📁 آخر الأخبار

علم الاجتماع الحضري.. نشأة وتطور المدينة

نشأة وتطور المدينة

علم الاجتماع الحضري.. نشأة وتطور المدينة 

كيف ظهرت المدينة 

يتوافق العلماء فيما بينهم على ان المدينة لم تأتي من فراغ ، بل هي انبثقت عن القرية، واختلفت عنها بجملة خصائص جديدة ، ويؤرخ لذلك الانبثاق في اعقاب الثورة الزراعية ، التي من خلالها استطاع الانسان ان يتحول من ملتقط للغذاء ، الى زارع ومنتج له . وقد فرضت عليه تلك المهمة ان يراقب محصوله ، والاقامة في اماكن ثابتة لايتركها ، فكانت المناطق الخصبة والغنية من حيث التربة والمناخ الاساس الاول لقيام القرى .
وبعد ان استقر الانسان في القرى ، اصبحت لديه فسحة من التفكير والاختراع ، فنتج عن ذلك ان توصل الى ابتكار بعض الصناعات اليدوية البسيطة ، كالمحراث ليستخدمه في شق الارض ، والعربة ذات العجلات ، كما استخدم الحيوان ، ثم بعد ذلك وصل لمرحلة الاكتفاء الذاتي ، وزادت منتوجاته الزراعية ليصل الى تسويق هذه الزيادة في الانتاج.

ان تحقيق الانسان الزيادة في الانتاج دفعه الى البحث عن بدائل لاستيعاب تلك الزيادة ، فكانت القرى المجاورة ، اقرب الاماكن لتسويق فائض انتاجه من الاغذية والصناعات الخفيفة ، وعن طريق التبادل استطاع الانسان ان يخترع مهنة التجارة والتجار ، وتطورت تلك المهنة الى ان اصبح في مناطق الشرق الاوسط والهند طبقة من التجار المحليين وغير المحليين ، واصحاب حرف ومساعدون لهم أي موظفون ، ولابد من تأمين تلك المصالح والحفاظ عليها فظهرت الحكومات والجيوش ، وبالتالي ظهرت اعرق الحضارات واكثرها شهرة . وبهذا المعنى اصبحت المدينة ذو سياقات اجتماعية واقتصادية تختلف في جوهرها عن سياقات الحياة القروية  ( النوري ،د.قيس ، ص145 ) . فتحول القرية الى مدينة هو ليس مجرد تغير نلحظه في الحجم والقياس ، وان كان هذين المعيارين موجودين ، الا ان هناك تغير واضح في الاتجاه والهدف ، يترتب عليه نوع جديد من التنظيم  ( ممفورد ، لويس ، ص101 ) .

وبهذا المعنى ، فان كل عملية تغير اجتماعي ، لابد ان تتعامل مع اتجاهات تعتمد على خلفية ثقافية وتتركز في اهداف محددة ، والمعنى نفسه، يفيد في فهم التغيرات التي بصدد مناقشتها في ظهور المدينة ، بدءً ببحث النظام المنطقي للمجتمع البدائي ، وانتهاءً بالمجتمع الحضري المتقدم . ولكن مع ذلك ، يبقى البحث في اصول نشأة العلاقة بين الانسان والبيئة ، امرا مرهقا ؛ ويشير ايفانز بريتشارد هنا ، انه صحيحا لا يوجد أي دليل ملموس ينبئنا بما جرى في الحقبات الاولى من تارريخنا ، الا انه لما كانت الطبيعة البشرية ثابتة ، فان بوسعنا ان نفترض ان اباءنا الاولين ، كانوا يعيشون كما يعيش ذوو الجلود الحمراء في اميركا ، وغيرهم من الشعوب البدائية ، عندما كانت تعيش في شروط مماثلة وعلى مستوى ثقافي موازٍ ، ومن خلال مقارنة جميع المجتمعات المعروفة ، وبتصنيفها حسب درجة تحسنها ، يصبح من الممكن اعادة تركيب تاريخ أي مجتمع ، رغم انه من المستحيل ان نحدد بشيء من الدقة متى حصل التقدم وما هي الاحداث التي ولدته  (برتشارد ، ايفانز ،ص33).
والبحث في تلك الظروف ، يتطلب فهم وتوظيف التنقل المنطقي والخيالي السوسيولوجي ،  الذي نجده ــ على الاقل ــ في تصور كل من (ماكيفر وبيدج) . وعلى العموم ، فان ثمة مرحلتين يمكن من خلالهما رصد حركة التطور الحضري  (ماكيفر وبيدج ، ص1096-1101) .

المرحلة الاولى : الامتزاج البدائي

لم تكن هنالك اي ــ في المجتمعات البدائية ــ  ، بوادر واضحة لتمايز اجتماعي ينذر بشيء من التطور ، لكنها كانت تتباين بين مجتمع بدائي واخر ، الا ان الخيوط العريضة كانت متشابهة ، لحد اندماج وامتزاج العنصر المادي والثقافي في مركب اجتماعي واحد . ولعل هذا المعنى ، يوجد له مصداقا في الحفريات الانتروبولوجية ، التي اخبرتنا عن حياة الاقوام البدائية مثل : هنود الكواكياتل ، او قبائل جزر التروبرياند ، او قبائل الساموا . فهؤلاء الاقوام يقنصون الحيوان والطير ، ويصيدون الاسماك ، ويحفرون الارض ، وينسجون الاقمشة ، ويتبادلون السلع ، لكن من جانب اخر، كانت هذه العمليات النفعية منسوجة في الحياة الاجتماعية ، ومليئة بالمغزى الثقافي ، وهي محاطة بالتقليد ، وبالطقوس ، وبالاسطورة ، وبالحكمة القبلية ونادرا ما يكون اي شيء نفعيا خالصا ، وبالعكس نادرا ما يوجد أي شيء ثقافيا تماما .

المرحلة الثانية : تفكك الامتزاج البدائي

ان المؤشر الجوهري لتفتت الامتزاج البدائي بين البيئة والثقافة ، برز من خلال ظهور عملية تمايز ، يمكن رصدها من واقع الحضارة الغربية . فقد كان اسلوب الحياة في العصور الوسطى اكثر قربا من الامتزاج البدائي عنه في ايامنا هذه . فقد قامت ثقافة تسلطية بشدة ، تقوم على الاورثوذكسية الدينية ، واريد لها ان تكون جامعة لكل شيء وان تتحكم لاجل تحقيق اغراضها في المظاهر النفعية للحياة . وثبتت استحالة لحام السلطة الدينية والسلطة الدنيوية في كيان واحد . وتطورت النشاطات الاقتصادية استجابة لحوافزها الذاتية ، ووجدت الكنيسة التي ادانت لزمن طويل "الربا" ، ووضعت قواعد للاسعار العادلة ان من الصعب جدا عليها ان تتحكم في اتجاه التغير الاقتصادي ، وعند ما حل اقتصاد النقود محل اقتصاد المقايضة ، وعندما اصبح العمل اكثر حرية في ان يقدم نفسه لاي مستخدم ، اخذ التنظيم الاقتصادي في الانفصال عن تحكم الثقافة التقليدية ، وفي النهاية شجب التقدم التكنولوجي في اواخر القرن الثامن عشر بسلاح حديث وامضى وحدة الثقافة والمنفعة ، وتحرر مبدا الكفاية النفعية واقام نظمه الخاصة الموجهة كلية لوسائل الحياة متميزة عن غاياتها (...)
شكل بياني يوضح التطور الاجتماعي ــ الحضري حسب المراحل اعلاه ( الرسمه من تصرف الباحث)
يتضح مما تقدم ، الدور الذي لعبته عملية التبادل التجاري بين القرى في نشوء المدن ، فعملية التبادل هذه لم تكن لتحدث داخل القرية فقط ، بل بين القرى ايضا ؛ لتوفير كل ما تحتاجه مما لايتوافر في كل منها على انفراد ، مستفيدة بذلك من التخصص في المهارات والانتاج ، وهذه الفوائد لم تكن لتتحقق لولا تقدم تكنولوجي معين قد حصل ، مهما كان ذلك التقدم بسيطا مثل : صناعة الاواني الفخارية ، والاعمال اليدوية الاخرى من حياكة وفلاحة واستعمال الثيران، وعملت التطورات على توسيع القرى لتصبح بلدانا Towns ثم مدنا Cities ، حتى ازدادت احجام السكان ، وقد اشار العلماء الى ان المدن الحقيقية الاولى ظهرت فيما بين 3000 . ق.م . الى 4000.ق.م ، وكانت هذه المدن تمثل نوعا جديدا من التنظيم الاجتماعي ، واذا نظرنا الى المدن التاريخية فسنجد انها قصيرة قياسا مع عمر ووجود الانسان على سطح الارض ، فهي لا تتجاوز بأي حال نصف مليون عام (500,000) ، وهي ايضا فترة قصيرة اذا ما قيست بتاريخ وجود الانسان الحديث فزيولوجيا على سطح هذا الكوكب ، التي تقدر بأربعين الف عام (40,000)  (عزام ، د.ادريس واخرون ،ص229).

وهذا يعني ان (6000) عام من تاريخ وجود الانسان الحضري حتى اليوم ، تمثل فقط ما يصل الى (1%) تقريبا من تاريخ وجوده على سطح الارض ، وقد تطورت المراكز الحضرية وازداد عدد سكان المدن ليصل عام 2000 (3132 مليون انسان ) يكونون (51%) من مجموع سكان العالم ، ومن المتوقع ان تصل نسبتهم الى اكثر من (65%) من سكان العالم . (الهيتي ، د.صبري فارس ،ص5 ) . 
ويتضح من اعلاه ، ان نشوء المراكز الحضرية الاولى في العالم ، كانت مرتبطة اشد الارتباط ، بظروف البيئة وما تحويه البيئة من مؤثرات ، قد تخلخل توازن عملية التحضر برمتها ، ويذهب احد الباحثين ، الى تصنيف سيرورة العلاقة ، بين التحضر ، والبيئة ، الى ثلاثة مراحل ، تفسر في الوقت نفسه ارتقاء المدينة من طور الى اخر . (انظر : الدباغ ، د. تقي ، ص16 ) .

المرحلة الاولى : 
تعد هذه المرحلة اقدم المراحل التطورية ، لحضارة العرب ، وهي تؤشر لنا كيفية بزوغ المراكز الحضرية ، اذ يؤرخ لهذه المرحلة حوالي سنة (4000) قبل الميلاد ، وتنتهي في حدود سنة (18,000) قبل الميلاد ، ويذكر ان الحضارة هنا ، عاشت في جزيرة العرب ، وفي هذه الفترة ، التي دامت حوالي (20,000) سنة ، كانت اوربا مغطاة بالثلوج ، في حين تمتعت جزيرة العرب بخصائص مناخية معتدلة ، لتساعد هذه الظروف الى تكوين حضارة نهرية لا تقل شأنا عن الحضارات الاخرى لا سيما حضارة وادي الرافدين ووادي النيل ، ومن هنا ، اجمع العلماء ، على ان شبه جزيرة العرب ، هي مهد الحضارة العربية (سوسه ، د.احمد ،ص 15) .

المرحلة الثانية :
 لم تدم حضارة المرحلة الاولى ، نتيجة لتغير الظروف المناخية ، وانتهاء الدورة الجليدية التي دامت عشرين سنة ، لتحل محلها دورة دفيئة ، اتسمت بالجفاف وحرارة المناخ وانحباس الحرارة ، كل ذلك اجبر الانسان الحضاري الاولي ، الى الهجرة والتوجه نحو شمالي الجزيرة العربية ، ومن ثم ، توزع المهاجرون على اطراف الهلال الخصيب المجاورة للجزيرة ، ثم توزع المهاجرون ، الى بلاد الرافدين ، نحو نهر الفرات ، ومنهم من ذهب الى فلسطين وسوريا ولبنان . ونشئت في هذه المرحلة ، حضارة اخرى ، ذات اهمية حضارية كبرى ، بفضل الامتزاج الذي حصل بين الارث الحضاري المهاجر ، والظروف الجديدة المشجعة ، لينتج من ذلك ، ظهور وتأسيس حضارات عريقة ، تلك هي الحضارات السامية مثل : ( الاكدية ، البابلية ، الاشورية ، الكلدانية الارامية ) (المصدر نفسه ،ص22) .
المرحلة الثالثة : ويذكر في هذه المرحلة ، ان ثمة مراكز حضرية جديدة ، يعود الفضل في نشوئها الى السكان الذين بقوا بعد الجفاف ، ليؤسسوا ممالك عربية ذات حضارة راقية ، تمثلت بحضارة اليمن المشهورة ، وهذه الحضارة لعبت دورا مهما في دوام واستمرار حضارة جزيرة العرب القديمة  (المصدر نفسه ، ص33) .

نخلص مما تقدم ، ان حضارة العرب القديمة ، مرت بادوار من النهوض ، والتراجع على اثر تغير الظروف المناحية ، ليعود الازدها والنهوض مرة اخرى ، مؤشرا حالة حضرية متميزة ، توصف بانها اولى الحضريات في العالم .

استمرت المدينة في نموها وتطورها حتى ظهرت مدنا خطفت الانظار ، واذهلت العقول ، لتجبرها في رسم خيالاتها حول المدينة ، فظهرت حكايات وروايات وقصص منبهرة بالمدينة ، ولنبتعد قليلا عن التدرج التاريخي لتطور المدينة ، على امل العودة اليه في قادم الحديث ، لنشير الى ظاهرة المدن المليونية ، التي تمثل أقصى وابهر ما وصل اليه الانسان الحضري ،  اذ يذكر ان عددها قفز من (14) مدينة عام 1900 م الى (320) مدينة عام 2006 م ، وشهدت البلدان النامية نموا حضريا كبيرا ، بسبب هجرة السكان الريفيين الى المراكز الحضرية ، بلغت ما بين عامي 1920 م و 1995 م (1325%) ، وهو معدل مخيف ، ونجم عن ذلك ثلثي اجمال السكان الحضر في العالم اليوم هم من سكان الدول النامية (الهيتي ، مصدر سابق ، ص5 ) . ويشير البروفيسور كاريللو ، الى ان القرن الحادي والعشرين ، يمثل قرنا للمدن والمعرفة ، مؤكدا على الدور المتنامي للمدن في ضوء الزيادة المطردة لسكانها ، والهجرة المتزايدة اليها من الريف والضواحي ، ليتوقع ان تصل نسبة السكان الى (75%) من سكان العالم بحلول 2025(كاريللو، خافيير ،ص7) 

ان العرض السابق يوضح لنا بلا شك ، ان المدينة ظهرت نتيجة ظروف صنعها الانسان لتلبي حاجاته ، ومع ظهورها أي – المدن – خضع الانسان هو الاخر لتأثيراتها وما تفرضه علية من متطلبات تواصل العيش فيها .

وعلى اية حال فان هناك جملة خصائص او مقاييس تبين لنا بنية المدينة City Structure ، وقد حددها جوردن تشايلد Gordon Childe على النحو الاتي :

1- ظهور مستوطنات كبيرة الحجم كثيفة السكان ، وقد كشفت التنقيبات الاثرية ، انه في بلاد ما بين النهرين ن والهند ، ومصر القديمة بلغ عدد سكان المستوطنات فيها ما بين( 7- 20 ) الف نسمة .
2- ان ظهور الفائض من الزراعة تطلب ظهور بعض الحرفيين والصناع من الافراد الذين يتفرغون تماما لاعمان الحرف والنقل والتجارة والادارة والمعابد ، اذ لابد من تبادل تجاري كما قلنا لاجل تغطية وتوفير الحاجات غير الزراعية التي يحتاجها السكان ، اضافة الى وجود محاسبين واداريين ينظمون عملية تصدير الفائض الزراعي وتوزيعه.
3- كما تمخض عن النمو الحضري ان وجد نظام الضرائب من قبل الكهانة او رجال الدين، والبيروقراطيون ، وعادة تقدم الضرائب في شكل حبوب او منتجات زراعية .
4- تشييد المباني والمنشات الضخمة والعامة ، التي تتركز فيها القوة السياسية والاقتصادية، وعادة كانت هذه المباني عبارة عن قلاع ، وهرم ، ويلحق بها ايضا المحلات التجارية والورش وحلقات الدروس ، ومخازن حفظ الحبوب ، والمعابد .
5- ان تراكم الفائض الزراعي والغذاء ساعد على تنشيط عملية التبادل والتجارة الخارجية مع المدن والبلاد الاخرى ، وقد كانت مدن مثل سامراء تعتمد على مصادر خارجية للمواد الخام التي تحتاج اليها في صناعاتها وحرفها .
6- ان تزايد النمو الحضري وسرعة درجة التحضر بسبب تراكم الانتاج الزراعي ، اديا الى ظهور تمايز طبقي في المدينة ، اذ كانت طبقة القادة العسكريون ، والكهنة ، تعتمد على الفائض الزراعي المخزن في المعابد ، مما جعلها مترفة وبعيدة عن انتاج الغذاء ،فاوجد هذا هوة طبقية بين الصفوة والجماهير .
7- لقد تم الايضاح سابقا ان المجتمع البدائي او القروي ، او مجتمع الفولك (Folk Society) كان يتمتع بعادات وتقاليد تقيد حرية الانسان ويخضع فيه لضغط القرابة ، فهو يكتسب عضويته من العشيرة والقبيلة ، فنظمت العلاقات الاجتماعية على هذا الاساس، اما في مجتمع المدينة فكان عامل الاقامة بدلا من العامل القرابي اساسا لاكتساب العضوية والمواطنة ، وهذا امر اكده وما زال علماء الاجتماع الحضري امثال (كلايد ميتشل) وغيرهم ، وبعبارة اخرى وعلى طريقة دوركايم  فان التماسك في المدينة يكون من نوع التضامن العضوي .
8- لعل من دلالات التحضر ، وشواهد النمو الحضري ، ان برزت فئة من المتخصصين في مجالات الفن ، او الرسم ، والنحت ، وخير شاهد على ذلك ما تتمتع به المدن القديمة من مباني ومعابد مزخرفة ومزركشة .
9- اختراع وسائل التسجيل كالكتابة والعد والقياس ، واعتبر تشايلد ان معرفة الكتابة من العلامات الاولى للتحضر .
10ـ ساهم اختراع الكتابة من متابعة العلوم الاخرى ، كالحساب ، والهندسة ، والفلك وما شاكل من تطورات علمية .

المدينة الحديثة 

ان المدينة الحديثة ، ثمرة مخاض عسير ، فهي ولدت من رحم ظروف كان فيها ـ كما اوضحنا ـ سلطانا قاهرا يسوس الافراد ويدفع بهم الى الاتجاه الذي يريد ، ذلك السلطان تمثل بطبقة الاقطاعيين الذين ما برحوا يستغلون الارض والانسان، لكن هذه الظروف بقدر ما كانت استغلالية ودون الانسانية ، فانها حفزت الايدي المهاجرة الى المدينة بالعمل بادىء الامر في الحرف والمهن الصناعية الصغيرة ، فكانت تلك البادرة الاولى لتفجر حدث تاريخي ، نقل المجتمعات البشرية من حالة احادية الاستغلال والاستحواذ الى حالة اكثر انسانية مع وجود معالم الاستغلال التي لا يمكن لاحد انكارها .

ان ذلك الحدث ، تمثل بالثورة الصناعية التي شهدها العالم منذ عام (1750) ، اذ شهد الحال انقلابا صناعيا تمثل في التحول من العمل اليدوي الى العمل الالي ، ومن العمل في البيوت وداخل الاكواخ الى العمل في الورش والمصانع الكبرى . ان هذا الانتقال من الاقتصاد العائلي الى الاقتصاد المدني ، ادى الى نشأة الاسواق ووجود فئة كبيرة من المستهلكين (...) وهكذا فان تقسيم العمل على الرغم من وجوده في كل العصور ، الا ان اشكاله الاخيرة لم تظهر ولم تنتشر هذا الانتشار الواسع الا في كنف الحضارة الصناعية الحديثة (..) ، لذلك يقول كار بوشر Bucher ، ان مجتمعاتنا الحديثة تضم بين جوانبها ما لا يقل عن عشرة الاف نوع من النشاط الانساني ، مما يدل على قمة التطور والدقة معا في مجال تقسيم الاعمال  (بدوي ، د. السيد محمد ، ص429) .

ويعلل علماء الاجتماع والاقتصاد حدوث الثورة الصناعية الى نمط الحياة في المدن في عصر النهضة ـ أي قبل الثورة الصناعية ـ فقد كانت سلطة نظام الاقطاع منصبة في اساسها على الريف والريفيين ، اما طبقة الصناع والتجار وسكان المدن عموما ، فقد كانوا اكثر حرية ، يصنعون ما يريدون ويبيعون ما يشاؤون ، مما شجع الريفيين على الهجرة للمدن ، وفي ظل هذه الظروف بدأت بذور العلم والاختراع التي كانت الاساس في ظهور الالة البخارية وبدء عصر الالة  (شوقي ، د. عبد المنعم ، ص43) .

 وقد كانت من نتائج الانقلاب الصناعي، ان ظهرت عدة مدن ، يمكن تقسيمها الى مدن للمواد الاولية ، ومدن للمواد المصنعة ، ومدن للتصدير والاستيراد ، فكانت مدن المواد الاولية تنتج الفحم والحديد الخام والنحاس والذهب والفضة والزنك والخشب ، تنتج كل هذا بكميات كبيرة لتقابل حاجات الصناعة ، فيستعمل القليل منها محليا ، ويرسل الباقي الى مدن اخرى تخصصت في تحويل المواد الخام الى سلع مصنعة ، ولتصدير هذه السلع للخارج او استقبال مواد خام من الخارج ظهرت بعض الموانى التي كانت كل مهمتها الارسال والاستقبال ، ومع ذلك فان هناك بعض المدن تخصصت بالمسؤوليات الثلاثة اعلاه ، من انتاج المواد الخام وتحويلها الى سلع مصنعة ثم تصديرها للخارج واستقبال المواد الخام ايضا من البلاد الاخرى.

 ومن امثلة هذه المدن : لندن وليفربول وهامبرج  (المصدر نفسه ، ص44). ومع ازدياد الانتاج الصناعي في اوربا ، جاءت الحاجة الى ضرورة وجود اسواق خارج الحدود المحلية ، لتصريف الفائض من الانتاج ، لذلك وقع الاختيار على بلدان اقل نموا صناعيا ، واكثر استهلاكا للبضائع ، فكانت اسيا وافريقيا مقصدا للبلدان الصناعية المتطورة ، وتمرير ذلك ضمن اتفاقات دولية ، او استخدام القوة العسكرية بحجج مختلفة، ومن هنا ، فقد فرض الاستعمار نظاما اجتماعيا على البلدان الافريقية والاسيوية ، فظهرت مدن جديدة في تلك البلاد ، وظهرت ايضا مجتمعات اوربية قوامها الموظفين والتجار والمهندسين والكتبة والبحارة والجنود ورجال الدين والاطباء وغيرهم ، واجتذبت هذه المدن عددا كبيرا من السكان الاصليين ، فانقسم اغلبها الى قسمين يختلفان بعضهما كل الاختلاف:
1. قسم اوربي يسكنه الاوربيون .
2. قسم محلي يسكنه السكان الاصليون .
ومن امثلة هذه المدن : شنغهاي وكلكتا ورانجون وسنغافورة وبانكوك وجوهانزبرغ وتونس . وثمة اثار اخرى خلفها الانقلاب الصناعي تمثل :
1. ازدياد عدد المدن الكبرى ذات النفوذ على المناطق المجاورة .
2. ازدياد كثافة السكان في المدن .
3. ازدياد نسبة سكان المدن او كما يعرف بـ " درجة التحضر " في البلدان الاوروبية .
4. استتبع الانقلاب الصناعي ثورة في الاتصالات مما سهل الاتصال بين المدن  . (المصدر نفسه ، ص 45 ) .
اصبح واضحا ، ان الثورة الصناعية اوجدت مدنا عملاقة ، كتلك التي تسمى المتربوليتانية ، ومع ذلك فانها قدمت نماذج حضرية يحتذى بها اليوم ، بل اصبحت اطارا للمقاربات النظرية ، وللتجارب في البلدان الاقل تطورا كالتجربة الماليزية ، وشرق اسيا عموما ، كل ذلك يؤشر ثورة حضرية واضحة يشهادها العالم باستمرار ، حتى راح البعض يتنبأ بحضرية العالم ككل . 

فريق موقع بوابة علم الاجتماع
فريق موقع بوابة علم الاجتماع
تعليقات