عند الحديث عن المدرسة والديمقراطية يجب الإشارة إلى أن
الفرق العميق في التربية - من زاوية القيم – يتمثل بين البرامج التي تنظر إلى
الأفراد بوصفهم غايات، وبين تلك البرامج التي تراهم وسيلة للمحافظة على نظم ثابتة
أو جامدة من الفكر والحياة، إذ تتميز الديمقراطية، كأسلوب حياة ونظام للقيم، عن
غيرها من النظم الاجتماعية الاستبدادية بقيامها على احترام الإنسان بوصفه غاية
وقيمة عليا، فهي تعارض جميع النظم التي تتناول الأفراد بالتدريب والإعداد من أجل
القيام بأدوار مقررة ومحددة مسبقاً في ضوء محددات سياسية أو اجتماعية، ذلك أن وجود
البرنامج التربوي في ضوء الديمقراطية يتمثل في احترام الفرد كغاية عن طريق تنمية
قدرته على التفكير، وتوجيه هذه القدرة في إطار من القيم الخلقية الحقيقية. وفي هذا
المقال سوف نُسلط الضوء على أهداف التربية من أجل بناء الثقافة الديمقراطية
ومضامينها ووسائلها، وكيف يُمكن إنماء الممارسة الديمقراطية داخل
المؤسسة المدرسية؟
- أولاً: أهداف التربية من أجل الديمقراطية
لأن الديمقراطية هي الإطار الطبيعي لممارسة حقوق
الإنسان، المتضامن والمنصهر في الواقع الاجتماعي والعمل اليومي، لذا يجب أن تشمل
التربية من أجل الديمقراطية أهداف التربية في مجال الإنسان. ومن هذه الأهداف:
Ⓘ توفير المناخ الديمقراطي
يتحقق المناخ الديمقراطي من خلال العلاقات العلمية
والاجتماعية الديمقراطية بين القيادات التعليمية وهيئات التدريس من جهة، وبينهم
وبين الاداريين والفنيين من جهة أخرى، وبين الطلاب أصحاب المصلحة الحقيقية في
الخدمة التعليمية من جهة ثالثة، ولابد من أن يتوافر في هذا المناخ التزام كل عضو
في أسرة المؤسسة التعليمية ما التزمه المجتمع العام من فلسفة ديمقراطية تحقق التوازن
بين خير الفرد ونفع المجتمع.
وكلما ساد هذا المناخ التفاهم والإخاء والاحترام
والتقدير المتبادل، وكلما استخدمت أدوات الديمقراطية وأساليبها في توطيد الصلات
والعلاقات والتفاعلات العلمية والإدارية والاجتماعية وغيرها، حقق هذا المناخ بيئة
صالحة للممارسة الديمقراطية تسودها قيم الحرية والأمن والعدل والتعاون وتحمّل
المسؤولية، وغير ذلك من قيم لا تتوافر إلا في مناخ ديمقراطي (فور،1976، 163).
② التوعية بالديمقراطية والتوجيه الديمقراطي
من أهم واجبات المدرسة، كمؤسسة ديمقراطية، أن تقدم
لأبناء المجتمع عامة، وطلابها خاصة الوعي والتوجيه الديمقراطي، بما يُمكنهم من
التكيف مع مطالب الحياة الديمقراطية في المجتمع، والإسهام في معالجة ما قد ينجم من
مشكلات بأساليب ديمقراطية، إذ تتم عملية التوعية والتوجيه الديمقراطيتين من خلال
قنوات الاتصال المتنوعة داخل المدرسة وخارجها، وذلك في صور متعددة منها: إلقاء
المحاضرات العامة، وعقد الندوات والمناظرات، ونشر المقالات والأبحاث، وكلها يجب أن
تدور حول تأكيد المفاهيم والاتجاهات الديمقراطية، فضلاً عن تفعيل علاقة المدرسين
بالطلاب في إطار ديمقراطي.ولعل من أهم مجالات التوعية والتوجيه الديمقراطيين
مجالين هما:
☑️ المجال العلمي للممارسة الديمقراطية
تدور الحياة في
أي مؤسسة مدرسية إلى حدّ كبير حول محورين هما: المعلم والطالب، فكلما قدم المعلمون
من الجهود العلمية والتربوية ما يتناسب واحتياجات طلابهم، وكلما استثمر هؤلاء
الطلاب هذه الجهود بعناية وجدية، كان إسهام المدرسة في البناء الديمقراطي إيجابياً
فعالاً.
ولعل من أمثلة هذه الجهود: أن تتيح المدرسة لطلابها
فرصاً أفضل للوصول إلى مستوى علمي لائق، وذلك بتوجيههم إلى ما يتناسب وميولهم
وقدراتهم من أنواع التعليم وتخصصاته، وهذا يستدعي بطبيعة الحال أسلوباً من التوجيه
التعليمي يبدأ من المراحل الأولى، ويستمر حتى يختار الطالب نوع دراسته في الجامعة.
وكذلك أن ترعى المدرسة الطلاب المتفوقين رعاية علمية
بالصورة التي تعدّ بها كلاً منهم كي يصبح في مجال تخصصه عالماً في المستقبل
القريب. بالإضافة إلى أهمية أن تقوم العملية العلمية والتعليمية في المدرسة على
أساس مشاركة الطلاب في تخطيط أهدافهم ومقررات برامجهم الدراسية، وفي مناقشة دروسهم
وتقويم تقدمهم العلمي، فضلاً عن مشاركتهم في اتخاذ القرارات التي ترتبط بحاضرهم العلمي
والعملي.مع التأكيد على ضرورة أن يتصدى الأساتذة للاتجاهات العقلية والاجتماعية
التي لا تتفق والممارسة الديمقراطية بالمناقشة والحوار والإقناع.
☑️ المجال الاجتماعي للممارسة الديمقراطية
بحيث يكون كلاً من الإطار الديمقراطي والمناخ مجالين
للنمو الاجتماعي والديمقراطي للطلاب، ويتحقق ذلك بوسائل كثيرة منها: أن تُمارس
الحياة الاجتماعية للطلاب من خلال التنظيمات الطلابية، ويفضل أن يكون ذلك بتوجيه
وإرشاد معلم من المعلمين يشرف على التنظيم الطلابي، أو على نشاط من أنشطته، وأن
تقوم العلاقة بين الطالب والمدرس على التقدير والاحترام المتبادل، فالطالب يقدر
معلمه ويحترمه ويعدّه قدوة له، والمعلم يهتم بحياة طالبه العلمية والاجتماعية، وذلك
في إطار القيم المدرسية. بالإضافة إلى أهمية أن يُدرب الطلاب على ممارسة الحرية في
إطار من الانضباط، وأن يختاروا المعايير التي تناسبهم، والتي تتفق وقيم المجتمع،
لاستخدامها في تقويم استخدامهم للحرية، أي أن يُقّوم الطالب سلوكه وممارسته للحرية
في ضوء هذه المعايير.
من هنا يقع على عاتق مدارسنا العمل على تحقيق نمو
ديمقراطي لطلابها في المجالين العلمي والاجتماعي في ظل مناخ ديمقراطي، وإذا تدرب
لطلاب على أن يحسنوا اختيار ممثليهم واختيار قراراتهم، وممارسة الحياة
الديمقراطية، كقادة أحياناً وتابعين أحياناً أخرى، فإن ذلك سوف يوفر فرصاً كثيرة
لتعميق قيم التعاون، واحترام الرأي الآخر، وتحمل المسؤولية، وغير ذلك من أنماط السلوك
الديمقراطي الذي يُعد مقدمة ضرورية في بناء المجتمع الديمقراطي.
③ الاعتراف
بالآخرين كأنداد والانفتاح عليهم
أي عدم الاكتفاء بإبداء ذلك النوع من التسامح
المتعالي إزاء الآخرين، أفراداً وجماعات، معتقدات وثقافات، بل الاعتراف بتساوي
الجميع في الكرامة، وبشرعيه الآراء التي لا نعتنقها، لأن التسامح الفعّاليتطلب بذل
جهد لمعرفة الآخرين، وفهم اختلافهم، واحترام ذلك الاختلاف. ومن هنا يجب توسيع نطاق
اهتمامات الإنسان إلى ما وراء محيطه المباشر، على أن يتفهم أن ما يمس بلده أو
العالم إجمالاً يمس أيضاً حياته الشخصية، وحياة كل إنسان.
بعبارة
أخرى، أن يملك الفرد قدرة على تكوين انتماءات متعددة يختارها بحريه، وذلك دون
اعتبار أن قاعدة الأغلبية تسمح بإنكار مصالح الأقليات أو على نقيض ذلك، ومن ثم فإن
تأكيد الذاتيات الخاصة ينبغي أن يعلو على أوجه التضامن الجماعي، أو التطلعات المشتركة،
فليست الديمقراطية نظاماً كاملاً للخلق الاجتماعي فحسب، بل هي أيضاً نظام يُمكّن
الإنسان من اختيار قيمه الشخصية ويتصرف بناء عليها.
ولهذا
فإن إنسان الألفية الثالثة يجب أن يدرك عن علم أن العالم الذي ننشد العيش فيه الآن
إنما هو عالم يجب أن تتخلى فيه القوى العظمى عن السيادة والسيطرة، وأن توجه جهودها
لحل المشكلات العالمية المستعصية في جو من الحرية والتسامح والبعد عن التعصب، لكي
يُصبح هذا العالم عالم عدل وسلام وثراء، يعمل بضوابط وقيود يرتضيها المجتمع الواسع
الكبير في كل أنحاء العالم, من خلال منظمات ومؤسسات عالمية تهدف إلى حسم كل المشكلات
التي سوف يعاني منها العالم الذي نعيش فيه، وفي مقدمتها انتهاكات حقوق الإنسان
وحرياته الأساسية.
- ثانياً: مضامين التربية من أجل الديمقراطية
لا
شك أن تعلم السلوك الديمقراطي يتطلب اكتساب بعض المعارف، والإيمان بمجموعة من
القيم، كما يتطلب بعض الكفايات التي تُمكن الإنسان من ممارسة الديمقراطية ممارسة
فعلية. وفيما يأتي توضيح لذلك:
Ⓘ المعرفة
بحقوق الإنسان
يقع
على عاتق المدرسة من أجل تعزيز ثقافة الديمقراطية أولاً وقبل كل شيء بث المعارف
الأساسية بشأن حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، لأن لهذه الحقوق قيمة حضارية تتمثل
أهميتها في أن الدول المتحضرة تعمل على تقرير هذه الحقوق واحترامها بحمايتها
وكفالتها لأفردها، كما أن الإنسان المتحضر هو الذي يتفهم ويقدر ويحترم حقوق
الإنسان، ومن ثم يدافع عنها ويعمل على حمايتها، فضلاً عن ضرورة النظر إليها بوصفها
قضية حضارية.
واللافت
للنظر أنه منذ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أصدرته الجمعية العامة للأمم
المتحدة في العاشر من ديسمبر سنه 1948م وقضية تعليم حقوق الإنسان تحظى باهتمام
بالغ على المستوى الدولي، فقد نص إعلان الجمعية العامة الصادر في 7 ديسمبر عام
1965 على تعليم الشباب قيم السلم والعدل والحرية والاحترام المتبادل بين الشعوب.
كما
جاء في التوصية الدولية لليونسكو عام 1974 بأن على الدول الأعضاء أن تتخذ الخطوات
الكافية بجعل كل من مبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والاتفاقية الدولية بشأن
إزالة جميع أشكال التمييز بتطبيق هذه المبادئ عند ممارسة عملية التعليم في جميع
مستوياته، وبجميع أشكاله (اليونسكو، 1974، 3).
وبهذا
الصدد تكون المنظمة الدولية قد توجهت توجهاً متصاعداً نحو العناية بقضية تدريس
حقوق الإنسان، وبذلت جهوداً مكثفة للاتصال بالمؤسسات المدرسية وبالقائمين عليها،
لتوجيه مزيد من العناية لتدريس تلك الحقوق والاهتمام بالمقررات التي تتناولها.
كما
يؤكد كثير من الباحثين على ضرورة التعريف بمبادئ الحياة السياسية والإدارية والاقتصادية
والاجتماعية أيضاً، وتوفير مستوى أساسي من المعارف التاريخية التي لا بد منها لفهم
المجتمع والعالم الذي يعيش فيه الإنسان، فضلاً عن تلقين مبادئ التعايش بين
الثقافات، لأن المجتمع الإنساني يشهد دائماً المزيد من تعدد الثقافات، وتعدد
الأجناس، وتواتر الاتصالات فيما بينها، ومن ثم لابد من امتلاك الأدوات الفكرية
التي لا غنى عنها حتى نستطيع أن نفهم سلوك الآخرين.
② قيم
ومبادئ حقوق الإنسان
تُطرح في هذا المجال أسئلة كثيرة لعل أهمها
ما يأتي: ما القيم التي يسترشد بها السلوك الديمقراطي؟ ألا يجدر التأكيد على قيم
مثل التعدد والتضامن والمبادرة والمسؤولية؟ ثم كيف نترجم تلك القيم المجردة إلى
معايير اجتماعية للسلوكفي مجتمعات يتزايد فيها الانشقاق (صراع الأجيال، الصراع بين
القيم التقليدية وقيم الحداثة)؟وكيف يمكن إيجاد تربية من أجل القيم تخدم قضية
الديمقراطية؟ هل يمكن تدريس القيم الديمقراطية؟ وهل يمكن نقل قيم ومبادئ حقوق
الإنسان من خلال التعليم (في إطار تربية دينية أو أخلاقية أو مدنية)، دون أن يؤدي
ذلك إلى إغفال الحرص على التعددية والحرية النقدية؟
للإجابة
عن تلك الأسئلة تجدر الإشارة إلى أن اللجنة الدولية المعنية بالتربية للقرن الحادي
والعشرون،التي يرأسها السيد "جاك دولور" قد أقرت في دورتها الأولى
(باريس 24 آذار 1993) بأن الموضوع المركزي الذي ينبغي التعمق فيه طوال مدة أعمال
اللجنة يجب أن يكون دور التربية في تعزيز قيم التعاون والتضامن في مجتمع بشري يتزايد
طابعه العالمي يوما بعد يوم.
واعتمدت
اللجنة فضلاً عن ذلك إطاراً يتمثل في بنود البحث التي تؤكد على أهمية التربية
الإنسانية والثقافية والدولية مثل: التربية والثقافة مع التركيز على اكتساب قيم
تتمشى مع مجتمع عالمي، مثل التسامح والاحترام، واحترام الفوارق الثقافية وفهمها،والتربية
والمواطنة بما في ذلك اكتساب المهارات الأساسية في الحياة اليومية،التي تهيئ
الأفراد والجماعات للمشاركة المسؤولة في مجتمع تعددي، وكذلك التربية والتماسك
الاجتماعي مع التركيز على التهميش والجريمة وحل النزاعات.
كما
أوصت الدورة الثالثة والأربعون للمؤتمر الدولي للتربية (جنيف 14_19 أيلول عام
1992) في إطار موضوعها الرئيس "إسهام التربية في التنمية الثقافية"
بالاضطلاع بأنشطة تستهدف تحسين السياسات والمواد التعليمية، وإعداد المعلمين، فيما
يتعلق بالتربية المشتركة بين الثقافات والتنوع الثقافي عن طريق التربية والقيم
الأخلاقية والثقافية والإنسانية، ومعرفة الثقافات الأخرى والتراث الثقافي
للإنسانية وفهمها (اليونسكو،1993، 1-2).
③كفايات
الممارسة الديمقراطية
إن
ممارسة الخيارات والمسؤوليات الملازمة لممارسة الديمقراطية تفترض أيضاً امتلاك
ناصية كفايات معينة مثل: روح النقد والاستقلالية، والمبادرة، والقدرة على التفاوض
والمناقشة والحل السلمي للنزاعات الخ. والسؤال الذي يظهر هنا هو: هل يمكن تدريس
مثل هذه الكفايات؟ أم أنها تكتسب عن طريق الممارسة والاقتداء بالآخر؟
للإجابة
عن هذا السؤال يمكن القول: إن تعلم الديمقراطية يمكن أن يكون مادة للتعلم غير أنها
أولاً وقبل كل شيء هي ثمرة الممارسة، لأن الديمقراطية تُختبر وتُمارس أولاً في
بيئة الحوار، أي في المدرسة الابتدائية والمدرسة الثانوية والجامعة، وكذلك في اطار
الأسرة والعمل والجمعيات وما إلى ذلك، فالمؤسسات التعليمية جميعها لها دور حافز
على ممارسة الديمقراطية، يجب أن تؤديه من خلال تلقين مبادئ الحياة الديمقراطية،
وذلك عن طريق إقامة علاقات تشارك مع شتى المؤسسات التي تضطلع بوظيفة تربوية في
المجتمع، مثل الأسرة التي تُعدّ أول مصدر لنقل المعارف والمعايير والقيم، إذ إن
اشتراك الأسرة في حياة المدرسة قد يعمل على تضييق الفجوة التي كثيراً ما تلاحظ بين
أنماط السلوك التي يقدمها النظام التعليمي، وأنماط السلوك التي تنقلها الأسرة.
إن
النظرية التربوية الحديثة ترى "أننا لا نتعلم مالا نمارسه، فإذا أردنا أن
نتعلم الديمقراطية تحتم علينا ممارستها، وقد يكون من أسباب استيائنا من
الديمقراطية أننا لم نجربها أبداً تجربة حقيقة، ومن الواضح أنه إذا أردنا أن يكون
العالم ديمقراطياً كان على الإنسان أن يتعلم الديمقراطية، كما يجب أن يقوم بذلك
نوع معين من التربية في مكان ما وبطريقة ما، وأجدى هذه الطرق أن تقوم المدرسة
بتدريسها وممارستها" (كلباتريك، 1985، 68).
- ثالثاً: كيف ننمي الممارسة الديمقراطية داخل المدرسة؟
لا شك أن المشكلات التعليمية تكتسي بعداً
سياسياً في المقام الأول، ومن هنا فإننا نعتقد بوجود علاقة جدلية بين النظام
السياسي للمجتمع وأنماط التربية المستخدمة في التعليم، ولكن هذه العلاقة ليست ذات تجاه
واحد لأن التعليم يتحدد بوساطة المجتمع ككل، فهو يحددها بدوره (يثبتها أو يغيرها).
ومن ثَمَّ يُصبح السؤال الآتي مشروعاً والإجابة عنه لازمة: كيف يجب أن يكون
التعليم في مجتمع يريد أن يكون ديمقراطياً أو يظن نفسه كذلك؟ للإجابة عن هذا
التساؤل تجدر الإشارة إلى أن ديمقراطية التعليم تستلزم جملة من السياسات التربوية
والتعليمية يأتي في مقدمتها: (بدران،1995، 48-49).
Ⓘتحرير
التعليم، وتعديل المناهج الدراسية والمفاهيم والبرامج التعليمية، بالإضافة إلى
إلغاء التفاوت الاجتماعي من المعرفة المقدمة للطلاب، فضلاً عن فتح أبواب التعليم
أمام أوسع الفئات الاجتماعية التي حرمت منه زمناً طويلاً بحكم وضعها الاجتماعي،
ومن ثم فإن أي مجتمع لا يُعدّ ديمقراطياً بمعنى الكلمة إلا إذا كونت المدرسة
ديمقراطيين حقيقيين.
وبما
أن التربية التسلطية يمكن أن تُكون أفراداً خاضعين أو ناقمين، والتربية التساهلية
يمكن أن تُكون أفراداً لا مسؤولين، لهذا يجب أن يتركز التعليم قدر الإمكان على
سلطة المشروع الوطني الذي يحقق طموحات المجتمع من خلال الإجماع الوطني، وفي
التحليل الأخير تتطلب الديمقراطية أن يكتسب الطلاب معنى التعاون وقبول الآخر وعدم
نفيه، والإيمان بأن المعرفة والقيم نسبية، ولا قداسة في العلم، وأن التعدد في
الأفكار والآراء لازم وضروري لاستمرار الحياة، باختصار هناك أهمية لأن يكتسب
الطلبة داخل المؤسسة التعليمية قيماً تناقض الشمولية والأحادية.
② ومادام التعليم الديمقراطي موجهاً للجميع يجب أن نلتزم الموضوعية،
وأن نتجنب في هذا المقام لفظ حيادي، لأن أي نوع من التعليم لا يمكن أن يكون
حيادياً، فتدريس معارف دون غيرها يرتكز على اختيار ما، ومن جهة ثانية تظهر
(الموضوعية) في الآراء التي يحصل عليها إجماع ثقافي.
③ ولا يمكن أن يكون التعليم ديمقراطياً إلا بتحرير المعرفة المقدمة
للطلاب، وتحرير القائمين عليها (المعلمين) من كل أشكال القهر والتسلط ، سواء أكان
قهراً معنوياً أو رمزياً أو مادياً، لا بد من تحرير المعرفة بوصفها منتجاً
اجتماعياً يُعبّر عن تطور الواقع في لحظه ما، وكذلك تحرير العلم من كل الأساطير
المرتبطة به، وبذلك يُصبح التعليم قادراً أن يؤدي دوراً تنويرياً في سيادة الروح
الديمقراطية (فعلاً وانفعالاً)، ويعمل على ترسيخ قيم التقدم والتحرير والسلام،
وذلك لن يتأتى إلا من خلال مشروع وطني يحمل في ثناياه الإيمان المطلق بقدره
الإنسان على الإبداع والخلق، وبقدرة المجتمع أن يعتمد على ذاته في سبيل التقدم
والتطور في بناء الديمقراطية.
④ إن الخطر الكامن في نُظم التعليم العربية يأتي من اعتمادها على
أحادية المعرفة، وسلطة المعلم والكتاب المدرسي، ومهما بذلنا من جهد في تطوير
المناهج وتعديل السلم التعليمي فإن ذلك لن يكون مجدياً إلا إذا تم في سياق مغاير
تماماً، سياق سيادة الروح الديمقراطية
بدءاً بترسيخ قيمة نسبية المعرفة، ومروراً بتنوع سلطة المعلم، واعتباره موجهاً
ومرشداً للعملية التعليمية، وانتهاء بسيادة روح الديمقراطية داخل المدرسة وخارجها،
باعتبار المدرسة مجتمعاً صغيراً تنعكس فيه العلاقات الاجتماعية والسياسية التي تتم
خارج جدران المدرسة.
من
هنا فإن ما سبق يُمكن اعتباره مدخلاً لتكريس الديمقراطية في النظام التربوي،
وإنماء الممارسة الديمقراطية داخل المؤسسة التعليمية، وتجدر الإشارة إلى أنه إذا
كنا نؤمن أن التربية عملية اجتماعية، فإن معيار النقد لشكل الحياة الاجتماعية
الديمقراطية داخل المدرسة وخارجها يجب أن ينطلق من مدى تشارك كل أعضاء الجماعة في
اهتمامها أو مصالحها، ومدى غزارة وحرية تفاعل هذه الجماعة مع الجماعات الأخرى.
بعبارة أخرى، "يكون المجتمع غير مرغوب فيه إذا كان يقيم داخلياً وخارجياً الحواجز أمام حرية التعامل وانتقال الخبرة، والمجتمع الذي يوفر لكل أعضائه المشاركة في خبراته على قدم المساواة، ويضمن إعادة التكيف بمرونة لمؤسساته عن طريق تفاعل الأشكال المشتركة للحياة الاجتماعية هو مجتمع ديمقراطي بمقدار ذلك كله، ومثل هذا المجتمع يجب أن يكون له نمط من التربية يجعل لأفراده اهتماماً شخصياً بالعلاقات والسيطرة الاجتماعية، وفي عادات التفكير التي تكفل التغيرات الاجتماعية من دون اللجوء إلى الاضطرابات" (ديوي،1978، 91).
بناءً على ما سبق يجب أن تتبلور علاقة
متبادلة بين المدرسة والمجتمع الديمقراطي، هذه العلاقة يجب أن تكون جزءاً جوهرياً
من المشروع الحضاري لأي مجتمع، بما في ذلك تطوير مؤسسات التعليم من أجل تنمية
الوعي، وتطوير القدرة الذاتية على خلق مؤسسات ديمقراطية ذات تنظيم عال، تعمل من
أجل خلق إنسان قادر على المشاركة في بناء حضارة تدوم وتزدهر، مما يقتضي من
المجتمعات العربية أن تتصالح مع ذاتها، وتعتنق ثقافة حضارية وتعددية تتسم
بالتسامح، وتمتزج بشعور عميق بكل ما هو مقدس، وتؤمن بالعلم منهجاً وطريقة،
وبالديمقراطية قيمة عليا، لأنه عن طريق العلم وممارسة الديمقراطية يتلاشى الارتجال
ويكون احتمال نجاحنا كبيراً.
- المراجع
- - بدران، شبل (1995).تطوير التعليم والديمقراطية:علاقة غائبة، القاهرة، مجلة التربية المعاصرة، العدد 37 رابطة التربية الحديثة.
- - ديوي، جون (1978).الديمقراطية والتربية، ترجمة نظمي لوقا، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية.
- -فور، إدجار (1976).تعلم لتكون، ترجمة: حنفي بن عيسى، اليونسكو، الجزائر، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع.
- - كلباتريك، وليم (1985).المدينة المتغيرة والتربية، ترجمة عبد الحميد السيد وآخرين، القاهرة، مكتبة مصر.
- - اليونسكو (1974). توصيات بشأن التربية من أجل التفاهم والتعاون والسلام على الصعيد الدولي، والتربية في مجال حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، باريس، الدورة(18).
- - اليونسكو (1993). توصيات بشأن التربية من أجل التفاهم والتعاون والسلام على الصعيد الدولي، والتربية في مجال حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، باريس، الدورة(27).

مرحبا بك في بوابة علم الاجتماع
يسعدنا تلقي تعليقاتكم وسعداء بتواجدكم معنا على البوابة