الثقافة و الشباب و الممارسة الثقافية (مدخل مفاهيمي)
الأسم : بلال
اللقب : المزوغي باحث دكتوراه في العلوم الثقافية بجامعة تونس
المفاهيم : الثقافة ، الممارسة الثقافية ، الشباب ، الثقافة الرسمية ، الثقافة الفرعية ، الثقافة المضادة ، الرأسمال الثقافي ، الحقل الثقافي.
الملخص : يهدف هذا المقال إلى قراءة مفاهيمية للثقافة و الشباب و الممارسة الثقافية ، و بنية العلاقة بين هذه المفاهيم ، التي تعتبر من المقومات النظرية للأشتغال في الحقل الثقافي و السيوسيولوجي بشكل عام . كما أن هذا التحليل المفاهيمي يحيلنا إلى دراسة العديد من المواضيع و البحوث المرتبطة بماهو سوسيوثقافي ، و مزيد التمكن من البعد النظري الذي تتاسس عليه كل دراسة علمية .
1 – مفهوم الثقافة
إن مفهوم الثقافة يتميز بالتعدد و التنوع ، و ذلك يعود إلى طبيعته الشمولية من ناحية أولى ، و إلى غياب التأصيل الأبستيمولوجي الدقيق له . و لكن عموما يوجد أتفاق شبه تام حول التعريف الذي قدمه" تايلور" في كتابه الثقافة البدائية سنة 1871 حيث أكد على أن " الثقافة أو الحضارة بالمعنى الأثنوغرافي الواسع هي المجموعة المعقدة التي تشمل المعارف و المعتقدات والفن والقانون والأخلاق و التقاليد وكل العادات التي يكتسبها الإنسان كعضو في مجتمع ما"( ) . و يمكن أعتبار هذا التعريف يندرج ضمن التعريفات الرسمية التي أعتمدت لدى المنظمات الدولية ، و خاصة عبر اليونسكو.كما يمكن أن نعرف الثقافة أنطلاقا من التعريف الذي قدمه "محمد عابد الجابري"في كتابه المسألة الثقافية ، حيث أكد على أن " " مركب متجانس من الذكريات و التصورات والقيم و الرموز و التعبيرات و الإبداعات "( ) . و يتسم هذا المفهوم الذي قدمه الجابري بطابعه الروحي الذي يجعل من الثقافة ضمن بنية " المخيال الجماعي للأفراد ".إضافة على ذلك يمكن أن نطرح مسألة الثقافة ضمن بعدها الإبستيمي و المفاهيمي أنطلاقا من التعريف الذي قدمه المفكر التونسي والأجتماعي عبد الوهاب بوحديبة ، الذي أكد على أن الثقافة تعبر عن مجموع القيم التي تكمن وراء كل مجهود إبداعي يستمر عبر المجموعات البشرية "( ) .
و أنطلاقا من السياق الكرونولوجي لهذا المفهوم يمكن أعتبار أن مفهوم الثقافة يحيلنا إلى الأستعمال اللاتيني لكلمة Culte بمعنى الطقوس الدينية خلال فترة القرون الوسطى، وتطور هذا المفهوم في القرن 17 لتصبح الكلمة مرتبطة بفلاحة الأرض. و قد أكتسبت الثقافة كمفهوم له أبعاد فكرية و فنية خاصة في النصف الثاني من القرن 18 حيث أصبحت تعبر عن التكوين الفكري عموما سواء لشخص معين او مجتمع بأكمله.
و عموما يمكن القول بأن الثقافة مفاهيميا تتميز بالعديد من التعريفات ، التي تختلف حسب طبيعة كل مدرسة فلسفية ، أجتماعية ، أنتروبولوجية و تاريخية تناولت هذا المفهوم وفق البراديغمات الخاصة بها.
و إذا ما أعتبرنا أن الثقافة نتاج أجتماعي تتجلى عبر بنية الممارسات و السلوكات التي يقوم بها الفرد داخل الأجتماعي . فإن هذا يدفعنا إلى فهم تمظهراتها ضمن بنية الحقل الأجتماعي و السياسي ، و خاصة في مستوى بنية السياسة الثقافية الخاصة بكل دولة ، و في هذا السياق يمكن أن نعرف السياسة الثقافية على أنها " تعكس حالة من التوافق و الأنسجام بين ، في مستوى أول ، تمثلات الدور الذي يمكن أن تلعبه الدولة في جعل الفن والثقافة في علاقة بالمجتمع . و في مستوى آخر ،عبر تنظيم العمل العمومي ."( ) و يؤكد philippe Urfalino في هذا السياق أنطلاقا من كتابه l’ invention de la politique culturelle على أن وجود سياسة ثقافية يتطلب قوة ترابط و ألتحام بين تلك التمثلات ضمن وحدة عمل للسلطة العمومية ( ) .
و يمكن أعتبار أن بداية ظهور السياسة الثقافية وفق P.Urfalino يعود إلى تأسيس وزارة الثقافة الفرنسية سنة 1959 الذي تولى إدارتها A. Malraux ، حيث أن هذه اللحظات وفق تعبير Urfalino لم تمثل مجرد ظهور مجموع الأستعدادات و القرارات السياسية فقط بل أيضا بداية النشأة المؤسساتية ، التي في يعض الأحيان مستقلة و مختصة في وضع تلك القرارات حيز التنفيذ( ) .
كما يؤكد Bernard Lahire على أن بداية السياسة الثقافية تعود أساسا إلى ملامح التأسيس الفرنسي للوزارة و الأنخراط في " ديمقراطية الثقافة " كمشروع رئيسيي منذ سنوات 1960( ). و هنا يمكن القول بأن السياسة الثقافية أنطلاقا من النموذج الفرنسي ، تمظهرت عبر المشروع الثقافي الذي راهن عليه المفكر و الروائي الفرنسي A. Malraux . الذي ساهم في بناء الهوية الفرنسية و تجذرها في الإرث الفلسفي الأوروبي عموما و الفرنسي على وجه الخصوص .
اما انطلاقا من عم اجتماع الثقافة،ىفأن هذا المفهوم أعتمد في الدراسات الاجتماعية والثقافية من قبل العديد من الباحثين و يمكن اعتبار الثقافة انطلاقا من هذا الأتجاه على انها تمثل ثلاثة مستويات :
- الثقافة كنمط عيش
- الثقافة كسلوك و ممارسة
- الثقافة كأعمال فنية ( ).
ان مفهوم الثقافة يتميز بالشمولية و التعدد إضافة الى اختلاف التوظيف الاجتماعي و السياسي له خاصة في ظل ما تتطلبه المجتمعات من تنظيم مؤسساتي و هيكلي و التي جعلت من هذا المفهوم يندرج ضمن نظام عمل و برامج تقوم الدولة بصياغتها ضمن السياسة الثقافية المعتمدة ، و في هذا السياق يمكن ان نقدم التعريف الذي أعلنه المؤتمر العالمي للسياسات الثقافية في مكسيكو 1982 حيث اعتبر ان الثقافة تمثل " مجموع السمات الروحية و المادية و الفكرية و العاطفية التي تميز مجتمعا بعينه أو فئة اجتماعية بعينها . وهي تشمل الفنون و الاداب و طرائق الحياة كما تشمل الحقوق الإنسانية القيم و التقاليدوالمعتقدات"( ).
باعتبار ان التحولات الفكرية و الاجتماعية التي شهدتها المجتمعات الحديثة ، أعادت النظر الى الثقافة انطلاقا من السياسات الوطنية و الدولية المعتمدة و خاصة اليونسكو التي ساهمت في تطوير هذا المفهوم و بلورته ضمن برامج دولية و جعلت منه يخضع للتنظيم الإداري و المالي ضمن السياسات الثقافية المعتمدة التي تعتمدها كل دولة .
كما يمكن تعريف الثقافة انطلاقا من تمظهراتها في الممارسات الثقافية لدى الافراد و خاصة عبر طرح " بورديو" لمفهوم " الشرعية الثقافية " ( )ضمن اتجاه سوسيولوجي نقدي لقيم الثقافة السائدة في مستواها الابستيمولوجي أو في تطبيقاتها داخل البنية الاجتماعية و السياسية و الثقافية ، و هذا الطرح يمثل انتقال نوعي من الثقافة كإبداع روحي مرتبط بالجمال و الذوق و المثال الأخلاقي وفق الاتجاه الكانطي ، الى ثقافة تتشكل انطلاقا من بنية النظام الأجتماعي الذي يتأسس على تقسيم طبقي و هرمي لفئات اجتماعية يؤسس "للتمايز"( ) .
و يمكن في هذا السياق أنطلاقا من تجلياتها كسلوك للفرد داخل الفضاء الاجتماعي و الاقتصادي. و هو ما يجعلها في علاقة عضوية بالقوانين التي تحكم هذه الانساق. و خاصة في مستوى تأثير المحددات الاجتماعية و الأقتصادية باعتبارهما يمثلان الإطار الذي تتشكل فيه الثقافة و الممارسات الثقافية للفرد. كما يمكن أيضا ان نعرف الثقافة انطلاقا من بنية المجتمع و مستوى القواعد التي يتقاسمها الافراد فيما بينهم و تصبح في شكل نمط ثقافي متوارث و هو ما يجعل الثقافة تعبر عن " مجموع القيم التي تكمن وراء كل مجهود ابداعي لاستمرارية المجموعات البشرية " ( ) .
بأعتبار أن الثقافة نتاج انساني يسج بها الفرد حضوره في التاريخ و في العالم و تتشكل جميع ملامحه و خصائصه انطلاقا من هذا الوعي تجاه العالم الخارجي ، و رغم ان مفهوم الثقافة يشهد اشكال ابستيمولوجي من حيت البنية المفاهيمية و المعرفية و التوظيفية و ذلك لاختلاف التعاريف و مجالات البحث من قبل الانتروبولوجيين و علماء الاجتماع إضافة الى علم التاريخ و ما يجعل منه مفهوم متغير و غير دقيق ، خاصة و أن البعض يعتبر الثقافة مرادفة لمفهوم الحضارة و البعض يفصل بين هاذين المفهومين ، باعتبار أن الحضارة أوسع من الثقافة و تمثل الهرم الأعلى لأرقى اشكال التنظيم البشري . و يمكن اعتبار ان هذا الفصل مجرد تقسيم منهجي يتسم بعدم الدقة ذلك ان الثقافة تتشكل عبر الحضارة إضافة الى كونها تتسم بالاستمرارية و توارثها عبر الأجيال ، في حين ان الحضارة تتشكل في مرحلة تاريخية معينة و تتغير اذا لم تندثر .
يمكن أن نقول بأن الثقافة تعبر عن مجموع القواعد و القيم و المكتسبات المادية و المعنوية التي تتشكل داخل مجتمع معين. و تتناقل عبر الافراد ضمن ممارسات و سلوكات لتعبر عن النمط الثقافي السائد. و يتمظهر هذا النمط ضمن اطار مؤسساتي منظم تنتجه الدولة أو ضمن تعبيرات و خصوصيات مجتمعية " هامشية " ينتجها الافراد انطلاقا من بنية مستوى الوعى لدى الفرد ، و عموما تتشكل الثقافة من خلال الاطار التاريخي و الموروث الحضاري الذي يحمل خصوصيات مجتمع معين و قيمة و مبادئه الأخلاقية و الفكرية و المجتمعية ما يجعلها تستمر ضمن تناقل هذه القيم بين الافراد بصفة مكتسبة ، من خلال آليات التعلم أو بصفة فطرية عبر التأثر العفوي بقوانين العالم الخارجي و التكيف مع هذه النواميس مما يضمن وجوده داخل نمط معين .
ان مفهوم الثقافة يتميز بالشمولية اضافة الى نسبيته ، ذلك ان تمظهرات الثقافة يختلف من مجتمع الى آخر . و داخل المجتمع الواحد تتباين وفق المستويات الاقتصادية و الاجتماعية لكل فرد و كل طبقة إضافة الى دور المجال في تحديده.
اما انطلاقا من عم اجتماع الثقافة،فأن هذا المفهوم أعتمد في الدراسات الاجتماعية والثقافية من قبل العديد من الباحثين و يمكن اعتبار الثقافة انطلاقا من هذا الأتجاه على انها تمثل ثلاثة مستويات :
الثقافة كنمط عيش
الثقافة كسلوك و ممارسة
الثقافة كأعمال فنية ( ).
تمثل هذه المستويات معاني متعددة للثقافة تتجسد داخل المجتمع و تتمظهر في البنية الثقافية الخاصة بمجتمع معين و تتوارث عبر الأجيال ، و في هذا السياق يمكن النظر الى الثقافة انطلاقا من المجتمع و بنية تكوين الافراد وفق نظام أجتماعي ينتج مجموع قواعد و قواسم مشتركة بين مكونات هذه الأفراد في أطار ما يسميه " دوركايهم " بالوعي الجمعي ( ). ذلك ان الثقافة تمثل نتاج للمجتمع و لتمثلات الأفراد داخله و مجموع التصورات و التعبيرات التي يقومون بها ، و التي بدورها تشكل ملامح ذلك المجتمع ابعاده الحضارية و التاريخية من خلال ما يحمله من رموز و ارث يجعله يجعله متواصل و تقوم المؤسسات الخاصة بالدولة بنقله عبر الافراد بطريقة ممنهجة للحفاظ على الخصوصيات .
ان مفهوم الثقافة يتميز بالشمولية و التعدد إضافة الى اختلاف التوظيف الاجتماعي و السياسي له خاصة في ظل ما تتطلبه المجتمعات من تنظيم مؤسساتي و هيكلي و التي جعلت من هذا المفهوم يندرج ضمن نظام عمل و برامج تقوم الدولة بصياغتها ضمن السياسة الثقافية المعتمدة ، و في هذا السياق يمكن ان نقدم التعريف الذي أعلنه المؤتمر العالمي للسياسات الثقافية في مكسيكو 1982 حيث اعتبر ان الثقافة تمثل " مجموع السمات الروحية و المادية و الفكرية و العاطفية التي تميز مجتمعا بعينه أو فئة اجتماعية بعينها . وهي تشمل الفنون و الاداب و طرائق الحياة كما تشمل الحقوق الإنسانية القيم و التقاليد المعتقدات"( ).
باعتبار ان التحولات الفكرية و الاجتماعية التي شهدتها المجتمعات الحديثة ، أعادت النظر الى الثقافة انطلاقا من السياسات الوطنية و الدولية المعتمدة و خاصة اليونسكو التي ساهمت في تطوير هذا المفهوم و بلورته ضمن برامج دولية و جعلت منه يخضع للتنظيم الإداري و المالي ضمن السياسات الثقافية المعتمدة التي تعتمدها كل دولة .
كما يمكن تعريف الثقافة انطلاقا من تمظهراتها في الممارسات الثقافية لدى الافراد و خاصة عبر طرح " بورديو" لمفهوم " الشرعية الثقافية " ( )ضمن اتجاه سوسيولوجي نقدي لقيم الثقافة السائدة في مستواها الابستيمولوجي أو في تطبيقاتها داخل البنية الاجتماعية و السياسية و الثقافية ، و هذا الطرح يمثل انتقال نوعي من الثقافة كإبداع روحي مرتبط بالجمال و الذوق و المثال الأخلاقي وفق الاتجاه الكانطي ، الى ثقافة تتشكل انطلاقا من بنية النظام الأجتماعي الذي يتأسس على تقسيم طبقي و هرمي لفئات اجتماعية يؤسس "للتمايز"( ) .
و يمكن في هذا السياق أنطلاقا من تجلياتها كسلوك للفرد داخل الفضاء الاجتماعي و الاقتصادي. و هو ما يجعلها في علاقة عضوية بالقوانين التي تحكم هذه الانساق. و خاصة في مستوى تأثير المحددات الاجتماعية و الأقتصادية باعتبارهما يمثلان الإطار الذي تتشكل فيه الثقافة و الممارسات الثقافية للفرد. كما يمكن أيضا ان نعرف الثقافة انطلاقا من بنية المجتمع و مستوى القواعد التي يتقاسمها الافراد فيما بينهم و تصبح في شكل نمط ثقافي متوارث و هو ما يجعل الثقافة تعبر عن " مجموع القيم التي تكمن وراء كل مجهود ابداعي لاستمرارية المجموعات البشرية " ( ) .
بأعتبار أن الثقافة نتاج انساني يسج بها الفرد حضوره في التاريخ و في العالم و تتشكل جميع ملامحه و خصائصه انطلاقا من هذا الوعي تجاه العالم الخارجي ، و رغم ان مفهوم الثقافة يشهد اشكال ابستيمولوجي من حيت البنية المفاهيمية و المعرفية و التوظيفية و ذلك لاختلاف التعاريف و مجالات البحث من قبل الانتروبولوجيين و علماء الاجتماع إضافة الى علم التاريخ و ما يجعل منه مفهوم متغير و غير دقيق ، خاصة و أن البعض يعتبر الثقافة مرادفة لمفهوم الحضارة و البعض يفصل بين هاذين المفهومين ، باعتبار أن الحضارة أوسع من الثقافة و تمثل الهرم الأعلى لأرقى اشكال التنظيم البشري . و يمكن اعتبار ان هذا الفصل مجرد تقسيم منهجي يتسم بعدم الدقة ذلك ان الثقافة تتشكل عبر الحضارة إضافة الى كونها تتسم بالاستمرارية و توارثها عبر الأجيال ، في حين ان الحضارة تتشكل في مرحلة تاريخية معينة و تتغير اذا لم تندثر .
يمكن أن نقول بأن الثقافة تعبر عن مجموع القواعد و القيم و المكتسبات المادية و المعنوية التي تتشكل داخل مجتمع معين. و تتناقل عبر الافراد ضمن ممارسات و سلوكات لتعبر عن النمط الثقافي السائد. و يتمظهر هذا النمط ضمن اطار مؤسساتي منظم تنتجه الدولة أو ضمن تعبيرات و خصوصيات مجتمعية " هامشية " ينتجها الافراد انطلاقا من بنية مستوى الوعى لدى الفرد ، و عموما تتشكل الثقافة من خلال الاطار التاريخي و الموروث الحضاري الذي يحمل خصوصيات مجتمع معين و قيمة و مبادئه الأخلاقية و الفكرية و المجتمعية ما يجعلها تستمر ضمن تناقل هذه القيم بين الافراد بصفة مكتسبة ، من خلال آليات التعلم أو بصفة فطرية عبر التأثر العفوي بقوانين العالم الخارجي و التكيف مع هذه النواميس مما يضمن وجوده داخل نمط معين .
ان مفهوم الثقافة يتميز بالشمولية اضافة الى نسبيته ، ذلك ان تمظهرات الثقافة يختلف من مجتمع الى آخر وداخل المجتمع الواحد تتباين وفق المستويات الاقتصادية و الاجتماعية لكل فرد و طبقة .
2- مفهوم الممارسة الثقافية
يعتبر هذا المفهوم من المفاهيم المعاصرة و التي ارتبطت بعوامل التغير الاجتماعي و الثقافي ، خاصة بعد ظهور ما يسمى" بمجتمع الاستهلاك و بروز ملامح القيم الثقافية في بعدها الترفيهي و الفكري لتصبح في شكل نماذج و سلوكات و ممارسات ، حررت الثقافة من طابعها الفئوي النخبوي لتصبح" ثقافة جماهيرية " مرتبطة بقيم "الوقت الحر"( ) باعتباره يمثل الاطار الذي يعبر عن ملامح المجتمع الصناعي بالخصوص ، و في هذا الاطار يمكن أن نعرف الممارسات الثقافية انطلاقا من طرح" بيار بورديو " الذي عرف هذا المفهوم انطلاقا البناء الهرمي للمجتمع ( ) الذي يحتوي على طبقات و يتحدد الموقع الاجتماعي لكل فرد انطلاقا من هذا البناء . كما يتم اكتساب الممارسات الثقافية انطلاقا من طبيعة النمط السائد الذي يتم انتاجه ، في الغالب يكون هذا النمط هو الشرعي و الرسمي .و يشير بورديو في هذا السياق الى الممارسة الثقافية انطلاقا من طرحه" للتمييز "،وو ذلك عبر تقسيم الممارسات الى " ممارسات رديئة و شائعة " و " ممارسات راقية أو شرعية " و ترتبط هذه الممارسات الراقية او الشرعية ، بمدى قدرة الفرد على أمتلاك الرأسمال الثقافي و قيم التميز الاجتماعي ( ) ، حيث أن هذه الممارسات تعبر عن موقع الفرد داخل السلم الاجتماعي ، على عكس الممارسات الأخرى التي تعكس حالة الهامشية و الاقصاء التي يعيشها الفرد ، حيث تتمظهر هذه الممارسات عموما في سلوك و تعبيرات الفئات المهمشة و الذين ينتمون الى طبقة فقيرة ( عمال ، فلاحين ، سكان الأحياء الشعبية .. و غير ذلك ).
ان الممارسات الثقافية تعتبر من تمظهرات النمط الثقافي الذي يعبر عن مجموع الهويات المشتركة و القيم و القواعد التي يتقاسمها الفرد انطلاقا من من تفاعله مع المجموعة و التي تتخذ في بعض الأحيان نوعا من التقليد ، من خلال اكتساب الفرد لممارسات تقليدية مرتبطة بالأساس بطبيعة المجتمع الريفي . و مع تطور المجتمعات أصبح النظر لى الممارسة الثقافية من خلال محددات قيم المجتمع الحديث و عب السياسات الثقافية المعتمدة ، و ذلك من خلال انتاج "النموذج الثقافي"( ) وفق تعبير " آلان توران " ويعني به الصورة التي ينتجها المجتمع و التي تعبر عنه ، و تتمظهر الممارسة الثقافية من خلال علاقتها و ارتباطها بنسق اشتغال هذا النموذج، الذي تحدده حسب " توران " السلط الشرعية( ).
ارتبط هذا المفهوم بأسس و مكونات الثقافة أي تجليات الفعل و الممارسة التي يقوم بها الفرد في الحقل الثقافي ، وفي هذا الاطار يعرف بورديو الممارسة الثقافية على انها" جملة الأعمال و الأنشطة التي يتم من خلالها أقتناء الخيرات الثقافية " ( ). حيث أنها تتشكل في اطار سلوكات و أفعال و ممارسات يقوم بها الفرد كتعبير عن قيم الثقافة السائدة و التي تندرج ضمن العمل المؤسساتي الرسمي. أو تعبيرات أخرى هامشية مستقلة عن كل ماهو رسمي .
إن مفهوم الممارسة الثقافية يتداخل فيه البعد الاجتماعي و الثقافي و السياسي و الاقتصادي و هو ما يجعل منه مصطلح غير دقيق ، نظرا لتعدد التعريفات بين علماء الاجتماع الانتروبولوجيين إضافة الى الى تعلق هذا المفهوم بمصطلح الثقافة و الذي بدوره يعتبر غير دقيق لاختلاف التعريفات رغم الاتفاق الشبه تام حول التعريف التايلوري .
و في هذا السياق يمكن ان نعتبر الممارسات الثقافية هي مجموع الأنشطة و الاعمال الفنية و الفكرية التي يقوم بها الفرد داخل المجتمع و التي تعبر عن مواقفه ، و مشاعره و تطلعاته لتتخذ نوعا من الخصوصية او لتعبر عن ملامح التميز و الرقي الاجتماعي من خلال اكتساب الفرد" للرأسمال الثقافي"، و قدرة الفرد على تكوين ذوق راقي يستجيب لقيم الثقافة السائدة ، التي تتخذ نوعا من المشروعية و تعبر عن انتمائه و أصله الاجتماعي وفق ما أكده " بورديو" في كتابه "التمييز "( ).
و بالنظر الى اشغال مركز الدراسات و التوثيق للتنمية الثقافية من خلال الندوة العلمية التي تحت عنوان " الشباب و الثقافة بالمغرب العربي " .يمكن ان نقسم الممارسات الثقافية الى ثلاثة أنواع على النحو التالي:
الممارسات الفردية و التي تشمل على على مشاهدة الأفلام ، قراءة الكتب ، المجلات والصحف.
الممارسات الجماعية و التي تشمل على الرحلات , الانخراط في الفرق المسرحية ، الموسيقية ، المشاركة في الملتقيات .
الممارسات المرتبطة بالمؤسسة .
و هذا يفسر لنا تنوع الممارسات الثقافية و اختلافها بين طبيعة كل ممارسة و الفضاء الذي تنشأ فيه .
و بالإضافة الى ذلك يمكن الاعتماد أيضا لى الاحصائيات التي قدمها قسم الدراسات لوزارة الثقافة الفرنسية لتصنيف الممارسات الثقافية و التي تتمثل في ( ):
- ممارسات خارجية مرتبطة بارتياد المؤسسات مثل زيارة المتاحف ، سينما ،
- ممارسات مرتبطة بالأنشطة الفنية مثل الفنون التشكيلية، موسيقى ، فوتوغرافيا .
- ممارسات أخرى مرتبطة بالمنزل و الحياة اليومية مثل مشاهدة التلفاز، المطالعة
إن الممارسة الثقافية من الناحية المفاهيمية و الابستيمية مرتبطة بمبدأ الفعل الثقافي أي النشاط ذو البعد الفني و الأدبي و الفكري و الترفيهي أي كل ماهو ثقافي عموما ليتخذ في شكل ممارسات و أعمال و أنماط ثقافية تعبر عن كل ماهو مشترك او تمايز و تختلف حسب العوامل المندمجة داخل المنظومة الاجتماعية و الثقافية أو "الهابيتوس"( ) وفق تعريف بورديو . إضافة الى مجموع التأثيرات الأخرى التي تعكس نوعية الممارسات الثقافية .
و في هذا الإطار يمكن النظر الى الممارسة الثقافية أنطلاقا من مقومات و أسس البناء الهرمي للمجتمع مثل ما أكده " بورديو " و ذلك من خلال تحليل آليات اشتغال سوق الخيرات الثقافية أي في نظام الحقل الثقافي و الاقتصادي الذي ينشأ و ينتج الفنون الشرعية و يضمن أستمراريتها في أطار الحفاظ على قيم الذوق الرسمي . و الذي يكون ضمن أسس تشكل الرأسمال الثقافي الوطني " الذي تحدده التعبيرات الفنية و البرامج التعليمية المعتمدةفي المجتمع ( ) .
كما يمكن النظر الى الممارسات الثقافية انطلاقا من تأثيرات المنظومة الأقتصادية ، خاصة في ظل الأستهلاك المكثف للمواد الثقافية ، و الذي كان نتاج للتحولات و التطورات التي شهدتها المجتمعات و ظهور ملامح " الثقافة الجماهيرية " . التي تعتبر من أهم القيم الجديدة للمجتمع الحديث . حيث ساهم هذا التطور الاستهلاكي السلع الثقافية في ظهور شكل جديد للاقتصاد و للأستثمار يسمى "بالأقتصاد الصغير او الجزئي "( ) .
3- مفهوم الشباب:
يعتبر مفهوم الشباب من المفاهيم التي يصعب تحديدها بصفة دقيقة و علمية طالما انه يتداخل فيه العديد من الابعاد السوسيولوجية و البسيكولوجية ، و هذا ما يجعل منه مفهوم أبستيميا غير دقيق بالمعنى الكافي . و هذا ما يفسر اختلاف اعتماد هذا المفهوم في الدراسات الاجتماعية و الثقافية و تعدد القراءات و التعريفات له التي تعود بالأساس الى الطبيعة الشمولية لهذا المفهوم و تداخله مع جل الابعاد المكونة للمجتمع (ثقافيا ، اقتصاديا ، أجتماعيا ، سياسيا ) . و لكن ما يمكن اعتباره في هذا المفهوم هو أن الشباب يعتبر مرحلة عمرية تتميز بالعديد من الخصائص و مكونا من مكونات المنظومة الاجتماعية لما يحظى به من أدوار و تأثيرات تعكس على الصورة العامة للمجتمع أي النموذج المجتمعي السائد .فمن الناحية العمرية يمكن اعتبار الشباب هو الفئة العمرية التي تمتد من السن 18-25 سنة و هنالك من يمددها الى السن 35 و لكن المؤكد هو ان المرحلة الشبابية هي المرحلة التي تأتي بعد الطفولة و التي تحدث نوعا من النضج البدني و العقلي و النفسي و التي تتمظهر في سلوكات و رغبة في التغيير الاجتماعي ( )ضمن اطار اثبات الذات و تشكيل هويته الشخصية .
اما من خلال الاتجاه السوسيولجي، يعتبر " بورديو " بان الشباب ليس إلامجرد كلمة ( ) طالما أنه لا يمكن أعتبار الشباب و الشيخوخة معطيات طبيعية بيولوجية بل هي مراحل تنتج اجتماعيا و مرتبطة بالعديد من العديد من العوامل و التأثيرات . و يؤكد" بورديو" في نفس السياق بأنه من غير المنطقي القول بان الشباب هو وحدة اجتماعية تتقاسم نفس الاهتمامات و التوجهات و الخصائص ، لان هذه مقارنة و تصنيفات غير منهجية و غير دقيقة . و هذا يعود الى الاختلاف الحاصل بين وضعيات الشباب التي تحددها الظروف الاجتماعية مثل طريقة العيش , سوق الشغل ، نمط حياة كل فرد .... ( ).، حيث انه لا يوجد شباب واحد بل هناك شباب متعدد و متباعد تباعد الطبقات الاجتماعية .
و في هذا السياق يمكن ان نقول بأن المحيط الاجتماعي بأن المحيط و الموقع الاجتماعي للفرد هو المحدد لمفهوم الشباب و الوضعية التي يعيشها هذا الجيل خاصة من خلال الدور الذي يقوم به داخل المنظومة الاجتماعية . و يؤكد " ادغار موران " في هذا الاطار بان الشباب يمثل " الحلقة الضعيفة في التماسك الاجتماعي " ( ). و هذا يعود الى نظام الرقابة الاجتماعية التي تجعل منه في حالة من الهامشية و السلبية ، تعيق اندماجه داخل النظام الاجتماعي الارتباط العضوي و المباشر مع البنية المجتمعية التي تتخذ في مراحل معينة نوعا من السلطة الرمزية ( )من خلال نظام الرقابة وآليات الضبط الاجتماعي .
كما يمكن النظر الى مفهوم الشباب أنطلاقا من محددات" الأزمة "،باعتبار الواقع الذي يعيشه الشاب ، وهو ما ساهم في ظهور تعبيرات فنية جديدة معبرة عن ثقافة الشباب كثقافة فرعية ( ).و التي تعبر عن مواقفه و رؤيته و توجهاته الفكرية و السياسية و الأيديولوجية حيث اصبح للشباب نمط ثقافي خاص به عبرت عنه خاصة البحوث و الدراسات في مجال علم أجتماع الشباب .
كما يمكن النظر الى مفهوم الشباب ، انطلاقا من الواقع الذي يعيشه الشاب سواء داخل الفضاء الحضري أو داخل الفضاء الريفي ، و الذي يعكس توجهاته و ممارساته الثقافية باعتبارها تعبيرات عن العالم الخارجي والمحيط الاجتماعي الذي يعتبر مكونا من مكوناته،حاملا لقيمه و لرموزه و هوياته الجماعية لتتخذ نوعا من الطابع الرسمي أو السائد . إضافة الى ذلك ارتبط مفهوم الشباب بمفهوم " جيل الأزمة "( ) خاصة بعد ظهور التعبيرات الفنية التي تمظهرت خاصة في أوروبا والتي اتخذت نوعا من المواقف و الأفكار ضد الأنظمة الاجتماعية السائدة و تطورت هذه المواقف لتصبح نوعا من التمرد ( )على النظم الاجتماعية السائدة و تنامي المواقف للذهنيات السائدة و الاشكال الثقافية الموجودة ، و تجلت خاصة من خلال المواقف التي عبر عنها الشباب أثر الحركة و الأنتفاضة الطلابية لسنة 68، و التي كانت تعبر عن رغبات و آراء الشباب و تطلعاتهم و مواقفهم تجاه النظم الأجتماعية و الثقافية و الأخلاقية السائدة.
يؤكد " ادغار موران " ضمن رؤيته و طرحه لواقع الشباب ، على أن هذا الجيل يتطلب تعليما و تربية تحقق له القوة و التقدم انطلاقا من ثلاثة مستويات( ) :
ثقافيا: ربط الثقافة الإنسانية بالثقافة العلمية
سوسيولوجيا : استعمال المعلومة و المعرفة .
مدنيا: ترسيخ الانتماء الوطني.
وهذا يؤكد على القيمة الاساسية للشباب و الدور الذي يضطلع به ، خاصة في ظل ما تشهده المجتمعات المعاصرة و المساعي الدولية للاهتمام بهذه الفئة سواء من خلال البرامج الموجهة وطنيا او م خلال الندوات الدولية ، و هذا يعكس علاقة هذه الفئة بالبنية المجتمعية و في علاقة مباشرة بالمخططات و الاستراتيجيات الدولية للاهتمام بفئة الشباب.
يمكن أيضا ان نعرف الشباب انطلاقا من التعبيرات الثقافية التي تعكس نوعا من التفكير و السلوك و طريقة التخاطب و الحوار التي ساهمت في ظهور قيم ثقافية جديدة جسدتها خاصة ملامح و قيم " الثقافة المضادة "( ).و ذلك نظرا لفقدان مؤسسات الضبط الاجتماعي لسلطتها و فشل أنظمة الادماج الاجتماعي و السيطرة ، في اطار تبني قيم الثقافة السائدة و هو ما جعل من الشاب ينظر اليه كتمظهرات للأشكال الفنية الصاعدة .
ان مفهوم الشباب انطلاقا من الاتجاه السوسيولوجي يتم تحديده انطلاقا من المحيط الاجتماعي و نظام العلاقات السائدة و بنية المنظومة الاجتماعية التي ينتجها النظام أو السلط و يكون الشباب فاعلا فيها من خلال دوره داخل المجتمع ، او يكون مجرد شريحة عمرية هامشية خاصة و ان الأزمة التي يعيشها الشباب اليوم قد جعلت هذه الفئة تندرج ضمن " الجيل الضائع أو جيل الازمة او جيل المعاناة "( ). و هذا دليل على الصورة السلبية التي يعيشها الشاب مما تعكس مواقفه و أفكاره و توجهاته السياسية والأيديولوجية و الدينية. و هذا تجلى خاصة اثر التحولات التي شهدتها المجتمعات و المفاهيم و النظريات المعاصرة لعلم اجتماع الشباب و النظر اليه ضمن سياقات المحيط الاجتماعي و البنى ، الشباب Gallandالأساسية الأخرى المكونة للكل الاجتماعي.و في هذا السياق يعرف إثر الملتقى الذي انتظم يومي 6 ديسمبر 2011 من خلال مقاربته على أنه يمثل حالة من البناء التدريجي للهوية ( ) و ذلك من خلال المسار الذي تكتمل فيه عناصر الهوية التي تحدد خاصة اجتماعيا ، و هذا يفسر على ان الشباب في علاقة عضوية بماهو اجتماعي وليس معطى بيولوجي تحدده التحولات النفسية و الجنسية و الهرمونية ، بل أنه معطى أجتماعي يتشكل انطلاقا من البناء الاجتماعي و تحدده القواعد التي يشتغل وفقها المجتمع.
أما بالاعتماد على الاتجاه البسيكولوجي فان مرحلة الشباب تمثل المراحل الأخيرة في عملية النمو النفسي و الجنسي و يؤكد " فرويد " بأن مرحلة الشباب مرتبطة باكتمال البعد الجنسي أي تم الجسم حقق القدرة على القيام بالعملية التناسلية ، و يمكن اعتبار أيضا أن مرحلة الشباب أنطلاقا من هذا الاتجاه تمثل مرحلة دخول الفرد الى عالم الراشدين الكبار، حيث تكون قد اكتملت عمليات التطبيع الاجتماعي ( ). وهذا يجعل من الشاب قادر على نحت هويته الذاتية و بناء شخصيته التي تتمظهر في سلوكاته ،أفعاله و ممارساته الثقافية . أما انطلاقا من المقاربة المؤسساتية و الاستعمالات المتداولة للمنظمات العالمية و خاصة الأمم المتحدة ، حيث تجلى هذا المفهوم وفق محددات عمرية من خلال التعريف الذي أعلنته الجمعية العامة للأمم المتحدة بمناسبة السنة الدولية للشباب لسنة 1985 ، حيث اكدت على ان الشباب هم الافراد الذين ينتمون للشريحة العمرية من 18-25. و هذا التصنيف ذا طابع مؤسساتي لا يخضع لمتغيرات الواقع الاجتماعي و الثقافي .والبنية العامة للمجتمع خاصة في مستوى نظام الدراسة ، نظام المهن ، سوق الشغل و الذي يجعل من هذه الفئة تمتد الى حدود 35 سنة .
و في هذا الاطار يمكن القول بان مفهوم الشباب يتسم بالضبابية و عدم الوضوح ، و تعدد التعريفات و النظريات سواء من قبل علماء الاجتماع او الانتروبولوجيين و علماء النفس، إضافة الى التصنيفات البيولوجية و الديمغرافية ، و هذا ما يجعل منه غير دقيق بالمعنى الكافي و لكن المهم هو أن الشباب هو جيل يتميز بالعديد من الخصائص الاجتماعية و الثقافية و يعتبر المرحلة العمرية التي تجعل من الفرد يتسم نوعا من الاستقلالية الفكرية من خلال تشكل هويته الذاتية و شخصيته و تبنيه لمواقف و و توجهات أيديولوجية و تعبيرات فنية سواء سواء منها الرسمية او تعبيرات غير رسمية تميزه و تجعله مختلف عن المراحل العمرية الأخرى . إضافة الى الأدوار التي يضطلع بها داخل المنظومة الاجتماعية و الثقافية و التي تتحدد ماهيته انطلاقا من مستوى تفاعله مع هذه المنظومات و بنية العلاقات التي يتقاسمها مع بقية مكونات المجتمع .
2- : الشباب و الثقافة
2-1 ثقافة الشباب كثقافة فرعية
يعتبر الشباب من مقومات البنية الثقافية و الاجتماعية ، و ذلك أنه يمثل الفئة الاجتماعية الأكثر تمثيلا من حيث النسبة الديمغرافية داخل المجتمعات العربية بالخصوص ، و ما يجعل منه يتميز بتأثير مباشر على تشكل الثقافة السائدة ، بل أنه يساهم في تغييرها . و ذلك من خلال مجموع و الواقف و التوجهات التي يحملها هذا الشباب ، و التي تعبر عن موقعه الاجتماعي و الحالة التي يعيشها خاصة بعد التحولات الاجتماعية و الاقتصادية التي شهدها العالم المعاصر ، خاصة عبر تنامي حركات " التمرد" و الرغبة في التغيير و التحرر من من القيم السائدة.و النماذج الأخلاقية و الاجتماعية التي تمثل لهم عائق. خاصة " بعد فقذان مؤسسات الضبط الاجتماعي لسلطتها و فشل أنظمة الادماج الاجتماعي في أدوارها"( ).ان ثقافة الشباب تحلينا الى تفسير السلوكات و الممارسات التي تعبر عن بدورها عن ملامح الثقافة الجديدة ، خاصة من خلال ما يشهده المجتمع من اختلافات و بروز تعبيرات فنية جديدة مناهضة لقيم الثقافة السائدة ، يقوم بها الشباب في اطار اثبات ذواتهم كهامشيين و مستبعدين و الرغبة في الاستقلالية عن المواقف السائدة و التي تعكس ثقافة المجتمع و تقاليده النمطية . وفي هذا السياق و من الناحية التيمولوجية أي المصدر الرئيسي لمفهوم "الثقافة الفرعية " في علم الاجتماع يعود الى كل من " ماك لانغ لي " و " جوردون " للتعبير عن فرعي من الثقافة القومية ( ) . ذلك انها تمثل جزءا من بنية الثقافة العامة لمجتمع معين ، و تعبر عن حالة الانفصال أو الاستقلال النسبي أو الكلي من النمط الثقافي السائد ، ذلك انها تشمل مجوع المواقف و التعبيرات التي يحملها الشباب عن أنفسهم ، و تتمظهر خاصة في المواقف الفنية و التعبيرات الجديدة التي تعبر عن "أيديولوجية" هذه الفئة.
كما يمكن أيضا النظر الى الشباب كثقافة فرعية انطلاقا من البنية المكونة لهذا المفهوم سواء من الناحية الابستيمية ،أو من خلال تطبيقاتها داخل الفضاء الاجتماعي بأعتباره الاطار المرجعي لنشأة و تكوين كل فعل ثقافي يقوم به الفرد انطلاقا من الوعي الذي يتشكل لديه سواء بصفة فطرية من خلال توارث السلوكات العائلية للابن أو بصفة مكتسبة عبر عبر مجموع المواقف و نظام الاستعدادات الذي يتعلمه الفرد و الذي يسميه " بورديو " "بالهابيتوس" ( ). و يمكن اعتبار ان تشكل الفعل الثقافي ينطلق عبر هذه المواقف وهذا النظام الذي يكتسبه الفرد عبر مراحل التنشئة الاجتماعية سواء من خلال الاسرة كمرحلة أولية ، او من خلال المدرسة في مرحلة ثانية باعتبارها تمثل النظام المؤسساتي الرسمي لإنتاج القيم و القواعد الأخلاقية و الفكرية التي يحملها المجتمع ، و تنتقل الى الابن .
لا يمكن ان نفهم الثقافة الفرعية لدى الشباب الا من خلال استيعاب جميع مقومات الثقافة العامة باعتبارها تمثل " عوالم ضمن عالم أوسع ، هو الثقافة الوطنية "( ) . وهذا ما يفسر ان المكونات الأساسية للثقافة الفرعية التي يكتسبها الشباب من خلال مجموع السلوكات و الممارسات و التوجهات السياسية و الدينية تندرج ضمن بنية الثقافة الوطنية باعتبارها تتسم بالشمولية .
ان تمثلات الثقافة الفرعية لدى الشباب تعبر عن التوجهات العامة التي تحملها هذه الفئة ،حيث ان الشباب يعتبر عنصر رئيسي في بناء المجتمعات و خاصة في مستوى حركات التغيير الاجتماعي و الثقافي تجلت خاصة في الحركات المناهضة للنظم السائدة و النماذج المعهودة .و ظهور تعبيرات تعكس حالة الرفض و الرغبة في التحرر من كل ماهو سلطوي ثقافي ، سياسي ، ديني ، اجتماعي .و هو ماساهم في ظهور سياسات جديدة موجهة نحو الشباب بهدف أدماجه في المشهد الوطني و موقع القرار الرسمي ، ذلك انه يمثل الفئة الأكثر تاثيرا لدى المجتمعات . و رغم وجود هذه التوجهات الوطنية مثل تنظيم حوارات جهوية مع الشباب و لجان حكومية تعنى بهذه الفئة ، إضافة الى البرامج الدولية و خاصة سياسات اليونسكو و تنظيمها لسنة دولية للشباب ، للعناية بهذه الفئة و ربطها بقيم المواطنة و بأسس الثقافة الوطنية الرسمية .الا أن هذه البرامج تعتبر نسبية و غير مكتملة خاصة لدى المجتمعات العربية حيث انه هذه الفئة تعاني من حالة الاقصاء و التهميش الاجتماعي و ضعف تمثيليته السياسية و الجمعياتية داخل الدولة ، إضافة الى الغياب الشبه الكلي له في المنابر الإعلامية و في وضع المخططات و البرامج الوطنية مما يجعلة موقعه هامشي .وهو ما ينعكس توجهاته و أفكاره تجاه المجتمع السائد ، حيث تنامت هذه المواقف و تصاعدت في السنوات الأخيرة من خلال ما شهدته البلاد التونسية من لحظات تغيير ، الذي طالب فيها الشباب بالتغيير الاجتماعي و السياسي و إرساء خطابات جديدة تأخذ بعين الاعتبار قيمته ، و القطع مع حالة الاقصاء و التهميش الاجتماعي ، حيث ان المواقف التي حملها الشباب التونسي انتجت رؤية جديدة للدور و للوزن الكبير الذي تضطلع به هذه الفئة.
مثلت هذه التعبيرات الفنية الجديدة و المواقف التي عبر عنها الشباب ، في ظهور ثقافة الشباب " كثقافة فرعية" ترفض السائد و تمثل نسق نت القيم و المعايير و الأفكار و أساليب السلوك المعارضة او على الأقل الغير الملتزمة بتلك التي ينادون بها الكبار( )، حيث مثلت هذه الثقافة حالة من الاستقلالية عن العادات و القيم السائدة .
كما يمكن النظر الى ثقافة الشباب كثقافة فرعية انطلاقا من نشأة أدبيات هذه الفئة وتعبيراتهم التي قدمت نفسها ضمن " أدب الشباب " الذي ظهر خاصة أثناء الانتفاضة الطلابية في ماي 1968 من خلال تنامي الحركات الاحتجاجية و قد تضمن هذا الإنتاج و الابداع الثقافي لدي الشباب كردة فعل شمل ثلاثة مستويات( ) :
رد فعل للنظام الاجتماعي و السياسي
رد فعل للنظام الثقافي على وجع العموم
رد فعل لمؤسسات النظام الثقافي على وجه الخصوص .
و قد مثلت هذه المواقف الشبابية تمرد واضح و معلن على القيم السائدة الفرنسية بصفة خاصة ، و الغربية بشكل عام و ذلك في اطار طرح بديل سياسي و ثقافي و تربوي جديد يستجيب لثقافة الشباب المناهض باعتباره يمثل قيم الثقافة الفرعية. كما تبلور هذا المفهوم ضمن الاستراتيجيات الدولية لادماد التعبيرات الفنية الشبابية ضمن بنية الثقافة الوطنية سواء من خلال التأسيس الرسمي للعمل الثقافي الوطني ، أو عبر البرامج التي تقدمها اليونسكو و الندوات الدولية حول ثقافة الشباب .
ان مفهوم الثقافة الفرعية يتميز بأختلاف تمظهراته داخل البنية المجتمعية و ذلك من خلال تباين المحيط الاجتماعي لك فرد ، و الاختلاف الحاصل بين المحيط الريفي و المحيط الحضري .و رغم ان الشباب تعتبر فئة متجانسة على الأقل من حيث الفترة العمرية الا أنها تختلف حسب الوضعية الاجتماعية التي يعيشها الفرد ، ذلك أن الشباب كما يقول " بورديو" ليس الا مجرد كلمة ، باعتبار ان هذا المفهوم يتحددا اجتماعيا و ليس بيولوجيا ، و لا يمكن النظر اليه كوحدة متجانسة ، بل يختلف حسب الموقع الاجتماعي لكل فرد ، حيث انه لا يوجد شباب واحد بل هناك شباب متعدد و متباعد تباعد الطبقات الاجتماعية .
2-2 ثقافة الشباب كثقافة مضادة
ارتبط مفهوم ثقافة الشباب بمفهوم" الثقافة المضادة "، ذلك ان هذه الثقافة تمثل مجموع المواقف و التصورات التي يحملها الشباب عن انفسهم في اطار الرفض الرفض و عدم الرغبة بالالتزام بقيم الثقافة السائدة التي تمثل لهم عائق امام تشكل هوياتهم و شخصياتهم و قد تمظهرت ملامح هذه الثقافة خاصة في بنية المجتمع الأمريكي ، من خلال ظهور التعبيرات الفنية الجديدة التي تعبر عن شكل ثقافي جديد مغاير لبنية الثقافة السائدة ، و يعكس حالة الرفض و عدم الرضا على تقاليد و قيم المجتمع .و يعود استعمال هذا المفهوم الى الكاتب الأميريكي" تيودور روزاك " حيث أصدر كتاب تحت عنوان" نحو الثقافة المضادة " في سنة 1970، و يعتبر " روزاك" من الأوائل الذين استعملو هذا المفهوم و كان يقصد به "ثقافة الشباب و حركاتهم المناهضة للأفكار المحافظة و لثقافة الطبقات البورجوازية التي كانت تسيطر على العالم ، أقتصاديا ، سياسيا و ثقافيا ، كمت تقف هذه الثقافة ضد سلطة التكنوقراط و ضد المعرفة التي تدعي امتلاك الحقيقة و امتلاك مفاتيح الازمة"( ).كما تطور استعمال هذا المفهوم خاصة مع التغييرات الاجتماعية و الثقافية و خاصة مع التقدم التكنولوجي في مجال الانترنات ، إضافة الى تنامي قيم الاستهلاك الثقافي و ظهور تعبيرات فنية جديدة و صاعدة . ارتبطت خاصة ببنية الحياة داخل المدن و التعبيرات الثقافية للشباب الحضري مثل ( ممارسة الهيب الهوب ، الجاز ، مسرح الشارع ، الرسم على الجدران ) و التي تعبر عن ثقافة الشارع ( ) .و تعبر عن مواقف الشباب و توجهاتهم. و قد ظهرت هذه الثقافة بقوة داخل الوساط الاميريكية و مثلت ثقافة جديدة تعكس المواقف التي يحملها الشباب .
و في هذا السياق يمكن أن نقسم تمظهرات الثقافة لدى الشباب ، عبر نموذجين من الأنماط الثقافية وهما:
نمط ثقافي رسمي ( ينتجه المجتمع و مؤسسات الدولة)
نمط ثقافي مضاد (يقوم به الشاب كحالة رفض للثقافة للرسمية )
و يمثلان هاذين النموذجين الاطار الذي تتجسد فيه كل ممارسة ثقافية ، و تعكس تعدد الرجعيات و مصادر كل ممارسة و كل فعل ثقافي ينتجه الفرد .
ارتبطت الثقافة المضادة لدى الشباب أيضا بقيم الاستهلاك ، و قوانين اقتصاد السوق و ذلك عبر ظهور سلع و مواد ثقافية جديدة و منتجات موجهة نحو فئة الشباب مثل أغاني الهيب الهوب ، موسيقى الجاز ، الحفلات الليلية ... وغير ذلك من المواد التي تندرج ضمن انتاج سوق منظم للسلع الشبابية ( ) .
يمكن اعتبار تمظهرات الثقافة المضادة تتمثل في وجود تعبيرات فنية مختلفة عن ملامح الثقافة السائدة ، التي يتم انتاجها عبر المجتمع من خلال حالة الاتفاق الجمعي بين الافراد المكونه له .و التي تعمل المؤسسات الرسمية بنقل هذه الثقافة السائدة بصفة مستمرة للحفاظ على النمط الثقافي الموجود .كما يمكن ان نطرح مفهوم ثقافة الشباب كثقافة مضادة ، أنطلاقا من طبيعة الممارسات الجديدة مثل :حفلات الجاز ، و الروك ، عروض السينما ، Donnatو التي تندرج ضمن الوسط الثقافي الحديث( ) من خلال التصنيف الذي أعتمده لتحديد الممارسات الثقافية ضمن الأوساط الثقافية السبعة التي طرحها. كما تعتبر هذه الممارسات الجديدة من أهم خاصيات الشباب الحضري ، حيث أن تمظهرات الثقافة المضادة تتجسد من خلال التعبيرات الفنية لشباب المدن ، و خاصة شباب الاحياء الشعبية ، ذلك انها ثقافة تعبر عن الحالة التي يعيشونها و حالة التهميش و الاقصاء التي تتجسد في رسوماتهم على الجدران ،و تعبيراتهم الموسيقية و المسرحية .كما تتمظهر أيضا ملامح هذه الثقافة ضمن المجال الريفي و الذي لا يختلف كثييرا عن الواقع الذي يعيشه شباب المدن وخاصة في الاحياء الشعبية ، خاصة من حيث الموقع الذي يحتله كل منهما داخل المجتمع ، إضافة الى تشابه المشاكل الاجتماعية خاصة في مستوى البطالة ، الفقر ، التهميش... .
و هذا تجلى بوضوح في الحركات الشبابية بالبلاد التونسية ، حيث ان ملامح الثقافة المضادة ظهرت عبر التعبيرات الفنية و ظهرت بقوة في السنوات الأخيرة مثل : أغاني الراب ، مسرح الشارع ، موسيقى الشارع ، الرسوم الساخرة ، الرسم على الجدران ، إضافة الى تنامي الشعارات المناهضة للسلط الحاكمة و النظم السائدة .
أرتبط مفهوم الثقافة المضادة بمفهوم الممارسات الثقافية ذلك ان تمظهرات هذه الثقافية يتجلي في شكل سلوكات و تعبيرات و مختلف الأنشطة ذات البعد الفني و الفكري التي يقوم بها الفرد .اضافة الى التطور الحاصل في مجال التكنولوجيا و عالم الاتصال ، الذي يعتبر فضاء للشباب نظرا لابداع هذه الفئة و تحكمها في العالم الافتراضي و جميع الشبكات المعلوماتية .وهو ما يجعل من الثقافة المضادة في هذا الاطار تتجسد عبر المواقف و التعبيرات التي يعبر عنها الشباب داخل المواقع الافتراضية مثل : الفايسبوك ، تويتر،... وغير ذلك .
تعود تعبيرات الثقافة المضادة منذ ظهور أول ألبوم موسيقى " الروك" في عام 1954 للمغني "بيلهالي "( )، حيث اعتبر هذا الفن صناعة موجهة نحو الشباب تجلى خاصة في الأوساط الشعبية والحضرية الأمريكية ، حيث شهد هذا الألبوم استهلاك كبير وهو ما يعكس الاهتمامات الشبابية للأنماط الموسيقية الجديدة ، التي تعبر ثقافته و تحمل خصوصيات تميزه عن الفئات الاجتماعية الأخرى .
كما يمكن أيضا النظر الى ثقافة الشباب كثقافة مضادة من خلال الواقع الذي يعيشه الشاب الريفي و بنية الحياة في الريف ، و ذلك من خلال فهم واقع الممارسات الثقافية التي يحملها ، و تحليل مواقفه و سلوكاته ، التي لا تختلف كثيرا تعبيرات الشباب الحضري. كما أن ثقافة الشياب لا يمكن النظر اليها بمعزل عن الحراك المجتمعي و الواقع السياسي و الثقافي السائد ، ذلك انها تعبر عن نمط فكري مناهض للسائد و مختلف عنه .حيث تعبر الثقافة المضادة عن حالة الرفض و قد شملت أيضا واقع الشباب الريفي باعتباره لا يختلف كثيرا عن شباب المدن و خاصة في مستوى " الازمة الاجتماعية و الاقتصادية " التي يعيشونها خاصة من خلال ما نلاحظه في واقع الشباب التونسي .و في هذا السياق سنقوم بدراسة واقع الممارسات الثقافية لدى شباب "ريف منطقة الحنشة " ، و ذلك عبر تحليل أدوار عناصر التنشئة الاجتماعية و التي تتمثل في المحيط الاجتماعي السائد و العائلة .
2- 3 الشباب و الثقافة الرسمية
مثلت علاقة الشباب بالثقافة محور بحث العديد من الباحثين في مجالات علم الاجتماع وعلم النفس .و مع التطور الحاصل في المستوى الاجتماعي و الثقافي و الاقتصادي و الذي انعكس على البني العامة المؤسسة للمجتمع ،تمظهرت خاصة عبر التنظيم المؤسساتي للأفراد في اطار نظام تحدده الدولة كمصدر للتأسيس .
و في هذا الاطار يمكن اعتبار أن مفهوم " الرسمي " يتمظهر عبر أجهزة الدولة و النسق القانوني و الإداري الذي تشتغل وفقه كل مؤسسة . و يمكن النظر الى هذا المفهوم في علاقته بالثقافة أنطلاقا من النموذج الفرنسي من خلال ظهور الرسمي عبر بداية تأسيس وزارة الشؤون الثقافية في سنة 1959 ، حيث تولى هذه الوزارة "أندري مالرو "( ).حيث ساهم هذا التأسيس في في بدايات نشأة الفعل الثقافي الرسمي الذي أرتبط بعمل المؤسسات الثقافية الرسمية وفق أستراتيجية تحددها الوزارة و تعمل على تنفيذها .كما أن هذا البناء و التأسيس المؤسساتي تمظهر في النمط الثقافي للمجتمع الفرنسي و تشكيل الهوية الفرنسية ، إضافة الى تأسيس العديد من المؤسسات الوطنية التي تعنى بالمسرح و الموسيقى و السينما.
ان بدايات تشكل الثقافة الرسمية انطلاقا من الثقافة الفرنسية و بنية النموذج الفرنسي ، كانت عبر السياسة الثقافية التي أعتمدها " مالرو " عند توليه وزارة الشؤون الثقافية ، حيث منعرجا هاما من خلال بداية النظر الى الثقافة في سياق الفضاءات الرسمية ، و تخضع للعمل المؤسساتي وفق ما تحدده السياسة الثقافية للدولة ، و ما يفرضه النمط الاجتماعي و القيمي السائد ، و ذلك يندرج ضمن بناء ثقافة وطنية تعبر التجذر التاريخي لهوية المجتمع الفرنسي و موروثه الفكري و الحضاري .
تطرح مسالة الشباب و الثقافة الرسمية أنطلاقا من مواقف و تصورات هذه الفئة من ناحية أولى ، و النسق الذي تشتغل وفقه المؤسسات الرسمية للعمل الثقافي من ناحية أخرى . وهو ما يؤثر عموما على تطلعات الشباب و المواقف التي يحملونها سواء عبر التأثر الإيجابي مع أشكال الثقافة الرسمية أو من خلال الرفض المعلن لقيم هذه الثقافة و نسق اشتغالها في الحقل الثقافي . و يمكن في هذا السياق ان نفسر " الميكانيزمات " التي تشتغل وفقها هذه الثقافة حيث ان تمظهرات العمل المؤسساتي الرسمي يندرج ضمن "قرار الثقافة الشرعية المهيمنة "( )، حيث تتجسد عبر التوجهات العامة للسياسات الثقافية و نظام عمل المؤسسات التي تحدده الدولة و تعمل على تنفيذ مواقف و ثقافة السلطة أو الطبقة الحاكمة .
و في هذا السياق يمكن اعتبار ان الثقافة الرسمية ليست ثقافة مستقلة عن التوجهات العامة وبينية السياسة الثقافية التي تنتجها الدولة ، بل أنها تمثل أشد تمثيلا مواقف و سياسات أو مصالح السلطة و تصوراتها التي تعمل علة تنفيذها ، إضافة الى فرض النموذج الثقافي على الافراد بما يحقق استمرارية تلك المواقف و المصالح ، إضافة الى انتاج وعي معين يستجيب لقيم هذه الثقافة ، حيث انه لا يمكن ان نفهم بنية هذه الثقافة الرسمي الا من خلال تفكيك مصدر القرار الرسمي و من يتحكم فيه ، و يشير " توران " في هذا السياق على أن الخطاب و القرار الرسمي يمثل توجهات الطبقة الحاكمة و التي بدورها تمثل الطبقة المهيمنة ( ). حيث تنتج هذه الطبقة النموذج الثقافي الذي يستجيب للقيم و القواعد التي تعبر عن ثقافة هذه الطبقة ، و يستمر هذا النموذج في شكل سياسة ثقافية رسمية تعمل هذه الطبقة على تكريسها داخل المؤسسات الرسمية .
تتجسد ثقافة الشباب في هذا السياق عبر مجموع المواقف التي يحملها الشاب و لتي يعبر عنها ، و تتجلي في مجموع التعبيرات الفنية و التصورات التي تتكون لديه . و تتخذ ثقافة الشباب نوعا من الموقف المعارض و حالة الرفض لملامح هذه الثقافة الرسمية ، سواء من خلال عزوف الشباب عن المؤسسات الثقافية الرسمية ، او من خلال تشكيلة لثقافة تمثله معارضة لقيم الثقافة الرسمي ، كما ان تنامي الحركات الاحتجاجية في الأوساط السياسية و الثقافية ، حيث مثل فيها الشباب " الطليعة الثورية "من خلال تعبيراته المناهضة للقيم السائدة . و هذا يفسر العلاقة العضوية بين الشباب كفئة اجتماعية و بين تمظهرات الثقافة الرسمية ، بأعتبارها تمثل الاطار الذي تشتغل وفقها جميع الانساق الاجتماعية و الثقافية ، السياسية ...و غير ذلك ،و التي تنتجها الدولة .
كما يمكن ان نفهم آليات اشتغال الثقافة الرسمية انطلاقا من طرح " بورديو " لقيم الثقافة الشرعية "( )، حيث ان النظام الرسمي يشتغل في اطار تأسيس هذه الثقافة ، سواء عبر المناهج االتربوية المقدمة و نسق اشتغال النظام التعليمي ، و الذي اعتبره "بورديو" على انه نظام يقوم بمضاعفة نفوذ و أفعال و ممارسات العائلات البورجوازية و الثرية( ).وفي هذا السياق تتمظهر الثقافة الرسمية كإطار تعمل الطبقة المهيمنة على تحديدها و تكريسها ، حيث انها تتوافق مع القيم الثقافية و الاجتماعية لمحددات الانتماء البورجوازي ، و تنتقل هذه القيم عبر المدرسة من خلال ما يفرضه النظام التعليمي و نسقه ، و تتوافق الثقافة الرسمية مع قيم "الثقافة الشرعية "، وذلك ان هذه الثقافة تتحدد لدى الفرد أنطلاقا من مدى قدرته على امتلاك " الرأسمال الثقافي العائلي "( ) أو الرأسمال الثقافي المكتسب " ( ) ، أي ان الثقافة الشرعية وفق تعبير " بورديو " قيم تحددها المدرسة و الانتماء العائلي بدرجة أولى .
ان طبيعة العلاقة بين الثقافة الرسمية التي تقوم الطبقة المسيطرة على فرضها ، خاصة من خلال نسق اشتغال المؤسسات الثقافية الرسمية ، يجعلنا إزاء وسط ثقافي تحكمه قيم الهيمنة و النفوذ ، ذلك ان الطبقة المهيمنة اقتصاديا و سياسيا هي التي تنتج قوانين هذا الوسط ،و تفرض شرعيتها داخل هذا الوسط الذي يعبر عن قيمها و مبادئها و ممارساتها و سلوكاتها ..... أي عموما كل ما يميزها كفئة و طبقة مسيطرة .
و في هذا السياق تتمظهر ثقافة الشباب من خلال المواقف التي تحملها هذه الفئة تجاه النظم الرسمية السائدة ( قوانين ،مؤسسات ، قيم ...)، إضافة الى مختلف الأنشطة و التعبيرات التي أصبحث تشكل نمط ثقافي مختلف عن السائد ، و تحمل مضامين تعبر عن الرفض و الشعور بالاقصاء تجلت خاصة في " فن الشارع "و الرسومات النقدية و الساخرة من القيم السائدة . أما أجتماعيا فان ملامح القطيعة بين الشباب و بين السلط الرسمية تتمظهر خاصة في تصاعد " الصراع " بين الشباب و تطلعاته تجاه المستقبل و بين النظام الرسمي الذي يمثل مصدر " للأزمة المفتوحة " ، و هذا يعود لغياب البرامج الواضحو و السياسات الموجه لللشباب .
ان الازمة التي يعيشها الشباب تحيلنا بالضرورة الى خطاب نقدي لنسق اشتغال المؤسسات الرسمية و السياسات العامة للدولة ، خاصة في ظل تعمق المركزية الثقافية و شعور الشباب الريفي بالاقصاء و التهميش ، و رغم ان البلاد التونسية انخرطت في السنوات الأولى من الاستقلال في بناء ملامح " الثقافة القومية " التي تقوم على التوفيق بين التراث الوطني و التمشي التحديثي ، و ذلك عبر تولي " الشاذلي القليبي " لوزارة للشؤون الثقافية كأول وزير تونسي لهذه الوزارة ، حيث قال أمام مجلس الامة " حاولنا ان نفسح امام الشباب أبواب النشاط الثقافي على قدر طاقاتهم و بحسب متطلبات تكوينهم ....." ( ). الا ان هذه السياسة الثقافية لم ترتقي الى مرحلة الانفتاح الكلي على المجال الوطني على جيمع مناطق البلاد ، و هذا ما ساهم في تصاعد خطاب ضد المركزية الثقافية و الدعوة الى ادماج الشباب في المشهد الثقافي الوطني ، و خاصة منهم شباب الأرياف و المناطق المهمشة .
يمكن اعتبار ان بنية الثقافة الرسمية بالبلاد التونسية كانت نتاج للتأثر بالنوذج الفرنسي، و بملامح التأسيس لوزارة الشؤون الثقافية الفرنسية لسنة 1959 ، حيث ساهمت هذه الوزارة في بناء قيم الثقافة الوطنية التي تستمد جذورها من الموروث الفكري و الفلسفي ، و تعبر عن هوية المجتمع الفرنسي . و ذلك عبر السياسات الثقافية و البرامج التي تعمل المؤسسات على تكريسها و ضمان استمراريتها عبر الأجيال .
- المراجع باللغة العربية :
- لبيب (الطاهر)،سوسيولوجيا الثقافة ، دار محمد علي الحامي للنشر.- الزيدي (المنجي)، الدخول إلى الحياة، الشباب و الثقافة و التحوّلات الاجتماعيّة، تبر الزمان ، 2005 .
- الزيدي ( المنجي)، ثقافة الشارع : دراسة سوسيو ثقافيّة في مضامين ثقافة الشباب، مركز النشر الجامعي، 2007.
- الدرويش ( الحبيب)، دراسات في قضايا التنشئة و التمكين و الاندماج، كليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة، جامعة صفاقس، 2010.
- الشباب الثقافة، وقائع الندوة الدوليّة الّتي انتظمت بيت الحكمة يومي 11 و 12 أكتوبر، المجمع التونسي للعلوم و الآداب و الفنون، 2010.
- السعيداني (منير)، استحالات المثقفّ و الثقافة و الممارسات الثقافيّة، مكتبة علاء الدين صفاقس، كليّة الآداب و العلوم الإنسانية بصفاقس، 2007.
- - حجازي (عزت)، الشباب العربي و مشكلاته، عالم المعرفة، 1978
- بورديو (بيار)، الرمز و السلطة، ترجمة عبد السلام بن عبد العالي دار توبقال للنشر، 2007.
o - عبد الغني (عماد)، سوسيولوجيا الثقافة، المفاهيم و الإشكاليّات من الحداثة إلى العولمة، مركز دراسات الوحدى العربيّة، بيروت.
- مركز الدراسات و التوثيق للشباب في المغرب العربي، دراسات ثقافية: الملتقى المتوسطي حول الممارسات الثقافيّة للشاب في المغرب العربي، فيفري 1993.
o - الجابري ( محمد العابد)، المسألة الثقافيّة في الوطن العربي، مركز دراسات الوحدة العربية.
المراجع باللغة الفرنسية :
- Philippe Urfalino , l’ invention de la politique culturelle , paris , la- documentation française, 1996.
- Bruno Péquignot , domaines et approches : sociologie des Arts , Arman colin , paris , 2009.
- Touraine (Alain), pour la sociologie, Editions de Minuit, 1974.
- Bouhdiba (Abdelwaheb), culture et société, publications de l’université de tunis, 1978.
- Lahire (Bernard), La culture des individus, Editions la découverte, 2004.
- Marange (Valérie), Les jeunes, la monde Editions, 1995.
- Fleury (Laurent), sociologie de la culture et des pratiques culturelles, Armand colin.
- Bourdieu (Pierre), la distinction, critique sociale du jugement, Editions de Minuit, 1979.
- Roszak (Théodore), vers une contre culture, Paris, 1970 . -Les jeunes dans la société، intervention d’Olivier Galland au colloque du conseil d‘ orientations des retraites، 6 decembre 2011، paris
- Donnat (olivier), regards croisées sur les pratiques culturelles, ministère de la culture et la communication, la documentation française, Paris.
- Bourdieu (Pierre), Questions de sociologie, Editions de Minuit, 1984.
- Boris Gapihon، la bibliothèque : une alternative aux pratiques culturelles dominantes، Décembre، 2005، Bourdieu (pierre), un art moyen, essai sur les usages sociaux de la photographie, Editions de Minuit, Paris, 1965
♡ إدعمنا بمشارك المنشور مع المهتمين . شكرا

مرحبا بك في بوابة علم الاجتماع
يسعدنا تلقي تعليقاتكم وسعداء بتواجدكم معنا على البوابة