الإشكالية اللغوية بالمغرب
تم التحقق من هوية الكتاب
- الكاتب
- محمد مهذب، باحث في علم الاجتماع السياسي
- جامعة ابن زهر-المغرب
- البريد الاكتروني : mmouhadab3@gmail.com
تعتبر مسألة اللغات في علاقتها بالمنظومة التربوية من القضايا التي تميز بقدر كبير من الحساسية و الصعوبة على المستوى الاجتماعي و السياسي. لذلك فالنقاش حول هذا الموضوع غالبا ما يكشف عن تقاطب إيديولوجي حاد بين تيارات محافظة تعلي الخطاب الهوياتي، وتنادي بالتصدي لاستهداف اللغة العربية باعتبارها مكونا أساسيا من مكونات الهوية الوطنية إلى جانب اللغة الأمازيغية، و أخرى تدعو إلى الانفتاح على لغات التواصل الأكثر تداولا في العالم أي اللغات الأجنبية و تشجيع تدريسها و التدريس بها.
لقد ظلت الإشكالية اللغوية مطروحة بحدة منذ عقود بالمغرب، و يبرر إعادة طرحها باستمرار معطيين على الأقل:
الأول مرتبط بضعف مستوى خريجي المدرسة العمومية و ضعف قدراتهم اللغوية في القراءة و الكتابة و التواصل الشفهي.
أما الثاني فيتعلق بعدم الانسجام بين لغة التدريس بشعب التعليم الثانوي التأهيلي( اللغة العربية)، ولغة التدريس في بعض تخصصات التعليم العالي العلمية و التقنية . هذا الفصل وعدم الانسجام، ألقى بثقله من جهة على المستقبل الجامعي و المهني لملايين الشباب عبر حرمانهم من اكتساب قدرات تواصلية أساسية، ومن جهة أخرى على التوازن الاجتماعي و الاقتصادي بالمغرب. وهو ما تأكد بالفعل من خلال الفوارق و التفاوتات الاجتماعية التي ظلت تنتجها هذه السياسة اللغوية غير العادلة و غير المنصفة منذ الاستقلال وانعكاسات ذلك الواضحة على التنمية.
لمعالجة هذا الوضع، نص الميثاق الميثاق الوطني للتربية و التكوين (المادة 114) على تدريس الوحدات و المجزوءات العلمية والتقنية الأكثر تخصصا من سلك البكالوريا باللغة المستعملة في الشعب والتخصصات المتاحة لتوجيه التلاميذ إليها في التعليم العالي. كما دعا ضمن منطوق نفس المادة إلى العمل تدريجيا على فتح شعب اختيارية للتعليم العلمي و التقني، على مستوى الجامعات باللغة العربية.
وبعد مرور عقدين تقريبا من صدور هذه التوصيات دون تنزيلها، جاء مشروع قانون- إطار رقم 17-51 المتعلق بمنظومة التربية و التكوين و البحث العلمي ليحاول الحسم في هذا التخبط اللغوي و إعادة بناء هندسة لغوية جديدة، حيث نص في مادتيه 31 و 32 على المبادئ التي ترتكز عليها هذه الهندسة و تدابير تنفيذها. ومن بين هذه المبادئ نص المشروع على'' إعمال مبدإ التناوب اللغوي من خلال تدريس بعض المواد ، ولا سيما العلمية و التقنية منها أو بعض المضامين أو المجزوءات في بعض المواد بلغة أو لغات أجنبية''، دون أن يحدد أو يشير إلى لغة بعينها. كما أن هذا ينسجم تماما مع ما جاء في الميثاق منذ عقدين من الزمن.
أثارت هذه المقتضيات المتعلقة بلغات التدريس جدلا واسعا بين الحساسيات السياسية والاجتماعية (أحزاب الأغلبية و المعارضة، نقابات، تشكيلات مدنية، فاعلون ثقافيون و تربويون...) طغت عليه مرة أخرى الاصطفافات الإيديولوجية والتقاطبات السياسية أكثر من التزامه بقواعد النقاش العلمي و هاجس مصلحة الأجيال اللاحقة، بعد أن جعل التخبط اللغوي الأجيال السابقة و الحالية تخلف موعدها مع التاريخ و التطورات العلمية والتكنولوجية و المعرفية المتسارعة عبر العالم.
يبدو أن سؤال العدالة اللغوية (Justice linguistique) أصبح مطروحا بحدة، بعد عقود من اعتماد مسلسل التعريب كمشروع إيديولوجي بالدرجة الأولى، أسس له جيل الحركة الوطنية بعد الاستقلال. هذا السؤال يرتبط عضويا بمسألة العدالة المعرفية أي الإنصاف و تكافؤ الفرص في الولوج إلى المعارف العلمية الحديثة. في هذا السياق نطرح بعض مستويات الخلط و الالتباس التي تعتري هذا الجدل و الأسئلة المرتبطة بها:أولا: إن النقاش حول اللغة لا يجب أن يسقط في الخلط بين اللغات المدرسة كمواد قائمة الذات في البرامج و المقررات الدراسية من جهة، وبين لغات تدريس بعض المواد غير اللغوية. كما أن مصطلحات من قبيل ''التعريب'' Arabisation أو ''الفرنسة'' Francisation لم ترد كتوصيات، لا في الميثاق الوطني للتربية كوثيقة مرجعية للسياسات التربوية حضيت بنوع من التوافق المجتمعي، ولا في الرؤية الاستراتيجية التي أعدها المجلس الأعلى للتربية و التكوين و البحث العلمي(2015-2030)، بل كان هناك حديث عن إرساء تعددية لغوية بالإدماج المبكر للغات الأجنبية( فرنسية و إنجليزية) إلى جانب اللغتين الوطنيتين.
ثانيا: لا بد من التمييز في نظرنا بخصوص النقاش اللغوي بين مستويين:
المستوى الهوياتي، حيث يصبح التعلق باللغة العربية أو اللغة الأمازيغية مسألة مشروعة ومصيرية مرتبطة بالوجود، و تتعدى منطق السوق اللغوية (Marché linguistique. ) ثم المستوى المعرفي المرتبط بالمعارف و العلوم و الثقافة الكونية.
لتوضيح هذه الالتباسات نطرح التساؤلات التالية:
- لماذا ظلت القدرات اللغوية للتلاميذ المغاربة حسب التقييمات الوطنية و الدولية ضعيفة و محدودة، سواء في اللغة الفرنسية التي تدرس منذ عقود ابتداء من السنة الثالثة من السلك الابتدائي( أي ما يعادل 10 سنوات إلى غاية الحصول على البكالوريا) قبل أن ينتقل تدريسها إلى السنة الثانية ثم الأولى حاليا. أو كذلك في اللغة العربية التي ما زال بعض حاملي الدكتوراة العربية يرتكبون مجازر لغوية بشأنها !. يكفي أن نشير إلى الدراسة الدولية لقياس مدى تقدم القرائية في العالم PIRLS برسم سنة 2016 ، والتي وقفت على استمرارية تأخرنا في الترتيب الدولي(358 نقطة). ألا يتعلق الأمر بمشكلات التدبير البيداغوجي لتعليم و تعلم هذه اللغات والوسائل الديداكتيكية المرصودة لذلك، بالإضافة إلى جودة تكوين الأساتذة؟. هل قمنا مثلا بدراسات علمية لمعرفة المستوى اللغوي للأساتذة الذين يدرسون اللغات في جميع أسلاك التعليم، خاصة و أن جزءا كبيرا من أعضاء هيئة التدريس حاصلون فقط على شهادة البكالوريا؟.- ما يزال العديد من خريجي المدرسة العمومية يعانون من عجز كبير عن التعبير و الكتابة السليمين باللغة العربية الفصحى. ماذا إذن عن تنمية اللغات الوطنية التي تحدث عنها الفصل 5 من الدستور المغربي، والذي نص على إحداث مجلس وطني للغات و الثقافة المغربية، ما زال مشروع قانونه التنظيمي حبيس البرلمان؟. هذا المشروع يسند للمجلس مهمة اقتراح التوجهات الاستراتيجية للدولة في مجال السياسات اللغوية و الثقافية و إحالتها على الحكومة. كما أنه يتحدث عن اختصاصات مهمة لأكاديمة محمد السادس للغة العربية ، كتطوير النظام النحوي والمعجمي و التوليدي للغة العربية، والقيام بالبحوث الرامية إلى إصلاح مناهج تدريسها، ووضع معاجم عصرية رهن إشارة المتخصصين في المجالات العلمية، ودعم ترجمة المؤلفات الأجنبية المرجعية.
إن الحديث عن اللغة كأدة للولوج إلى مجتمع المعرفة يطرح مستويين من التحليل:
مستوى اللغة كأدة للتلقي وبناء المعرفة.
حيث نصبح مكرهين وفق منطق ميزان القوة و الغلبة على مسايرة التطورات العلمية و التكنولوجية بلغة الآخر. كما أن الواقع السوسيولوجي يبين أن الفرنسية ما زالت تمكن من يتقنونها في المغرب من ولوج المدارس العلمية و التقنية في فرنسا، ثم الانخراط في أسلاك التكنوقراطيات التي تسير الاقتصاد و الإدارة في القطاعين الخاص و العام، أي أن دورها ما زال جوهريا في إنتاج النخبة الصانعة للقرار. من جهة أخرى، فإن سوق الإنجليزية أصبح يتقدم بشكل كبير على حساب سوق الفرنسية في مجال الإنتاج العلمي و التكنولوجي.مستوى الإنتاج العلمي و التكنولوجي.
فالواقع اليوم هو أن اللغة العربية لا توفر رصيدا علميا و تكنولوجيا و فنيا يضاهي رصيد اللغتين الفرنسية و الإنجليزية، سواء في العلوم الحقة أو في العلوم الاجتماعية و الإنسانية. لذلك، فالمفارقة الكبيرة التي تطرح في سياق هذه التنافسية اللغوية على مستوى المعرفة(وليس الهوية)، هو الاقتران بين التشبت المشروع و المفهوم باللغة العربية من جهة، وضعف الإنتاج في هذه اللغة من جهة أخرى. يربط الأنثروبولوجي عبد الله حمودي هذا التفاوت بارتباط تعليم اللغة العربية بأمور العقيدة و الشرع إلى درجة الخلط بينهما، فغلبت عليه مناهج النقل و الحفظ بالمقارنة مع المنطق و مناهج التحليل العقلي. لذلك نجد انفصاما بين نخبة ضخمة من المتكونين باللغة العربية وفق المناهج السالفة، مقابل شرائح أقل عددا بكثير لكنها تتوفر على قدرات علمية و تقنية عالية بفعل تمكنها من اللغات الغربية. إن هذا الواقع لا يعود إلى اللغة العربية في حد ذاتها، بل إلى السياسات اللغوية المعتمدة، و إلى الإخفاقات البيداغوجية و المنهجية للمدرسة.إن مدرسة القرن الواحد و العشرين في كل مستوياتها، لا يجب أن تنكب فقط على المعرفة، بل كذلك على ''معرفة المعرفة'' و ما تنطوي عليه من خطإ ووهم، باعتبارها مخاطر تواجه العقل الإنساني. كما ينبغي أن تعلم الفكر المركب ووضع المعارف في سياق كلي، وترسخ الوعي بالهوية الإنسانية المشتركة ووحدة القدر الإنساني. كما أنها مطالبة بالتربية على مواجهة اللايقين(Incertitude) كأحد السمات المميزة لمعرفة و عالم اليوم، وعلى الفهم المتبادل بين الأفراد و المجتمعات الإنسانية، بالإضافة إلى الوعي باستقلالية الفرد ( Edgar Morin, 1999).


مرحبا بك في بوابة علم الاجتماع
يسعدنا تلقي تعليقاتكم وسعداء بتواجدكم معنا على البوابة