علم الاجتماع الحضري.. نشأة وتطور المدينة
كيف ظهرت المدينة
يتوافق العلماء فيما بينهم على ان المدينة لم تأتي من فراغ ، بل هي انبثقت عن القرية، واختلفت عنها بجملة خصائص جديدة ، ويؤرخ لذلك الانبثاق في اعقاب الثورة الزراعية ، التي من خلالها استطاع الانسان ان يتحول من ملتقط للغذاء ، الى زارع ومنتج له . وقد فرضت عليه تلك المهمة ان يراقب محصوله ، والاقامة في اماكن ثابتة لايتركها ، فكانت المناطق الخصبة والغنية من حيث التربة والمناخ الاساس الاول لقيام القرى .وبعد ان استقر الانسان في القرى ، اصبحت لديه فسحة من التفكير والاختراع ، فنتج عن ذلك ان توصل الى ابتكار بعض الصناعات اليدوية البسيطة ، كالمحراث ليستخدمه في شق الارض ، والعربة ذات العجلات ، كما استخدم الحيوان ، ثم بعد ذلك وصل لمرحلة الاكتفاء الذاتي ، وزادت منتوجاته الزراعية ليصل الى تسويق هذه الزيادة في الانتاج.
ان تحقيق الانسان الزيادة في الانتاج دفعه الى البحث عن بدائل لاستيعاب تلك الزيادة ، فكانت القرى المجاورة ، اقرب الاماكن لتسويق فائض انتاجه من الاغذية والصناعات الخفيفة ، وعن طريق التبادل استطاع الانسان ان يخترع مهنة التجارة والتجار ، وتطورت تلك المهنة الى ان اصبح في مناطق الشرق الاوسط والهند طبقة من التجار المحليين وغير المحليين ، واصحاب حرف ومساعدون لهم أي موظفون ، ولابد من تأمين تلك المصالح والحفاظ عليها فظهرت الحكومات والجيوش ، وبالتالي ظهرت اعرق الحضارات واكثرها شهرة . وبهذا المعنى اصبحت المدينة ذو سياقات اجتماعية واقتصادية تختلف في جوهرها عن سياقات الحياة القروية ( النوري ،د.قيس ، ص145 ) . فتحول القرية الى مدينة هو ليس مجرد تغير نلحظه في الحجم والقياس ، وان كان هذين المعيارين موجودين ، الا ان هناك تغير واضح في الاتجاه والهدف ، يترتب عليه نوع جديد من التنظيم ( ممفورد ، لويس ، ص101 ) .
وبهذا المعنى ، فان كل عملية تغير اجتماعي ، لابد ان تتعامل مع اتجاهات تعتمد على خلفية ثقافية وتتركز في اهداف محددة ، والمعنى نفسه، يفيد في فهم التغيرات التي بصدد مناقشتها في ظهور المدينة ، بدءً ببحث النظام المنطقي للمجتمع البدائي ، وانتهاءً بالمجتمع الحضري المتقدم . ولكن مع ذلك ، يبقى البحث في اصول نشأة العلاقة بين الانسان والبيئة ، امرا مرهقا ؛ ويشير ايفانز بريتشارد هنا ، انه صحيحا لا يوجد أي دليل ملموس ينبئنا بما جرى في الحقبات الاولى من تارريخنا ، الا انه لما كانت الطبيعة البشرية ثابتة ، فان بوسعنا ان نفترض ان اباءنا الاولين ، كانوا يعيشون كما يعيش ذوو الجلود الحمراء في اميركا ، وغيرهم من الشعوب البدائية ، عندما كانت تعيش في شروط مماثلة وعلى مستوى ثقافي موازٍ ، ومن خلال مقارنة جميع المجتمعات المعروفة ، وبتصنيفها حسب درجة تحسنها ، يصبح من الممكن اعادة تركيب تاريخ أي مجتمع ، رغم انه من المستحيل ان نحدد بشيء من الدقة متى حصل التقدم وما هي الاحداث التي ولدته (برتشارد ، ايفانز ،ص33).
والبحث في تلك الظروف ، يتطلب فهم وتوظيف التنقل المنطقي والخيالي السوسيولوجي ، الذي نجده ــ على الاقل ــ في تصور كل من (ماكيفر وبيدج) . وعلى العموم ، فان ثمة مرحلتين يمكن من خلالهما رصد حركة التطور الحضري (ماكيفر وبيدج ، ص1096-1101) .
المرحلة الاولى : الامتزاج البدائي
لم تكن هنالك اي ــ في المجتمعات البدائية ــ ، بوادر واضحة لتمايز اجتماعي ينذر بشيء من التطور ، لكنها كانت تتباين بين مجتمع بدائي واخر ، الا ان الخيوط العريضة كانت متشابهة ، لحد اندماج وامتزاج العنصر المادي والثقافي في مركب اجتماعي واحد . ولعل هذا المعنى ، يوجد له مصداقا في الحفريات الانتروبولوجية ، التي اخبرتنا عن حياة الاقوام البدائية مثل : هنود الكواكياتل ، او قبائل جزر التروبرياند ، او قبائل الساموا . فهؤلاء الاقوام يقنصون الحيوان والطير ، ويصيدون الاسماك ، ويحفرون الارض ، وينسجون الاقمشة ، ويتبادلون السلع ، لكن من جانب اخر، كانت هذه العمليات النفعية منسوجة في الحياة الاجتماعية ، ومليئة بالمغزى الثقافي ، وهي محاطة بالتقليد ، وبالطقوس ، وبالاسطورة ، وبالحكمة القبلية ونادرا ما يكون اي شيء نفعيا خالصا ، وبالعكس نادرا ما يوجد أي شيء ثقافيا تماما .المرحلة الثانية : تفكك الامتزاج البدائي
ان المؤشر الجوهري لتفتت الامتزاج البدائي بين البيئة والثقافة ، برز من خلال ظهور عملية تمايز ، يمكن رصدها من واقع الحضارة الغربية . فقد كان اسلوب الحياة في العصور الوسطى اكثر قربا من الامتزاج البدائي عنه في ايامنا هذه . فقد قامت ثقافة تسلطية بشدة ، تقوم على الاورثوذكسية الدينية ، واريد لها ان تكون جامعة لكل شيء وان تتحكم لاجل تحقيق اغراضها في المظاهر النفعية للحياة . وثبتت استحالة لحام السلطة الدينية والسلطة الدنيوية في كيان واحد . وتطورت النشاطات الاقتصادية استجابة لحوافزها الذاتية ، ووجدت الكنيسة التي ادانت لزمن طويل "الربا" ، ووضعت قواعد للاسعار العادلة ان من الصعب جدا عليها ان تتحكم في اتجاه التغير الاقتصادي ، وعند ما حل اقتصاد النقود محل اقتصاد المقايضة ، وعندما اصبح العمل اكثر حرية في ان يقدم نفسه لاي مستخدم ، اخذ التنظيم الاقتصادي في الانفصال عن تحكم الثقافة التقليدية ، وفي النهاية شجب التقدم التكنولوجي في اواخر القرن الثامن عشر بسلاح حديث وامضى وحدة الثقافة والمنفعة ، وتحرر مبدا الكفاية النفعية واقام نظمه الخاصة الموجهة كلية لوسائل الحياة متميزة عن غاياتها (...)
|
يتضح مما تقدم ، الدور الذي لعبته عملية التبادل التجاري بين القرى في نشوء المدن ، فعملية التبادل هذه لم تكن لتحدث داخل القرية فقط ، بل بين القرى ايضا ؛ لتوفير كل ما تحتاجه مما لايتوافر في كل منها على انفراد ، مستفيدة بذلك من التخصص في المهارات والانتاج ، وهذه الفوائد لم تكن لتتحقق لولا تقدم تكنولوجي معين قد حصل ، مهما كان ذلك التقدم بسيطا مثل : صناعة الاواني الفخارية ، والاعمال اليدوية الاخرى من حياكة وفلاحة واستعمال الثيران، وعملت التطورات على توسيع القرى لتصبح بلدانا Towns ثم مدنا Cities ، حتى ازدادت احجام السكان ، وقد اشار العلماء الى ان المدن الحقيقية الاولى ظهرت فيما بين 3000 . ق.م . الى 4000.ق.م ، وكانت هذه المدن تمثل نوعا جديدا من التنظيم الاجتماعي ، واذا نظرنا الى المدن التاريخية فسنجد انها قصيرة قياسا مع عمر ووجود الانسان على سطح الارض ، فهي لا تتجاوز بأي حال نصف مليون عام (500,000) ، وهي ايضا فترة قصيرة اذا ما قيست بتاريخ وجود الانسان الحديث فزيولوجيا على سطح هذا الكوكب ، التي تقدر بأربعين الف عام (40,000) (عزام ، د.ادريس واخرون ،ص229).
وهذا يعني ان (6000) عام من تاريخ وجود الانسان الحضري حتى اليوم ، تمثل فقط ما يصل الى (1%) تقريبا من تاريخ وجوده على سطح الارض ، وقد تطورت المراكز الحضرية وازداد عدد سكان المدن ليصل عام 2000 (3132 مليون انسان ) يكونون (51%) من مجموع سكان العالم ، ومن المتوقع ان تصل نسبتهم الى اكثر من (65%) من سكان العالم . (الهيتي ، د.صبري فارس ،ص5 ) .
ويتضح من اعلاه ، ان نشوء المراكز الحضرية الاولى في العالم ، كانت مرتبطة اشد الارتباط ، بظروف البيئة وما تحويه البيئة من مؤثرات ، قد تخلخل توازن عملية التحضر برمتها ، ويذهب احد الباحثين ، الى تصنيف سيرورة العلاقة ، بين التحضر ، والبيئة ، الى ثلاثة مراحل ، تفسر في الوقت نفسه ارتقاء المدينة من طور الى اخر . (انظر : الدباغ ، د. تقي ، ص16 ) .
المرحلة الاولى :
تعد هذه المرحلة اقدم المراحل التطورية ، لحضارة العرب ، وهي تؤشر لنا كيفية بزوغ المراكز الحضرية ، اذ يؤرخ لهذه المرحلة حوالي سنة (4000) قبل الميلاد ، وتنتهي في حدود سنة (18,000) قبل الميلاد ، ويذكر ان الحضارة هنا ، عاشت في جزيرة العرب ، وفي هذه الفترة ، التي دامت حوالي (20,000) سنة ، كانت اوربا مغطاة بالثلوج ، في حين تمتعت جزيرة العرب بخصائص مناخية معتدلة ، لتساعد هذه الظروف الى تكوين حضارة نهرية لا تقل شأنا عن الحضارات الاخرى لا سيما حضارة وادي الرافدين ووادي النيل ، ومن هنا ، اجمع العلماء ، على ان شبه جزيرة العرب ، هي مهد الحضارة العربية (سوسه ، د.احمد ،ص 15) .
تعد هذه المرحلة اقدم المراحل التطورية ، لحضارة العرب ، وهي تؤشر لنا كيفية بزوغ المراكز الحضرية ، اذ يؤرخ لهذه المرحلة حوالي سنة (4000) قبل الميلاد ، وتنتهي في حدود سنة (18,000) قبل الميلاد ، ويذكر ان الحضارة هنا ، عاشت في جزيرة العرب ، وفي هذه الفترة ، التي دامت حوالي (20,000) سنة ، كانت اوربا مغطاة بالثلوج ، في حين تمتعت جزيرة العرب بخصائص مناخية معتدلة ، لتساعد هذه الظروف الى تكوين حضارة نهرية لا تقل شأنا عن الحضارات الاخرى لا سيما حضارة وادي الرافدين ووادي النيل ، ومن هنا ، اجمع العلماء ، على ان شبه جزيرة العرب ، هي مهد الحضارة العربية (سوسه ، د.احمد ،ص 15) .
المرحلة الثانية :
لم تدم حضارة المرحلة الاولى ، نتيجة لتغير الظروف المناخية ، وانتهاء الدورة الجليدية التي دامت عشرين سنة ، لتحل محلها دورة دفيئة ، اتسمت بالجفاف وحرارة المناخ وانحباس الحرارة ، كل ذلك اجبر الانسان الحضاري الاولي ، الى الهجرة والتوجه نحو شمالي الجزيرة العربية ، ومن ثم ، توزع المهاجرون على اطراف الهلال الخصيب المجاورة للجزيرة ، ثم توزع المهاجرون ، الى بلاد الرافدين ، نحو نهر الفرات ، ومنهم من ذهب الى فلسطين وسوريا ولبنان . ونشئت في هذه المرحلة ، حضارة اخرى ، ذات اهمية حضارية كبرى ، بفضل الامتزاج الذي حصل بين الارث الحضاري المهاجر ، والظروف الجديدة المشجعة ، لينتج من ذلك ، ظهور وتأسيس حضارات عريقة ، تلك هي الحضارات السامية مثل : ( الاكدية ، البابلية ، الاشورية ، الكلدانية الارامية ) (المصدر نفسه ،ص22) .
لم تدم حضارة المرحلة الاولى ، نتيجة لتغير الظروف المناخية ، وانتهاء الدورة الجليدية التي دامت عشرين سنة ، لتحل محلها دورة دفيئة ، اتسمت بالجفاف وحرارة المناخ وانحباس الحرارة ، كل ذلك اجبر الانسان الحضاري الاولي ، الى الهجرة والتوجه نحو شمالي الجزيرة العربية ، ومن ثم ، توزع المهاجرون على اطراف الهلال الخصيب المجاورة للجزيرة ، ثم توزع المهاجرون ، الى بلاد الرافدين ، نحو نهر الفرات ، ومنهم من ذهب الى فلسطين وسوريا ولبنان . ونشئت في هذه المرحلة ، حضارة اخرى ، ذات اهمية حضارية كبرى ، بفضل الامتزاج الذي حصل بين الارث الحضاري المهاجر ، والظروف الجديدة المشجعة ، لينتج من ذلك ، ظهور وتأسيس حضارات عريقة ، تلك هي الحضارات السامية مثل : ( الاكدية ، البابلية ، الاشورية ، الكلدانية الارامية ) (المصدر نفسه ،ص22) .
المرحلة الثالثة : ويذكر في هذه المرحلة ، ان ثمة مراكز حضرية جديدة ، يعود الفضل في نشوئها الى السكان الذين بقوا بعد الجفاف ، ليؤسسوا ممالك عربية ذات حضارة راقية ، تمثلت بحضارة اليمن المشهورة ، وهذه الحضارة لعبت دورا مهما في دوام واستمرار حضارة جزيرة العرب القديمة (المصدر نفسه ، ص33) .
نخلص مما تقدم ، ان حضارة العرب القديمة ، مرت بادوار من النهوض ، والتراجع على اثر تغير الظروف المناحية ، ليعود الازدها والنهوض مرة اخرى ، مؤشرا حالة حضرية متميزة ، توصف بانها اولى الحضريات في العالم .
استمرت المدينة في نموها وتطورها حتى ظهرت مدنا خطفت الانظار ، واذهلت العقول ، لتجبرها في رسم خيالاتها حول المدينة ، فظهرت حكايات وروايات وقصص منبهرة بالمدينة ، ولنبتعد قليلا عن التدرج التاريخي لتطور المدينة ، على امل العودة اليه في قادم الحديث ، لنشير الى ظاهرة المدن المليونية ، التي تمثل أقصى وابهر ما وصل اليه الانسان الحضري ، اذ يذكر ان عددها قفز من (14) مدينة عام 1900 م الى (320) مدينة عام 2006 م ، وشهدت البلدان النامية نموا حضريا كبيرا ، بسبب هجرة السكان الريفيين الى المراكز الحضرية ، بلغت ما بين عامي 1920 م و 1995 م (1325%) ، وهو معدل مخيف ، ونجم عن ذلك ثلثي اجمال السكان الحضر في العالم اليوم هم من سكان الدول النامية (الهيتي ، مصدر سابق ، ص5 ) . ويشير البروفيسور كاريللو ، الى ان القرن الحادي والعشرين ، يمثل قرنا للمدن والمعرفة ، مؤكدا على الدور المتنامي للمدن في ضوء الزيادة المطردة لسكانها ، والهجرة المتزايدة اليها من الريف والضواحي ، ليتوقع ان تصل نسبة السكان الى (75%) من سكان العالم بحلول 2025(كاريللو، خافيير ،ص7)
ان العرض السابق يوضح لنا بلا شك ، ان المدينة ظهرت نتيجة ظروف صنعها الانسان لتلبي حاجاته ، ومع ظهورها أي – المدن – خضع الانسان هو الاخر لتأثيراتها وما تفرضه علية من متطلبات تواصل العيش فيها .
وعلى اية حال فان هناك جملة خصائص او مقاييس تبين لنا بنية المدينة City Structure ، وقد حددها جوردن تشايلد Gordon Childe على النحو الاتي :
1- ظهور مستوطنات كبيرة الحجم كثيفة السكان ، وقد كشفت التنقيبات الاثرية ، انه في بلاد ما بين النهرين ن والهند ، ومصر القديمة بلغ عدد سكان المستوطنات فيها ما بين( 7- 20 ) الف نسمة .
2- ان ظهور الفائض من الزراعة تطلب ظهور بعض الحرفيين والصناع من الافراد الذين يتفرغون تماما لاعمان الحرف والنقل والتجارة والادارة والمعابد ، اذ لابد من تبادل تجاري كما قلنا لاجل تغطية وتوفير الحاجات غير الزراعية التي يحتاجها السكان ، اضافة الى وجود محاسبين واداريين ينظمون عملية تصدير الفائض الزراعي وتوزيعه.
3- كما تمخض عن النمو الحضري ان وجد نظام الضرائب من قبل الكهانة او رجال الدين، والبيروقراطيون ، وعادة تقدم الضرائب في شكل حبوب او منتجات زراعية .
4- تشييد المباني والمنشات الضخمة والعامة ، التي تتركز فيها القوة السياسية والاقتصادية، وعادة كانت هذه المباني عبارة عن قلاع ، وهرم ، ويلحق بها ايضا المحلات التجارية والورش وحلقات الدروس ، ومخازن حفظ الحبوب ، والمعابد .
5- ان تراكم الفائض الزراعي والغذاء ساعد على تنشيط عملية التبادل والتجارة الخارجية مع المدن والبلاد الاخرى ، وقد كانت مدن مثل سامراء تعتمد على مصادر خارجية للمواد الخام التي تحتاج اليها في صناعاتها وحرفها .
6- ان تزايد النمو الحضري وسرعة درجة التحضر بسبب تراكم الانتاج الزراعي ، اديا الى ظهور تمايز طبقي في المدينة ، اذ كانت طبقة القادة العسكريون ، والكهنة ، تعتمد على الفائض الزراعي المخزن في المعابد ، مما جعلها مترفة وبعيدة عن انتاج الغذاء ،فاوجد هذا هوة طبقية بين الصفوة والجماهير .
7- لقد تم الايضاح سابقا ان المجتمع البدائي او القروي ، او مجتمع الفولك (Folk Society) كان يتمتع بعادات وتقاليد تقيد حرية الانسان ويخضع فيه لضغط القرابة ، فهو يكتسب عضويته من العشيرة والقبيلة ، فنظمت العلاقات الاجتماعية على هذا الاساس، اما في مجتمع المدينة فكان عامل الاقامة بدلا من العامل القرابي اساسا لاكتساب العضوية والمواطنة ، وهذا امر اكده وما زال علماء الاجتماع الحضري امثال (كلايد ميتشل) وغيرهم ، وبعبارة اخرى وعلى طريقة دوركايم فان التماسك في المدينة يكون من نوع التضامن العضوي .
8- لعل من دلالات التحضر ، وشواهد النمو الحضري ، ان برزت فئة من المتخصصين في مجالات الفن ، او الرسم ، والنحت ، وخير شاهد على ذلك ما تتمتع به المدن القديمة من مباني ومعابد مزخرفة ومزركشة .
9- اختراع وسائل التسجيل كالكتابة والعد والقياس ، واعتبر تشايلد ان معرفة الكتابة من العلامات الاولى للتحضر .
10ـ ساهم اختراع الكتابة من متابعة العلوم الاخرى ، كالحساب ، والهندسة ، والفلك وما شاكل من تطورات علمية .
ان ذلك الحدث ، تمثل بالثورة الصناعية التي شهدها العالم منذ عام (1750) ، اذ شهد الحال انقلابا صناعيا تمثل في التحول من العمل اليدوي الى العمل الالي ، ومن العمل في البيوت وداخل الاكواخ الى العمل في الورش والمصانع الكبرى . ان هذا الانتقال من الاقتصاد العائلي الى الاقتصاد المدني ، ادى الى نشأة الاسواق ووجود فئة كبيرة من المستهلكين (...) وهكذا فان تقسيم العمل على الرغم من وجوده في كل العصور ، الا ان اشكاله الاخيرة لم تظهر ولم تنتشر هذا الانتشار الواسع الا في كنف الحضارة الصناعية الحديثة (..) ، لذلك يقول كار بوشر Bucher ، ان مجتمعاتنا الحديثة تضم بين جوانبها ما لا يقل عن عشرة الاف نوع من النشاط الانساني ، مما يدل على قمة التطور والدقة معا في مجال تقسيم الاعمال (بدوي ، د. السيد محمد ، ص429) .
ويعلل علماء الاجتماع والاقتصاد حدوث الثورة الصناعية الى نمط الحياة في المدن في عصر النهضة ـ أي قبل الثورة الصناعية ـ فقد كانت سلطة نظام الاقطاع منصبة في اساسها على الريف والريفيين ، اما طبقة الصناع والتجار وسكان المدن عموما ، فقد كانوا اكثر حرية ، يصنعون ما يريدون ويبيعون ما يشاؤون ، مما شجع الريفيين على الهجرة للمدن ، وفي ظل هذه الظروف بدأت بذور العلم والاختراع التي كانت الاساس في ظهور الالة البخارية وبدء عصر الالة (شوقي ، د. عبد المنعم ، ص43) .
وقد كانت من نتائج الانقلاب الصناعي، ان ظهرت عدة مدن ، يمكن تقسيمها الى مدن للمواد الاولية ، ومدن للمواد المصنعة ، ومدن للتصدير والاستيراد ، فكانت مدن المواد الاولية تنتج الفحم والحديد الخام والنحاس والذهب والفضة والزنك والخشب ، تنتج كل هذا بكميات كبيرة لتقابل حاجات الصناعة ، فيستعمل القليل منها محليا ، ويرسل الباقي الى مدن اخرى تخصصت في تحويل المواد الخام الى سلع مصنعة ، ولتصدير هذه السلع للخارج او استقبال مواد خام من الخارج ظهرت بعض الموانى التي كانت كل مهمتها الارسال والاستقبال ، ومع ذلك فان هناك بعض المدن تخصصت بالمسؤوليات الثلاثة اعلاه ، من انتاج المواد الخام وتحويلها الى سلع مصنعة ثم تصديرها للخارج واستقبال المواد الخام ايضا من البلاد الاخرى.
ومن امثلة هذه المدن : لندن وليفربول وهامبرج (المصدر نفسه ، ص44). ومع ازدياد الانتاج الصناعي في اوربا ، جاءت الحاجة الى ضرورة وجود اسواق خارج الحدود المحلية ، لتصريف الفائض من الانتاج ، لذلك وقع الاختيار على بلدان اقل نموا صناعيا ، واكثر استهلاكا للبضائع ، فكانت اسيا وافريقيا مقصدا للبلدان الصناعية المتطورة ، وتمرير ذلك ضمن اتفاقات دولية ، او استخدام القوة العسكرية بحجج مختلفة، ومن هنا ، فقد فرض الاستعمار نظاما اجتماعيا على البلدان الافريقية والاسيوية ، فظهرت مدن جديدة في تلك البلاد ، وظهرت ايضا مجتمعات اوربية قوامها الموظفين والتجار والمهندسين والكتبة والبحارة والجنود ورجال الدين والاطباء وغيرهم ، واجتذبت هذه المدن عددا كبيرا من السكان الاصليين ، فانقسم اغلبها الى قسمين يختلفان بعضهما كل الاختلاف:
1. قسم اوربي يسكنه الاوربيون .
2. قسم محلي يسكنه السكان الاصليون .
ومن امثلة هذه المدن : شنغهاي وكلكتا ورانجون وسنغافورة وبانكوك وجوهانزبرغ وتونس . وثمة اثار اخرى خلفها الانقلاب الصناعي تمثل :
1. ازدياد عدد المدن الكبرى ذات النفوذ على المناطق المجاورة .
2. ازدياد كثافة السكان في المدن .
3. ازدياد نسبة سكان المدن او كما يعرف بـ " درجة التحضر " في البلدان الاوروبية .
4. استتبع الانقلاب الصناعي ثورة في الاتصالات مما سهل الاتصال بين المدن . (المصدر نفسه ، ص 45 ) .
اصبح واضحا ، ان الثورة الصناعية اوجدت مدنا عملاقة ، كتلك التي تسمى المتربوليتانية ، ومع ذلك فانها قدمت نماذج حضرية يحتذى بها اليوم ، بل اصبحت اطارا للمقاربات النظرية ، وللتجارب في البلدان الاقل تطورا كالتجربة الماليزية ، وشرق اسيا عموما ، كل ذلك يؤشر ثورة حضرية واضحة يشهادها العالم باستمرار ، حتى راح البعض يتنبأ بحضرية العالم ككل .
المدينة الحديثة
ان المدينة الحديثة ، ثمرة مخاض عسير ، فهي ولدت من رحم ظروف كان فيها ـ كما اوضحنا ـ سلطانا قاهرا يسوس الافراد ويدفع بهم الى الاتجاه الذي يريد ، ذلك السلطان تمثل بطبقة الاقطاعيين الذين ما برحوا يستغلون الارض والانسان، لكن هذه الظروف بقدر ما كانت استغلالية ودون الانسانية ، فانها حفزت الايدي المهاجرة الى المدينة بالعمل بادىء الامر في الحرف والمهن الصناعية الصغيرة ، فكانت تلك البادرة الاولى لتفجر حدث تاريخي ، نقل المجتمعات البشرية من حالة احادية الاستغلال والاستحواذ الى حالة اكثر انسانية مع وجود معالم الاستغلال التي لا يمكن لاحد انكارها .ان ذلك الحدث ، تمثل بالثورة الصناعية التي شهدها العالم منذ عام (1750) ، اذ شهد الحال انقلابا صناعيا تمثل في التحول من العمل اليدوي الى العمل الالي ، ومن العمل في البيوت وداخل الاكواخ الى العمل في الورش والمصانع الكبرى . ان هذا الانتقال من الاقتصاد العائلي الى الاقتصاد المدني ، ادى الى نشأة الاسواق ووجود فئة كبيرة من المستهلكين (...) وهكذا فان تقسيم العمل على الرغم من وجوده في كل العصور ، الا ان اشكاله الاخيرة لم تظهر ولم تنتشر هذا الانتشار الواسع الا في كنف الحضارة الصناعية الحديثة (..) ، لذلك يقول كار بوشر Bucher ، ان مجتمعاتنا الحديثة تضم بين جوانبها ما لا يقل عن عشرة الاف نوع من النشاط الانساني ، مما يدل على قمة التطور والدقة معا في مجال تقسيم الاعمال (بدوي ، د. السيد محمد ، ص429) .
ويعلل علماء الاجتماع والاقتصاد حدوث الثورة الصناعية الى نمط الحياة في المدن في عصر النهضة ـ أي قبل الثورة الصناعية ـ فقد كانت سلطة نظام الاقطاع منصبة في اساسها على الريف والريفيين ، اما طبقة الصناع والتجار وسكان المدن عموما ، فقد كانوا اكثر حرية ، يصنعون ما يريدون ويبيعون ما يشاؤون ، مما شجع الريفيين على الهجرة للمدن ، وفي ظل هذه الظروف بدأت بذور العلم والاختراع التي كانت الاساس في ظهور الالة البخارية وبدء عصر الالة (شوقي ، د. عبد المنعم ، ص43) .
وقد كانت من نتائج الانقلاب الصناعي، ان ظهرت عدة مدن ، يمكن تقسيمها الى مدن للمواد الاولية ، ومدن للمواد المصنعة ، ومدن للتصدير والاستيراد ، فكانت مدن المواد الاولية تنتج الفحم والحديد الخام والنحاس والذهب والفضة والزنك والخشب ، تنتج كل هذا بكميات كبيرة لتقابل حاجات الصناعة ، فيستعمل القليل منها محليا ، ويرسل الباقي الى مدن اخرى تخصصت في تحويل المواد الخام الى سلع مصنعة ، ولتصدير هذه السلع للخارج او استقبال مواد خام من الخارج ظهرت بعض الموانى التي كانت كل مهمتها الارسال والاستقبال ، ومع ذلك فان هناك بعض المدن تخصصت بالمسؤوليات الثلاثة اعلاه ، من انتاج المواد الخام وتحويلها الى سلع مصنعة ثم تصديرها للخارج واستقبال المواد الخام ايضا من البلاد الاخرى.
ومن امثلة هذه المدن : لندن وليفربول وهامبرج (المصدر نفسه ، ص44). ومع ازدياد الانتاج الصناعي في اوربا ، جاءت الحاجة الى ضرورة وجود اسواق خارج الحدود المحلية ، لتصريف الفائض من الانتاج ، لذلك وقع الاختيار على بلدان اقل نموا صناعيا ، واكثر استهلاكا للبضائع ، فكانت اسيا وافريقيا مقصدا للبلدان الصناعية المتطورة ، وتمرير ذلك ضمن اتفاقات دولية ، او استخدام القوة العسكرية بحجج مختلفة، ومن هنا ، فقد فرض الاستعمار نظاما اجتماعيا على البلدان الافريقية والاسيوية ، فظهرت مدن جديدة في تلك البلاد ، وظهرت ايضا مجتمعات اوربية قوامها الموظفين والتجار والمهندسين والكتبة والبحارة والجنود ورجال الدين والاطباء وغيرهم ، واجتذبت هذه المدن عددا كبيرا من السكان الاصليين ، فانقسم اغلبها الى قسمين يختلفان بعضهما كل الاختلاف:
1. قسم اوربي يسكنه الاوربيون .
2. قسم محلي يسكنه السكان الاصليون .
ومن امثلة هذه المدن : شنغهاي وكلكتا ورانجون وسنغافورة وبانكوك وجوهانزبرغ وتونس . وثمة اثار اخرى خلفها الانقلاب الصناعي تمثل :
1. ازدياد عدد المدن الكبرى ذات النفوذ على المناطق المجاورة .
2. ازدياد كثافة السكان في المدن .
3. ازدياد نسبة سكان المدن او كما يعرف بـ " درجة التحضر " في البلدان الاوروبية .
4. استتبع الانقلاب الصناعي ثورة في الاتصالات مما سهل الاتصال بين المدن . (المصدر نفسه ، ص 45 ) .
اصبح واضحا ، ان الثورة الصناعية اوجدت مدنا عملاقة ، كتلك التي تسمى المتربوليتانية ، ومع ذلك فانها قدمت نماذج حضرية يحتذى بها اليوم ، بل اصبحت اطارا للمقاربات النظرية ، وللتجارب في البلدان الاقل تطورا كالتجربة الماليزية ، وشرق اسيا عموما ، كل ذلك يؤشر ثورة حضرية واضحة يشهادها العالم باستمرار ، حتى راح البعض يتنبأ بحضرية العالم ككل .

مرحبا بك في بوابة علم الاجتماع
يسعدنا تلقي تعليقاتكم وسعداء بتواجدكم معنا على البوابة