📁 آخر الأخبار

المواطنة والتحولات الاجتماعية في المغرب - الحسين أغلان

Citizenship and Social Transformation in Morocco

المواطنة والتحولات الاجتماعية في المغرب.


  • المواطنة والتحولات الاجتماعية في المغرب.
  • إعداد : الحسين أغلان 

تحظى دراسة المواطنة اليوم بأهمية كبرى، من منطلق التحولات والتغيرات التي تعرفها المجتمعات المعاصرة في إطار العولمة وارتفاع مستوى الوعي لدى الشباب، وتظهر مسألة  المواطنة  في إطار منظومة من السلوكيات والممارسات الفردية والجماعية على السواء في كل مجتمع. ومن المثير للاهتمام أن نرى اليوم الباحثين وعلماء الاجتماع والفلاسفة، يهتمون شيئا فشيئا بالمواطنة، وبزوالها أو أزمتها كموضوع للبحث والتساؤل.  

The study of citizenship today is of great importance in terms of the transformations and changes that contemporary societies define in the context of globalization and the high level of awareness among young people. The issue of citizenship is manifested in a system of individual and collective behaviors and practices in every society. Interestingly, today researchers, sociologists and philosophers are increasingly interested in citizenship as a matter of question, and in its demise or crisis as a subject for research and inquiry.

تقديم: 

   تعتبر المواطنة والمجتمع المدني والديمقراطية متردفات من الناحية التاريخية والعلمية، فإذا كان المجتمع المدني بحركته قد أفضى إلى الديمقراطية، وكانت فكرة المواطنة هي أساس تطور الأنظمة الديمقراطية فالأخيرة بدورها قد عملت على زيادة تفعيل عملية المؤسسة المجتمعية، وتكريس أبعاد المواطنة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بحيث انطلق مسارها بحيازة حق المشاركة السياسية ليتحول الفرد من خاضع للنظام السياسي إلى صانع له، وليحرز بعدها حقوقه الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ليخوض معركة التنمية ويطالب بحق الافادة من مفرزتها على قدم المساواة. 
وتهدف هذه الدراسة إلى دراسة مسار تطور قيم المواطنة في المجتمع المغربي وآثار التحولات الاجتماعية عليها، وعلاقتها بمسألة الانتقال الديمقراطي في المغرب، حيث تؤكد العديد من الدراسات على أن مفهوم المواطنة قد عاد مرة آخرى إلى بؤرة الاهتمام، خصوصا من طرف أصحاب القرار ومفكري العلوم السياسية والاجتماعية، وذلك بعد تنامي الحركات الاحتجاجية  الاجتماعية بمختلف أشكالها( فئوية / ترابية/ قطاعية...)، ويعزى هذا الاهتمام بالمفهوم المواطنة إلى العديد من الأحداث والتطورات السياسية والاجتماعية والسياقات التي شهدها المغرب بعد 2011 والتي يمكن إجمالها في : 

  •  تنامي الحركات الاحتجاجية.
  •  إحداث أشكال جديدة في الحركات الاحتجاجية،  كردود فعل على المهيمنة المقاربة الأمنية في التواصل. 
  • الانتماء إلى الجماعات الارهابية .
  • استعمال كل الوسائل الغير المشروعة للهجرة السرية نحو أوروبا. 
  • تنامي عزوف الشباب في المشاركة في الانتخابات.
  • دور العولمة وما أنتجه من ممارسات جديدة.

وعرف المجتمع المغربي منذ استقلاله مجموعة من التغيرات العميقة بشكل تدريج، وقد فتح التطور الاجتماعي والتغيرات المختلفة الباب أمام السجل القيمي لضم قيم أخرى، كالقيم العالمية التي أقرّتها منظمة الأمم المتحدة، والمنصوص عليها ضمن الاتفاقيات الدولية والمصادق عليها من طرف الدولة، مثل حقوق الإنسان، وحقوق الطفل، والمساواة بين الرجل والمرأة، وحرية التعبير وسيادة القانون والديمقراطية، وساعدت العولمة والشبكات العابرة للحدود الوطنية في التمهيد النطاقي للقيم وسمحت هذه الوضعية للقيم بأن تصبح موضع تحد ضمن النقاشات والتحديات الثقافية،  وقد مكن التفاعل مع وسائل الإعلام من فتح الطريق أمام أنماط جديدة من ممارسات وأفعال وحرية التعبير. 
وهنا نتسائل كيف يمكن مقاربة المواطنة في علاقتها بالتحولات الاجتماعية الجديدة في المغرب؟ 
ولـإجـابـة عـن هـذه الاشكالية، سنعمل في هـذه الـورقـة، فـي البداية على تبيان المقصود بالمواطنة والتحولات الاجتماعية، وإلقاء نظرة عامة، في المرحلة الثانية على أهـم التحولات الاجتماعية وآثارها على المجتمع المغربي. أمـا في المرحلة الثالثة سنتطرق للتطورات التي شهدها الفعل الاحتجاجي في المغرب كتمظهر لأزمة المواطنة. 

أهمية الدراسة

تتضح أهمية هذه الدراسة من منطلق تركيزها على بحث وتحليل التحولات الاجتماعية في المجتمع المغربي وآثارها على قيم المواطنة خصوصا ما يعرفه المجتمع المغربي في الأوينة الأخيرة من تحولات اجتماعية واضطربات وحركية  الشوارع العمومية، وذلك بالنظر إلى ما تمثله من تطور نوعي يستوجب الدراسة العلمية. مع ملاحظة أن معظم الدراسات التي تناولت التحولات والمواطنة  الحركات الاحتجاجية ركزت على التحولات السياسية ولم تعطى ذات الأولوية لتأثيرات العربي على بنية المجتمع وتفاعلاته؛ ومن ثم فإنها لم تلقا الاهتمام المطلوب؛ بالنظر لأهميتها وباعتبارها محل تأثير على عموم المواطنين في المجتمع وإن كان بدرجات متفاوتة.

  • أن هذه الدراسة تتناول التحولات الاجتماعية وآثارها على قيم المواطنة.
  • توصيف السلوك الاحتجاجي للمغاربة من خلال جدلية  المشاركة السياسية والمطالبة المواطناتية. هذه الممارسة الجديدة تولد عنها تحول في طبيعة الاندماج والانخراط الاجتماعي.
  • إشكالية الفوارق الاجتماعية التي يعني منها المغرب وتحول قيم المواطنة والانتقال من البحث عن المواطنة الواقعية إلى المواطنة الافتراضية. 

أهداف الدراسة
يتمثل الهدف الرئيس لهذه الدراسة في الوقوف على أبعاد التحولات الاجتماعية في المجتمع المغربي بعد أحداث 2011 وانعكاساتها قيم المواطنة .
وينبثق عن ذلك مجموعة من الأهداف الفرعية التالية:
• أهمية المواطنة في استقرار الأنظمة السياسية ومدى تفاعل المجتمع المغربي مع التحولات الاجتماعية .
• التعرف على واقع التحولات الاجتماعية في المجتمع المغربي والانعكاسات المترتبة عليه.
• التوصل إلى رؤية استشرافية لآليات التعاطي الملائم مع التحولات الاجتماعية فيما يخص انعكاساتها على قيم المواطنة في الوقت الراهن.
المفاهيم المركزية : 

أولا: المواطنة:

 وتعتبر المواطنة من أهم المداخيل الأساسية لدمقراطة الأنظمة السياسية، وذلك من خلال المشاركة في تدبير الحياة العامة، ووكب تطور مفهوم المواطنة مع تطور المجتمعات البشرية، وارتبط هذا المفهوم بحركة النضال الانساني عبر التاريخ بهدف إقرار المشاركة بكافة أبعادها على المستوى الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، والمساهمة في صناعة القرارات الملزمة للجماعة، بالاضافة لتولي المناصب العامة والولوج  إلى الادارات العمومية على أساس العدالة الاجتماعية والمساواة وسيادة القانون علىى الجميع  
وتعد المواطنة  أساس البناء الديمقراطي، من خلال تكريس أبعادها السياسية والإجتماعية والإقتصادية والثقافية، ليتحرر بذلك الفرد ويكتسب حقوقه، بل وليصبح صانعا لهذه الأخيرة بدل خضوعه لما يتيحه له النظام. بيد أن المواطنة في عالم اليوم تتعرض لعدد من الضغوطات لا سيما في ظل تسارع وتيرة العولمة وامتداداتها على الصعيد الإقتصادي والمالي والإجتماعي والثقافي، مما يثير تحديات جديدة أمام الدولة في سبيل تفعيل هذه المواطنة، خصوصا مع شعور المواطن بعدم فعاليته وفقدان ثقته في مؤسسات الدولة، علاوة على ذلك، فإن أسلوب الحكم التقليدي الذي يستند على العلاقات البيروقراطية (من أعلى إلى أسفل)، فقد شرعيته ولم يعد ملائما لمواجهة التحديات المعاصرة. إن النظام الديمقراطي هو من أكثر أشكال الحكم رواجا في العالم اليوم، ورغم ذلك فإن عالمنا لا يزال أبعد ما يكون عن الديمقراطية، فالمواطنون في معظم هذه الدول يتمتعون بمشاركة سياسية محدودة جدا، قد تنحصر في المواعيد الإنتخابية الدورية  .
وسبق القول أن المواطنة من القضايا ذات الأبعاد السياسية والاجتماعية والأمنية التي تعبر عن معايير الإنتماء ومستوى المشاركة من قبل الأفراد في الحياة، وكما تعبر المواطنة عن وعي الأفراد بالحقوق والوجبات وصيانة المرافق العامة والحرص على المصلحة الوطنية، كما تعكس مدى إدراك المواطن لدوره في مواجهة التحديات التي تواجه المجتمع والدولة في آن واحد، لاسيما تحديات العولمة التي أدت إلى تراجع الخصوصيات لحساب العالمية، والتي تواجه فيها المجتمعات البشرية إرهاصات واضحة نحو غياب أو التراجع الثقافي والسياسي والمعرفي والاتجاه نحو المدينة الكونية الافتراضية الخاضعة لوسائل الاتصال والموصلات التي تشهد هي الآخرى تحولا جدريا في أساسياتها. وهذا يعني أن قيم المواطنة تشهد تحديات في قواعد وسلوك الضبط الاجتماعي باعتباره جزء لايتجزء من وظائف المؤسسات الاجتماعية (المدرسة، وسائل الإعلام، الأسرة، المسجد...) والتي تعتبر أهم المؤسسات الاجتماعية المنوط لها بمسألة تدعيم قيم المواطنة. 
ويعتمد مفهوم المواطنة عند الفيلسوف جان جاك روسو على دعامتين أساسيتين، يمكن تحديدهما فيما يلي: 

• المشاركة الإيجابية من جانب الفرد في عملية الحكم وقد وصل تأكيد روسو
على أهمية هذا المبدأ حيث  ذهب إلى أنه بمجرد أن ينصرف الناس
عن الاهتمام الايجابي بشئون الدولة أو إذ حيل بينهم وبين هذه المشاركة
الإيجابية يكون الوقت قد حان لاعتبار الدولة في حكم المفقودة.
• المساواة الكاملة بين أبناء المجتمع الواحد، فعدم المساواة يدمر الخير
الطبيعي في الانسان ويجلب الشقاء على الكثيرين ويجعل المجتمع في حالة تنافر متزايدة ويفقده وحدته بل مبرر وجوده.

ثانيا: التحولات الاجتماعية

تمثل التحولات الاجتماعية ميزة  أساسية تتميز بها الحياة الاجتماعية، ويعزي ذلك إلى كونها هي سبيل بقاءها ونموها، كما أن بها يتهيأ لها التوافق مع الواقع ويتحقق التوازن والاستقرار الاجتماعي، وعن طريقها تواجه الجماعات متطلبات أفرادها وحاجاتهم المتجددة 
 ويرى العديد من  العلماء أنه لم يمر أي قرن في التاريخ ولم يعرف العديد من التحولات الاجتماعية  ومن أبرزها القرن العشرين، فالتحول الاجتماعي يستخدم بشكل متزايد لوصف التغيرات الاجتماعية ويشير بشكل عام إلى موقف نقدي تجاه المفاهيم القديمة لفكرة التنمية. لا يعتبر ميكانيزم التحول الاجتماعي النموذج الغربي هو النموذج الذي يجب أن تقلده جميع الدول الأخرى. بدلا من ذلك ، تعترف بأن قوى التغيير الحالية تخلق أيضا أزمة للدول الصناعية القديمة. ينظر بعض الباحثين إلى دراسات التحول الاجتماعي كمجال للبحث يمكن أن يؤدي إلى خطوات إيجابية للعمل الاجتماعي والسياسي لحماية المجتمعات المحلية والترابية والوطنية من العواقب السلبية للتغير العالمي.  
بشكل عام ، يشير مفهوم التحول المجتمعي في العلوم الاجتماعية إلى تغير خصائص المجتمع النظامية. ويشمل ذلك تغيير الاليات التي يشتغل بها النظام المجتمعي، بما في ذلك إعادة الهيكلة التكنولوجية والاقتصادية والسياسية والثقافية. وبشكل أكثر تحديداً ، يؤثر هذا أولاً على البنية التحتية الإنتاجية التي يمكن أن تحدث تغييرات تكنولوجية جديدة وأنماط جديدة للمشاركة في التقسيم الدولي للعمل. من الناحية التاريخية، كان هذا يعني تغيير متطلبات تكنولوجيا المعلومات العالمية. ثانيا؛ تطور الهياكل الجديدة للتنظيم الاقتصادي. وقد ينطوي هذا على تغيير في حقوق الملكية ، وكذلك في الاستثمارات والإنتاج والتوزيع.... ثالثًا ، يتطلب توزيع السلطة السياسية واستخدامها أشكالًا مختلفة نسبيا. وهذا ينطوي على تغييرات في هياكل وأداء مؤسسات الدولة وغيرها من هيئات صنع القرار والرقابة. وأخيراً ، يمكن أن يتغير النظام المعياري لقيمة المجتمع ، غالباً بطريقة تسمح بظهور المؤسسات التعددية واستقرارها 
ويمكن تحديد آثار التحول الاجتماعي على المجتماعات في: 

  1. يؤثر التحول الاجتماعي على جميع أنواع المجتمع في كل من المناطق المتقدمة والأقل نموا، في سياق عولمة العلاقات الاقتصادية والثقافية ، والاتجاهات نحو الهيكلة الترابية، وظهور مختلف أشكال الحكومات العالمية.
  2. تؤدي العولمة إلى أشكال جديدة من التمييز الاجتماعي على الصعيدين الدولي والوطني. الاستقطاب بين الأغنياء والفقراء والاستبعاد الاجتماعي هي مشاكل تؤثر على معظم البلدان وكذلك العلاقات فيما بينها.
  3. ولم يعد من الممكن تعريف المسألة من حيث التنمية ، لأنه لم يعد من الممكن رسم خطوط واضحة بين المناطق المتقدمة والمتخلفة النمو ، أو طرح هدف مقبول عالميا لعمليات التغيير.
  4. تشير دراسة التحول الاجتماعي إلى الطرق المختلفة التي تؤثر بها قوى العولمة على المجتمعات المحلية والجمعيات الوطنية مع تجارب تاريخية متنوعة للغاية ، وأنماط اقتصادية واجتماعية ، ومؤسسات وثقافات سياسية.
  5. لذلك فإن أي تحليل للتحول الاجتماعي يتطلب تحليل كل من قوى المجتمع الكلي والتقاليد المحلية والتجارب والهويات.
  6. قد لا تستلزم الاستجابة للتحول الاجتماعي التكيف مع العولمة ، بل مقاومة. وقد ينطوي هذا على تعبئة الموارد الثقافية والاجتماعية التقليدية، ولكن يمكن أيضا أن تتخذ أشكالا جديدة من "العولمة من الأسفل" من خلال منظمات المجتمع المدني العابرة للحدود الوطنية. " 2
  7. ولهذا فالتحولات الاجتماعية ماهي إلا كل تحول يقع في التنظيم الاجتماعي سواء في بنائه أو وظائفه خلال فترة زمنية ما، وهو كل تغيير في التركيبة السكانية للمجتمع، أو البناء الطبقي، أو النظم الاجتماعية، أو في أنماط العلاقات الاجتماعية، أو في مختلف المؤسسات الاجتماعية. 

الفقرة الأولى : آثار التحولات الاجتماعية على قيم المواطنة 

يشهد العالم تحولات اجتماعية هامة تقودها تأثير العولمة، والتغير المناخي العالمي والأزمات الاقتصادية والمالية الناتجة عن أوجه عدم المساواة المتنامية، والفقر المدقع، والاستبعاد والحرمان من حقوق الإنسان الأساسية. وتظهر هذه التحولات في الحاجة الملحة إلى حلول ابتكارية تفضي إلى قيم عالمية تتصل بالسلام والكرامة الإنسانية، والمساواة بين الجنسين واللاعنف وعدم التمييز. كما أن النساء والرجال والشباب الذين هم أكثر تأثرا بهذه التغييرات، وهم بالتالي الجهات الفاعلة  في مجال التحولات الاجتماعية.  
وعرف المجتمع المغربي مجموعة من التحولات الاجتماعية، وذلك نتاج العولمة وتطور مفهوم الدولة وزيادة الوعي لدى الشباب، وهذا نتاج سرعة وتيرة الانتقال الديمغرافي  من خلال التمدن الجارف وتراجع معدل الخصوبة  وشيخوخة الهرم السكاني و تزايد الساكنة النشيطة و ارتفاع سن الزواج: 31و 26  سنة- وبطالة النساء والشباب .كما أن الأسر المغربية ليست راضية عن ظروفها الاقتصادية  بحسب احصاء المندوبية السامية لسنة 2018 (معدلات البطالة و مؤشرات تكلفة المعيشة والادخار ) .و دراسة المندوبية السامية للتخطيط أقرت بمدى تشاؤم المغاربة بخصوص قدراتهم الادخارية، وهو ما يبدو واضحا ومكشوفا مادامت نسبة 79 في المائة من الأسر المغربية غير قادرة على الادخار في 12 شهرا مقبلا، مقابل 21 في فقط، ممن يستطيعون ذلك)، ثم الانتقال من الاسرة المتعددة الأطراف  إلى الأسرة النووية من خلال تغير التركيبة الأسرية  تم المرور إلى بنية أسرية منغلقة على نفسها وأعضائها من خلال تفكك الأسرة المركبة وتقوية  الأسرة النووية. 
ومن بين التحولات الاجتماعية التي تزامنت تغيير قيم المواطنة في المغرب ، تزايد بعض السلوكيات الاجتماعية والسياسية الخطيرة لدى بعض شرائح من الشباب لاسيما المتعطلين على العمل والفقراء المعدمين والذين يسهل وقوعهم فريسة لاستغلال بعض القوى الانتهازية؛ وتجسدت هذه السلوكيات فيما يمكن تسميته بالسلوك الفوضوي الذي يتجلى في مظاهر كالتمرد على السلطة المركزية، وتخريب ممتلكات الدولة أو سرقتها، والخروج عن القوانين والتشريعات باسم "الحكرة" والتغيير والبحث عن العدالة الاجتماعية وكذلك المجالية. 
ومن أبرز ملامح التحولات الاجتماعية في المجتمع المغربي بناء على الملاحظة هيمنة ثقافة الإضرابات والاحتجاجات بوسائلها المختلفة للتعبير عن المطالب الحياتية لفئات معينة؛ حيث أصبح الاضراب والاحتجاج خياراً متاحاً للتعبير عن المطالب من قبل المطالبة بالعدالة المجالية والاجتماعية.
وساهم انتشار شبكات التواصل الاجتماعي الحديثة ، في دفع الشباب باتجاه تأسيس أنماط جديدة للمشاركة السياسية مكنتهم من تجاوز العديد من القيود التي فرضها النظام المعياري على ممارسة الحريات العامة؛ مما أدى إلى لجؤ الشباب إلى شبكات التواصل الاجتماعي لاسيما الفيسبوك وتويتر والمدونات للتواصل مع بعضهم البعض والتعبير عن عدم رضاهم بالوضعية  ، وكشفت تطورات الأحداث عن ظهور ممارسات مبتكرة للشباب (المقاطعة مثلا)– كفئة كانت مهمشة إلى حد كبير – عبر آليات تقنية مختلفة، أفادت من العالم الافتراضي الذي يعيشه الشباب بعيداً عن العالم الواقعي الذي لم يجد فيه ذاته، وكتجاوز للمقاربة الأمنية المهيمنة في التواصل مع المحتجين. 

الفقرة الثانية : أزمة المواطنة ودينامية الحركات الاحتجاجية في المغرب

يحيلنا تغير مجال الاحتجاج من حقبة زمنية إلى أخرى إلى الحركية التي يمتاز بها الاحتجاج المغربي، وكـان المجال القـروي ويـرسـم بأمانة العلاقة التي كانت قائمة بين المخزن والقبيلة فـي زمـن السيبة، وسـرعـان مـا تحول هـذا الفضاء إلـى المدينة فـي أوج تصدي الحركة الوطنية للتغلغل الاجنبي، وتعزز لأسباب متعددة في زمن الاستقلال، غير أن التحولات الاجتماعية والتوافقات السياسية بين القصر والمعارضة التي شهدها المغرب بعد التسعينيات، جعلت الاحتجاج يمتد شيئا فشيئا إلى المدن الصغرى، ثم إلى البوادي التي وصل إليها السخط والتذمر الاحتجاجي، وهو الامتداد الــذي صــار مـلـحـوظـا بـقـوة فـي مـخـتـلـف تـفـصـيـلات الـمـشـهـد الـمـجـتـمـعـي، وحـتـى فـي تـلـك الـمـجـالات التي كانت ممنوعة مـن تصريف فعلها الـرافـض للوضع القائم، إذ اعـتـاد السكان فـي المغرب ممارسة هـذا الطقس اليومي للتعبير عن حالة التهميش الترابي، كما دخلت فئات جديدة إلـى النسق الاحـتـجـاجـي. 
 وعـلـى الـرغـم مـن اختلافها الظاهر، فإن أحداث الاحتجاج في مختلف مناطق المغرب الحضرية والقروية، القريبة من المركز أو البعيدة عنها بعشرات أو مئات الكيلومترات، تعكس الواقع نفسه. ولربما القاسم المشترك بينها هو، استبطان المحتجين خـوفـا كبيرا أمـام التحولات الغير المتحكم فيها والـتـي تعمل في عمق المجتمع، جراء السياسات العمومية والاختيارات الكبرى للدولة في ظل تحولات دولية تفرض  على المغرب سياقاتها وإكراهاتها. 
العودة إلى التطور التاريخي للاحتجاج في المغرب منذ الاستقلال إلى ما قبل ميلاد حركة 20 فبراير، نـجـد أن مـوضـوعـات الاحـتـجـاجـات الاجـتـمـاعـيـة تـتـوزع عـمـوما بـيـن الـمـحـاور الأتـيـة: الـشـغـل والـسـكـن والتهميش (الـطـرق، الصحة، التعليم، الماء الصالح للشرب، الكهرباء) والتضامن وانـعـدام الأمن . 

 ولقد عرف الخطاب الاحتجاجي المرتكز على فكرة التهميش والإقصاء الاجتماعي،بمفردات جديدة للاحتجاج، مرتبط بالكرامة، و"الحگرة". تعبر فكرة "الحگرة"  عن الحرمان الاجتماعي لبعض الفئات الاجتماعية، التي ليست بالضرورة فقيرة. تعبر هذه الفكرة، التي يتزايد استعمالها من قبل شباب راشدين، عن شعور فئة اجتماعية بعدم الاعتبار الاجتماعي لها وفقا لقيمتها الصحيحة.فالخوف من الحط الاجتماعي من قيمة فئة مجتمعية ما هو وقود لثورة الشباب الجامعي. إذ يشعر الشباب بالحط من قيمتهم، وانعدام فائدتهم مجتمعيا. والتكرار المنتظم لموضوع الحگرة، المقترن بالكرامة، له دورمعبئ. إنه الخطوة الأولى نحو التمرد. فلم يعد بعض الشباب يتحركون داخل السجل الثقافي المرتبط بالاستسلام، والرضا، وقبول وضعهم المجتمعي. إن الشعور بالحرمان فرديا، وفقدان الأمل في المستقبل، قابلان للتعبير عن نفسهما في شكل جماعي عنيف، أو سلمي، عند ما تسمح الظروف السياسية بذلك. 
ويــرى عبد الـلـه حـمـودي أن صـمـود هـذا الأمـل رغـم جميع الاخـفـاقـات ليس قـدري ُ المدن بين الفينة والاخرى وتقمع بعنف، دليل على هذا التأرجح بين الغضب الذي تغذيه الاحباطات وعدم الوفاء بالوعود من جهة، والانتظار الذي يؤيده الاعتقاد في قدرات المركز الموزع الخارقة على إغاثة المحرومين، من جهة أخرى.  
ولهذا فما تعرفه الفضاءات العمومية اليوم هو تعبير واضح عن غياب العدالة بمستويتها الاجتماعية و السياسية وهو غياب مرده إلى التهميش الذي تتعرض له الشرائح الاجتماعية، وأيضا إلى تمركز القرار السياسي في يد نخبة محددة تتعالى على المجتمع و ما نعشنه اليوم في تولي الحركات الاحتجاجية في العديد من القطاعات ، دليل قاطع على أن النظام السياسي حتى و إن كان له نزوعات ديمقراطية فهو لا زال يخاف من تنزيل الديمقراطية الحقة و لازال يفضل مسار ربح الوقت و تمديد فترة الانتقال الديمقراطي الذي دخل عقده الثاني. وعند العودة إلى أطروحة صمويل هنكتونك حول الديمقراطية والانتقال الديمقراطي والسلطوية فيعتبر أن مرحلة الانتقال الديمقراطي مرحلة وجيزة بين السلطوية والديمقراطية، وعندما تمتد هذه المرحلة تبقى آليات وميكانيزمات الديمقراطية في خدمة السلطوية.
ويمكن الحديث اليوم عن ظهور حالة من الاحتباس القيمي، والذي من تداعياته التأثير على مسلمات العيش المشترك والرابط الاجتماعي  واندلاع الاحتجاجات وتوغل ثقافة العنف والكراهية  وتوارد وقائع  العنف الجنسي والإجرام والشعور باللأمن ... وربط المنظومة التعليمية بسوق الشغل وتغييب منظومة القيم لا سيما منها تلك المرتبطة بالمواطنة وبالخيرات الرمزية  من جميع مشاريع الاصلاح  مما أدى إلى خلق أجيال من القافزين   Affairistes».  « Les من الضباع إلى القافزين. كل هذه التحولات نتجت عن تحول نسقي جديد في نوعية الاحتجاج فنتج عنه المرور من نسق  الحكرة إلى نسق المظلومية "كل شي مظلوم ف شي حاجة" "ف بلادي ظلموني" و يمكن قراءة ظاهرة الشعارات السياسية في الملاعب على أساس أنها تشكل تحولا مجتمعيا على اعتبار أن   التنافس الرياضي  في ملاعب  كرة القدم أصبح "ذريعة " لخلق  موقع جديد ونوعي للفاعلية ( Agency) الاحتجاجية الشعبية.  
ومن التحديات التي يطرحها النزوح الجماعي للشباب إلى العالم الافتراضي أثرت على دور محاضن التنشئة (الأسرة والمدرسة والحزب والجمعية ...)  لا سيما مع توغل بنيات موازية من قبيل التجمعات الافتراضية والهويات التعويضية  والغرائبية الثقافية والقيم الصاعدة من قبيل  الحريك العلني و الانتحار والانعزالية  بل الاستقالة المجتمعية عبر التحول من مجتمع التواصل إلى مجتمع الاتصال وتراجع مقولة مجتمع المعرفة كمنظومة تؤطر القيم والسلوكات. وهذا النزوح الرقمي سيشكل تحدي لمنظومة العيش المشترك والتماسك الاجتماعي بالمغرب  ( التنوع المجتمعي – اللغة – الثقافة – الدين – الحريات الفردية – التعايش داخل الجامعة ) وبروز معسكرات متنافرة وتجلي لممانعة شاملة  وتنامي  الأشكال الاحتجاجية.  

خلاصة: 

 تنبني المواطنة في السياق الغربي على ضرورة الفصل المعنوي بين الفضاء الخاص الذي يتعلق بكل ماهو حميمي وشخصيّ، والفضاء العام وهو المجال المشترك الذي يخضع لتنظيم القانون ورقابة القيم التي يفترض ارتضاؤها من قبل المجتمع.
يحدث هذا الفصل من ناحية نظرية نوعاً من الإرباك للذات حيث تعيش حالة من الانفصال بين حقيقة الذات وماهيتها من جهة، وبين مقتضيات الفعل في الشأن العام خاصة على مستوى تضارب القيم. غير أن هذا الفصل لا يعدو أن يكون فصلًا وهمياً في سياق التجربة الحداثية حيث غالباً ما نجد تداخلاً بين المجال الخاص والعام.
أما في المغرب لاتزال المواطنة في عمق تمثلات المجتمع  المدني والنخب تثير قلقا وحساسية في تجسيدها على أرض الواقع، ذلك من خلال أزمة وتضارب القيم المجتمعية، مع غياب استراتيجية تواصلية تسعى إلى البحث عن بناء توافقات بين كل الأطراف في بناء العام والمشترك والمصلحة العامة، ومن هنا نجد هيمنة " الوجه المشروك مكتغسل" وهذا تجسيد لأزمة المواطنة، مع تفاقم الحركات الاحتجاجية بشتى أنواعها: قطاعية / فئوية/  ترابية/ وطنية ...
فريق موقع بوابة علم الاجتماع
فريق موقع بوابة علم الاجتماع
تعليقات