن نعتبر الأوبئة كظواهر اجتماعية غير معتلّة و صحيحة بلُغة "ايميل دوركايم"، أي كظواهر مستوفية لكل خصائص الظاهرة الاجتماعية. على وجه التجزيئ فإن جائحة "كورونا" مستقلة كواقعة اجتماعية تثيرني بقوة قولة أحد الفلاسفة التي يذهب من خلالها إلى اعتبار "الشيء الوحيد الثابت في المجتمع هو التغيّر المستمر" السياق الذي فرضته جائحة "كورونا" هو بالأساس سياق التحول و التغير السوسيو-ثقافيي، تغير شمل العادات، الممارسات، التفكير، العمل، المعايير، القيم، العلاقات، المجالات و الأحداث... الخ. الفرد وسط هذا التحول كان لابد له من التأقلم و التكيّف، سواء من الناحية الجسدية العضوية أو من الناحية الثقافية بمعناها الأنثروبولوجي يصعب على الجسم البشري أن يتقبل في لحظة تحول يهم الجانب الحركي فيه إذ بين ليلة وضحاها و بينما كان الإنسان يتحرك وسط المجال بمعناه الجغرافي و الاجتماعي يصبح لازما مجالا واحدا و ضيِّق نسبيا ألا و هو المنزل. دون شك أن الحركة و بشهادة الأخصائيين الطّبيين منهم والرياضيين جد مهمة للصحة الجسدية و العقلية للإنسان، بالتالي فإن بوادر الخمول قد تبدأ في التّفشي وسط المجتمع في ظلّ ما يسمى بالحجر الصحّي. وجب التساؤل هنا عن مآل الجسد الانساني من التأثيرات الشاذة للحجر الصحي المفروض بسبب جائحة "كورونا"، و التساؤل هنا مقرون بوضعية المجموعة الاجتماعية التي في وضعية فقر و هشاشة. هناك بعض الأحياء التي يصل فيها عدد الأفراد القاطنين في كل منزل إلى أزيد من 10 أفراد، ناهيك عن الأسر القاطنين في غرفة، الأمر الذي من شأنه تقييد الحركة للأفراد الذي يحول دون ممارستهم للرياضة كمثال على نشاط يساهم في حركية الإنسان كي لا يصاب بالخمول.
إن الوضع المؤرق في زمن التحول بسبب جائحة "كورونا " هو الرهان القائم على التغير الثقافي و القيمي للأفراد داخل المجتمع.

أصبحنا نعايش نقطة تحول ثقافي، فباتت تندثر قيم و تبرز أخرى، تهدمُ معايير و تُبنى أخرى، تُكبث ممارسات و تخرج أخرى، تُنهى علاقات و تُبدأ أخرى، بل و حتى العمل أصبح في الغالب منزليا. إذن فممارساتنا الثقافية بصفة عامة باتت مُوَطّنة في مجال المنزل فحسب، و إن شئنا القول فقد تحول المجتمع الكلّي إلى مجتمعات صغيرة بما يلزمها من علاقات إنسانية محصورة في المنزل.

ارتباطا بالنموذج المغربي بمجاليه القروي و الحضري الذي لم يسلم هو الآخر كبلد من معايشته لجائحة وباء "كورونا"، فيمكننا نعت تأثير الجائحة بزعزعة للممارسات الثقافية للأفراد داخل المجتمع المغربي، فقد أبدى هذا الأخير مقاومته لتلك التأثيرات المفروضة من طرف تداعيات الوباء. كملاحظة شمولية أولية، نظرا لخصوصية الثقافات المغربية التي تمشي و التزامات الحجر الصحي الناتج عن الوباء في خطّين متوازيَين، هذا ما أدى إلى صعوبة تنزيل الحجر الصحي بالبلاد.
 
كملاحظة جزئية ثانية يغيب فيها طابع التعميم بل أخد القاعدة على سبيل المثال، يتبين لنا أن كل نوع اجتماعي و ممارساته الثقافية التي تنحو منحى متباعد عن منحى التزامات الحجر الصحي
للنساء عادات موروثة من التدين و ثقافتنا الشعبية، كصلة الرحم و ما لها من قدسية بزيارة العائلة و الأحباب و الأصدقاء بكيفية متكررة، و طريقة إلقاء السلام المشبعة بالعناق و القُبَل، ثم اللاتخطيط اليومي المؤدي في غالب الأحيان إلى الخروج المُفرط دون سبب... الخ.

بالنسبة للرجال فارتباطهم بالشارع بمفهومه العام هو ارتباط حميمي، و تجلّياته تظهر في امتلاء المقاهي بشكل يومي من طرف الرجال، و قضاء بعض المهمات خارج المنزل و التي هي منسوبة اجتماعيا للرجال كالتسوق... الخ، ثم هناك فئة لها عمل مُياوم ناهيك عن وضعيتهم المادية التي تستلزم الخروج اليومي للعمل لتوفير الحاجات البيولوجية كالأكل و النوم عن طريق تسديد مستحقات كراء المسكن..
كل هذا و ذاك و جميع تلك المتغيرات و التفسيرات السالف ذكرها ترمي لتعرية واقع المغرب سوسيوثقافيا، ففي الواقع نحن كمجتمع و نظرا لغالبية كثلة المجموعة الاجتماعية فيه معتلّة ماديا بسبب الفقر و الهشاشة الناتجة عن الاعتلال الثقافي بسبب الرواسب الثقافية و الجهل و الأمية في غياب الحس النقدي التواصلي،فنحن غير قادرين على مجاراة مثل هذه الأزمات الفاتكة للرأسمال البشري، على اعتبار الاستثمار فيه أساس التنمية الشاملة لكل مجتمع.

ختاما، تجدر الإشارة إلى الفكرة المحورية التي تذهب إلى كشف الغموض حول الجوانب الكامنة وراء تأثيرات جائحة "كورونا" مادياً و ثقافيا داخل المجتمع. معرفة موقعنا تجاه هذه الآفة و نظيراتها للوقوف أعلى كي تتضح لنا رؤى أخرى، سعيا منا كمجتمع في خلق وعي جمعي مرماه القدرة على إكتساب آليات و مشاريع تَنشئوية و تَربوية بالأساس، فلسفتهما تهدف إل إنتاج أفراد قادرين على مسايرة و مواجهة و التّكيف مع مثل هذه الآفات...

ذ:لحسن بعلا

♡ إدعمنا بمشارك المنشور مع المهتمين . شكرا

فريق موقع بوابة علم الاجتماع
فريق موقع بوابة علم الاجتماع
تعليقات