📁 آخر الأخبار

طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد - عبد الرحمان الكواكبي pdf

 طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد - عبد الرحمان الكواكبي pdf

طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد - عبد الرحمان الكواكبي 

لا خفاء في ان الساسة علم واسع جدا، يتفرع  الى فنون كثيرة ومباحث دقيقة شتى. وقلما يوجد انسان يحيط بهذا العلم كما أنه قلما يوجد إنسان لا يحتك فيه. 
وقد وجد في كل الأمم المتمدنة علماء سياسيون تكلموا في فنون السياسة ومباحثها استطرادا في مدونات الأديان أو الحقوق أو التاريخ أو الأخلاق أو الأدب. ولا نعرف للأقدمين كتبا مخصوصة في السياسة لغير الرومانيين الجمهوريين، وإنما لبعضهم مؤلفات سياسية أخلاقية ( ككليلة ودمنة ) و (رسائل غوريغوريوس ) ومحررات سياسية دينية ( كنهج البلاغة ) و ( كتاب الخراج ) . 
واما في القرون المتوسطة فلا تؤثر ابحاث مفصلة في هذا الفن لغير علماء الاسلام، فهم الفوا فيه ممزوجا بالأخلاق كالرازي والطوسي والغزالي والعلائي، وهي طريقة الفرس، وممزوجا بالأدب كالمعري والمتنبي، وهي طريقة العرب، وممزوجا بالتاريخ كابن خلدون وابن بطوطة، وهي طيقة المغاربة. 
أما المتاخرون من اهل اوربا ثم أميركا فقد توسعوا في هذا العلم وألفوا فيه كثيرا واسبعوه تفصيلا حتى إنهم افردوا بعض مباحثه في التأليف بمجلدات ضخمة، وقد ميزوا مباحثه غلى سياسة عمومية وسياسية خارجية وسياسية داخلية، وسياسية إدارية، وسياسية اقتصادية ، وسياسية حقوقية الخ. وقسموا كلا كنها الى ابواب شتى وأصول وفروع. 
واما المتاخرون من الشرقيين فقد وجد من الترك كثيرون الفوا في أكثر مباحثه تآليف مستقلة وممزوجة مثل أحمد جودت باشا وكمال بك وسليمان باشا وحسن فهمي باشا. والمؤلفون من العرب قليلون ومقلون، والذين يستحقون الذكر منهم فيما نعلم رفاعة بك، وخير الدين باشا التونسي، واحمد فارس سليم البستاني والمبعوث المدني. 
ولكن يظهر لنا الآن أن المحررين السياسيين من العرب قد كثروا بدليل ما يظهر من منشورات في الجرائد والمجلات من مواضع كثيرة. ولهذا لاح لهذا العاجز أن أذكر حضراتهم على لسان بعض الجرائد العربية بموضوع هو أهم المباحث السياسية، وقل من طرق بابه منهم إلى الآن فأدعوهم إلى ميدان المسابقة في خير خدمة ينيرون بها افكار اخوانهم الشرقيي وينبهونهم لا سيما العرب منهم لما هم عنه غافلون . 
فيفيدونهم بالبحث والتعليم وضرب الأمثال والتحليل: ( ما داء الشرق ؟ وما دواؤه؟ ).
ولما كان علم السياسية بأه هو ( إدارة الشؤون المشتركة بمقتضى الحكمة) يكون بالطبع أول مباحث السياسة واهمها بحث ( الاستبداد ) أي التصرف في الشؤون المشتركة بمقتضى الهوى. 
وإني أرى أن المتكلم في هذا الباحث عليه أن يلاحظ تعريف وتفصيل ( ما هو الاستبداد ؟ ما سببه ؟ ما أعراضه ؟ ما سيره ؟ ما إنذاره؟ ما دواؤه؟). وكل موضوع من ذلك يتحمل تفصيلات كثيرة، وينطوي على مباحث شتى من امهاتها: ما هي طبائع الاستبداد ؟ لماذا يكون المستبد شديد الخوف ؟ لماذا يستولي الجبن على رعية المستبد؟ ما تأثير الاستبداد على الدين؟ على العلم ؟ على المجد؟ على المال؟ على الأخلاق؟ على الترقي؟ على التربية ؟ على العمران؟ من أعوان المستبد؟ هل يتحمل الاستبداد ؟ كيف يمكن التخلص من الاستبداد؟ بماذا ينبغي استبدال الاستبداد؟ 
قبل الخوض في هذه المسائل يمكننا أن نشير إلى النتائج التي تستقر عندها أفكار الباحثين في هذا الموضوع وهي نتائج متحدة المدلول مختلفة التعبير على حسب اختلاف المشارب والأنظار في الباحثين، وهي: 
  • يقول المادي: الداء: القوة، والدواء : المقاومة.
  • ويقول السياسي: الداء استعباد البرية، والدواء استرداد الحرية. 
  • ويقول الحكيم: الداء: القدرة على الاعتساف، والدواء: الاقتدار على الاستنصاف. 
  • ويقول الحقوقي: الداء: تغلب السلطة على الشريعة، والدواء: تغليب الشريعة على السلطة.
  • ويقول الرباني: الداء: مشاركة الله في الجبروت، والدواء: توحيد الله حقا.
  • وهذه أقوال أهل النظر. وأما أهل العزائم: 
  • فيقول الأبي: الداء: مد الرقاب للسلاسل، والدواء  الشموخ عن الذل 
  • ويقول المتين: الداء: وجود الرؤساء بلا زمام، والدواء: ربطهم بالقيود الثقال. 
  • ويقول الحر: التعالي على الناس باطلا، والدواء: تذليل المتكبرين.
  • ويقول المفادي: الداء حب الحياة: والدواء: حب الموت.



©️ جميع الحقوق محفوظة للمؤلف 
فريق موقع بوابة علم الاجتماع
فريق موقع بوابة علم الاجتماع
تعليقات