النمودج الوضعي (دوركايم)
النمودج الوضعي (دوركايم)
ولد دور كايم في فرنسا من أسرة يهودية , ودرس في مدرسة المعلمين العليا في باريس , واهتم بالقانون والفلسفة الوضعية لأوجست كونت, وترعرع وتربى دوركايم في ظل تقاليد عصر التنوير, وتأثر بالاضطرابات السياسية والاجتماعية التي عاصرها في شبابه.وفي عام 1887م عين أستاذا بجامعة بوردو حيث القي محاضرات قيمة في التربية الأخلاقية, وظهر في ذلك الوقت اهتمامه بدراسة المجتمع , حيث قدم فصلا دراسيا في علم الاجتماع يعتبر الأول من نوعه في فرنسا, فاثآر جدلا كبير بين العلماء المهتمين بدراسة المجتمع . ووضح في دراسته تأثره بآراء أوجست كونت, وتطويره للمذهب الوضعي والنظرة العضوية إلى المجتمع التي ابتدأها أوجست كونت.ولقد ترك دوركايم مؤلفانا وبحوثا كثيرة نشر بعضها في حياته ونشر أتباعه البعض الآخر بعد وفاته والمؤلفات التي نشرها في حياته يمكن ترتيب ظهورها كما يلي :تقسيم العمل الاجتماعي (1893م),قواعد المنهج الاجتماعي (1895م), الانتحار دراسة اجتماعية (1896م), الإشكال الأولى للحياة الدينية(1912م).أما مؤلفاته التي نشرها أتباعه فهي التربية وعلم الاجتماع, علم الاجتماع والفلسفة, التربية الأخلاقية, كتاب الاشتراكية.كما انشأ دوركايم مجلته الاجتماعية المعروفة باسم السنة الاجتماعية أو التقويم الاجتماعي عام 1896م (ابوطاحون,عدلي علي.107).ثانيا :أهم النظريات التي عالجها :1. تقسيم العمل والتضامن الاجتماعي.2. قواعد المنهج في علم الاجتماع.3. الانتحار.4. تطور المجتمعات وأشكالها.5. التفسير الاجتماعي للدين والأخلاق والمعرفة.
يعتبر دوركايم أحد الذين أعطو لعلم الاجتماع الكثير؛ لقد وضع الهيكلة العامة لهذا العلم؛ وأهم ما يميز الوضعية هو سعيها الى التميز بين العلم و الفلسفة واعتبار علم الاجتماع علما من العلوم الوضعية ؛ وهنا تكمن أصالةها الاساسية ؛لذلك نجد دوركايم قد حاول أن يفصل علم الاجتماع عن علم اللاهوت وعن الفلسفة أو السياسة ؛ لكنه انتهى الى قلب الاوضاع حيث وجد في علم الاجتماع التفسير الاخير لعلم اللاهوت .إن الوضعية في مفهومها العام هي ذلك الاتجاه الفكري الفلسفي الذي يرى أصحابه أن المعرفة الحقيقية هي تلك التي يتم تحقيقها بواسطة الملاحظة و التجربة الحسيين ؛ وفي المقابل ذلك يرفضون الميتافيزيقا على اعتبار أن الشروط التجريبية لا تتوفر في فروضها وهي بالتالي تنتمي غلى مرحلة تم تجاوزها.وقد سعى دوركايم لدراسة الظواهر الاجتماعية من خلال الاستعانة بالاسباب التي تعتبر حتمية أكثر منها فرضية ؛ وإذا كانت العلوم الطبيعية تتعامل مع الاشياء فان علم الا جتماع في نظر دوركايم ينبغي ألا يكون مستغنيا عن ذلك ؛ومن أكثر خصائص الاشياء أهمية في الوافع الخارجي أنها ليست عرضة لإرادتنا وأنها تقاوم محاولاتتنا الذاتية لتغيرها مبرهنة بذلك على أن وجودها يعد مستقلا عن افكارنا عنها ؛ولما كانت هذه الظواهر سابقة على الفرد في وجودها وكانت من انتاج المجتمع و تأسيسه وتنظيمه ؛ فيمكن أن نطلق عليها اسم المؤسسة أو النظام ؛ويقصد به جعله من الامور الاجتماعية التي ابتدعها المجتمع من عقائد و اساليب وقواليب تنظم سلوك الانسان وتكيفه وبهذا يصبح موضوع علم الاجتماع هو دراسة النظم أو المؤسسات الاجتماعية.
إن الظواهر الاجتماعية لا توجد بعيدا عن الافراد ولاتوجد في أي فرد ولكنها توجد في الافراد مجتمعين توحد فيما بينهم ؛ فعندما يشارك الافراد مع بعضهم في أفعال واحدة تنجون رموزا لغوية و معتقدات دينية وقواعد اخلاقية وقوانين تتميز بانها مشتركة بين معضم اعضاء مجتمع معين أو جمتعة بالذات ؛وبناء عليه ؛عندما يفكر الافراد أو يتصرفون طبق لهذه الافكار أو التمثلات المشتركة فهم لا يفعلون هذا بوصفهم افرادا منعزلين ولكن باعتبار أعضاء من كل ثقافي ..وأكثر من دلك فهم ينتجون في فعلهم هذا بناءا أو نمطا يمنح المجتمع الصائص المورفولوجية المميزة ؛ فالحياة الاجتماعية إذن عبارة عن تمثلات أي حالات للضمير الجمعي او الفعل الجمعي ؛وتتميز عن الوعي الفردي لاعضائها وتمثل بقوانين أخرى مختلفة.
- خصائص الظواهر الاجتماعية
إن مهمة العالم الاجتماعي كما تصورها دوركايم هي وصف الحقائق الضرورية للحقئق الاجتماعية وتوضيح ظهورها وتداخلها في علاقات فيما بينها وتأثيرها على بعضها وقيامها بوظائفها معا من أجل أن تكون كليات اجتماعيةمتناسقة..لقد كان تصور دوركايم للمجتمع تصورا واقعيا يقوم على ادعاء قوامه انه يوجد داخل نطاق الطبيعة كيان عرف في حدود نسق للعلاقات ؛مسؤول عن خلق معايير ومعتقدات مشتركة ؛ فالمجتمع إذن هو هو حقيقة في ذاتها و الحقائق الاجتماعية توجد مستقلة ومنفصلة عن مظاهرها عند الافراد.
استجدم دوركايم طريقة لتاسيس واقعية ماهو اجتماعي ؛ ان الحقائق الاجتماعية تحمل خصائص الاشياء عموما فهي خارجة عن الفرد ومستقلة عنه وتقاوم إرادته وتجبره .وينطبق ذلك على سبيل المثال على اللغة والقواعد الاخلاقية والتنظيمات الاقتصادية و القوانين السياسية و الاعراف و العادات...وهذه الظواهر إذن لها خصائص متميزة للغايةوهي وهي تشمل على سبل الفعل و التفكير والشعوروتعتبر خارجة على نطاق الفرد وتحضى بقوة القهر و تفرض القيود على سلوك الفرد ولايمكن لتلك الحقائق أن تختزل أو تحول وقائع بيولوجية أو سيكولوجية طالما أنها لا تشترك مع تلك الوقائع الاخيرة في اي من خصائصها ومع ذلك فالقضايا الاجتماعية أشياء لأنها تحضى بالخارجية و الاجبار و الانتشار و العمومية؛ان كل ما يسبب ضغطا هو اجتماعي ؛هذا الضغط قد يكون منفعلا ويمكن أن ينطلق من مقاومة شبه مادية وذلك حينما نريد شراء او بيع شيء باقل أو اكثرمن قيمته الحقيقية ؛وازاء الضرائب التي تثقل كاهل بعض الناس يصرحون بالاخفاء و الفشل و الخسارة في الارباح مهما كانت العواقب ؛وقد يتعرضون للتنكيت و السخرية حينما لا يتبعون شكلا من اشكال الموضة ؛وعندما تعارض القواعد الاخلاقية تقع حتما تحت طاءئلة من العقوبات ..إننا كاعضاء نحمل في داخلنا هذا الضغط وهو يتجلى في صورة استياء داخلي وقلق و إحساس بالخطأ وتانيب للضمير..من خصائص الظواهر الاجتماعية إذن انها مفروضة على الانسان من الخارج بقوة القهرأي أنها تحمل طابع القصر و الموضوعية؛ذلك أن لها وجود مستقل خارج شعور الافراد و انها سابقة في وجودها على وجود الفرد؛ وقج لا نشعر بهذا الاكراه أو الضغط ونحن نمارس الظاهرة ونتلبسها ولكننا نشعر به حينما نحاول أن نتحللل من الظاهرة ونخرج عنها عنذئد يقتص منا المجتمع إما في صورة عقاب أو سخرية أو اشمئزاز أوغزل يأثر على مصالحنا ..قد اسرق اموال الناس لكن القانون وتشريعاته تكون لي بالمرصاد؛ وقد يحلو لي أن ألبس لباسا يرجع إلى العصر الحجري او الهنود الحمر أو أتكلم لغة غير اللغة التي الناس في المجتمع الذي انتمي إليه ولكن سأجد في النهاية أن المصالح تتعطل..ويرى دوركايم أن الضغط الذي تمارسه الظاهرة الاجتماعية عى الفرد هو خير مقياس لتمييزها عن بقية الظواهر ؛فاللباس واللغة وعدم السرقة هي ظواهر لا ريب فيها لأن كل تخل عنها أدفع ثمنه غاليا من سخرية أو انهيار لمصلحة أو عقاب مادي؛ويؤكد دوركايم أن المجتمع ظاهرة أخلاقية بمعنى أن الطرق الجمعية للتفكير و الادراك و الفعل تنطوي على عنصري القهر و الالزام ومن ثم فإنها تشكل وعيا اخلاقيا جمعيا وهذا الوعي الاخلاقي يعبر عن ذاته على حد قول دوركايم في الدين و القانون وفي تقسيم العمل و في العملية النظامية ذاتها؛ لقد وضح دوركايم في كتابه أن القهر لا يفرض على الفرد ولكنه ينبع من الضمير الجماعي الذي هو المجتمع في النهاية؛ والظواهر الاجتماعية وإن كان االفضل يرجع في نشوئها لاجتماع الافراد فإنها لا تنتمي لأي واحد منهم.والضمير الجمعي بهذا المعنى لاينبغي أن يفهم حصيلة جمع مكدس اضمائر الافراد بل هو بوثقة ينصهر فيها ضمير كل فرد وينشأ من هذا الانصهار تركيب جديد له طبائعه و خصائصه المميزة ؛اي ان تفاعل الافراد فيما بينهم وارتباطهم هة الذي يؤدي إلى ظهور ظواهر منبثقة جديدة تماما كما يحدث عندما تندمج العناصر الكيميائية لتنتج مركبا جديدا؛ وغذا اردنا تشبها لذلك يمكن أخدنا الماء كظاهرة كيميائية فهو يتكون من أوكسجين وهيدروجين لكن خصائص الماء مختلفة عنهما.كذلك الشان في الضمير الجمعي؛إنه يتجاوز ضمائر الافراد باعتباره تركيبا جديدا ؛فالحماعة تعمل وتحس خلافا لما يفكر فيه الافراد ويحسونه ويعملونه لو كانوا منفردين. ان القول بأن الظواهر الاجتماعية خارجية بالنسبة للافراد معناه ان القواعد الاخلاقية تصدر من سلطة خاصة بموجبها نسلك سلوكا اخلاقيا .والواجب عند دوركايم يأخد بفكرة الالزام الخلقي الذي يعتبر الخصيصة الاولية لكل قاعدة أخلاقية .إن الواجب يصدر عن المجتمع باعتباره كائنا متعاليا يشكل الحياة الاخلاقية وشروطها ومن ثم يكون الوجب الخلقي مفروضا على الانسان إلزاما وقهرا ن الظاهرة الاجتماعية كمت سبق الذكر تمتاز بانها ظاهرة خارجة عن الفرد مستقلة عن شعوره ؛فالانسان كما يقول دوركايم عندما يبحث عن سلوكه يجده مقيدا بجملة من الاعراف و القواعد و التقاليد هيئت من قبل أن يوجد؛ فهو يأكل ويشرب ويلبس ويتحدث مع الناس ويتعلمل معهم تبعا لأساليب جاهزة ؛ديانته ومعتقداته التي ينتحلها وجدت قبل أن يوجد ؛ولغته التي يكلم بها الناس لم ينشأها ؛وطريقة السلام والمصافحة...فالظواهر الاجتماعية تاتينا من الخارج ونحن إنما نتلقاها ونتحلى بها وقد نحس مع مرورالزمن والتنشئة والتربية أنها تنبع من صميم ضميرنا مع أنها في الواقع تحتفظ بالاستقلال الخارجي الذي يجعلها قابلة لدراسة موضوعية ومن هنا اعتبر دوركايم الظواهر الاجتماعية اشياء فقال ما معناه يجب على السوسيولوجيا أن تهيء منهاجا خاصا بها ولاينبغي عليها أن تدرس بطريقة عشوائية كل الوقائع البشرية يجب إذن تحديد الفعل الاجتماعي بعد الاخد بعين الاعتبار خصوصية ماهو اجتماعي.
إن الفعل الاجتماعي عند دوركايم هو شيء خارجي وليس لنا ان نتحكم فيه فهو يمثل واقعا خارجا عن الفرد وهو يتميز بصفة الالزام و القهر ويمكن دراسته بموضوعية كشيء من الاشياء.
وكلمة شيء في منهاج العلوم تعني كل ما يجري بدون ارادتنا او تدخلنا وعند دوركايم تقابل الفكرة او ما يعرف من الخارج في مقابل مانعرفه من الداخل ؛ ويعتبر شيئا كل موضوع للمعرفة و الذي لا يمكن ادراكه بواسطة الفكر مباشرة اي كل ما لا يمكن للفكرأن يصل الى فهمه الا بخروجه عن ذاته عن طريق الملاحظة و التجريب متنقلا تدريجيا من الخصائص الاكثر خارجية و الاكثر قابلية للمعرفة المباشرة الى الاكثر خفاء و الابعد غورا ؛فالذي يسهل مهمة العالم الطبيعي ويجعل ابحاثه تكتسب صبغة اليقينية و الموضوعية كونه يعالج موادا يشعر انها من طبيعة لا تخصه فهي تتمتع بخواص وتخضع لعوائق لا تتأثر بما يجري في نفسه من حالات شعورية خاصة .
.ان الماء مثلا يتركب من ذرة اوكسجين وذرتي هيدروجين ويغلي في 100 درجة سواء كان العالم متفائل أو متشائم ؛فرحا أم حزينا ..ولما كانت الظولهر الاجتماعية تتمتع بالاستقلال يجعلها في منئى عن ارادة الافراد ومشعرهم وضمائرهم باعتبارها جاهزة من قبل ؛فدوركيم يرى أنه بالامكان معالجتها كشيء من الاشياء يخضع في تطوره ونشوئه لقوانين تخصه وبامكان عالم الاجتماع أن يتبين هذه القوانين اذا عرف كيف يعود نفسه على الدراسة الموضوعية التي لا تتاثر بالعواطف ولا تختلط ما هو كائن بما ينبغي ان يكون..و الموضوعية عند دوركايم تعني الابتعاد عن الموضوع المدروس قصدادراسته بمعزل عن جميع المؤثرات الذتية ؛ان هذا الابتعاد يعني ايجاد مسافة بين الذات و الموضوع المدروس بعيدا عن الباحث كما هو الشأن بالنسبة للأنثروبولوجيا التقليدية او الزمانية حيث يدرس المؤرخ ظواهر مجتمعات بعيدة في الزمان نسبيا ؛في المقابل فانه يهدد دراسته حينما يدرس ظواهر مجتمعية يعيش في خضمها ..وهكذا فأن دوركايم بإلحاحه على خارجية الظواهر الاجتماعية بالنسبة للفرد كان هاجسه الاساسي هو القول بإمكانية احداث مسافة بينه وبينها ما دامت انها ليست من خلقه ؛فهي اذن ظواهر مفارقة للذات اذا كانت الخارجية تعني وجود مسافة بين الذات والموضوع الاجتماعي ؛فالقول بدراستها كشيء يعني الاحتفاظ بتلك المسافة أثناء دراسة ذلك الموضوع ..ان القول بوجود دراسة الظواهر الاجتماعية كأشياء لا يعني ادخال هذه الظواهرفئة خاصة من الكائنات بل يعني أننا نسلك مسلكا عقليا خاصا مبرزين اهمية الملاحظة والتجربة وضرورة التحرر من كل الافكار المسبقة حول الظاهرة محل البحث ..ان الظواهر الاجتماعية ليست أشياء في الواقع ولكن على عالم الاجتماع أن يجعلها كذلك من خلال عملية عقلية بفضلها يخلق موضوعا ؛ولقد حاول دوركايم تحقيق الثنائية بين الافكار و المادة ولكن باسلوب يحفظ للأفكار خصائصها ولا يحولها الى منتجات مادية خالصة ويحدد الاختلاف بين الاشياء و الافكار بقوله(تتضمن الاشياء كل الموضوعات التي يمكن ادراكها بواسطة النشاط العقلي الخالص للعقل اي بيانات تجمع بواسطة الملاحظة والتجارب وتتكون من الخصائص التي تتميز بانها أكثر خارجية وميسورة من حيث التوصل اليها بصفة مباشرة ؛ويمكن القول باختصار ان العلاقات الاجتماعية والظواهر الناشئة عنها تحضى بالواقعية ولكنها ليست مادية ...) هكذا حاول دوركايم ان يصوغ وحدة بين المثالية و المادية علما أن الفلسفات المثالية ترفض وجود ازدواحية مطلقة بين الطبيعة و الانسان بمعنى انها ترفض الفكرة الوضعية بصدد وحدة المنهج بين العلوم الطبيعية و الانسان.

مرحبا بك في بوابة علم الاجتماع
يسعدنا تلقي تعليقاتكم وسعداء بتواجدكم معنا على البوابة