نظرية موت المدرسة
- أ.د. صابر جيدوري
- ★ باحث متميز في الموقع
تُعدّ اللامدرسية Unschoolingشكل من أشكال التعليم، الذي يعتمد فيها التعلم على اهتمامات المتعلم وميوله ورغباته وأهدافه، ويشار إليها أيضًا بالتعلم الاستكشافي، أو التعلم الذاتي، أو التعلم الموجه ذاتيًا، فضلًا عن أن اللامدرسية تتطابق مع أشكال التعليم المنزلي الأخرى في أن النظام التعليمي للطالب ليس موجهًا من قبل معلمين، أو مناهج دراسية.
ومع ذلك فإن للطالب اللامدرسي حرية الانتفاع من المعلمين، أو الاطلاع على الكتب الدراسية، فهو المسؤول والمتحكم في الطريقة التي يتعلم بها، وهو من يختار بحرية كاملة كيف وأين وماذا ولماذا يتعلم، وما يفعله والديهم يقتصر على تيسير الظروف والبيئة المحيطة بهم، فهم يوفرون لهم المصادر المختلفة، ويقدمون لهم النصائح إذا طلبوا منهم ذلك، ويكونون في عونهم متى أرادوا.وفي هذا المقال سوف نناقش هذه النظرية من خلال تناول آراء بعض المفكرين الذين نادوا باللامدرسية، كـ جان جاك روسو، وجون هولت، وإيفان إيليتش، وذلك على النحو الآتي:
- أولاً: موت المدرسة عند جان جاك روسو
يذهب روسو في فلسفته الطبيعية إلى أن التربية يجب ألا تكبح أو تُطوع ميول الطفل الطبيعية، بل يجب أن تشجعها حتى تنمو وتزدهر، كما أن التعليم لا يجب أن يأتي من المدرسةوالكتب والإرشادات اللفظية، بل من الأمثلة والخبرة المباشرة بالناس وبالأشياء، وأن الأسرة لا المدرسة هي الميدان الحقيقي للتعلم، وأدواته هي الحب والتعاطف لا القواعد والعقوبات. (روسو، 1958)
وفي رفضه للتعليم المدرسي يقول روسو: "لأنالطبيعة الإنسانية خيرة يجب أبعادها عن كل ما يُفسدها". ولهذا دعا روسو إلى أن يترك "أميل" من أجل أن تنمو فيه جميع الميول الطبيعية التي ولد بها، لأنه كان موقناً أن نمو تلك الميول فيه هو سبيله السوي إلى الفضيلة. يقول روسو: "إن الطبيعة تريد أن يكون الأطفال أطفالاً قبل أن يصبحوا رجالاً، فإذا كنا نريد قلب الوضع، فسوف ننتج ثماراً قبل أوانها ليس فيها نضوج ولا نكهة" (روسو، 1958).
ووفقاً لهذه الرؤية، يؤكد روسو على خيرية الطبيعة الإنسانية، ولأن الإنسان خير بطبعه، وبحكم تكوينه، فهو يتصرف بانسجام مع الطبيعة التي زودته بالغرائز والرغبات، وفتحت أمامه مجال إشباعها، ومن ثم حين يُشبعها تتحقق سعادته، ففطرة الإنسان خيرة طالما كانت في توافق مع الطبيعة.
كما أن الإصلاح الاجتماعي يبدأ بإصلاح الفرد وفقاً للطبيعة، دون تدخل المؤسسات التربويةوالاجتماعية، وعلى التربية إتاحة الفرصة وتوفير الحرية التامة لتمارس الميول الفطرية نشاطاتها، وتقوم بدورها الطبيعي المقدر لها. يقول روسو: "إن الطفل الحر حقاً هو الذي لا يرغب إلا فيما يستطيع أن يعمله، والذي يعمل ما يحلو له أن يعمله، تلك هي قاعدتي الأساسية، فطبقوها على الطفولة تنشأ عنها كل قواعد التربية" (روسو، 1958).
تلك هي المسلمة التي يقوم عليها مشروع التربية الطبيعية، التربية التي يسعى فيها المربي لإبعاد أميل عن مجابهة مع المدرسة،ومع المعلم ليضعه وجها لوجه أمام الأشياء، والأشياء هنا تعني الطبيعة التي يتعلم "أميل" قوانينها، حيث تسود الضرورة الطبيعية.وترجمة لهذه الفلسفة فقد حذف روسو عن قصد، في السنوات الاثني عشرة الأولى، كل ما يمت إلى الثقافة الفكرية، والتربية الخلقية، والتعليم المدرسي، وترك لأميل في هذه السنوات إجادة الركض والقفز والتمييز بين الأبعاد والمسافات.
من هذا المنطلق رفض روسو دخول الطفل إلى المدرسة، واستبدل ذلك بالتربية السلبية، التي حث فيها المربي على عدم تدخله بصورة مباشرة في حياة الطفل. يقول روسو: "لا تقدم لتلميذك أي نوع من الدروس الكلامية، فعليه ألا يتلقى مثل هذه الدروس إلا من التجربة". ووفقاً لهذه الرؤية يبعد روسو جميع التمرينات الفكرية المعتادة في المدرسة.
كما أبعد التاريخ بحجة أن "أميل" لا يستطيع أن يفهم العلاقات بين الحوادث، كما أنكر كذلك دراسة اللغات، وأكد على عدم تعليم الطفل أية لغة حتى سن الثانية عشرة، وذلك لعجزه عن الحكم والفهم، وعدم قدرته على المقارنة بين لغته الأم وسائر اللغات. وروسو إذ يطالب المربين بذلك، فلأنه يعتقد أن تسرب الكتاب عن طريق المدرسة إلى عالم أميل يعني تسرب الفساد وانحراف النمو عن طريقه الطبيعي.يقول روسو: "إنني أبعدت الكتب لأنها لا تعلم الطفل إلا التحدث عما لا يعلم.." وهذا يعني أن ما يتم تعليمه للطفل من خلال الكتب لا يُشكل وعياً ناقداً، وبخاصة إذا لم يكن مرتبطاً بالتجربة أو الأشياء الواقعية المعاشة(روسو، 1958).
ولهذا يؤكد توجيه أميل، حتى سن الثانية عشر، عن طريق مبدأ الضرورة وتعلم الأشياء، لأن الأشياء هي التي تتحكم فيه وليس المعلمين أو المدرسة، كما يجب أن يُقاد عن طريق الممكن والمستحيل، ولا يُعامل معاملة كائن يحس ويعقل، بل معاملة تنطلق من مراعاتها للميول الطبيعية التي ولدت فيه.
وفي مرحلة تالية من التربية السلبية يقرر روسو ضرورة أن يكتسب أميل، بعد الثانية عشرة، حظاً من الحكم والتمييز، ويصبح من الواجب أن نوجه سلوكه بدافع فكري هو مبدأ المنفعة. وفي هذه السن أيضاً يمكن أن نتوجه إلى قلبه وعاطفته، وأن تظهر له الأفعال التي تطلبها منه بمظهر الأفعال النبيلة الشريفة، لا بمظهر الأفعال الضرورية أو النافعة (روسو، 1958).
وقد كان من نتائج هذه التربية السلبية وما رافقها من عزلة "أميل" عن المدرسةوالأسرة والأصدقاء والأقران، إنها جعلت من أميل أنانياً، وهذا يعني أن كل محاولات روسو اللاحقة لم تجدِ أن تغمر قلب إميل بشيء من الدفء، إذ لا سبيل إلى تكوين عواطف المحبة إلا منذ الصغر في وسط أسري اجتماعي هو وحده القادر أن يفسح لعواطفه مجالاً تنمو فيه.
- ثانياً: موت المدرسة عند جون هولت
يُعدّ الكاتب الأمريكي "جون هولت" أول من استخدم مصطلح اللامدرسية بعد روسو، وألّف العديد من الكتب والمطبوعات حول التعليم اللامدرسي منها: مجلة مهتمة باللامدرسية عنوانها Growing Without Schooling، أو تنشئة من دون مدرسة. ثم تبعه بعد ذلك كثيرون كان أبرزهم "إيفان إيلتش" مؤلف كتاب مجتمع بلا مدارس، و"ريمر" مؤلف كتاب موت المدرسة.
بدأ "هولت" حركته المناهضة لنظام المدارس العامة أو التقليدية مع بدايات النصف الثاني من القرن العشرين، حين رأى أن النظام المدرسي الذي كان تلبيةً لمطالب التغيرات الاقتصادية، التي تلت الثورة الصناعية بين القرنين الثامن والتاسع عشر، قائم على مبدأ "مقاس واحد للجميع"، فالجميع في سن واحد، يكتظ بهم فصل واحد، ويستذكرون المنهج ذاته، دون مراعاة لحريتهم في اختيار ما يتعلمونه.
دعا "هولت" إلى الخروج بالطفل خارج أسوار المدرسة، وتتبع شغف الطفل؛ فقد آمن بأن الإنسان يمتلك نزعة طبيعية للتعلم والاكتشاف، وأن القواعد والمناهج الصارمة تقتل النزعة إلى الحرية، ومن ثَمَّ الإبداع؛ فيتحول الجميع إلى نسخ متقاربة، وتتلاشى المزايا الفردية مع الوقت، وهذا ما توصل إليه بعد أنساهم مع أحد زملائه في مراقبة فصل واحد؛ إذ يقوم أحدهم بالتدريس، والآخر بمراقبة وتدوين تصرفات التلاميذ، ولاحظ أن الشعور المسيطر على الأطفال هو الخوف من الخطأ، مما يدفعهم للمراوغة، ومحاولة الدفاع عن أنفسهم.
وقد شكلت تلك الملاحظات أهم ما كتب هولت، وكانت علامة أساسية في تاريخ اللامدرسية، ومنها: كيف يفشل الأطفال؟، وكيف يتعلم الأطفال؟ وقد قسم التربية خارج المدرسة إلى قسمين رئيسين، هما: التعليم المنزلي Homes chooling بوساطة بيئة تعليمية معتمدة على مناهج، ومتابعة لتحصيل مهارات ومعارف معينة، وعلى الأغلب يكون الوالدان هما القائمان على تيسير تلك العملية.
والصورة الأكثر حرية من التعليم المنزلي، وهي اللامدرسيةUnschooling ، من غير وجود للمناهج على الإطلاق؛ إذ يعتمد منتهجو ذلك النظام على الغريزة الطبيعية في البشر للتعلم عموماً، وعلى الفضول المتقد عند الأطفال خصوصاً، كما يؤمنون بأن العيش في هذه الحياة هو في الأصل فرصة كافية للتعلم، وإن الإنسان لديه القدرة على توجيه ذاته لتعلم ما يلزمه، وما يستهويه. ومن هنا ظهر مصطلح التعليم/المتعلم الموجه ذاتيًا (هولت، 1978)
إن رفض "هولت" تقييد الطفل بأسوار المدرسة، جاء من منطلق أن هذا التقييد لا يخدم الطفل ولا قدراته، إنما يعمل على تدمير القدرة الفردية والنوعية للأفراد بتصدير صورة جمعية عن النمط المطلوب والمقبول اجتماعيًا. ويرى أن ذلك يخدم المنظومة الاقتصادية العالمية؛ فالصرح الاقتصادي العظيم بحاجة إلى الملايين من العمال والمدراء والمهندسين والأطباء، وقد تطورت المدارس خصيصًا بالشكل المتعارف عليه الآن؛ لتناسب هذا الدور تزامنًا مع الثورة الصناعية في أمريكا وأوروبا. تبعًا لحاجة هذا النظام لكل دور، وبناءً على تصنيف ذلك الدور داخلها يكتسب الفرد قيمته في المجتمع.
ولذلك نرى أن السائد اجتماعيًا أن طبقة الأطباء والمهندسين هي طبقة أفضل من طبقة العمال؛ لأن المنظومة الاقتصادية وضعت هذا الإطار، وحددت الهياكل ورواتب الأجور على أساسه، وهذه النقطة تحديدًا هي صلب خلاف "هولت" مع نظام المدرسة؛ إذ يدعو إلى التحرر من الوصم الاجتماعي، وعدم الانسياق وراء القوالب الاجتماعية المتفق عليها مسبقًا، ويرى أن قيمة الإنسان يجب أن تتحدد بناء على اختياراته الشخصية وتفضيلاته، ويجب أن يحظى بفرصة للإبداع، سواء اختار أن يكون عاملًا أم طبيبًا.
من هنا يؤكد "هولت" أن الحرية في التعليم اللامدرسي تعنى تحمل مسؤولية تعليم نفسك، وتعليم المحيطين بك، والتركيز على اهتمامات الطفل وقدراته وحريته، ومن ثَمَّ فإناللامدرسية لا تعنى الحياة من دون قواعد، ولكنها تتمحور حول حرية المتعلم في اختيار نوعية القواعد المفروضة، وتحديد هل يحتاج أكثر أم أقل. كما يؤمن "هولت" بأن التعليم يحدث بشكل طبيعي، ويثق بقدرة الأطفال على توجيه العملية التعليمية (هولت، 1978).
وتجدر الإشارة إلى أن "هولت" يرى أن عملية التعليم نشطة وفعّالة، فهي تُركز على أن يصبح الطفل متعلمًا حقًا، وليس مؤديًا لدور تلميذ تنتهي علاقته بالمعلومة بانتهاء الامتحان. لهذا تقوم فلسفة اللامدرسية التي أسسها "هولت" على أن الأطفال لديهم فضول فطري للتعلم، وبناءً على هذه الفكرة تكون طريقة Factory model المتبعة في التعليم المدرسي التقليدي غير مناسبة تمامًا لطبيعة الطفل، لأنها تطلب أن يتعلم الطفل موضوع محدد،وفي وقت محدد،وبشكل محدد، بغض النظر عن أهداف واحتياجات وخبرات الطفل السابقة عن هذا الموضوع.
من هنا يؤمن "هولت" بأن فرص التدريب العملي، وتنفيذ المشروعات، والمشاركة الاجتماعية، وخبرات العالم الحقيقي، لا تتوافر في التعليم عندما تكون فرص التعلم محدودة داخل جدران المبني المدرسي. وإن تعلم موضوع محدد أقل أهمية من أن يتعلم المرء كيف يتعلم، أو على حدّ تعبير"اليك يورن" "من الممكن أن تحشو العقل بملايين الحقائق والمعلومات، لكنه مع ذلك يظل غير متعلم"، أو بتعبير "جون هولت" "أننا لا نُعلّم نوعية المعرفة التي سنكون بحاجة لها في المستقبل، فمن الحماقة تدريسها مقدمًا، والأحرى بنا بثّ الايمان في نفوس محبي المعرفة بقدرتهم على تعلم ما ينبغي تعلمه في أي وقت (هولت، 1978)
وهكذا نجد، أن "هولت" واللامدرسيون عمومًا لا يؤمنون بأن هناك فرع محدد من المعرفة يجب على المرء أن يتخصص فيه، ويكرس له حياته بأسرها، بل يؤمنون بأن الأطفال إذا أتيحت لهم الفرصة لكي ينفتحوا بقدر كاف على العالم سوف يرون بوضوح ما هو المهم بالنسبة لهم وإلى غيرهم، وسيضعون لأنفسهم مسار أفضل من الذي يمكن أن يضعه لهم أي شخص أخر، فالطفل يتعلم طوال الوقت من كل شيء، وأي شيء.
- ثالثاً:موت المدرسة عند إيفان إيلتش
يُعدّ الفيلسوف النمساوي"إيفان إيلتش" من أشهر المفكرين المعاصرين الذين نقدوا المدرسة في المجتمع المعاصر، وأكدوا على أهمية التربية على الحرية، وقد تبلورت أفكاره اللامدرسية في جانبين مهمين:أولهما، أن فكرة هدم المدرسة ليست فكرة مطلقة بقدر ما هي نظرة نقدية إلى الجوانب السلبية من التعليم المدرسي، ومن دون التخلص من تلك السلبيات لن يستطيع التعليم القيام بالدور المنوط به، وهو توفير البيئة الصالحة ليطور من خلالها المتعلمون شخصياتهم وأفكارهم ومهاراتهم.
وثانيهما، أن المجتمع (الآن) قد تجاوز المفهوم التقليدي للمؤسسة التعليمية باعتبارها المصدر الوحيد لبناء المعرفة، فالخبرات التعليمية متعددة المصادر والأشكال لدرجة لا تستطيع معها ملاحقتها، ومن ثَمَّ فإن سعي المدرسة اللاهث خلف توظيف التقنيات الحديثة في التعليم يبقى متأخرًا عن المجالات الأخرى.وعليه فإن هذا المحور سوف يتجه إلى مناقشة مجموعة من آراء إيلتش التي تتصل بموت المدرسة، وذلك على النحو الآتي:
- التخلص من جدران المدرسة
يتساءل "إيلتش": هل تحتجز جدران التعليم المعرفة داخل المدرسة أم خارجها؟ ثم يُجيب: إذا كانت تُحتجز المعرفة داخل جدران المدرسة فلابد من هدم هذه الجدران لكي تنتشر المعرفة، أما إذا كانت تحتجزها خارجها، فيجب تحرير الأطفال المحتجزين داخلها لتمهيد سبيلهم في البحث عنها، بعبارة أخرى، نحن نتعلم الكثير داخل المدرسة لكننا لا نستفيد منه إلا القليل جدًا في حياتنا العملية (إيلتش، 1984).
من جهة أخرى فإن التعليم، باعتباره مؤسسة مستقلة، يكاد يكون منعزلًا عما حوله، ويتضاءل دور البيئة المحيطة (الخبراء والمؤسسات في شتى المجالات) بشكل كبير داخل النظام التعليمي، والخبرات التعليمية الوحيدة المعتمدة هي الخبرات التي تتضمنها خبرات المناهج، ومن ثَمَّ فإن المهارات التي تُقدمها المدرسة هي مجزوءة ومستقلة عن سياقها، أي غير عملية أو وظيفية للمتعلم.
من هنا فإن فكرة المناهج المستقلة، أو تقسيم المعرفة إلى مجالات، فكرة غير واقعية، فالعلوم البينية والعلوم ما بين البينية تقضي بسخافة فكرة المجالات المعرفية المنفصلة. كما أن خبرات الحياة ذاتها تأتي معتمدة على العديد من العلوم، وهو ما لم يتم تدريب الطالب عليه في المدرسة، أو تم التدريب عليه بشكل سطحي، ومن ثم فإن جدران المدرسة هي عائق أمام تحقيق الأطفال لمكنوناتهم، وما مقدر لهم من قدرات ومهارات (إيلتش، 1984).
- التخلص من المعلم
يرى ايلتش أن شخصية المعلم الكلاسيكية لم تعد صالحة للبقاء، فضلاً عن أنها أصبحت عائقاً في سبيل تطوير المتعلم لمعارفه وأفكاره، أي أن صورة المعلم المحتكر للمعرفة والموكل بتفسيرها لم تعدّ موجودة إلا بالأنظمة البالية، في الوقت الذي أصبح المعلم يستمد أدواره الحديثة من مبدأ "تمهين المعرفة"، لأن دوره لا يقتصر على تقديم المعرفة، ولا يشتمل بالقطع تفسيرها، بل جلّ عمله ينصب على تطوير مهارات الطلاب في الوصول إلى المعرفة، وشحذ قدراتهم على المشاركة في صناعة المعرفة، باعتبارها مكون أساس من مهن المستقبل (إيلتش، 1984).
- التأكيد على الاختلاف
يُعبّر المنهاج بشكل عام عن وجهة نظر الطبقة المسيطرة اجتماعيًا وسياسيًا واقتصاديًا، ويعكس قيمها وميولها، وعادة ما تنحو المناهج نحو ما يسمى "التطبيع الاجتماعي"، وهي عملية قولبة للمتعلمين وفقًا لأطر محددة مسبقًا ضمن المنهاج، ومن ثَمَّ ما يُكونه المتعلم من معرفة هي "نسخ مكررة" عن معرفة أقرانه، بعيدًا عن تشكيل "الشخصية المعرفية"، بما فيها من عوامل ذاتية وخصوصية كل فرد.
ولذلك فإن القيمة الأساسية في الاختلاف تكمن في الثراء الناتج عن الأشكال المتعددة للمنتج، وهو ما لا محل له في المجال المدرسي، فالمطلوب ناتج محدد وفقًا لمواصفات محددة، وتُعدّ تلك المواصفات معيار لتراتبية المعرفة، وتصنيف الطلاب، فمثلًا تكتسب بعض الفروع العلمية أهمية أكثر من غيرها وفقًا لتصور معين يضع الفنون في أدنى الهرم التعليمي، ومن ثَمَّ فالطفل المبدع في الرسم لا فرصة أمامه للمنافسة مع الطفل القادر على حفظ وتكرار إجراءات الرياضيات، أو قوانين الفيزياء.
ووفقًا لذلك يتم تصنيف الطلاب (متفوق، متوسط، ضعيف)، وفقًا للمعايير نفسها، إذ يُعدّ ذلك تطبيقًا مزيفًا لمبدأ "مراعاة الفروق الفردية"، فأي فروق فردية تلك التي تجعل من كل الطلاب قابلين للقياس على المعيار نفسه (في مستوى الطالب المتوسط)، ليضطر الطالب النابغ في أي مجال إلى الحد من قدراته لتتلاءم مع قدرات الطالب المتوسط. ولذلك رفض ايلتش التعليم المدرس الذي يقود إلى تصنيف التلاميذ حسب معايير مزيفة لا تعكس المستوى الحقيقي لفردية كل تلميذ منهم.
- شبكات التعلم
في مقابل ما تقوم به المدرسة من حصر لآفاق الطلاب ونزعهم عن واقعهم، والحدّ من حريتهم، يُقدم ايلتش بديلًا للمدرسة فيما يُعرف شبكات التعلم، وتستند تلك الشبكات إلى مجموعة من المبادئ نذكر منها (إيلتش، 1984):
• تتكون شبكات التعلم من الوسائط التقليدية للتربية اللامدرسية (الأسرة، ودور العبادة، والمؤسسات المهنية والسياسية، ووسائل الإعلام، المكتبات والمعارض والمتاحف..)، والدور الأساسي فيها للتعلم الذاتي الحر.
• لا يمكن الاستغناء عن المدرسة ضمن هذه الشبكة، ولكن يتم تحوير دورها بحيث تصبح بمثابة بؤر على الشبكة تعمل على تنظيم التدفق المعرفي الساري فيها.
•يُركز التعليم ضمن الشبكة على كيفية وصول المتعلم إلى المصدر الملائم، والحصول على المعلومات، والاستجابة النقدية لها.
•تكون الخبرات المطلوبة كلها في متناول جميع المتعلمين، ويختار المتعلم منها ما يناسبه وفقًا لمساره الذاتي في التعلم.
•وجود مراكز لتبادل الخبرات بين المتخصصين والمتعلمين، ويتم اعطاء الخبراء والمحترفين الفرصة للمشاركة في عملية التعليم، ومن ثَمَّ إثراء المعرفة التعليمية.
•بعكس نظام الفصول الدراسية، تجمع شبكات التعلم بين الأقران على أساس الاهتمام والميول التعليمية، وتقدم لهم لوائح من المصادر والأنشطة الذين هم في حاجة إليها ضمن مسارهم التعليمي، ويختارون منها بكل حرية.
•دور المعلم، بوصفه خبيرًا معرفيًا، يتمثل في إرشاد الطلاب، والعمل على تطوير قدراتهم النقدية والإبداعية فيما ينتقونه من مسارات تعليمية، وخبرات تربوية.
وبالنتيجة يمكن أن نرى أن أفكار اللامدرسية ليس الهدف منها هدم المدرسة، بل تحطيم جدرانها، وفتح المجال أمام المعلم والمتعلم لممارسة المعرفة ضمن سياق أكثر اتساعًا وواقعية، وهو ما يجعل من ذلك نموذجًا ملائما للتعليم في عصر المعرفة، وعالم الشبكات، والوسائط الاجتماعية.
- مبررات رفض إيلتش للمدرسة والتمدرس
يُهاجم إيلتش في كتاباته كلها مفهوم المدرسة والتمدرس في صورته القديمة والحديثة معًا، وهو لا يهاجمها من حيث المضمون، وإنما يُهاجمها من حيث الشكل الذي هي عليه. يرى ايليتش أن المدرسة تفرض نظامًا سلطويًا على الطفل عليه الامتثال له، وإلا فإنه سيتعرض للعقوبة المتمثلة في الرسوب والفشل في مشروعه، كما يُهاجم أيضًا النظرة التي يبني عليها المجتمع فكره حول الطفولة عامة.
يقول إيليتش: "إن المؤسسة الاجتماعية الحالية تُرغم الطفل على دخول عالم مغلق، ودون آفاق مستقبلية لما تفرضه عليه من قوانين صارمة وتابوهات لا يجوز تغييرها"، ثم يُضيف:إذا كان لابد أن يتعلموا فإنهم يتعلمون خارج المدرسة أكثر مما يتعلمون داخلها، ومن ثَمَّ فإن المبدأ القائل بإلزامية الذهاب إلى المدرسة يفقد مصداقيته.
وقد أوضح وجهة نظره هذه وشرحها في كتابه الشهير: "مجتمع بلا مدارس"، الذي يطرح فيه علينا سؤالًا عريضًا: أين تعلمنا جلّ ما نعرفه الآن؟ ثم يجيب: إن القسم الأكبر من هذه المعرفة تعلمناها خارج جدران المدارس بالتجربة والممارسة والاحتكاك بالواقع المعاش، وفي هامش من الحرية، وعدم الإكراه الممارس بشدة في المدرسة، مما يؤكد أن مفهوم المدرسة فقد مصداقيته، وأصبح وجود المدرسة غير مهم (إيلتش، 1984).
أما مبررات إيليتش لموت المدرسة فقد برزت بشكل واضح في تركيزه على كراهية الطلاب للمدرسة، وان خريجي المدارس لا يجدون فرصة للعمل المناسب إلا بعد أن يحصلوا على دورات تأهيلية تعدّهم من جديد لهذه الوظيفة، مما يعني فشل إعداد المدرسة، فضلًا عن تأكيده على اعتماد المدرسة على المعرفة النظرية، وعدم مواكبتها للواقع العملي، واكتساب الطلاب للعادات السيئة السلبية من المدرسة، التي أهمها الخضوع لأفكار المعلمين وآرائهم وأهوائهم (إيلتش، 1984).
ولهذا عدّ إيليتش التعليم المدرسي خطرًا على المجتمع، لأن المدرسة لم تعدّ مؤسسة تربوية، بل أصبحت "أداة تطويع" تسلب الإنسان كل أسلحته التي تُمكنه من الحياة الحرّة الكريمة، لتجعل منه كائناً بلا إرادة، وبلا اختيار، يقبل كل ما يُعرض عليه في سلبية وعجز تام. وهذا يعني أن تتحول المدرسة من هدفها الأصلي المتمثل في تنمية الأفراد ليتحملوا مسؤولياتهم في المجتمع، إلى أن تُصبح إحدى العراقيل الوعرة في سبيل تحقيق المجتمع لأهدافه، بل إنها، أي المدرسة، استنزفت قدرات الطلاب وطاقاتهم، والنتيجة عكس ما يهدف إليه المجتمع.
ولأن المدارس مؤسسات مستبدة وخادعة، وأداة من أدوات السيطرة الاجتماعية التي تملكها الدولة، طرح ايلتش سؤاله الذي يتصلبفكرة السيطرة الاجتماعية:لماذا يكره الطلاب المدرسة؟ وهل المدرسة أشبه بمؤسسة عسكرية؟ يجيب "إيليتش على السؤال بنعم، ثم يصف المدرسة على النحو الآتي (إيلتش، 1984):
• من ناحية الشكل :
نجد الجدران العالية، والأسوار محكمة الإغلاق، وفصول يُصنّف فيها الطلاب حسب العمر.
• من ناحية التنظيم:
المشي في طابور عسكري، والحضور الإجباري لطابور الصباح المبكر، حتى في أقسى أيام الشتاء، وافتتاح كل يوم دراسي بتحية العلم، والنشيد الوطني للدولة يجب أن يردده كل المتعلمين، وكذلك الزي الموحد لجميع المتعلمين، والطاعة العمياء للمدير والمعلم، والعقاب الصارم لكل مخالف، والاختبارات الجافة التي تقيس القدرة على الحفظ والاجترار الأصم.
•من ناحية المحتوى:تركيز المحتوى على البعد النظري الجاف، وهو ما أسماه باولو فريري (التعلم البنكي)، بمعنى أن هدف التعليم التقليدي حشو ذهن التلاميذ بالمعلومات النظرية، دون تركيزها على مخرجات التعليم، التي تلبي متطلبات سوق العمل، بالإضافة إلى إعداد مناهج دراسية موحدة تحت إشراف لجان خاصة تصبغ المقرر بهُوية الدولة.
النتائج التي ترتبت على آراء إيفان إيليتش
في الواقع سببت آراء "إيفان إيليتش" والذين نادوا معه باللامدرسية إلى ثورة جدلية كبيرة في المجتمع الغربي تعلقت بجدوى التعليم المدرسي، وأسفرت تلك النقاشات الطويلة عن نتائج مفصلية أهمها:
• تغييرات كبيرة في بنية التعليم الغربي، إذ أصبحت المدارس أكثر انفتاحيه على المجتمع، في الشكل، وفي التنظيم، وحتى في بنية المقررات، فتم فتح فرص (التعلم بالمقررات)، حيث ينتقي الطالب المواد التي يدرسها والمعلمين بنفسه. وهذ من التطويرات العاجلة التي تم إضافتها للمدرسة لتواجه اتهامها بأنها أصبحت مؤسسات عسكرية صارمة.
• التعلم المنزلي homes choolingكبديل، إذ تأثر كثيرون من أولياء الأمور بفكرة (اللامدرسية)، وخاضوا معارك قضائية رافضين أن يلتحق أبناءهم بالمدارس الحكومية، وظهرت مؤسسات قوية للدفاع عن التعليم المنزلي مثل (HSLDA) مؤسسة الدفاع القانوني عن التعليم المنزلي، وبعد سنوات من المعارك القضائية أقرت الولايات المتحدة التعليم المنزلي كنظام رسمي، كما أقرت أغلب دول الغرب موادًا في دساتيرها تقرّ حرية ولي الأمر في انتقاء التعليم المناسب لأبنائه، سواء أكان تعليمًا مدرسيًا أم تعليمًا منزليًا.
ففي الولايات المتحدة الأمريكية بلغ عدد الأطفال المنخرطين في التعليم المنزلي حوالي50 ألفًا في عام 1985م، ووصل إلى 355 ألفًا بحلول عام1990م، وثم واصل الارتفاع في مواجهة التعليم المدرسي ليصل عام 2000م إلى 750 ألفًا، وحاليًا ووفق إحصائيات المعهد الوطني للأبحاث الخاصة بالتعليم المنزلي بالولايات المتحدة، فإن عدد التلاميذ المنتظمين في التعليم المنزلي بالولايات المتحدة وحدها وصل إلى 2.8 مليون طفل في عام 2014م مع تزايد النسبة بمعدل يقترب من 7 % سنويًا.
- ♦️ النقد الموجه إلى اللامدرسية
ينقد الكثير من التربويين ما ذهبت إليه الفلسفة اللامدرسية، من منطلق أن بعض الأطفال تنقصهم البصيرة لتعلم الأشياء التي يحتاجون إلى معرفتها في حياتهم. كما قد توجد ثغرات في تعليم الطفل ما لم يوجد محترفون تعليميون يتأكدون من أن المادة التي يتناولها الطفل قد تمتغطيتها بالكامل، فضلًا عن أن بعض الأطفال ليس لديهم حافز لتعلم أي شيء، وفى الغالب سيقضون أوقاتهم في مساعي غير تعليمية، ما لم يجبروا على فعل شيء آخر، وربما لا يستطيع الأبوان خلق بيئة موازية للمدرسة، أو ربما ليس لديهم المهارات المطلوبة لاستثارة فضول الطفل وتشجيعه على التعلم.
وخلاصة القول: إن نظرية موت المدرسة هي في الحقيقة نظرية تأثرت تأثراً كبيراً بالعوامل التكنولوجية والثقافية والاجتماعية التي أحاطت بها، والتي قد تجعل منها نظرية صالحة لبعضالبلدان، لاسيما أننا نجد فيها بعض التساؤلات التي تؤيد مثل هذا التفسير الذي يقصرها على بلدان بعينها، ذلك أن إيفان إيليش ينزع أحياناً إلى القول،إن المدرسة ملائمة للعصر الصناعي، وينبغي أن تشجب فقط في البلدان المتخلفة، حيث لاتستطيع أن توفر الانطلاقة اللازمة لها. ولكن هذا لا يمنع من القول: إن ما يُميز نظرية روسو وهولتوإيلتشهو انها نظرية خيالية لاتنسجم مع متطلبات الواقع الميداني، ولاتساير منطق العقل. ومن ثم، لايمكن إطلاقاً بناء المجتمع الإنساني من دون مدرسة، مهما كانت طبيعتها السياسية والإيديولوجية والدينية.
- مراجع المقال
- - إيلتش، إيفان (1985) مجتمع بلا مدارس، ترجمة يوسف نور عوض ومحمد جميل الخياط، مكة المكرمة، مطابع الصفا للنشر والتوزيع.
- - روسو، جان جاك (1958) أميل أو تربية الطفل من المهد إلى الرشد، ترجمة نظمي لوقا، القاهرة، الشركة العربية للطباعة والنشر.
- - هولت، جون (1978) الحرية وما وراءها، ترجمة نظمي لوقا، القاهرة، دار المعارف المصرية.

مرحبا بك في بوابة علم الاجتماع
يسعدنا تلقي تعليقاتكم وسعداء بتواجدكم معنا على البوابة