قانون القيمة المعلومة
فكرة القيمة، والتي تؤثر بشكل حاسم على جميع أصعدة الصراع الاجتماعي، وكذلك جميع أشكال الصراع السياسي القومي والدولي، ألا وهي تحول القيمة إلى القيمة المعولمة.
لقد "اشتممت" أهمية هذه القضية في رسالتي للدكتوراه (عام 1954 -1956) رغم أن الأمر احتاج إلى عقد من الزمان لصياغة أوّلية لها وإن بشكل غير مصقول. ولم يكن ماركس قد واجه هذه القضية، وبهذا الفهم أدّعي – دون تواضع كاذب – أنني ساهمتُ في توسيع وإغناء الماركسية. ولم تنل هذه الأطروحة قبولاً بين مفكري الماركسية الغربيين ما عدا، حسب علمي، بول سويزي، وهاري ماجدوف، وجيوفاني اريجي. وفي المقابل جرى تقبّلها في الأوساط الآسيوية والأفريقية حيث ساهمت بطرق مختلفة ولكن متلاقية في تشكيل وجه آسيوي أفريقي للماركسية، أي لظهور "ماركسية بلا ضفاف"(1).
والحجة بسيطة ولكن لها شقان.
كانت الرأسمالية التاريخية طوال وجودها إمبريالية بمعنى أن الآليات اللصيقة بتوسّعها العالمي لم تعمل على "التسوية" بين الظروف الاقتصادية على المستوى العالمي، وإنما على العكس ضاعفت من التفاوت بين المراكز الإمبريالية المسيطرة والتخوم المسودة. وفي ظل هذا التباين يتأكد قانون الإفقار الوثيق الصلة بمنطق التراكم الرأسمالي، وبوحشية لم تخطر ببال ماركس.
وعلى الرغم من هذا التباين فإن الرأسمالية هي نظام واحد غير منقسم، فالرأسمالية ليست الولايات المتحدة وألمانيا في حين أن الهند وإثبوبيا نصف رأسمالية، بل الرأسمالية هي الولايات المتحدة والهند، وألمانيا وإثيوبيا معاً. وهذا يعني أن قوة العمل لها قيمة واحدة وهي المرتبطة بمستوى تطور قوى الإنتاج على المستوى العالمي (أي العقل الجماعي على ذلك المستوى). وفي إجابته على السؤال المجادل: كيف تمكن المقارنة بين قيمة ساعة عمل في الكونغو وساعة عمل في الولايات المتحدة؟ كتب أرجيري إيمانويل: كما تجري المقارنة بين عمل ساعة مصفف الشعر في نيويورك وساعة عمل عامل في ديترويت. لا بد من اتباع منهج واحد، لا يمكن أن تستدعي العولمة "التي لا مفر منها" عندما يناسبك ذلك، وترفضها عندما تراها معرقلة لرأيك.
ومع ذلك، فرغم أن قيمة ساعة العمل واحدة على مستوى الرأسمالية المعولمة، إلا أنها تحصل على أجور متفاوتة بشكل شاسع. ولا شك في أن هناك تفاوتاً في أسعار ساعة العمل في داخل دول المركز الرأسمالية، ولكن هذا التفاوت يتضاعف لعشرة أمثاله على المستوى العالمي.
وهكذا يمكن أن نصنع نموذجاً للتعبير عن هذه الحقيقة، ونحسب حجمها بناء على ذلك إن أردنا، وهو مقياس لحجم القيمة المنقولة من التخوم إلى المركز. وهو انتقال يختفي وراء نظام الأسعار والأجور، ولا يمكن أن يخطر ببال الاقتصاد التجريبي الشائع. ولذلك سأقوم في الجزء الأول من هذا الفصل بصياغة شروط النموذج اللازم لفهم تحول قانون القيمة إلى قانون القيمة المعولمة.
وفي الجزء الثاني سأتحدث عن الوصول إلى الموارد الطبيعية وأساليب إدارتها واستخدامها.
وهنا نحن لسنا بصدد قانون القيمة وإنما على حدوده، ولهذا السبب لا يخلط ماركس بين "القيمة" و"الثروة" كما يفعل أتباع الاقتصاد الشائع، بل بعض من يُفترض أنهم ماركسيون، ولكن منفتحون على مساهمات الاقتصاد الشائع. وينهي ماركس انتقاده الجذري في كتاب رأس المال بتأكيد: إن التراكم الرأسمالي مبني على تدمير جميع قواعد الثروة وهي البشر والبيئة الطبيعية.
واحتاج الأمر إلى قرن ونصف من الزمان ليكتشف المدافعون عن البيئة هذه الحقيقة بعد أن صارت تعمي العيون. والحقيقة أن الماركسيات التاريخية قد محت (تجاهلت) تحليلات ماركس بهذا الشأن، وتبنّت وجهة نظر البرجوازية بشأن استغلال الموارد الطبيعية، ولذلك علينا أن نبدأ من الصفر. وبالطبع اضطرت الاقتصاديات البرجوازية إلى أخذ "سعر" الوصول إلى هذه الموارد في الاعتبار عندما يكون المطلوب تملّكها كقطاع خاص، وبذلك يعتبر كنوع من "الريع الاستخراجي" (ريع المناجم) مماثل لريع الأرض. وبذلك نرى أن التحدي يقوم على أساس مغاير تماماً، حيث يجب التعامل مع مجموع الموارد والتي يجب ألا تكون مملوكة للقطاع الخاص. وكما سنرى فالاقتصاد الشائع لا يمكن أن يأخذ هذه النظرة التي تبقى ممكنة بفضل سعة أفق الماركسية بلا ضفاف.
لا يمكن فصل قضية الموارد الطبيعية عن تحليل العولمة غير المتكافئة الناتجة عن التوسع الرأسمالي، لأن الحصول غير المتكافئ على موارد الكوكب يمثل بدوره البعد الثاني الذي لا يقل خطورة عن ذلك المتمثل في تراتب أسعار قوة العمل على المستوى المعولم والريع الإمبريالي.
تحميل الكتاب 
مرحبا بك في بوابة علم الاجتماع
يسعدنا تلقي تعليقاتكم وسعداء بتواجدكم معنا على البوابة