- سوسيولوجيا السينما: الصورة والمجتمع pdf
- الصديق الصادقي العماري*
تقديم
إن
العالم الذي نحيا فيه اليوم هو عالم الصورة بامتياز، فالصورة غزت حياتنا اليومية
في أدق تفاصيلها وحيثياتها، لذلك لا غرابة في أن نجد الاهتمام بالفنون البصرية-
وعلى رأسها السينما- قد تعاظم في السنوات الأخيرة من طرف المشتغلين بحقول معرفية
عدة كالسوسيولوجيا والأنثروبولوجيا والسيكولوجيا. و لاشك أن الصورة تتمايز وتختلف
عن الكلمة، فإذا كانت هذه الأخيرة تفترض مهارة القراءة لإدراك معناها، فإن الصورة
باعتمادها على الإدراك البصري المباشر، لا تتطلب تلك المهارة، وهو ما مكن السينما،
باعتبارها فنا قائما على الصورة، من التأثير في شريحة عريضة من الناس، عجزت عنه
الفنون الأخرى القائمة على الكلمة (مثل الأدب والشعر)، كما أن الصورة السينمائية
تتميز بالاختزالية والرمزية، "ما يمكن لرواية أن تقوله في عدة صفحات، يمكن
للصورة السينمائية التعبير عنه في لقطة واحدة"[1]،
كما أن دلالة الصورة السينمائية ذات بعد مادي، مما أهلها للتعبير عن الأشياء.
تعد السينما فنا من بين الفنون عرفت مجموعة من التحولات العميقة في مسارها التاريخي، بدأ من تجارب الأخوين لوميير كرائدي اختراع جهاز العرض السينمائي، مرورا بالسينما الصامتة خاصة مع شارلي شابلن، ثم المزج بين الصورة والصوت، فقد "كانت المتغيرات التي حدثت للسينما في العالم منذ 1945 تغيرات تدريجية في معظمها، فلم يكن هناك حدث بعينه يمكن مقارنته بالانتقال السريع نحو الصوت الذي اجتاح العالم حوالي عام 1935"[2]. وخلال هذه المحطات بلورت السينما نضجا على مستوى الممارسة والتنظير خاصة مع الموجة الجديدة الفرنسية. و "قد يتبادر إلى الذهن أن السينما مجرد آلات تقنية لعرض الصورة، ولعب فنية تصلح لإيهام المتفرج وجعله يتماهى مع ما يشاهد من صور متحركة. معتقدا أن المشاهدة الفنية صورة تعكس الواقع بشكل محايد، تستثمر فيها رأسمالا ماديا وبشريا، وتستغل فيها أيضا آلات تكنولوجية متعددة كآلة العرض، وأجهزة التصوير، وما يرتبط بعملية إنتاج الفيلم كالإضاءة، والمونتاج، والميكساج...."[3]، كل هذا مهم وأساسي في العملية الفنية، غير أن هناك وجه أخر للسينما على اعتبار أن الفن السينمائي إنتاج ثقافي يتبلور داخل مجموعة من الظروف الاجتماعية، كما أنه فعل اجتماعي يتفاعل فيه ما هو سياسي واقتصادي وإيديولوجي، كذلك الرغبات الذاتية والطموحات الشخصية، إضافة إلى الوعي الجماعي، كما تتداخل فيه التشكلات المعرفية والفنية بالجمالية...
يستأثر
الفن السابع باهتمام العديد من المهتمين والدارسين والباحثين والتقنيين…وذلك نظرا
لأهميته المتزايدة في توفير فرجة متميزة، ثم قوته على التوثيق بالصورة والصوت
والحركة للحدث الاجتماعي والسياسي والفكري.فالسينما أصبحت معملا لصنع الأحلام
والأساطير. أما الحدث الاجتماعي تكتنفه عوامل تقنية وفكرية تؤثر في صنع الفيلم
الذي يؤثر بدوره على الجماعة والمجتمع والفرد. فقد كان الفن–عامة- ولا يزال، مجالا
يستطيع فيه المرء، بمعزل عن بقية العالم، أن ينتظم وينظم حياته الروحية، وينغمس في
لذات ذات طابع خاص تماما.مما يدفعنا إلى طرح مجموعة من التساؤلات نراها أساسية، نذكر
من بينها: ما هي الإشكالات المحورية التي تطرحها السوسيولوجيا كعلم على
السينما كفن؟ وما علاقة السوسيولوجيا بالسينما؟ وما هو المسار الذي قطعته
سوسيولوجيا السينما لكي تصبحا فرعا من فروع السوسيولوجيا؟ وهل يمكن التفكير في
السينما من غير كونها فنا صرفا؟ وما هي مختلف المشاريع والمحاولات الرائدة للتقعيد
لهذا الفن؟
[1] ماهر عبد المحسن،
جماليات الصورة في السيميوطيقاوالفينومينولوجيا، شركة الأمل للطباعة والنشر،
القاهرة، 2015، ص 5.
[2]جيوفرينوويل سميث، موسوعة تاريخ السينما في العالم (السينما
المعاصرة 1995-1960)، المجلد الثالث،
ترجمة: أحمد يوسف، مراجعة: هاشم النحاس، المركز
القومي للترجمة-القاهرة، الطبعة 1، 2010، ص 7.
[3] فريد بوجيدة، الصورة
والمجتمع من المحاكاة إلى السينما، مطبعة الجسور ش.م.م، وجدة، الطبعة1، 2016، ص 37.

مرحبا بك في بوابة علم الاجتماع
يسعدنا تلقي تعليقاتكم وسعداء بتواجدكم معنا على البوابة