📁 آخر الأخبار

الطرائق المتبعة في تربية الطفل العربي - صابر جيدوري




  • الطرائق المتبعة في تربية الطفل العربي
  • صابر جيدوري
     أصبح من المعروف أن سلوك الأطفال يتحدد في جانب كبير منه بالمتغيرات الاجتماعية المحيطة بهم، وأن تأثير هذه المتغيرات يكون عميقاً ونافذاً إذا كانت ممثلة لوعاء الخبرة الأساسي للطفل، أما إذا تمثل نمطاً ثانوياً من الخبرة  فتأثيرها يتلاشى كثيراً وربما ينعدم، ومن ثَمَّ فإن المنشئين الاجتماعيين المحيطين بالطفل (الأسرة، المدرسة، المسجد، وسائل الإعلام) يمثلون مصادر خبرة مختلفة، لأنهم يمارسون أدواراً مهمة في نموه وارتقائه بحكم ما يمثلونه من متغيرات اجتماعية تجد طريقها إلى بناء الطفل النفسي، ويأتي في مقدمة هؤلاء المنشئين الأسرة بوصفها مؤسسة تربوية واجتماعية، لها ما لها من التأثير في سلوك الطفل من جوانبه كافة .

     إن الأسرة تُمارس دوراً كبيراً في تكوين شخصية الطفل، وتوجيه سلوكه وتطوير أفكاره، فضلاً عن تكوين نظرته عن العالم وعن نفسه وعن الآخر. فهي التي توقظ فيه القوى الكامنة وتنمي فيه المواهب المتعددة، فهو يتأثر بظروفها وبمستوى المعيشة داخلها، وانتشار الوعي الصحي والثقافي والاجتماعي بين أفرادها، ومن ثَمَّ يتأثر بكل ما يحيط بها من منبهات منزلية، ويكيف سلوكه تبعاً لها. فالطفل الذي يجد نفسه محاطاً بكل ما يساعده على تربية فكره وتهذيب ذوقه من مكتبة غنية وصور جميلة وحديقة يلعب فيها، ويجد إلى جانب ذلك أماً حنوناً وأباً عطوفاً وأسرة يسودها الوئام والانسجام، فإن هذا الطفل سيجد فرصة للتعلم الجيد والنمو السليم، أما الطفل الذي يعيش في أسرة مفككة وغير منسجمة، وجاهلة بأساليب التربية الحديثة، فغالباً ما يخفق في التعليم، ويسوء سلوكه وتضطرب نفسيته (كاغان، 1979، 32).
     وفي مجتمعنا العربي تبرز بعض الممارسات الخاطئة في بعض الأسر تتمثل في أساليب التربية وطرق التعامل مع الأطفال من الجنسين، مما يؤثر تأثيراً كبيراً في سلوكهم، ومن ثَمَّ على مستقبل حياتهم. وفيما يأتي عرضٌ موجزٌ لبعض الطرائق التربوية المتبعة في العديد من الأسر في المجتمع العربي منها ما هو سلبي، ومنها ما هو إيجابي وذلك على النحو الآتي:

الطريقة الأولى:
     في ظل هذه الطريقة يشعر الطفل بأنه غير مرغوب به من قبل الأب أو الأم أو من كليهما معاً، وهو لذلك لا يجد في المنزل أية عناية أو اهتمام، فلا عجب أن نجد الطفل في مثل هذه الأسرة معقدا ًنفسياً، وغير متكيف اجتماعياً، لأنه لا يشعر بالأمن ولا بالحب من قبل والديه، مما يؤثر في سلوكه الاجتماعي، فيضطر إلى البحث عن الحب والأمن المفقودين بطرق أخرى، ومن المحتمل أن يلجأ إلى الكذب والسرقة والتشرد، وغير ذلك مما يؤثر تأثيراً سلبياً في مستقبل حياته.

الطريقة الثانية:
     في ظل هذه الطريقة يسيطر الوالدان على الطفل سيطرة شبه كاملة، إذ يتحكمان في مراحل نموه كلها، وينوبان عنه في كل ما يحب ويكره، مما يجعل هذا الطفل يشعر بالاستبداد، وفقدان الإرادة وضياع الشخصية. ويعتقد بعض الآباء أن التحكم في تصرفات الطفل أو الطفلة وخضوعهما لإرادة الأب أو إرادة الأم بشكل مطلق يكون في مصلحتهما.
     إن سلوك الأطفال الذين يعيشون في مثل هذه الأسر غالباً ما يكون جيداً، غير أن هذا السلوك لا يدوم طويلاً، إذ سرعان ما يتلاشى وينعدم، لأنه سلوك غير طبيعي لارتباطه بالاستبداد، فكثير من هؤلاء الأطفال عندما يصلون إلى مرحلة المراهقة ينحرفون لشعورهم بالنقص والخضوع أمام الآخر، مما يسهل على أصدقاء السوء قيادتهم إلى الضلال. وهذا ما أكده عالم النفس السويسري "جان بياجه" عندما قال: "إنه عندما تكون علاقة الطفل بالراشدين علاقة هيمنة فإنه ينشأ على أخلاقية الخضوع والانصياع" (كاغان، 1979، 36).

الطريقة الثالثة:
     هنا نجد الأبوين ينتبهان انتباهاً شديداً إلى الطفل ويبالغان في العناية به، وقد يسرفان في التساهل معه، كما يبالغان في إظهار الحب والحنان له، ولا يأخذان بعين الاعتبار التغيرات الطبيعية التي تطرأ على نموه، فيحاولان إبقاءه في مرحلة نمو أدنى من المرحلة التي وصل إليها، مع أنه يكون قد وصل إلى مرحلة المراهقة، متجاهلين أنه أصبح في مرحلة يحتاج فيها إلى نوع من الحرية حتى يتسنى له إثبات شخصيته.
     وقد أثبتت دراسات كثيرة، أن الأطفال الذين يعيشون في مثل هذه الأسر، وتُمارس عليهم مثل هذه التربية، يصعب عليهم النجاح في الحياة، لأنهم قد فقدوا الثقة بأنفسهم، وأصبحوا عاجزين عن مواجهة مواقف الحياة المختلفة، وربما نجدهم يميلون إلى الانطواء والتهرب من المسؤولية.

الطريقة الرابعة:
     في هذه الطريقة يحتل الطفل منزلة مهمة حيث تعترف الأسرة بأن أطفالها يختلفون بعضهم عن بعض، وأن كلاً منهم ينمو نحو مرحلة من العمر يتمكن فيها من تحمل مسؤولياته الكاملة في الحياة.
     وفي ظل هذه الطريقة تشجع الأسرة أطفالها على اتخاذ القرارات التي تخصهم، مع تعليمهم أن للوالدين حقوقاً وامتيازات يجب أن تحترم، وقد أثبتت بعض الدراسات "أن أفراد هذه الأسر يستطيعون العيش في وئام وانسجام تامين، لأنهم تعلموا أن يعالجوا مشاكلهم بالمناقشة والحوار، وبروح التعاون والمحبة، ففيها يُعاقب الأطفال عندما يتصرفون تصرفاً غير لائق، وفيها أيضاً يقدر لولي الأمر دوره في القيادة وحقه في التوجيه والإرشاد (الخولي، 1974، 166).
     كما أثبتت دراسة أخرى "أن الأطفال الذين يعيشون في مثل هذه البيئة المنزلية يتمتعون بحظ وافر في الوسط الاجتماعي الذي يؤهلهم لأن يتكيفوا مع المجتمع تكيفاً حسناً، لأن الوالدين استطاعا أن يوفرا لهم الفرص المناسبة لتكوين العادات الاجتماعية الحسنة، حتى يصبحوا قادرين على التكيف مع المجتمع ويؤثرون فيه" (طاهر، 1988، 88).
     تأسيساً على ما سبق يمكن القول: إن سلوكنا مع الأطفال شأنه في ذلك شأن أي سلوك آخر محكوم بعدد من التصورات بعضها غير صحيح، ومن ثم علينا أن نستبدلها بتصورات أخرى تساعدنا على معاملة أطفالنا معاملة صحيحة. ومن أهم الأسس التي يمكن أن تساعد الطفل على تكوين صورة إيجابية عن نفسه: رعاية الأبوين للأطفال بشكل يكشف لهم عن الاهتمام بهم وبحاجاتهم الأساسية، وكذلك الاهتمام بنقاط قوة الطفل وإبرازها له وتعزيزها، وتمكينه من التغلب على نقاط ضعفه.
     كما تُعدّ الاستجابة للتعبيرات التي تصدر عن الأطفال مثل، تعبيرات الارتياح أو القلق أو عدم التكيف مهمة جداً، فضلاً عن ضرورة إيجاد فرص للأطفال يتاح من خلالها القيام بأعمال ناجحة، أو إبعادهم عن الأعمال التي تفوق عمرهم الزمني والعقلي لأنهم قد يخفقون فيها، وكذلك الحديث مع الطفل عن الأنشطة التي يقوم بها بشكل يعكس رضانا عما يفعله، وبخاصة إذا كان ما يفعله في الإطار المقبول، ومن أفضل الطرق التي يتم بها ذلك أن تصف بنفسك ما يقوم به الطفل كأن تقول له مثلاً (هل تحب العربات ذات اللون الأحمر؟) أو تشير إلى رغبتك في مشاركة الطفل فيما يقوم به من أعمال كأن تقول له (سأمسك لك الكتاب وأنت ترتدي ملابسك)، أو تمدحه وهو يمارس نشاطاً معيناً، كأن تقول له (أنت تكتب واجبك بشكل جيد).
     يبقى أن نقول: إنه من المهم فهم الأسرة للأسباب التي تدفع الطفل في بعض الأحيان إلى إصدار استجابات عدوانية، لأن فهم مثل هذه الأسباب ومعالجتها يؤدي إلى تلاشي الاستجابات غير المرغوبة وعدم حدوثها، وأن قيام الأسرة بهذا الدور يجنب الأطفال مشكلات لا حصر لها، وبخاصة أننا نعيش عصر الفضائيات التي يحاول بعضها نسف النسق القيمي لنا ولأطفالنا على حد سواء.


  • المراجع
  • - الخولي، سناء (1974) الأسرة في عالم متغير، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب.
  • - كاغان، جيروم (1979) أطفالنا كيف نفهمهم؟ ترجمة عبد الكريم ناصيف، دمشق، منشورات وزارة الثقافة.
  • طاهر، على عبد الله (1988) قضايا تربوية، عدن، المكتبة الوطنية.          


فريق موقع بوابة علم الاجتماع
فريق موقع بوابة علم الاجتماع
تعليقات