تمهيد:
إن الوضع الأسري الجديد الذي تعيشه كل أسر العاملات هو في الحقيقة نتيجة للتغيرات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي عرفها المجتمع الجزائري، إلا أن هذا الوضع في حد ذاته أحدث سلاسل من التغيرات في البناء الأسري ووظائفه، فأصبح دور الزوجة مختلطا فهي خاضعة إلى ضغوط دورها الطبيعي وقيم ومعتقدات المجتمع اتجاه دورها الأمومي من جهة وظروف التزامات عملها الخارجي من جهة أخرى، فاختيارها لدورها في الحياة يواجه بالعقبات نتيجة لأربع عوامل:
الزواج، الأعمال المنزلية، إنجاب الأطفال وتربيتهم، و هذا ما قد يؤثر في العلاقات الزوجية والأسرية وقد ينشئ صراعا نتيجة اختلاف النظرة إلى الأدوار الأسرية بين الزوجين وقد يدور حول الواجبات والالتزامات التي يتحملها الطرفان وأحيانا أخرى يتحملها الأطفال، فغياب الزوجة طوال اليوم عن البيت واشتغالها بعملها الخارجي يؤثر على مكانتها ودورها الوظيفي داخل الأسرة فتلجأ الأسرة إلى تفادي الخلل الوظيفي والتفكك في بنائها إلى تقسيم العمل بين أفرادها فقد يلجأ الزوج إلى القيام بالأعمال المنزلية إلى جانب زوجته، كما يقوم الأطفال بتلبية طلباتهم بأنفسهم كخطوة للاعتماد على النفس. إن هذه التغيرات التي عاشتها الأسرة في بنائها و وظائفها وبالتالي في علاقاتها والتي كانت مرتبطة بخروج المرأة للعمل ساهمت في إعادة توزيع الأدوار داخل المنزل، فهل تحمل المرأة لأدوار جديدة في المجتمع غير من مكانتها داخل الأسرة؟ وهل هذا الوضع الذي آلت إليه الأسرة أثر في العلاقات الزوجية و الأسرية للمرأة العاملة؟
- وللإجابة عن هذه الأسئلة جاءت الفرضيات التالية:
- يؤدي خروج المرأة للعمل إلى إعادة توزيع الأدوار.
- يؤدي التغير في الأدوار إلى تحسن مكانة المرأة داخل الأسرة.
- يؤثر هذا الوضع على العلاقات الأسرية للمرأة العامل.
أولا: دوافع خروج المرأة للعمل
إن ظاهرة خروج المرأة للعمل لم تظهر عشوائيا بل خضعت إلى عوامل عديدة ومتداخلة بل دفعت بالمرأة دفعا إلى الاشتغال، وقد بينت الدراسات الأولى في هذا المجال أن أهم دوافع خروج المرأة للعمل هو الحاجة الاقتصادية، فخروج المرأة للعمل ضرورة ألزمتها الحاجات المتزايدة للمجتمع الصناعي الحديث، إذ أن تزايد أعباء المعيشة وغلائها من جهة، و التطلع إلى مستوى أفضل للحياة من جهة أخرى، دفع بالمرأة إلى الخروج عن إطارها التقليدي و المتمثل في دور المنجبة و المربية والراعية لشؤون أسرتها، ففي دراسة قام بها هير عن دور المرأة المشتغلة و عن السيطرة أن النساء من الطبقة الدنيا يعملن من أجل المادة، فالعامل المادي يدفع بالمرأة إلى العمل، إذ نجده مرتبط بالأساس الطبقي للمرأة العاملة فالظروف المعيشية والاقتصادية التي تعيشها الأسرة الحديثة أجبرت المرأة على العمل لمساعدة زوجها في تلبية رغبات أفراد أسرتها من مأكل وملبس ودواء، وقد توصلت نتائج دراسة محمد بن عطية إلى أن 61.5 % يعملن لضرورة اقتصادية، لكن ليس الدافع الاقتصادي هو الوحيد المسؤول عن خروج المرأة للعمل، بل ظهور فكرة التحرر و إثبات الذات و الشعور بالقيمة كحوافز للمرأة إذ ترى أن بحصولها على الدرجات العلمية والعملية تستطيع المرأة تأكيد ذاتها في المجتمع و خاصة في أسرتها وأمام زوجها فتصبح له سند وليست خاضعة، ولقد بينت دراسة كليجر أن هناك عددا كبيرا من الأمهات يعملن من أجل لذة العمل وما « يحققه من إشباعات نفسية أكثر من أولئك اللائي يعملن، فلقد حققت المرأة العاملة شبكة أخرى » لأسباب اقتصادية من العلاقات في إطار المجتمع الخارجي فأصبح عملها يحقق أهداف اجتماعية كالزمالة والحياة الاجتماعية والمساهمة في نواحي مختلفة للنشاط و هكذا تشعر بكيانها واحترام الغير لها وتقديرها.
إن الاستقلال الاقتصادي الذي تسعى إليه المرأة العاملة والحاجة إلى تأكيد ذاتها إنما هما عاملين مرتبطين، فبحصولها على الاستقلال الاقتصادي تتحصل المرأة على الاستقلال المعنوي النفسي، و الشعور بالمكانة والقيمة الاجتماعية العالية في المجتمع والأسرة معا، وتغيير تحسينمكانتها التقليدية الضيقة.
ثانيا: أثر اشتغال المرأة على السلطة في الأسرة
إن انتشار ظاهرة خروج المرأة أدت إلى حدوث تغيرات في بنية و وظيفة الأسرة الحديثة ومن أهم مظاهر هذا التغيير مشاركة المرأة العاملة في السلطة الأسرية، بحيث مكن استقلالها الاقتصادي من أن يضعها في مكانة تختلف عما هي عليها المرأة الماكثة بالبيت، فخروج المرأة للعمل يزودها بالإحساس بالكفاءة و يخول لها كثيرا من السلطة، وتقول في هذا المقام: »Neva« نيفا يبدو أن لعمل النساء خارج البيت تأثيرا على مكانة النساء « وسلطتهن في اتخاذ القرارات الأسرية... ويزداد احتمال اشتراكهن في اتخاذ القرارات الخاصة بشراء السلع المهمة فعمل المرأة أحدث تعديلا في الطبيعة (» وتربية الأطفال السيكولوجية للعلاقات الزواجية التي كانت تقوم على علاقة السيد بالمسود، و لقد أجريت عدة دراسات حول أثر عمل المرأة على السلطة في الأسرة و على علاقتها الزواجية، فلقد قام بدراسة أثر عمل الزوجة blood et hamlin بلود وهاملين خارج البيت على التوقعات الخاصة بالتغير في علاقات السلطة الأسرية و الممارسات الفعلية للسلطة وتوصلت الدراسة إلى أن عدد القرارات التي اتخذتها الزوجات العاملات ووضعت موضع التنفيذ أكثر من عدد القرارات التي اتخذتها الزوجات معرفة ما إذا كان لعمل hear غير العاملات، كما حاول هير الأم خارج البيت تأثيرا على اتخاذ القرار في منطقة بوسطن بالولايات المتحدة الأمريكية وقد توصلت الدراسة إلى أن الزوجة العاملة من الطبقة العاملة تمارس تأثيرا في اتخاذ القرارات الأسرية يفوق تأثير الزوجة غير العاملة....

مرحبا بك في بوابة علم الاجتماع
يسعدنا تلقي تعليقاتكم وسعداء بتواجدكم معنا على البوابة