ملخص:
تهدف هذه الورقة البحثية إلى تأصيل مفاهيمي
وسياقي اجتماعي لمقولة العنف عبر تتبع أشكاله وتمظهراته المختلفة في السياق
التونسي الثوري خاصة بالتركيز على العنف الموجهة ضد الطفل باعتباره أقسى أنواع
العنف على مستوى التأثير والتداعيات،ومرورا بأهم النظريات السوسيولوجية التي قدمت
مقاربات لظاهرة العنف،لتنتهي هذه الورقة إلى أهم السبل والآليات الكفيلة لمواجهة
العنف أو بالأحرى كيفية التعاطي مع السلوكيات العنفيّة.
عموما هي دراسة مونوغرافية لظاهرة العنف في
السياق الاجتماعي التونسي الراهن تنقسم إلى ثلاثة محاور أساسية أما المحور
الأول فيبحث في مفاهيم وأشكال العنف بينما يتناول المحور الثاني النظريات
السوسيولوجية التي قاربت ظاهرة العنف وينتهي المحور الثالث إلى عرض السبل الكفيلة
لمواجهة ظاهرة العنف لاسيما تلك الموجهة ضد الأطفال.
الكلمات المفتاحية: العنف، مجتمع اللاعنف، الحراك الاجتماعي
مقدمة:
يعيش المجتمع التونسي بأسره منذ 14 جانفي 2011
حالة من الحراك الاجتماعي العميق وغير المسبوق الذي ادخل إرباكا حقيقيا في مستوى
القيم والمعايير الاجتماعية وزجّ بالمجتمع ضمن حالة من فقدان المعايير والضوابط
الاجتماعية، فكأننا مثلما قال عالم الاجتماع الفرنسي “أوقيست كونت” أمام تنظيم
اجتماعي يغلق ونظام اجتماعي يتشكّل،ولعل أكثر الفئات الاجتماعية والعمرية تأثرا
بهذه الحالة الاجتماعية هم الأطفال والشباب لأن شخصيتهم لا تزال بصدد التكوّن
والتشكل ولاسيما الأطفال، لان عامل النضج والوعي ضعيف لديهم، فنجدهم أكثر عرضة
لاستبطان مظاهر الحراك الاجتماعي وبالتالي تبني مواقف وسلوكيات شاذة وغريبة عن
طبيعة تنشئتهم الاجتماعية،سلوكيات مستوحاة أساسا من طبيعة المسار الثوري التونسي
والمتصلة بالاحتجاجات والمسيرات والإضرابات والنزعات المطلبية الحادة وأخرى
مستوحاة من المشهد الإعلامي الذي بدا استفزازيا واثاريا وحماسيا أكثر من اللزوم.إن
هذه الحصيلة مجتمعة أدخلت اضطرابات سلوكية تمظهرت في تصاعد حدة العنف الذي بدا
أحيانا مستساغا وجزء لا يتجزء من ثقافة المجتمع التونسي،بدليل تواجده قولا وممارسة
لا في الشارع فحسب،بل في المؤسسات التربوية والمهنية، والإدارات العمومية
والفضاءات الرياضية وغيرها.
مفهوم العنف:
إن وجود تعريف دقيق وشامل لمعنى العنف بين كل الباحثين والمشتغلين بالمفهوم مسالة غير مطروحة بالمرّة، تبعا لتعدد زوايا البحث والدراسة، ولكن ما يظل محل إجماع وشبه اتفاق بين الباحثين في مستوى المفهوم أن العنف هو تعبير صارم عن القوة التي تمارس لإجبار فرد أو جماعة على القيام بعمل محدد يريده فرد أو جماعة ويأخذ صورة الضغط الاجتماعي وتعتمد مشروعيته على اعتراف المجتمع به[1]،أو هو الاستخدام غير المشروع للقوة وغير المطابق للقوانين وهو إيذاء باليد أو اللسان أو بالفعل أو بالكلمة يقوم به الفرد ضد الآخر[2].والعنف أيضا يمكن أن يمثل لغة التخاطب الأخيرة والممكنة مع الواقع ومع الآخرين حين يحس المرء بالعجز عن إيصال صوته بوسائل الحوار العادي وحين تترسّخ القناعة لديه بالفشل في إقناعهم بالاعتراف بكيانه وقيمته[3]،والملاحظ أن طبيعة هذا المفهوم تنسحب كثيرا على واقع فعل العنف ومبررات تصاعده في السياق الثوري التونسي،فكثيرا ما كانت بواعث ممارسة العنف تلك المتصلة بالإحساس بالقهر والظلم والبحث عن الاعتراف بالذات والشعور بالكرامة والتقدير الاجتماعي.والعنف أشكال وأنواع اذ نجد العنف الفكري والاجتماعي والإداري والسياسي وكل من ينال من استقرار الوطن والمواطن ويزعزع أمنه بانتشار الرعب والتخريب قصد فرض رأي أو عمل أو فكرة أو نمط حياة أو نظام معيّن[4]،ومختصر القول أن العنف هو ذلك السلوك العدواني والسلبي وغير التربوي الذي يمارس من قبل شخص أو جماعة بهدف إلحاق الأذى بالآخرين،وطالما أن العنف ظاهرة اجتماعية مصدرها الأساسي المجتمع فإنها بالضرورة تتفاوت من مجتمع إلى أخر بحسب درجة استقرار المجتمع وإشباع حاجياته مثلما أنها تتمايز داخل المجتمع الواحد بحسب تبدّل الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

مرحبا بك في بوابة علم الاجتماع
يسعدنا تلقي تعليقاتكم وسعداء بتواجدكم معنا على البوابة