📁 آخر الأخبار

تحرير المرأة من قاروراتها وقضبان سجنها - منار أبويرطى



تحرير المرأة من قاروراتها وقضبان سجنها
منار أبويرطى طالبة باحثة في سلك ماستر قانون الأعمال.
قررت أن أعطي جائزة لمن يدلني على امرأة تحرر عقلها تحررا حقيقيا.
إن ارتداء البلوجينز، يا سادتي ليس تحررا، وربط السلاسل المعدنية بالعنق ليس تحررا، والدخول إلى السينما من الساعة الثالثة إلى السادسة بعد الظهر ليس تحررا، وقيادة السيارة ليست تحررا، حتى الذهاب إلى الجامعة، لم يغير مواصفات الفكر الإنساني كما نعرفه، فالطالبة الجامعية تفكر، وتتصرف، وتتزوج على طريقة جدتها، والدليل على ذلك، أكثرهم لازلن يناقشن شؤون الحب والزواج والمهر بمنطق أمهاتهن، أو جداتهن، ويفرضن على الرجل الذي يتقدم لخطبتهن ما لا تفرضه إسرائيل لإرجاع الأراضي المغتصبة.
الحرية نار لم تكتو بها أية امرأة عربية بشكل جدي، فالتي تتكلم عن الحرية لا تطبقها، والتي تطبقها لا تتكلم، بل وحتى الشعراء في كتاباتهم يتحدثون عنها فقط من زاوية (يوميات امرأة لا مبالية)، وحتى الشاعر "نزار القباني" المعروف بكتاباته الشاعرية عن المرأة وتقديسه لها، ومناداته بتحريرها من طغيانه، إتهمه البعض بأنه قد تحدث عن الحرية المطلقة للمرأة، فرد عليهم بقوله: "فتمت أميرات ضرب الرجل عليهن وعلى أفكارهن، وتحركاتهن، ومطالعتهن، حصارا رهيبا لا يفرضه أي سائق سيارة أجرة، أو أي عامل بسيط على ابنته".
إنني ألاحظ أن الأنظمة العربية، سواء أنظمة اليمين، أو أنظمة اليسار، لم تغير موقفها التاريخي والكلاسيكي من المرأة، بل لافتات الحرية التي ترفعها الأنظمة عن تحرر المرأة هي مجرد ديكورات ثورية.
فوصفة الأنوثة يا سادة، وصفة سرية جدا وهي لا توجد لدى العطارين والصيادلة، ولكنها توجد في أهداب النساء وكتب الشعر، فحرروها ولو حتى في كتاباتكم لكي نظل ولو لبرهة قصيرة بين طيات الكتابة متفائلين.
وفي دفاعنا عن المرأة وعن حريتها، لابد من كسر شيء، أو اغتصاب شيء، أو خلخلة شيء...، والأشياء المكسورة أو المغتصبة أو المخلخلة لابد أن ترفض موتها، بحكم قانون الدفاع عن النفس.
لأنه متى كانت المرأة في تحرر فبإمكانها أن تجعل الأرض تدور، لذا يظهر لي، كم أن قضية تحرير المرأة هي قضية مزيفة، ونموذج ذلك هم النساء المثقفات، بل وحتى المرأة المثقفة، لا تجعل من تحرير المرأة قضيتها، فمسيرتها في الحياة العامة تبدأ بنشر بعض الشعر المنثور، ثم تتطور فتكتب بعض القصص القصيرة، أو رواية متوسطة الحجم والقيمة، وقد تكتب بعض المقالات للمؤتمرات النسائية وعنها أيضا، وهذه الحالات متعددة ولا تحصى سواء في عالمنا العربي أو حتى في المهجر.
فبالرغم من أن فأر المكتبة هو دائرة معارف، ويطالع المثقف كل يوم عشرات الكتب في الفلسفة والأدب والتاريخ والرياضيات والعلوم، ويقرأ كل ما يقع في يده عن الماركسية والوجودية والسريالية والتكعيبية والحداثة والقصيدة الإلكترونية، ولكنه  رغم ما يعرفه فإنه يبقى محكوما بظروفه (الفأرية)  ولا يستطيع أن يتجاوزها.
هذا الانفصام الرهيب بين الفكرة وبين الفعل، بين النظرية وبين التطبيق، بين الحلم النسائي بالانقلاب وبين تنفيذه، بين التفكير باغتيال الرجل والزواج منه، هذه الثقافة المنافقة أو هذا النفاق المثقف، هو سبب إبقاء المرأة على حطة يد الرجل، وبقاء الملك شهريار حيا يرزق حتى اليوم.
إن قضية تحرير المرأة يا سادة، لافتة من جملة ألوف اللافتات التي يرفعها العالم العربي ضد الاستعمار، والامبريالية، والاستغلال ، والتسلط، والقمع، إنها مظاهرة أو مسيرة ضمن المسيرات التي مشينا فيها منذ أربعين عاما، دون أن ندري لماذا...وإلى أين...ودون أن تمكن من إخراج امرأة واحدة من سجن النساء، فكل ما قيل في الحرية والتحرر، لم يتجاوز حدود اللغة الشعرية، أما على الصعيد الميداني ، فلم يسقط قتيل واحد، لا من النساء ولا من الرجال، المعركة إذن ورقية، دونكشوتية، إستعراضية.
المرأة استعملت الأدب كنوع من (الماكياج) للإعلان عن نفسها بالصورة والصوت...والإعلام (من يهمه الأمر) أنها (هنا)...، بل والأكثر من ذلك، وما يقلقني كثيرا، هو أن الرجل فقد يتفرج بخبث واستخفاف من نافذة منزله على المظاهرة النسائية، وهو يعلم في قرارات نفسه، أنه لو قرأ على المتظاهرات "قصيدة حب" من شرفته، لرمين لافتاتهن، ومزقن عرائض الاحتجاج التي يحملنها، وسقطن على صدره معتذرات باكيات، أو دخلن إلى بيته ليصنعن له فنجان قهوة.
إلى درجة أن الشاعر نزار القباني جاء في أحد سطوره تقول: "أليس من مفارقات القدر أن أصرخ أنا بلسان النساء، ولا تستطيع النساء أن يصرخن بأصواتهن الطبيعية؟
لماذا تصمتن أيتها النساء؟"
فجاء رده على ذلك، بأنه كان يعتقد بأن النساء يحسن الصراخ لو أردن، كما أن أصواتهن مهيأة لذلك عند الحاجة، وبالتالي فلا حاجة بك لأن تلبس ثياب المرأة أو تستعير كحلها.
ولكن في اعتقادي، كيف تريد أن تسمع صوت المرأة، إذا كان الرجل العربي يفضلها خرساء...وبلهاء...وأمية...ويخاف منها إذا تجاوزت في دراستها مرحلة (السرتفيكا).
وإذا كانت المرأة العربية فاقدة النطق، أو ممنوعة من النطق، بموجب مرسوم أصدره الرجل، وإذا كانت غائبة عن الوعي، فإن هذا لا يمنع الكاتب من اكتشاف الرضوض والكسور والكدمات الزرقاء التي تغطي الجسد النسائي من ذروة النهد إلى أصابع القدمين.
وإذا كان الرجل لا يزال يتمتع (بحكم الوراثة) ببعض الامتيازات التاريخية، ولازال يتباهى كالديك بصوته العريض، وريشه المنفوش، فإنه في الواقع ليس أحسن حالا من دجاجاته.
فحرية المرأة هي حلقة من السلسلة الحديدية التي تكبل الإنسان العربي من ميلاده إلى موته، ومن أم القوين إلى طنجة، ولا يمكن كسر هذه الحلقة، دون كسر بقية الحلقات التي تربط أقدام الإنسان العربي، ويديه، وفكره...
إن النظام الاجتماعي العربي (ككل) يا سادة، بحاجة إلى إعادة النظر...
وهذه النقاشات التي يثيرها الكتاب والمفكرين حول قضية تحرير المرأة، فما الذي قدموه إذن من كل هذه النقاشات؟
هل تقصدون تعليم المرأة؟ إن عدد الشواعر من النساء يضاهي في الجاهلية عدد الشعراء، وكذلك الأمر في صدر الإسلام، وكانت المرأة تتعلم وتثور، منذ أيام الخنساء، وهنذ بنت عتبة، وليلى الأخيلية.
أم تقصدون حرية المرأة في اختيار زوجها؟ الشرع يعتبر الزواج وعدا لا يتم إلا بموافقة الطرفين.
أم حرية المرأة في الحب؟ الحب العاطفي عرفته أوربا مع الحركة الرومانتيكية في القرن الماضي فقط، مع بدايات التصنيع، مما يدل على أن المجتمع هو المجتمع في كل مكان وزمان، أن الجموح طفرات استثنائية لا يعول عليها.
أم نزول المرأة في ميدان العمل؟ الذي طالما يرتد ليذكرها بأنها زوجة وأخت وأم... وبما إلى ذلك من انعكاسات ذلك على الجسم الأسري.
فالحقيقة يا سادة القراء ولكي نكون صريحين، أن الرجل العربي (ليس الجميع طبعا ولكن أغلبهم) لا يسمح للمرأة أن تجلس معه حتى على مائدة الطعام، فكيف يسمح لها أن تشاركه الرئاسة أو الوزارة أو تقاسمه الحكم؟ 
لذا لا يمكن للمرأة أن تتحرر وهي في كنف رجل عبد...ولا يمكنها أن تتكلم في ظل رجل لا يعترف بالكلمة "الأنثى".
وأطالب بتغيير صيغة التعامل مع المرأة وأنسنة العلاقة بين الرجل العربي والأنثى العربية.

فريق موقع بوابة علم الاجتماع
فريق موقع بوابة علم الاجتماع
تعليقات