أخر الاخبار

الثقافة و متطلبات المرحلة في مجتمعاتنا العربية - د. خالد عبدالقادر منصور التومي

الثقافة و متطلبات المرحلة في مجتمعاتنا العربية - د. خالد عبدالقادر منصور التومي

الثقافة و متطلبات المرحلة في مجتمعاتنا العربية

الدكتور : خالد عبدالقادر منصور التومي

التخصص : العلوم الإدارية، العلوم السياسية، العلاقات الدولية.

العمل : مستشار خاص.

الدولة : طرابلس – ليبيا.

إن مفهوم الثقافة العامة يلعب دوراً هاماً و حيوياً في العديد من العلوم الإنسانية المختلفة، و خصوصاً في مجال العلوم الاجتماعية، و في العلوم الأخرى أيضاً، و في كافة مجالات الحياة العقائدية، و السياسية، و الاجتماعية؛ بكل فروعها النفسية، و الأخلاقية، و السلوكية.

كما تهتم الثقافة أيضاً بالجوانب العلمية، و الأدبية، و الإدارية، و الفنية، و التي في جوهرها تتطلب البحث، و التنقيب من أجل المعرفة؛ بالإضافة إلى القدرات التي يكتسبها الإنسان بوصفه فرداً في المجتمع، و واجبه في تطوير قابليته في مجال الثقافة، و الفكر، و المعرفة، من أجل بلوغ التنمية المنشودة.

أولاً : الثقافة و علاقتها بمفهوم المواطنة

قد ارتبط مفهوم الثقافة بالحضارةِ الإنسانية ارتباطاً وثيقاً، و نجده يظهر في العديد من جوانب الحياة، و قد ساهمت الثقافة في التأثير على الفكر السياسي، و الديني في عموم الدول العربية، و الذي انعكس أثره لاحقاً على الحضارات الإنسانية بتعدد ثقافاتها، و أفكارها؛ في العديد من المجالات الفكرية .. كما حافظت الثقافة على كافة أجزاء المجتمع بسماته الحضارية، و التاريخية، و الدينية، و السياسية، و الاجتماعية، في المحافظة على الموروثات الاجتماعية، و الروابط الأسرية، و الإنسانية، و العقائدية، و الوطنية، و ترسيخ القيم، و المبادئ السائدة حسب نمط و أشكال الثقافة المكتسبة؛ كُلاً حسب مجتمعه و طريقة نموه، و أيضاً ساهمت في تطويرها و نموها بطريقة مستمرة و فاعلة، حيث حرصت الثقافة على أن تكون شاملةً في جوانب الحضارة الإنسانية؛ بل و أثرت فيها جميعاً بطُرق و وسائل متعددة حسب العوامل و المؤثرات الداخلية و الخارجية.

و من هنا .. فقد صار إلزاماً في المجتمعات المتحضرة إقامة الندوات، و المؤتمرات، و الحوارات، و المناقشات الثقافية؛ على كافة المستويات التي تخدم المجتمع و التحديات التي يواجهها للاستفادة من حصيلة الفكر الإنساني و التجارب السابقة، و فتح آفاق المعرفة للمواطنين، و تقديم الخدمة المكتبية للجمهور من خلال المكتبات العامة المنتشرة في أرجاء الدولة، و رعاية جميع أشكال الأدب، و الثقافة، و الفنون، و تطويرها بما يحافظ على التراث الفني، و الأدبي للمجتمع، و الذي بدوره يشجع و يحقق المناخ الملائم لنمو الطاقات الخلاقة، و إظهار المواهب الجديدة، و تشجيع التأليف، و الكتابة، و الترجمة، في مختلف النواحي الأدبية، و أيضاً التنقيب عن التراث التاريخي للبلد و صيانته، و كذلك العمل على إحياء التاريخ الإسلامي العربي، و التراث القومي، و توثيقه .. ليكونا مرجعاً تاريخياً، و مصدراً للنهوض بمستوى الآداب، و الفنون، و المحافظة على الهوية الوطنية، و تعزيز الانتماء، و الاستثمار الدائم لطاقات الشباب و تطويرها.

كما يتطلب رعاية المبدعين، و احتضان الموهوبين، و توجيههم نحو التنمية المجتمعية الشاملة لتحقيق هذه الغايات، و إيجاد وحدة تُعنى بتهيئة الأجيال الشابة للقيادة، و الريادة، و التواصل من خلال برامج تطبيقية، و رفع مستوى الوعي الثقافي المجتمعي، و الارتقاء بالممارسات، و الإبداعات، و إثراء التواصل الحضاري بما يخدم قضية تنمية المجتمع عن طريق الارتقاء بالسلوكيات، و تكريس الأسلوب الحضاري الاسلامي المعتدل؛ كمنهاج عملي بين مختلف طوائف المجتمع، و التنسيق مع مختلف الجهات المعنية لإيجاد الوسائل التي تؤدي إلى أغراضها، و وظائفها الحقيقية لخدمة المجتمع، و توجيهه نحو الفضيلة، و الإصلاح، و محاربة الفساد، و محاربة الفكر المتطرف و الإلحاد، بالوسائل الفكرية التي تنتجها مفاهيم الثقافة و المعرفة، لتوعية المجتمع، و حمايته من آثارها السلبية، و عواقبها الوخيمة.

لذلك .. لابد من ترسيخ مفهوم الثقافة على مستوى الوحدة الوطنية، و بغض النظر عن كل التوجهات، و الولاءات، و التخندقات الحزبية؛ بحيث تكون على أساس مبدأ التأخي، و التكاتف، و الوحدة، إزاء المواقف الوطنية الكبرى، و الوقوف صفاً واحداً أمام التحديات الخطيرة التي يواجهها المجتمع .. فالدولة ليست الجهة المسؤولة الوحيدة في حفظ النسيج الاجتماعي و الوطني .. و ذلك لأن المهمة مشتركة، و على المجتمع أيضاً أن يأخذ دوره في العمل على هذه الرسالة، و أن يستخدم كل الوسائل الثقافية المتاحة التي تقوم على ترسيخ مبدأ المواطنة، و وحدة الصف الوطني.

و بهذا .. فإن المفهوم الحقيقي لهذه الثقافة ليست بجديدةً علينا نحن كمسلمين .. لأن ثقافتنا الاسلامية الرشيدة، و دستورنا العظيم الموجود في القرآن الكريم؛ الذي سن الشرائع الإنسانية العظيمة، و لم يستثني منها شيئاً .. فصار إلزاماً اليوم، بل و واجباً و مسؤولية أخلاقية، و دينية، و وطنية .. أن تنهض المؤسسات و الجهات الثقافية بواجبها الشرعي، و الأخلاقي، و الإنساني، التي تحفظ كرامة الإنسان، و دينه، و تاريخه، و تراثه، و درء الأخطار، و الفتن، و مواجهة الفكر المعادي بكل أساليبه أياً كان نوعها.

ثانياً : الثقافة و علاقتها بالتربية و التعليم 

الثقافة هي التي تُفيد الإنسان بصورة عملية، و تؤهله للتفاعل مع بيئته و مجتمعه، و أيضاً حضارة عصره، و بالتالي تُعينه على حل ما يواجه من مشكلاتٍ في حياته دونما أن يفقد توازنه الداخلي، و أصالة انتمائه، أو يُعاني من تناقض حاد، أو حتى انفصام بين واقعه و قناعاته.

و بهذا فإن الثقافة هي المعبر الحقيقي لِما وصلت إليه البشرية من تقدم فكري؛ فمن خلالها يتم رسم المفاهيم و التصورات، كما يتم رسم القيم و السلوك؛ حيث أنه قد ارتبطت الثقافة بالوجود الإنساني ارتباطاً وثيقاً، و تطورت مع الحياة الإنسانية وفقاً لِما يقدمه الإنسان من إبداع و إنتاج في شتى المجالات؛ فالثقافة هي المنظومة المعقدة و المتشابكة التي تتضمن اللغات، و المعتقدات، و المعارف، و الفنون، و التعليمات، و القوانين، و الدساتير، و المعايير الخُلقية، و القيم، و الأعراف، و العادات، و التقاليد الاجتماعية، و المهارات التي يمتلكها أفراد المجتمع .. و هذا ليكون للثقافة معناها و مفهومها الشامل .. بأنها مجموعةً من الصفات الخُلقية، و القيم الاجتماعية التي تؤثر في الفرد منذ ولادته؛ لتصبح لا شعورياً؛ تلك العلاقة التي تربط سلوكه بأسلوب الحياة في الوسط الذي ولد فيه.

أما بالنسبة للتربية .. فهي تمثل الوعاء الحاضن لمجموع الطاقات ذات الفعل الإيجابي على المستوى الاجتماعي .. إذ أن التربية تسعى إلى تشكيل الإرادات، و اكتشاف المواهب، و التعرف عن قرب على القابليات و الميول، و العمل على تزويد هذه الطاقات الفتية بالمهارات التي تُمكن المرء من الرقي بمستوى كفاءته، و عطائه الفعلي.

و من أهم الوسائل التربوية التي يتم عن طريقها تربية النشء و تثقيفه، و هي الأسرة .. فهي الحاضن الأساسي الذي يتلقى منه النشء الأصول الرئيسة، و التي تحدد سلوكياتهم، و تُكون شخصياتهم؛ بمقوماتها الإيمانية، و الفكرية، و الروحية، و الأخلاقية، و لكن الملاحظ أن كثيراً من هذه الأُسر غير قادرة على القيام بدورها بالصورة التي تقدم للمجتمع فرداً متكامل الشخصية و الثقافة، و ذلك لأسباب متعددة، منها .. تفشي الجهل و الأمية، و لا نقصد هنا حصراً بجهل القراءة و الكتابة، و إنما الجهل الذي يعجز عن توظيف العلم في إحداث التغير على مستوى الفرد و المجتمع؛ فحتى تلك البيوت التي يتمتع أفرادها بمستوى من التعليم قد يرتفع أو يتدنى، و لا تولي للثقافة اهتماماً يناسب أهميتها الحضارية، و ذلك لأنها تعاني من أُمية فكرية و توجهيه، و جهل بوظيفتها التربوية.

و من ثم؛ فإنها لا تحرص على تنمية أفرادها ثقافياً؛ بل نجد التركيز على دفعهم إلى الحصول على أعلى الدرجات في تعليمهم المدرسي النظامي؛ دون أدنى مبالاة بما سوى ذلك، و من ثم؛ فقد خلت كثير من البيوت من المكتبات، و إن وجدت فنراها للزينة فقط.

و أيضاً لِما نجده واضحاً في اختلاف المستوى الفكري و العلمي بين جيل الآباء و جيل الأبناء؛ فالآباء جيل مازال بعضاً من أفراده بسيطاً في طريقة تفكيره و تحليله لأمور الحياة .. بينما يشعر الأبناء بأنهم أكثر علماً و فهماً للحياة، و أقدر على التحليل من آبائهم .. و إن كان هذا غير صحيح في كثيرة من الأحيان، إلا أنه يُحدث انفصالاً شديداً في الأجيال مما يوجد هوة ثقافية لا يقام عليها جسر، و لا حتى معبر؛ فإذا كان لابد للتثقيف من طُرق توصيل و تربية .. كذلك لا بد له من هدف أسمى يسعى إليه.

و لعل الطفرة المادية أثرت سلباً على البيئة الفكرية في المجتمع، و بالتالي أوجدت أهدافاً مادية سخرت الأفكار لتنمية الأشياء، و هنا تكمن خطورة التوجيهات الثقافية في الأسرة .. فقد أصبحت الدنيا تشغل الآباء و الأبناء أكثر مما مضى؛ لذلك أصاب الحياة الثقافية في المجتمع عدم توازن فكري و سلوكي بسبب الهدف المادي، و الذي أثر على الحياة الثقافية لدى الآباء و الأبناء .. حتى صار المستقبل المادي هو المهم عند الكثيرين من الأجيال الحالية؛ بينما كان المهم و الأساسي عند الأجيال السابقة هو الآخرة .. لهذا نجد أن انشغال الأب و الأم في شؤونهم الخاصة، لا يُتيح لهما فرصة تنمية مدارك أبنائهم العقلية لأجل توسعة دائرتهم الثقافية.

و أما بالنسبة للتعليم .. فإن حقيقة جوهره ليست في تلك الدروس اليومية التي يأخذها الطالب في المدرسة .. بل يُعد فلسفةً كاملة تساهم في بنائها و تحقيقها كل المواد الدراسية، و المعارف، و الممارسات التي تبدأ مع الفرد ابتداءً من طفولته التي نغرس فيها بذور مستقبل حياته السلوكية، و نُنمي فيها حواسه، و مروراً بكل موارده الثقافية، و العلمية، و التدريبية، حتى نصل انتهاءً بمجموع تلك الخبرات، و المسالك المتراكمة، التي يتحصل عليها في شيخوخته، و ثم ينقلها إلى الأجيال القادمة من بعده.

و هذا لأن التعليم هو التنمية .. بل هو الرحم الذي تُزرع فيه أجنة الادراك؛ لتنطلق في جميع مجالات الحياة .. لأن العملية التعليمية في مختلف مراحلها؛ ينبغي أن تكون فلسفةً، و أهدافاً، و محتوى؛ بحيث تكون كلها متجهةً نحو تطوير قدرات الإنسان العقلية و الفكرية منذ نعومة أظافره؛ حتى يتسنى للطالب مواكبة التطورات العلمية الهائلة التي سيشهدها و تشهدها البشرية في هذه الحقبة من الزمن .. حيث أن تطوير العملية التعليمية بما ينسجم و تطورات العصر سيساهم بشكل نوعي؛ إن لم يكن بشكل أساسي؛ في إعلاء شأن الثقافة و المعرفة في المجتمع.

لهذا نجد علاقة وطيده بين الثقافة و التربية، و منها إلى التربية و التعليم، و تعميمها في وسط المجتمع .. و بهذا فإن التعليم يصنع المحيط الاجتماعي الملائم لازدهار الثقافة و نموها .. لأن التعليم الذي يتجه إلى غرس القيم العليا في النفوس الناشئة؛ لا شك أنه سيؤثر إيجابياً في مستوى الوعي و الاهتمام الثقافي لدى هذا النشء و الجيل الذي ينتمون أليه .. و بهذا نجد أن التعليم في كل بلد؛ يعكس أوضاع ذاك البلد التاريخية، و الاجتماعية، و الفكرية، و حتى النفسية.

و من هنا تنبع أهمية الحفاظ على الآثار، و الرموز الثقافية و التاريخية للمجتمع .. هذا لِما تُشكله من محيط ثقافي و تاريخي معاصر؛ يدعم العملية التعليمية و يوضح محتوياتها و مضمونها .. لأن التعليم ليس ذا بُعداً واحداً يرتبط بالحالة الراهنة فقط؛ بل هو ذو أبعادٍ ترجع جذوره إلى التاريخ، و يمده حاضره إلى آفاق المستقبل و تطلعات المجتمع بأكمله.

حيث أن التعليم و تطويره، و الثقافة و إعلاء شأنها في المجتمع؛ فهما من الأُسس الجوهرية للنجاح في تنفيذ خطط التنمية في المجتمع .. لأنهما يؤسسان القواعد النفسية و العقلية؛ من حيث التهيئة و الاستيعاب لبرامج التنمية، و خطواتها المختلفة، و هذا فإن مشاريع التعليم و التثقيف الاجتماعي لا تُعد مشاريع استهلاكية؛ بل هي من صميم العمليات الإنتاجية؛ لأنها تتجه لبناء الإنسان؛ الذي هو رأس المال الحقيقي لأي مجتمع.

هذا .. لأن التعليم ليس مفصولاً عن العملية الاجتماعية، و إنما هو جزءً منها؛ لذلك ينبغي أن تنبع فلسفة التعليم و خلفيته الأكاديمية من خلال احتياجات المجتمع الجوهرية؛ حتى يكون هناك انسجام و تناغم بين ما يأخذه الإنسان في قاعات الدرس، و ما يجده في الشارع .. لأن التطوير الاجتماعي، و الرُقي بالإنسان إلى درجةٍ أعلى؛ يعتمد على قُطبين أساسيين هما .. التعليم و الثقافة .. حيث أن لهما شأناً في زيادة الإنتاج على المستوى الفردي و الجماعي .. هذا لأن تكامل العملية التعليمية مع الثقافة يؤسس على المستوى الاجتماعي عملية ثقافيةً واعية و رشيدة؛ تتجه إلى طاقات الإنسان الكامنة فتفجرها، و إلى سلوكه فتهذبه، و إلى طموحاته فتُشرّعها.

و لهذا فإن تناغم، و انسجام، و تفاعل الثقافة و التعليم، و توفير علاقة تكامل بينهما؛ هو الذي يُغير المجتمع إلى مجتمع مبدع و متحضر، و قادر على المساهمة الإيجابية في الحضارة الإنسانية .. و إن هذا التكامل و التزاوج؛ هو الذي يبني عقلية الثقة بالذات و إمكاناتها، و الإعراض عن التقليد الأعمى، و الاستعارة الممنهجة، و الاستنساخ الحرفي للغير؛ بل إلى طريق الإبداع، و مشروع التنمية الشاملة التي يصبوا إليها المجتمع بأسره.

و هنا تكمن عديد التساؤلات ..

هل يُعد التعليم بمستوياته العامة و العليا؛ سبباً في ضعف الثقافة .. مع كثرة المدارس، و المعاهد، و الكليات، و الجامعات، و كثافة المناهج الدراسية، و المواد المقررة؛ التي لا نكاد نجد لها أثراً في تشكيل عقلية الفرد، و تنمية ثقافته ..؟

أم فقط تقتصر في كثافة المناهج، و كثرة المقررات الدراسية التي ترهق كاهل الطالب بالواجبات الدراسية؛ مما لا يُتيح له فرصةً للقراءة الخارجية و الاطلاع؛ بل إنها قد تؤدي في بعض الأحيان إلى توليد نوع من النفور النفسي لدى الطالب تجاه أي كتاب ..؟

أم تكمن في طبيعة الدراسة التي تعتمد على الحفظ المجرد؛ دون تعويد الطالب استعمال ملكاته العقلية في التفكير و المناقشة و الحوار؛ مما يؤدي إلى التبلد الذهني، و عدم الاستجابة العملية و النفسية ..؟

أم تكمن في تقييد الطالب بكتاب دراسي مقرر؛ فتحصره في نطاق فكري ضيق؛ فلا يسعى للبحث، و المطالعة، و الحصول على مزيد من العلم؛ بل إنه يتعود على الاتكالية في تلقي العلم، و الاعتماد على الغير في توصيله، و هذا أسلوب لا يساعد على اكتساب الثقافة؛ لأن الثقافة تُعد إطار شمولي عام، و المدرسة أو الجامعة تُركز على جوانب تخصصية، و لا تقدم الجرعة الثقافية اللازمة ..؟

أم يكمن في نظام الامتحانات الذي يجعل الغاية القصوى، و الهدف هو اجتيازها بأية صورة كانت، و بأي كيفية؛ فقط للحصول على الدرجة؛ ليحصل على إفادة التخرج ..؟

أم يكمن في عدم أهلية البعض من المعلمين و المعلمات؛ مما يجعل دورهم مقتصراً على عملية نقل المعلومة بالحرف من الكتاب المقرر إلى الطالب؛ دون أن يكون لهم دور في حث الطالب على الثقافة، و ما ذلك إلا لأن أمثال هؤلاء قد انخرطوا في سلك التعليم حين لم يجدوا لهم طريقاً آخر ..؟

أم تكمن في دور الإعلام بمختلف وسائله المسموعة، و المرئية، و المقروءة، و أيضاً في دوره البارز في توجيه الأفراد فكرياً، و حضارياً، و أخلاقياً؛ من خلال نقل الثقافات، و التقريب بين الحضارات .. هذا لأن عصرنا الحاضر يتميز بانفجار معرفي رهيب و سريع؛ حيث زادت معه وسائل الاتصال العلمي و الثقافي، و كثرت و تنوعت بصورة مذهلة؛ حتى أدت إلى أن انتزع الإعلام من البيت و المدرسة دورهما في تربية الفرد و تثقيفه .. فهو يمتلك من الوسائل المرغبة ما لا يملكه البيت أو المدرسة ..؟

فإذا كانت إجابة كافة الأسئلة السالفُ ذكرها .. بـ نعم .. عندها يكون التعليم بمراحله جميعها قد فقد دوره الثقافي، و ذلك حين حصر اهتمام الطالب في الحصول على الشهادة التي هي آخر المطاف للتحصيل العلمي و الثقافي و الفكري؛ هذا بالنسبة للكثيرين؛ دون أن يكون لمثل تلك الشهادات المضمون الذي نرتجيه و نأمل في نتائجه .. فبهذا يصبح العلم عملةً زائفةً غير قابلةً للصرف، و هذا النوع من الجهل أدهى و أمر من الجهل المطلق؛ لأنه جهل حجرته الحروف الأبجدية، و جاهل هذا النوع لا يقوم بالأشياء بمعانيها، و لا يفهم الكلمات بمراميها .. و إنما بحسب حروفها فقط؛ فهي عنده تتساوى إذا ما تساوت حروفها.

و بهذا نجد أن كُلاً من البيت، و المدرسة، و الإعلام، قد قام بدور مختلف في إضعاف الثقافة، و تضييق دائرة المثقفين؛ بل و المساهمة الفعالة في إيجاد أزمة ثقافية تربوية حادة.

أعتقد أننا هنا نتفق .. بأن علاقة الثقافة بالتربية و التعليم .. هي علاقةً تبادلية؛ لإن أي طرف يشكل قوة مؤثرة في الطرف الآخر .. فالخلل في التعليم يؤدي إلى التخلف الثقافي رغم العوامل الأخرى المؤثرة أيضاً في الثقافة .. فعندما يُركز التعليم على تلقين التلاميذ المعلومات، و الحفظ من أجل الامتحان؛ فإن التعليم في هذه الحالة ليس أداة للتفكير و الإبداع، و إطلاق ديناميكيات التطور، و تحويل المكون الثقافي إلى قوة قادرة على المواجهة، و الانفتاح الآمن.

لأن الثقافة في جوهرها لا تهدف بأن يساهم التعليم في إكساب التلميذ مجرد معلومات ينساها بعد الامتحان، لأنها تعكس المستوى الأول من التذكر، و إنما الثقافة تعني بناء الذهن المبدع، و التكيف، و التفاعل الإيجابي مع الآخرين، و القبول بالرأي الآخر .. فما الفائدة من تعليم لا يرسخ ثقافة التسامح، و نبذ الكراهية، و اللاعنف، و الانتماء للوطن، و المساهمة في النهضة الفكرية و العلمية في داخل المجتمع الواحد.

أخيراً .. نتمنى أن ينصب الاهتمام بعمليات التعليم، و ليس فقط بنظرياته؛ فالواقع الثقافي المتخلف يتطلب مراجعةً للنظام التعليمي؛ بحيث يساهم فيها المختصون و المراكز البحثية؛ كما يجب تطوير تلك المراكز البحثية المهتمة بالتربية و التعليم التي تتولى مهام دعم قطاعات التعليم بالدراسة، و الفكر، و المشورة، و أيضاً حث قطاع التعليم على العناية بالجانب الثقافي الذي لا أثر له في نتائج العملية التربوية الحالية؛ إلا ما ندر.

عليه .. فإننا أحوج ما نكون اليوم؛ لإطلاق حوارات وطنية مسئولة؛ تتجه صوب فحص واقع التعليم، و سُبل تطويره؛ بحيث نصل من خلال هذه الحوارات إلى نتائج علمية متميزة؛ ليتمكن القطاع التعليمي من تنفيذها وفق خطط، و إستراتيجيةً واضحة المعالم و الأهداف .. فهناك سُبل لتعزيز الثقافة و تجديدها عند الفرد من خلال المؤسسة التعلمية، و ذلك من خلال القراءة الذاتية الهادفة و المنظمة، و أيضاً من خلال و سائل الإعلام، و الدور الذي يمكن أن تقوم به، و كذلك من خلال الأسرة و ما تمثله من مصدر عظيم للثقافة في شتى جوانب الحياة .. لأن الثقافة تبني الأفراد، و أيضاً تبني كيانهم النفسي، و زادهم المعرفي، و تبني في ذات الوقت الأمم و الشعوب.

ثالثاً : الثقافة و علاقتها بالمؤسسة 

ثقافة المؤسسة .. هي عبارة عن مجموعةً من السلوكيات المرتبطة مع البيئة الاجتماعية في العمل المؤسسي؛ كما تشمل كافة التوقعات و الخبرات، و أيضاً الفلسفة الخاصة بالمؤسسة، و بالتالي فإنها تُسهم في عكس طبيعة تفاعلها مع المحيط الخارجي.

كما تُعرف ثقافة المؤسسة .. بأنّها طُرق العمل و المواقف المتفق عليها ضمن الموظفين في المؤسسة أو الشركة.

أيضاً من التعريفات الأخرى لثقافة المؤسسة .. هي العادات و القيم المشتركة بين كافة الأفراد ضمن المؤسسة، و التي يجب أن يتم تقبلها من قبل الأفراد الجدد في بيئة العمل.

تاريخ ثقافة المؤسسة .. يعود إلى بداية ظهور الوعي في هذا النوع من الثقافة في المنشآت؛ ففي الستينيات تطور مصطلح ثقافة المؤسسة، و من ثم في التسعينيات أصبح معروفاً على نطاق واسع؛ إذ استُخدم مفهوم ثقافة المؤسسات عند علماء الاجتماع، و المديرين، و العديد من الأكاديميين؛ هذا من أجل وصف طبيعة شخصية المؤسسة، و لم يعتمد هذا المفهوم على السلوكيات و المعتقدات فقط؛ بل شملت العديد من الأمور الأخرى .. مثل .. نُظم قيمة المؤسسة، و العلاقات بين الموظفين، و إستراتيجيات الإدارة، و غيرها من المؤثرات.

حيث لم تظل ثقافة المؤسسة تعتمد على الإدارات و الموظفين، و لكنها تأثرت أيضاً بالتقاليد و العادات المحلية، و المؤثرات الاقتصادية، و حجم المؤسسة و منتجاتها، و التجارة الدولية أيضاً.

إلا أنه قد ظهرت مجموعة من المفاهيم حول المؤسسات، و خصوصاً تلك التي أثرت سلبياً في تنوع الثقافات، و مع ظهور العولمة، و زيادة الارتباط الدولي بين الأعمال؛ مما أدى لاحقاً إلى ظهور مصطلح الثقافة المشتركة، و التي تُشير إلى تفاعل الأفراد معاً ضمن خلفيات متنوعة في بيئة الأعمال، و من أجل بناء بيئة إيجابية عبر هذه الثقافات .. غالباً تعتمد المؤسسات على الموارد الخاصة بها؛ مما يساهم في التقليل من التأثير السلبي لتنوع الثقافات، و تحسين التفاعلات بين القطاعات التجارية ضمن الثقافات المتنوعة.

خصائص ثقافة المؤسسة .. تتميز ثقافة المؤسسة بمجموعةً من الخصائص، و التي نأتي على سردها تباعاً :

1. الابتكار .. هو من المميزات الخاصة في المؤسسات التي تهتم بتنفيذ ثقافة المؤسسة؛ إذ تعتمد على تصنيف الابتكار ضمن أولوياتها؛ كما تُشجع الموظفين على تحمل المخاطرة، و الحرص على الابتكار ضمن وظائفهم، و هذا بعكس الشركات التي لا تهتم بالابتكار؛ فيتوقع من موظفيها تطبيق وظائفهم بطريقة تقليدية.

2. الاهتمام بالتفاصيل .. هي من الخصائص و السمات المرتبطة بثقافة المؤسسة؛ إذ من المتوقع أن يكون الموظفون أكثر دقة في تنفيذ عملهم؛ مما يعتمد على اهتمامهم بالتفاصيل التي تساهم في أدائهم لعملهم بأسلوب دقيق.

3. التركيز على النتائج .. هو اهتمام الشركات في تحقيق النتائج التي تُعد من القيم المهمة في ثقافة المؤسسة؛ إذ تحرص المؤسسات التجارية على توجيه قوة المبيعات؛ من أجل الحصول على نتائج مميزة.

4. الاهتمام بالأفراد .. هو من الخصائص التي تصنفها المؤسسات ضمن إطار قيمة مرتفعة؛ إذ إن ثقافة المؤسسة تهتم في طبيعة تأثير القرارات المؤسسية على الأفراد، و أيضاً تهتم المؤسسات في تطبيق التعامل الذي يحافظ على كرامة و احترام الموظفين.

5. العمل الجماعي .. هو الأسلوب التعاوني الذي يُنظم كافة النشاطات الخاصة في بيئة العمل؛ إذ تسعى ثقافة المؤسسة إلى تشكيل الفرق، و ضمان وجود علاقات إيجابية بين الموظفين و المديرين في العمل.

6. التنافسية .. هي من الخصائص التي تشجع عليها ثقافة المؤسسة؛ إذ يتوقع من الشركات أن تحرص على التعامل مع المنافسين لها في السوق؛ كما أن الشركة ذات الثقافة التنافسية توفر قدرةً مرتفعةً من المنافسة في السوق.

7. الاستقرار .. هو من القواعد الأساسية لثقافة المؤسسة؛ إذ تحرص الشركات على وضع قيمة ثقافية مستقرّة، و من الممكن التنبّؤ بها؛ مما يساهم في تخمين مستويات الإنتاجية، و العمل في أفضل الظروف الممكنة ضمن السوق غير المستقر.

نماذج ثقافة المؤسسة .. تُشير الكثير من الدراسات العلمية في نطاق ثقافة المؤسسة إلى أنه من الممكن تقسيم هذه الثقافة إلى أربعة نماذج .. و التي نأتي على سردها تباعاً :

النموذج الثقافي الأول .. هي الثقافة المؤسسية المرتبطة بالتمييز بين العمال المتخصصين، و غير الأكفاء عن غيرهم من الموظفين، و تؤدي هذه الثقافة إلى ظهور اختلاط بين الأفراد في المؤسسة؛ لأن الشعور الجماعي داخل بيئة العمل يوفّر الحماية ضد الانقسام بين الموظفين، و يقلل من الإجراءات التي تشمل على إصدار العقوبات.

النموذج الثقافي الثاني .. هي الثقافة المختلفة عن الموجودة في النموذج الأول؛ إذ توافق على وجود اختلافات، و تسعى إلى تطبيق المفاوضة، و هي من صناعة الموظفين المحترفين، و الأفراد ضمن هذا النموذج الثقافي يهتمون بإظهار مهاراتهم و خبراتهم، و غالباً ما يعملون ضمن عقود خاصة، سواءً من حيث الرواتب، أو الحوافز المقدمة لهم.

النموذج الثقافي الثالث .. هي الثقافة التي تتناسب مع العمل المهني طويل الأجل، و الذي يرتبط مع المؤسسات ذاتية الظهور، و في هذه البيئة الثقافية المؤسساتية بحيث يكون التناغم الانتقائي بين الموظفين هو السائد.

النموذج الثقافي الرابع .. هي الثقافة التي تنتشر في بيئات الأعمال التي تتميز بالتبعية و الفردية، و تظهر بوضوح عند الموظفين غير المؤهلين، و الذين بحاجة إلى خبرة وظيفية، و من الأمثلة على ذلك؛ العمال الذين يهاجرون من المناطق الريفيّة، أو الشباب حديثي التخرج الذين يتجنبون الوجود ضمن مواجهة مباشرة مع المسؤولية الوظيفية.

أهداف ثقافة المؤسسة .. نجد أنه من الطبيعي أن تسعى ثقافة كل مؤسسة في كل بيئة عمل تنخرط فيها إلى تحقيق مجموعة من الأهداف، و من أهم هذه الأهداف ما يأتي سرده تباعاً :

1. الوحدة .. هي اهتمام ثقافة المؤسسة في توحيد الموظفين معاً؛ و ذلك عن طريق تقدير الاختلافات بينهم سواءً في الثقافة الخاصة، أو التقاليد المتنوعة؛ لذلك يُعد بناء ثقافة مؤسساتية مشتركة في بيئة العمل من أهم الوسائل التي تمنح شعوراً بالوحدة، و التفاهم بين الموظفين، و أيضاً تساعد على تعزيز التواصل، و تقليل حدوث النزاعات.

2. الإخلاص .. هو اهتمام ثقافة المؤسسة في جعل الموظفين يحافظون على وفائهم للمؤسسة؛ إذ عندما يرى الموظفون بأنهم جزءً من ثقافة مؤسستهم؛ عندها سوف يحرصون على المساهمة بشكل فعال في نجاحها.

3. الاتجاه .. هو مساهمة الثقافة التنظيمية في توجيه الموظفين؛ من أجل تنفيذ مهامهم؛ مما يساهم في أن يفهم كل موظف مسؤولياته و أدواره في العمل.

و من هنا؛ فإننا نجد أن القيم هي التي تساهم في تفسير و توجيه كفاءة السلوك التنظيمي للفرد و للمجموعة داخل المؤسسة .. مثال ذلك .. المؤسسات ذات الثقافة الضعيفة لا تشجع على نقل الأشياء السيئة، و التي لا تتماشى مع سياستها في العمل؛ بل إنها تقوم بالحيلولة دون وصول إشارات التحذير المبكر لمواجهة المتاعب إلى المسؤولين؛ كموقف المؤسسة مثلاً في مقاومة التغيير؛ هذا من شأنه أن يشجع على الجمود، و التسيب، و الإهمال، و الإدمان على السلبية؛ حيث لا أحد يسأل عن ماذا يحدث، .. و أما المؤسسات ذات الثقافة القوية تشجع دائماً على الاتصال، و التواصل، و الانفتاح، و التنبؤ؛ حيث تجد فلسفتها تقوم على الاستعداد الدائم للتحدي؛ فتعتمد مدخل الفعل.

لهذا؛ فإن القيم الخاطئة الضعيفة على مستوى الأفراد و المؤسسات يمكن إدراكها من النقص في الدافعية؛ المتجلي في انخفاض الإنتاجية، و عدم الكفاءة، و الغياب المتكرر، و عدم الانتظام، و اللامبالاة؛ بل نجده واضحاً على مستوى المؤسسات من خلال سوء التسيير المتجلي في غياب المبادئ و عدم القدرة على التنبؤ، و البطء في اتخاذ القرارات، و تعديل القرارات بصفة مستمرة، أو إصدار القرارات بصفة عشوائية، و أيضاً في سيطرة غير الأكفاء على الأكفاء، و تغلغل العلاقات الشخصية في داخل المؤسسة، و فاعلية التنظيمات غير الرسمية، و الجمود في العمليات الإنتاجية.

حيث أن ثقافة المؤسسة جزءً لا يتجزأ من ثقافة المجتمع الذي تعيش فيه، و لا شك أن الخصائص الاجتماعية، و الثقافية، و السياسية، و الاقتصادية، و نظام و نمط الإدارة، و الاقتصاد الموجه، و التسيير الاشتراكي للمؤسسات، و القانون الأساسي للعمل، و العائلة الممتدة، و المستوى التعليمي للفرد الذي هو جزءً من المجتمع؛ قد لعبت دوراً بارزاً في تشكيل السلوكيات، و الممارسات الفعلية؛ حيث نجد أن ما يصدر من الموظفين من تصرفات فعلية، هو في واقع الأمر إفراز للبيئة التي يعيش فيها هؤلاء الموظفين.

و هذا بدوره راجع لتلك العوامل التي شجعت على توظيف بعض الممارسات المضرة بالمؤسسات و المجتمع، و هي في الأصل نتاج لعوامل متعددة .. منها ما هو راجع إلى التركيبة النفسية التي تحكم سلوك الفرد و المجتمع، و تصرفاته، و بشكل يحدد نظرته للحياة بصفة عامة .. كما يمكن إرجاعه إلى مجموع القيم، و الأفكار، و التقاليد الموروثة في المجتمع؛ حيث ساعدت البيئة الخارجية على وجودها و استمرارها، و بالتالي ظهرت اتجاهات مثل التواكل و اللامبالاة .. كشيوع ظاهرة عدم الانتظام، و الاهتمام مع رفض التغيير، و الاهتمام بالمظهر، و عدم تحمل المسؤولية، و الدوران حول الذات، و غياب الالتزام، و عدم الاعتقاد بالقيم الأخلاقية، مثل الولاء، و الانتماء، و الصدق، و التعاون، و الانضباط، و الانتظام في العمل، و التهرب من المسؤولية، و تعدد مضيعات الوقت، و غياب الأعراف السلوكية، و تراجع العقلية الرشيدة، و أزمة الحوار، و المحسوبية، و انعدام المحاسبة، و المجاملة بالتحايل و المراوغة، و سيادة لغة الغنائم.

لهذا نجد أن الموظف قد تكيف مع الأوضاع التي أكدت على الإدمان على السلبية؛ حيث يعلم أنه لن يكون موضع تقييم؛ لأن المسؤول لا يُقيم، كما أنه لا يعامل وفقاً للنتائج التي يحصل عليها .. لذا لا يبالي بنتائج الآخرين؛ حيث أنه يكتفي بالحضور الجسماني إلى المؤسسة، و يرتبط بالمنصب دون المؤسسة؛ فهو ينظر لِما تقدمه له، و لا يبالي بما يجب أن يقدمه هو لها.

و من هنا تخرج المظاهر المترتبة عن التلوث البيئي الناتج عن الاغتراب التنظيمي في الأداء .. حيث نجد انعدام التفكير الابتكاري، و روح المبادرة، و غياب الحرية في الممارسة الإدارية، و فقدان السيطرة، و التنبؤ قبل اتخاذ القرارات، و غياب التقييم و المتابعة، و غياب مبدأ الاستحقاق و الثواب، اللذان يمكن من خلالهما تحريك السلوك الإنساني سلباً أو إيجاباً، و المجاراة اللاشعورية لِما يحدث، و كذلك المجاراة القهرية مع القلق الدائم؛ حتى يصل إلى مرحلة فقدان الثقة في النفس.

رابعاً : الثقافة و علاقتها بالحكومة

كان المواطن و لا يزال هو أداة و غاية التنمية في كل زمان و مكان .. فالتنمية تعني في قواميس اللغة .. تنمية و توسيع الخيارات المتاحة أمام المواطن؛ باعتباره جوهر التنمية و هدفها الأسمى .. يعني ذلك بوضوح أن التنمية هي النماء، و الزيادة، و الإكثار من سُبل و أدوات المعرفة.

أما في الفكر الحديث .. فالتنمية هي العلم حين يصبح ثقافة، و الثقافة هي اللغة، و العادات، و التقاليد، و التراث، و المعتقدات، و الفنون، و أيضاً تأطير التفكير، و السلوك الإنساني الواعي؛ لتصبح الثقافة عملية تنموية، و لا يمكن أن يحدث ذلك خارج شروطه الموضوعية، و أهمها فتح المجال أمام الأجيال الشابة لتنمية ثقافتها، و لتجعل من التنمية الثقافية قاعدة أساسية في حياتها.

و لأجل ذلك .. أصبح وضع الثقافة في عالم اليوم يشكل استثماراً أساسياً في صميم سياسة التنمية، و مستقبل الدول .. بل و العالم أجمع، و شرطاً مسبقاً لعمليات عولمة ناجحة؛ أن تأخذ بعين الاعتبار مبادئ التنوع الثقافي.

و إنما كيف لنا أن نتحدث عن هذه الثقافية؛ في ظل غياب قيم و مفاهيم هذه التنمية في سياسات الحكومة، و أيضاً مكونات المجتمع المدني، و السؤال الأساسي و المركزي في هذه الإشكالية .. هو .. من المسؤول عن إخراج التنمية الثقافية من قوامسها اللغوية .. لتصبح فعلاً متحركاً على أرض الواقع ..؟

فمنا من يقول أن وزارة الثقافة وحدها المسؤولة عن ذلك .. و البعض يرى أن سياسة الحكومة برمتها هي المسؤولة عن وضع التنمية عموماً، و التنمية الثقافية بصفةً خاصة على أرض الواقع.

و من هنا يكون التشخيص لحالة غياب الثقافية في المجتمع من حيث قيمها و مفاهيمها في سياسات الحكومة؛ بل يمكننا ملامستها في عزوف الشباب بالعالم الحضري؛ كما في العالم القروي، عن استهلاك الموارد الثقافية من كتب، و مجلات، و جرائد، و البحوث الثقافية .. و هذا نجده جلياً في غياب دور العرض الثقافية التي تستجيب للمواصفات الثقافية، و أيضاً غياب دور المسرح بمواصفاته العالية مع محافظته على الطابع الاجتماعي للمجتمع، و كذلك في ظل غياب القاعات الخاصة باللقاءات الثقافية التي تستجيب للشروط المعمول بها على المستوى الوطني، و التي تستجيب أيضاً للتطلعات المستقبلية من حيث غياب ملتقيات وطنية للشباب تكون كمجالس استشارية، تظم الشباب من كافة التخصصات؛ حتى يتسنى توجيه الشباب من خلالها لتتبع الصحيح لمجرى الأحداث السياسية، و الثقافية، و الاجتماعية .. و بهذا تتشكل قوة اقتراحية في مجالات التنمية المختلفة، و الهدف منها إظهار قدرات، و كفاءات شبابية في العمل التنموي على المستوى السياسي، و المؤسسي، و الاقتصادي، و الاجتماعي.

و إنما كيف لشبابنا أن ينخرط في العمل و الفعل الثقافي بصفتيه الخاصة و العامة، أو يندمج في فعالياته؛ هذا إن وجدت أصلاً؛ و هو يعاني من البطالة من جه .. و من عدم توفر خدمات المراكز الثقافية، و من إندام سياسة إعادة التكوين و الإدماج بالنسبة للمنقطعين عن الدراسة؛ لقلة امكانيات مراكز التكوين المهني، و أيضاً انعدام التفكير بشكل جدي في الشباب حاملي أفكار المشاريع التي من الممكن أن تساهم في بناءهم لمستقبل واعد لغدٍ مشرق.

و كما يُعاني الشباب من فشل السياسات الحكومية المتعاقبة، في التشغيل، و التعليم، و التكوين، مما جعل شبابنا في نهاية المطاف؛ بعيداً عن تطلعاته و طموحاته، و خارج أهداف التنمية الثقافية، و بعيداً عنها.

و هذا لأن التنمية الثقافية بكافة أوجهها، و مع أتساع مفهومها؛ فهي لا تسعى فقط لرفع مستوى الثقافة في المجتمع، و ترقية المواطن، و تطوير تفاعلاته المجتمعية بين أطراف المجتمع، و لكنها أبعد من ذلك بكثير؛ فهي تسعى إلى الرفع من المستوى المعيشي للمواطن الفرد، و المجتمع ككل، و تحقيق الدخل القومي، و إحداث تغييرات جذرية في المجتمع بهدف إكسابه القدرة على النماء و التطور الذاتي المستمر؛ ليصبح هذا الفرد قادراً على فهم دوره الرئيسي و المهم في ترسيخ و تفعيل سياسات الحكومة .. على أن يكون هذا الترسيخ يصب في صالح الوطن بالدرجة الأولى.

إذاً .. الثقافة هي عصب التنمية، و هي العصب الأساسي لعملية التنمية البشرية التي تفترض و تتطلب استثمار العناصر البشرية، و تنمية العلوم، و المعارف العملية و النظرية، و القدرات و المهارات التقنية و التطبيقية .. وصولاً إلى الإبداع في كل مجال من مجالات التنمية الشاملة للمجتمع الذي يشكل الدولة.

هذا لأنه قد ارتبط مفهوم التنمية الثقافية في عصرنا الحديث بالعديد من الحقول المعرفية ليحتل في الدراسات الأكاديمية، كما في الإعلام، و العلوم الاجتماعية و السياسية مساحة واسعة؛ ترتبط أساساً بالفاعلية الثقافية، و الاقتصادية، و السياسية في الدولة؛ و خاصةً لمثل دولنا التي هي في طريقها للنمو و النهوض من جديد.

إلا أنه، و في غياب شروط التنمية الثقافية عن البنية الداخلية للمجتمع المعرفة ..؟، فمتى يصل إلى تحقيق اقتصاديات المعرفة ..؟، و كيف له أن يحقق ذلك في غياب الصناعات الثقافية القائمة على المعرفة ..؟، و ما هو دور وزارة الثقافة، و التعليم العالي، و البحث العلمي، في بناء مفاهيم التنمية الثقافية ..؟، بل و في بناء اقتصاد المعرفة أيضاً ..؟

هنا .. نخاطب الحكومة بكافة أركانها و مؤسساتها .. إن كان فعلاً يهمهم الأمر في بلادنا؛ فنقول لهم بكل وضوحٍ و صراحة، إن الثقافة الخاصة بالفرد و المجتمع؛ هي المفتاح السحري، و الدواء الناجح، و الحل الأمثل، لكل أمراض التخلف، و لكل عوائق التنمية أيضاً.

حيث لا استقامة و لا نجاح للتنمية، إلا من خلال سياسة ثقافية تطال كل نواحي الحياة الاجتماعية، و الاقتصادية، و السياسية، و الإعلامية، و البيئية .. و ربما من حسن حظ الثقافة أنها لا تخضع لعملية حسابية على قواعد الربح و الخسارة .. إلا أن مظاهرها جليةً في نظافة بيئية، و تُراث يحاكي المستقبل، و انفتاح على باقي الثقافات العالمية؛ بمعايير من شأنها أن تحافظ على العرف الاجتماعي، و ذلك لتماسك قوتها، و تسامحها، و ديمومة بقائها.

فإن الثقافة عندما ترتبط بالتنمية تصبح لها شجونها الدولية، و ربما يصبح من السهل الإساءة إليها من خلال تداخل مصالح الأمم و الشعوب .. غير أن تفاؤلنا حول مستقبل الثقافة ينبع من كون مواردها في أكثريتها وطنية المصدر .. لذلك و من خلال تعزيز دور الثقافة الأساسي في التنمية الشاملة تضفي نوعاً من الاستقلالية التي تطمح إليها كافة الشعوب؛ لأن الثقافة وحدها هي التي تميز الشعوب بعضها عن بعض في زمن الاعتماد الاقتصادي المتبادل، و في عصر التدخلات السياسية الفوضوية الناتجة عن نظام الحروب الباردة في العالم.

لهذا نقول .. أن الإنسان المثقف هو الركن الأساسي في عملية انتقال المجتمع من التخلف إلى النماء، و منه إلى عصر التطور، و بالتالي فإن المجتمع المثقف هو المجتمع المنسجم اجتماعياً، و المكمل بعضه لبعض .. و بهذا يكون لكل فرد في هذا المجتمع؛ شخصيته التي تمنحه التميز و البروز بين جمع من الناس حسب ظروفهم و إمكانياتهم؛ مع وجود المصالح و الأهداف التي تنسجم مع فكر و شخصية ذاك الفرد مع من حوله، و الأهم أن تكون بعقلانية منتـظمة و مستمرة.

و لأن الثقافة الحديثة هي البذرة التي تتكون منها شخصية الفرد؛ فيجعلها قاعدة ينطلق منها لتكوين قالب لشخصيته أمام الملأ؛ فتصنعه و تبلوره في دائرة و تصنيف معين يظهر به أمام عقول الناس، و هذه تشكل للآخرين قاعدة للمثـقف العارف الفاهم الذي يصل إلي مبتغاه مع إفادة نفسه بوجوده و لغيره بحصوله.

كما أن فعل الثقافة في التنمية الشاملة يبدأ من خلال إعداد المواطن ليمارس حقوقه السياسية في أجواء من الديمقراطية، و الحرية، و اللامركزية الإدارية .. أي بمعنى .. إن سر إمكانية تضييق الهوة بين السلطة و الشعب يمر عبر الفرد المثقف المؤتمن على مصير وطنه؛ لأنه الأكثر علماً و معرفةً بنقاط ضعفه و مصادر طاقاته؛ كما إن الإنماء الاقتصادي يحتاج إلى عقلية برغماتية تتعامل مع المشاكل الطارئة على قاعدة التوازن بين الاستقرار الدستوري، و الرخاء الاقتصادي، و كذلك الثقافة معنية بصورة مباشرة في عملية إدماج الشاب، و المرأة، و الطفل، في عملية التنمية الاجتماعية .. هذا لأن الثقافة تنظر إلى تطوير وسائل الإعلام كجزءً لا يتجزأ من إستراتيجية الأمن الثقافي.

أما ما الذي تستطيع الحكومة تقديمه، أو عمله فعلياً لتحقيق التنمية من خلال الثقافة، و التي يمكن ايجازها في عدة نقاط نأتي على سردها :

1. الدولة معنية بتأمين الوسائل التي تكفل امتلاك الثقافة من قبل جميع المواطنين، و أن تضع موارد الثقافة في خدمة التطور.

2. الثقافة الوطنية تستدعي تأسيس الذاكرة الجماعية؛ بحيث لا يترك هذا الأمر لكل فئة أو جماعة تؤسسها على هواها و بطُرقها الخاصة، و على الدولة وضع سياسة ثقافية بمشاركة جميع المثقفين على قواعد الحرية و الديمقراطية اللتين تشكلان الشرط المسبق لأية حركة إبداعية.

3. الحفاظ على التراث، و القيم الروحية، و الأخلاقية في إطار المسؤولية الوطنية لتحصين الشباب ضد كل الأنماط الثقافية التقليدية و الدخيلة.

4. توفير الشروط المسهلة للإنتاج الثقافي و الإبداعي، و تعزيز حضور المثقفين عن طريق رعاية المهرجانات الثقافية، و تكريم المبدعين، و المساهمة في التخفيف من تكاليف النشر.

5. تمكين المواطنين من التمتع بإنجازات الثقافة و الإبداع عن طريق تأسيس فروع للمكتبات الوطنية في كافة المناطق، ليكون الكتاب في متناول الجميع.

6. إنشاء مراكز ثقافية خارج المدن، و تقديم الدعم المادي و المعنوي للهيئات، و المجالس الثقافية غير الحكومية، و تشجيعهما على إقامة الندوات، و المخيمات الشبابية.

7. تطوير التعليم العالي، و خاصةً المجال التقني؛ لربط التعليم بسوق العمل و قطاعات الإنتاج، و توجيه الطلاب إلى الاختصاصات التي تتلاءم مع حاجات البلد.

8. إنتاج أفلام تثقيفية تُعنى بتعزيز الثقافة البيئية، و ثقافة السير، و الثقافة الصحية، و الثقافة الأثرية.

9. إنشاء مراكز للبحث الثقافي في الجامعات الوطنية، و دعم استقلاليتها مادياً، و الأخذ بتوصياتها لإنجاح الخطط التنموية.

10. التنسيق مع المنظمات الدولية و الاقليمية الثقافية، و الدخول معها في حوار دائم للاستفادة من برامجها الثقافية في سبيل إعادة تأهيل المدرسين و الجامعيين؛ للتعرف على آخر التطورات في مجالات العلم و المعرفة.

11. تعزيز الممارسة الديمقراطية عن طريق تفعيل المجالس التمثيلية للطلاب، و العمال، و المثقفين، و كافة الهيئات الانسانية الأخرى.


ختاماً .. إن الثقافة ليست ملفاً إدارياً عادياً، و ذلك لارتباطها بعملية التنمية الشاملة ليعكس العلاقة الروتينية بين السلطة و المواطن .. زد على ذلك أن الحركات الثقافية اعتادت النظر إلى تدخل الدولة في الحقل الثقافي بشيء من الشك و المواربة .. غير أننا ننظر إلى الدولة على كونها دولة المجتمع؛ حيث تشترك في صنع سياساتها كل الشرائح الاجتماعية في جو من الديمقراطية و الحوار المستمر؛ هذا يعني أنه إذا ما فُعلت الثقافة في التنمية الشاملة لتحققت مقولة المدينة الفاضلة.
كلمات مفتاحية: 
الثقافة,متطلبات,المرحلة,مجتمعات,عربية,

تعليقات



    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -