أمير المؤمنين في الحقل السياسي المغربي
بقلم احمد بلا
طالب باحث في العلوم السياسية والتواص السياسي
جامعة الحسن الثاني الدار البيضاء
مقدمة:
تعد إشكالية العلاقة بين الدين والسياسة من أكثر الإشكاليات التي استأثرت باهتمام بالغ في مجال الفكر السياسي على مدى قرون طويلة من الزمن... فهي إشكالية قديمة - جديدة تتمظهر باستمرار في أنماط متعددة و مختلفة. فقد عرفت العلاقة بين الديني والسياسي حركة مد وجزر، إذ ظلت هذه العلاقة في فترات معينة تتسم بصفة التماهي والتكامل وبات الزعيم السياسي هو زعيم ديني في نفس الوقت، يجمع بين الوظيفتين الزمنية والروحية، فسلطة الاكليروس في أوربا ظلت طوال القرون الوسطى تفرض نفوذها المطلق على كافة ميادين الحياة... وفي فترات أخرى ستعرف العلاقة بين الديني والسياسي انفصالا، إذ سيخضع المجال السياسي لعقد اجتماعي يتم إبرامه بين مختلف أطراف المجتمع 1...لمحاولة رصد مفهوم "إمارة المؤمنين" في التاريخ المغربي، وخاصة أنه يحمل من الدلالات الدينية الرمزية الشيء الكثير. يستوجب منا الرجوع الى مراحل وفترات تاريخية كانت حاسمة، فهي تستدعي متابعة حثيثة لنشأة هذا المفهوم ونحته، عبر هذا التاريخ، أي منذ احتكاك الإسلام بالمنطقة، ثم تطوره مع الدول التي تعاقبت على حكمها، بخلفيتها الأيديولوجية المؤطرة، والتي أنتجت في النهاية وضعية statut السلطان "أمير المؤمنين."
إن السلطان، منظورا إليه بهذه الصفة/أميرا للمؤمنين، كما أنه دائما يحتكر جميع السلطات الزمنية والدينية، وهو رمزها أيضا: فهو الإمام، وانه نظريا، وهو القائد الأعلى للجيش، وباسمه تصدر الأحكام القضائية والتعيينات في مناصب الدولة، كما أن ظهائره قد تنسخ النصوص الدستورية نفسها... فهو إذن مصدر جميع السلط، وبما أنه ذلك، فإنه يصبح من النادر الحديث عن حراك اجتماعي – سياسي إلا بإذنه، بمعنى أنه هو الذي يضفي على "النخبة" نخبويتها، يصنعها ويرقيها، ويدمجها في نسقه السياسي، إن شاء ذلك، كما أنه يفرغها من ومحتواها إن شاء ذلك أيضا..
ان مفهوم أمير المؤمنين يضعنا أمام جملة من الاشكالات خاصة في السياق المغربي. ما هو السياق التاريخي لظهور هذا المفهوم؟ وما المعنى الذي يكتسيه مفهوم أمير المؤمنين في السياقين السياسي والاجتماعي المغربيين؟ ومن اين يستمد شرعيته (أمير المؤمنين)؟ وكيف استطاعت المؤسسات التقليدية بالمغرب الخضوع لسلطته؟ وماهي الخصائص والمميزات لإمارة المؤمنين بالمغرب؟ ما موقع أمير المؤمنين في النص الدستوري (خاصة من الفكرة الدستورية 1908م الى اللحظة الدستورية سنة1962 ) صدور اول دستور في مغرب الاستقلال السياسي ؟
I إمارة المؤمنين؛ إشكالية المفهوم والسياق التاريخي.
1. مفهوم امارة المؤمنين إشكالياته.2. السياق التاريخي لمفهوم أمير المؤمنين في السياق الاسلامي.
II إمارة المؤمنين في الحقل السياسي والدستوري المغربي.
1. إمارة المؤمنين في التاريخ السياسي المغربي.2. أمير المؤمنين في الحقل الدستوري المغربي من الفكرة الى اللحظة الدستوريتين .
I إمارة المؤمنين إشكالية المفهوم والسياق التاريخي.
1. مفهوم امارة المؤمنين إشكالياته.في قاموس معجم الوسيط:
أمير الأمراء لقب كان يلقّب به القائد الأعلى للجيش ، ثم أصبح مرتبة من مراتب التشريف أدخلها الخلفاء العباسيّون على نظامهم الإداريّ ، ومع ضعف الخلافة استبدّ حاملو هذا اللّقب وتحوّلوا إلى ملوك أو سلاطين2
في المعجم اللغة العربية المعاصر.
الأَميرُ الأَميرُ : مَن يَتَولَّى الإمارة .
و الأَميرُ من وُلِد في بيت الإمارة. والجمع : أُمَراء .
و الأَميرُ المُشاوِرُ .
وأَمير المؤمنين : لقب لخليفة المسلمين .
أمير المؤمنين لقب تختلف فيه المذاهب الإسلامية، فيطلقه أهل السنة على بعض الشخصيات التي تولت قيادة الدولة الإسلامية وأنه عُرف في خلافة عمر بن الخطاب عندما أطلقه المسلمون عليه لأول مرة، في حين يعتقد الشيعة بأنّه لقبٌ مختصٌ بعلي بن أبي طالب دون غيره، وأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لقبه بذلك3.
فالخليفة هو نفسه الإمام وهو نفسه أمير المؤمنين، ولا يعني تأسيس إمارة المؤمنين، زمن عمر بن
الخطاب، ما ذهب إليه أكنوش من أن "الخلافة قد وصلت درجة من التجريد تجعلها منفصلة عن الأشخاص الذين يمارسونها." لتأصيل هذا الإشكال علينا الرجوع، مرة أخرى، إلى اللحظة التاريخية التي انبثقت فيها فكرة الخلافة، وهي اللحظة التي تمت فيها بيعة أبي بكر خليفة بعد وفاة النبي عليه السلام.
يطلقه أهل السنة والجماعة على جميع الخلفاء الراشدين أبوبكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم من الخلفاء الأمويين والعباسيين والفاطميين وقد ظهر لقب أمير المؤمنين في خلافة عمر بن الخطاب، وكان عمر بن الخطاب أول من تسمى بلقب أمير المؤمنين، إذ تذكر الروايات أن أبو بكر الصديق كانوا يسمونه خليفة رسول الله ، فلما توفي وخلفه عمر؛ قال عمر : كان أبو بكر يقال له خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكيف يقال لي خليفة خليفة رسول الله يطول هذا؟! فقال له المغيرة بن شعبة: أنت أميرنا ونحن المؤمنون فأنت أمير المؤمنين، قال: فذاك إذاً.
يطلق الشيعة لقب أمير المؤمنين على علي بن أبي طالب ابن عم النبي محمد، وفي نظرهم ان الإمام علي هو الوصي والخليفة الأول والأئمة من بعده هم حجج الله على خلقه؛ ويستدلون على ذلك بالروايات الواردة عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وعن علي وأبنائه في كونه أول من لقب بهذا اللقب من قِبلِ رسول الله، واختصاصه به وعدم إطلاقه على غيره من الأئمة بعده، ومما جاء في الروايات: ما جاء عن القاسم بن جندب عن أنس قوله: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا أنس اسكب لي وضوءاً) ثم قام فصلى ركعتين. ثم قال: (يا أنس أول من يدخل عليك من هذا الباب أمير المؤمنين وسيد المسلمين، وقائد الغر المحجلين، وخاتم الوصيين) قال أنس: قلت اللهم اجعله رجلا من الأنصار وكتمته. إذ جاء علي فقال:(من هذا يا أنس؟) فقلت علي، فقام مستبشراً فاعتنقه..4
تقوم إمارة المؤمنين على أساسين كبيرين هما :
1- البيعة : وهي الأسلوب الشرعي في تنصيب أمير المؤمنين وهي الأساس الشرعي الذي تقوم عليه السلطة العليا لتسيير شؤون المسلمين. وتعتبر البيعة من خصائص الحضارة الإسلامية .2- أهل الحل والعقد: هم الذين يمثلون الأمة في تنصيب أمير المؤمنين قياما بفرض الكفاية في تقديم البيعة له نيابة عن الأمة بمجموعها، منهم أصحاب السمو الأمراء وعلماء الأمة وكبار رجالات الدولة ونواب الأمة ومستشاريها ورؤساء الأحزاب السياسية وكبار ضباط القيادة العليا للقوات المسلحة الملكية. ويترتب عنها عهد وميثاق في ذمة الأمة، عليها الوفاء بها، مصداقا لقول النبي "من فارق الجماعة شبرا فمات فميتته جاهلية5"
من أهم مقتضيات البيعة في الإسلام نذكر:
السمع والطاعة: السمع والطاعة لأمير المؤمنين فيما يأمر وينهى في غير محرم .
لزوم الجماعة : فلا يحل لأحد من الناس منازعة السلطان في الحكم والرئاسة ولا قتاله ولا الخروج عليه ، ومن فعل ذلك فهو مبتدع النصرة :تتم النصرة بالتأييد والدعاء والنصيحة ، قال (ص) " خيار أئمتكم الذين تحبونهم، ويحبونكم، وتصلون عليهم، ويصلون عليكم." صحيح مسلم المقاصد الشرعية والغايات السامية لأمارة المؤمنين
2- السياق التاريخي لمفهوم أمير المؤمنين في السياق الاسلامي.
إن تأصيل مفهوم أمير المؤمنين يجعلنا أمام إشكالات عديدة ويفرض علينا هذا الرجوع مرة أخرى، إلى اللحظة التاريخية التي انبثقت فيها فكرة الخلافة، وهي اللحظة التي تمت فيها بيعة أبي بكر خليفة بعد وفاة النبي عليه على وجه الخصوص ومتا تلاها من أحداث..
أمير المؤمنين في الفقه الاسلامي هو الخليفة، أي الحاكم الاعلى للدولة الاسلامية، المنتمي لقبيلة قريش والمكلف بمهمة إمامة المسلمين في صلاتهم وحماية حياة ومصالح المسلمين وغير المسلمين وكذا تدبير شؤونهم العامة. يؤكد ابن خلدون في كتابه المعروف "المقدمة" يؤكد أن أمير المؤمنين هو من يحكم فعلا بلاد الحجاز والعراق وسوريا وكل البلاد التي هي من أصل العرب ومركز الدولة الاسلامية6.
ان الصراع الذي دار في سقيفة بني ساعدة، حول خلافة النبي عليه السلام، قال الأنصار للمهاجرين: «منا أمير ومنكم أمير»؛ و رد أبو بكر: «نحن الأمراء وأنتم الوزراء» ،كما ذكر الطبري قولا منسوبا لسعد بن عبادة، في نفس المناسبة، جاء فيه: «إنكم يا معشر المهاجرين حسدتموني على الإمارة» ،مما يدل على أن العرب كانوا منذ هذا التاريخ المبكر، قد استعملوا لقب الإمارة وتداولوه بينهم، لكن رغم ذلك تأخر استعمال لقب "أمير المؤمنين" إلى زمن لاحق، وكان أول من دعي به «عمر بن الخطاب؛ ثم جرت السنة بذلك، واستعمله الخلفاء إلى اليوم.»؛ وذلك أنه «لما ولي عمر قيل: يا خليفة خليفة رسول الله، فقال عمر رضي الله عنه: هذا أمر يطول، كلما جاء خليفة قالوا: يا خليفة خليفة خليفة رسول الله! بل أنتم المؤمنون وأنا أميركم، فسمي أمير المؤمنين7
لقد ظهرت اذن مؤسسة إمارة المؤمنين في عهد عمر بن الخطاب، هذا العهد الذي امتاز بظهور أهم المؤسسات السياسية الاسلامية نتيجة للفتوحات وتوسع وتعقد الحياة المدنية والعسكرية، فتأسيس إمارة المؤمنين يعني أن الخلافة قد وصلت الى درجة من التجرد تجعلها منفصلة عن الاشخاص الذي يمارسونها.
ان العباسيين في سنة 750م والفاطميين في سنة 910م. ادخلوا في تعريف مؤسسة امارة المؤمنين معيارا جديدا الذي هو الانتماء الى البيت النبوي، فالنسبة للعباسيين يجب ان يكون الخليفة امير المؤمنين منحدرا من سلالة العباس بن عبد المطلب عم الرسول، أما بالنسبة للشيعة الفاطمية فأمير المؤمنين لا يمكن أن يكون متحدرا الا من أبناء علي بن ابي المطلب واولاد فاطمة بنت الرسول9.
إنه من المؤكد تاريخيا ان انتصار هذا المعيار في تحديد تعريف للخليفة – أمير المؤمنين، هو الذي دفع يوسف بن تاشفين إعلان ولائه للعباسيين والاقتصار على لقب "أمير المؤمنين" عوض لقب الخلافة10.
II إمارة المؤمنين في الحقل السياسي والدستوري المغربي.
تميز السياق السياسي المغربي بتعاقب مجموع من السلاطين في تسير وتدبير شؤونه وكان، شكلت القاب التي تطلق عليهم أهمية كبير وكانت لها دلالات متعددة، ولعل أبرزها مفهوم أمير المؤمنين خاصة في سياقه السياسي (المحور الأول) وكذا مراحل دسترته ( المحور الثاني).1 إمارة المؤمنين في التاريخ السياسي المغربي.
إن مؤسسة "إمارة المؤمنين" مؤسسة إسلامية بامتياز، ولذلك لم تعرف في تاريخ المغرب ما قبل الإسلام؛ ان اللقب الذي ساد المغرب القديم، في الممالك التابعة للروما، وأطلق على حكام الممالك الأمازيغية وقتئذ، فكان لقب الأتليد/الأجليد/الأجديد"؛ ومع مجيء الإسلام تأسست كيانات سياسيةبالمنطقة، منذ القرن الثاني للهجرة/الثامن للميلاد، مستمدة أصولها من تنظيمات الدولة الإسلامية بالمشرق، ومعروف أن دولة إسلامية، هي قبل كل شيء، أسرة حاكمة وعاصمة للملك، حيث تقام صلوات الجمعة باسم السلطان، ومن العاصمة وحولها يبدأ مجال السلطة في التوسع بشكل ممتد ومستمر، وكلما أوغل في الامتداد إلا وأصبح شكليا وغير واضح حيث يتلاشى تدريجيا إلى أن نجد أنفسنا داخل مجال عاصمة أخرى. لذا نجدها، في بلاد المغرب بعد الفتح الإسلامي، أمام فسيفساء من العواصم والمجالات التابعة لها، وكانت تعيش صراعات دموية مهلكة، مما جعلها لا تتبع دائما الخلافة بالمشرق11.
لقد تحققت تاريخيا "إمارة المسلمين" عندما تلقب يوسف بن تاشفين بأمير المسلمين. و هذا اللقب سيؤكده العباسيون سنة 1087م. عبر فتوى أصدرها الفقهاء برئاسة الغزالي. ولقد استخلص ابن خلدون من هذه الفتوى خمسة شروط يجب أن يتصف بها الشخص الذي يطمح لحيازة لقب "أمير المسلمين"، و هي: أن يكون من قبيلة لمتونة، و أن تأخذ سياسته برأي رؤساء القبائل، و أن يتبع المذهب المالكي، و أن يأخذ برأي العلماء في مسائل الدين و السياسية.
تقدم لنا النقود المرابطية دليلا تاريخيا ، حيث يعود الاعتراف ولو ضمنيا ومبهما بالخليفة العباسي إلى فترة الأمير أبو بكر بن عمر المرابطي، ففي الدنانير السجلماسية التي يعود تاريخها إلى سنة 440 و 480 للهجرة / 1058 – 1087 ميلادية، نجد اسم عبد الله أمير المؤمنين، ورغم أن غياب لقب العباسي يثير الشكوك حول الاسم خصوصا وأن مؤسس الحركة يدعى عبد الله، إلا أن المرجح هو بداية الاعتراف بالخليفة العباسي، خاصة وأن صاحب القرار السياسي والعسكري يوسف بن تاشفين لم يكن يحمل في هذه الفترة سوى لقب أمير المغرب الأقصى، ولم يلقب بأمير المسلمين إلا بعد أن أصبحت سلطته واضحة المعالم على المستوى الصنهاجي الداخلي والمغربي وحتى في الأوساط الأندلسية.
تشير المصادر التاريخية إلى أن شيوخ القبائل الصنهاجية اقترحوا على يوسف بن تاشفين لقب أمير المؤمنين، فكان جوابه أن هذا اللقب مخصص للشجرة النبوية التي ينحدر منها بنو العباس حاكمي مكة والمدينة، وما هو إلا قائم بدعوتهم في الغرب الإسلامي، ولتثبيت أمور الدولة وإدارتها قبل بلقب أمير المسلمين وناصر الدين، حتى يتمكن من التميز على سائر أمراء القبائل الصنهاجية والخروج من نمط السلطة القبلية إلى سلطة المملكة12
وإلى جانب المرادي الذي نظر لفكرة "إمارة المسلمين"، يورد محمد ظريف، أبو العباس أحمد بن القاضي صاحب كتاب "المنتقى المقصور على مآثر الخليفة المنصور" و الذي جاء لينظر، هذه المرة، لفكرة " أمير المؤمنين" التي تشكل الإطار القانوني لدولة الخلافة. ، فحين نتحدث عن دولة الخلافة فإننا نتحدث في الواقع عن وحدة السلطة ووحدة الحكم طبقا للنظرية الإسلامية.
إن مؤسسة "إمارة المؤمنين" انبرزت في فكر ابن القاضي مع معركة وادي المخازن. فهاته "المعركة" تمنح شروط و مشروعية إعادة إنتاج دولة الخلافة. و هذه المشروعية تتمثل على مستويين : المستوى الأول يكمن في كونها تعيد إنتاج اللحظات الكبرى في التاريخ "النبوي"، إذ يقيم نوع من المماثلة بينها وبين غزوة بدر، أما المستوى الثاني فيتجسد في كونها تعيد اللحمة للتاريخ؛ تاريخ الخلافة التي هي الإطار العام لمؤسسة "أمير المؤمنين".
و عندما يتحدث عن الخلافة، فإنه يرى أن طاعة الإمام واجبة بالكتاب و السنة. و في هذا الصدد، يطرح ابن القاضي شروط حيازة لقب خليفة أمير المؤمنين في إطار التصور السني. إذ يحصرها في سبعة: الذكورة والبلوغ والحرية والورع والعدالة والاجتهاد في الأحكام الشرعية وشرط القرشية13
عرف المغرب طيلة القرن الرابع الهجري وحتى منتصف القرن الخامس الهجري تمزقا سياسيا، بناء على التجزئة القبلية التي عرفها، فظهرت فيه عدة إمارات كانت مجالا لتنافس الخلافتين: الأموية بالأندلس والفاطمية بمصر؛ واستمر الوضع على هذه الحال إلى مجيء يوسف بن تاشفين الذي «نزعت به همته إلى الدخول في طاعة الخليفة تكميلا لمراسم دينه. فخاطب المستظهر العباسي وأوفد
عليه ببيعته عبد الله بن العربي وابنه القاضي أبا بكر من مشيخة إشبيلية يطلبا توليته إياه على المغرب وتقليده تلك، فانقلبوا إليه بعهد الخلافة له على المغرب واستشعار زيهم في لبوسه ورتبته، وخاطبه فيه بأمير المؤمنين تشريفا له واختصاصا فاتخذها لقبا. ويقال: إنه تدعي له بأمير المؤمنين من قبل، أدبا مع رتبة الخلافة، لما كانت عليه هو وقومه المرابطون من انتحال الدين واتباع السنة14.
يُفسر محمد عابد الجابري هذه الخصوصية المغربية باستقلال المغرب عن الخلافة العباسية في المشرق منذ زمن هارون الرشيد، وبتطور الدولة فيه من ''دولة منشقة'' على عهد الأدارسة، إلى ''دولة مجاهدة'' على عهد المرابطين والموحدين والسعديين. ظلت تصدّ هجمات النصارى على الأندلس، وتعمل على توحيد بلدان شمال افريقيا وجمع كلمة المسلمين فيها، أو تتجند ل''الفتح'' جنوبا إلى السودان الغربي... هذا الأمر جعل الملوك أو السلاطين المغاربة يشعرون باستحقاقهم الألقاب التي تضفي الشرعية الدينية على حكمهم، ومن هنا اختيار لقب ''أمير المسلمين'' على عهد المرابطين، أو اختيار لقب ''أمير المؤمنين'' بدء من الموحدين، الذين عاصروا انهيار الخلافة العباسية. وهي ألقاب تجمع بين السلطتين الدينية والسياسية، وتلزم حاملها بالتقيد بأهم مقومات الخلافة في الإسلام من الناحية العملية على الأقل، وهي: أولا، تولي الحكم بالبيعة، وثانيا، العمل بالشورى. ويضيف الجابري أن البيعة يتولاها أهل الحل والعقد، وهم شيوخ القبائل الذين يمنحون الشرعية السياسية، والعلماء الذين يمنحون الشرعية الدينية15
ظلت البيعة في المغرب، بعدها، مشروطة دوما ب''العمل بالكتاب والسنة''، وكثيرا ما كان يتم التنصيص في وثيقة البيعة على ''ما بُويع عليه رسول الله(ص) والخلفاء الراشدون والأئمة المهتدون''، أو أنها ''تامة الشروط''... لكن الجديد الذي بدأ خاصة مع تولي العلويين الحكم كان ربط البيعة بشروط محددة تشغل الرأي العام الوطني. وكانت بيعة المولى سليمان أول بيعة مشروطة بالسير على الخلافة الشرعية والسنن المحمدية ونصرة الدين وترك البدع والمظالم والمكوس والمحارم. ويعلق الاستاذ محمد عابد الجابري على ذلك بالقول: ''ولعل هذه الأخيرة، أي المكوس والمحارم، كانت الشرط الأساسي14''
ان رمزية الوحدة تكونت ماضيا وترجمت حاليا كذلك في المغرب من خلال مؤسسة البيعة التي حافظت عليها سلطات الحماية كما أنها هاته الاخيرة استعملتها قصد اطفاء الشرعية اللازمة على وجودها وعلى القرارات السياسية التي كانت تتخذها باسم السلطان – أمير المؤمنين16
2.أمير المؤمنين في الحقل الدستوري والسياسي المغربي من الفكرة الى اللحظة الدستوريتين .
لقد كانت آخر بيعة مشروطة هي تلك التي تمت للمولى عبد الحفيظ سنة 1908، واعتبرها علال الفاسي ''عقدا بين الملك والشعب يخرج بنظام الحكم من الملكية المطلقة إلى ملكية مقيدة دستورية''، ويضيف شارحا: ''فليس من حق السلطان منذ الآن أن يبرم أية معاهدة تجارية أو سلمية (مدنية أو اقتصادية) إلا بالرجوع إلى الشعب ومصادقته''. لكن الملاحظة المثيرة في هذا الصدد أن مشروع دستور 1908 الذي نص في مادته السادسة على أنه: يلقب السلطان بإمام المسلمين وحامي حوزة الدين''. وهو لقب جديد، ينضاف إلى الألقاب التي استعملت من قبل، أي أمير المسلمين، وأمير المؤمنين، لكن دستور 1908 بقي مشروعا فقط، تم إجهاضه بعد ذلك في سياق ما يسمى بالاحتلال أو الاستعمار الأوربي للمغرب، حيت اتجه الانظار الى قضايا ربما كانت أهم ك الدفاع عن وحدة البلاد والمطالبة بالاستقلال.. لكن في أول دستور للمغرب المستقل سياسيا تم تدارك الأمر بدسترة لقب ''أمير المؤمنين'' في دستور 1962، لكن الخلاف كبير كان حول ما إذا كان لقبا وصفة للملك أم يمنحه صلاحيات واختصاصات17؟بالاعتماد على أبحاث سوتر JF. Suter يرى بأن الملكيات تعتمد دائما في تحديد هويتها السياسية على التاريخ والدين، فهي تقتات من خلال الزمن ومن خلال التقاليد وقداسة الأسلاف. وهي لذلك تنتج خطابها السياسي بما يتواءم مع تصوراتها لسياسة المجتمع وبما يضفي على سلطتها القائمة صبغة المشروعية.
في المغرب، اختار الحكام ألقابا مختلفة، فعلى عهد المرابطين اختار يوسف بن تاشفين لقب "أمير المسلمين وناصر الدين"، لكن منذ الدولة الموحدية بات لقب "أمير المؤمنين" اللقب المفضل لسلاطين المغرب إلى اليوم، وإن اختارت جماعة "لسان المغرب" أن يوصف السلطان بـ "إمام المسلمين" في مشروع دستور 1908. وتُفسّر هذه الخصوصية المغربية بكون هذا البلد كان منذ الأدارسة دولة مستقلة عن دولة الخلافة في المشرق، بل اختار مواطنوه أن تكون لهم "دولة مجاهدة" يستحق رئيسها تلك الألقاب.
وإذا كان مشروع دستور 1908، بوصفه الوثيقة الأولى التي أطلقت على السلطان لقبا جديدا هو "إمام المسلمين"، إلا أن المولى عبد الحفيظ لم يتبن تلك الوثيقة وبالتالي لم يُعمل بها. لكن دستور 1962، الذي يعد أول دستور مغربي مكتوب ورسمي، اختار واضعوه للسلطان، الذي أصبح ملكا، لقب "أمير المؤمنين" على عادة أجداده العلويين الذين كان يُطلق عليهم اللقب نفسه، وذلك بدسترته في الفصل 19.
في حالة المغرب تتكئ الملكية المعاصرة على مجموعة من الدعامات إحداها تضرب بجذورها عميقا في التاريخ، باعتبار الملكية المعاصرة امتدادا للدولة المغربية على مدى 12قرنا، فضلا عن كونها تستمد من المرجعية الإسلامية قوتها؛ فيما ترجع الثانية إلى تاريخ قريب، أي زمن الحماية، حيث تم قراءة فكرة
البطل الوطني مع تحرير البلاد لتشكيل الرمزية الملكية، فساهمت شخصية الملك في النضال من أجل الاستقلال، بل وأصبحت الملكية تجسد وحدة الأمة وضمانتها وتسمو إلى درجة المقدس.
فابتداء من سنة 1911 سوف تظهر الملكية من جديد على الساحة السياسية، بل وستصبح الفاعل الأساسي في حقل الصراع من أجل استقلال المغرب... فالحركة الوطنية لم تغفل هذا الواقع السياسي... ولعبت ورقة الملكية حتى تكسب عملها الشرعية اللازمة تجاه الجماهير المغربية» ولذلك يمكن القول بأن فترة ضمور المؤسسة الملكية التي امتدت فيما بين 1912و 1940م. قد ولت، لتفسح
المجال واسعا أمام ملكية قوية بفضل شرعية سياسية ظهر مفعولها في صراع الملك مع سلطات الحماية، ورفضه الخضوع (للمحتل)، فضلا عن الشرعية التاريخية – الدينية التقليدية، المترسخة في الذاكرة الجماعية المغربية، «وفي مقابل قوة الملكية هذه، خرجت الحركة الوطنية منهكة نتيجة التشتيت الذي أصابها، وعدم تكتل كل قواها السياسية في إطار تنظيم موحد.» والسنوات القليلة التي
أعقبت الاستقلال، أي إلى سنة وضع أول دستور 1962 حيت تمت فيه دسترة إمارة المؤمنين بشكل فعلي18.
وقبل المرور إلى تحليل مكانة "إمارة المؤمنين" ضمن هذا الدستور، لا بد أن نعطف على تأويل مضمون هذا الخطاب، من خلال التساؤل/الملاحظة حول عبارات من مثل: "لقد أنجزت شخصيا مشروع دستور المملكة..". و"هذا الدستور الذي أنجزته بيدي"... إن ما تعني عبارات من هذا النوع غير أن الملك قد شارك في صياغته، ليس باعتباره ملكا دستوريا، ولا باعتباره أميرا للمؤمنين، بل باعتباره رجل قانون، متشبعا بالعلوم السياسية نظرية وممارسة، أي أن مشاركته كانت مشاركة فعلية عن علم ودراية، ولم تكتفي بعمل اللجنة المختصة التي أوكلت لها مهمة إنجاز الدستور. لذلك، وعندما تم عرض فكرة "إمارة المؤمنين" من طرف الخطيب/علال الفاسي، تلقفها عقل الملك بذكاء ومهارة، واستوعبها بكل دلالاتها التاريخية والشرعية والقانونية، وأدرك مكانتها وسموها فسارع إلى تضمينها مشروع الدستور.
ان ما يمكن استخلاصه من كل هذا أن دستور 1962 لم يكن ممنوحا فقط، بل ومصاغا في جوهره من قبل الملك نفسه لقد حاول المشرع المغربي من خلال هذا الدستور أن يجمع بين الروح الخلافية (نسبة إلى الخلافة) للملكية المغربية والمؤسسات العصرية الموروثة عن عهد الحماية. لذلك منح المشرع للملك صلاحيات السلطان التقليدي – الخليفة المغربي، بالإضافة إلى السلطات التي يتمتع بها رؤساء البلدان الديمقراطية19
ان الملك المغربي هو خليفة لدولة إسلامية وأمير المؤمنين القرشي الاصل والمنحدر من السلالة النبوية. هي اذن صفة قانونية وسياسية تجعل من ملك البلاد أمير المؤمنين والمحتكر لكل انتاج رمزي (ديني – سياسي – أخلاقي...)بل المسؤول الأول والوحيد عن مصالح الأمة وحقوق وحريات الافراد والجماعات والمدافع الاول والاخير عن الشريعة الإسلامية وفروعها، فهو اذن بهذه الصفة سلطة فوق كل السلط وتعد هذه الاخيرة، والحالة هاته مجموعة ولايات تستقي شرعيتها ومشروعتيها من أمير المؤمنين الذي تنازلت له الأمة عن سلطها السياسية بمقتضى عقد البيعة20:
يحتل الملك بصفته أميرا للمؤمنين مكانة محورية في الحقل السياسي المغربي، وتجد هذه المكانة نفسها في الإرث الخليفي الذي يجسده الفصل 19، فعلى هذا المستوى لا يوجد أي مجال لفصل الديني عن السياسي، فمن خلال ذلك يستطيع الملك التحكم في المجالين الديني والسياسي، ويتفرد بتحديد السياسة الدينية للدولة...
إن الملاحظة الأولية لهذا الفصل تفيد على كونه يتحدث عن الدين وليس عن الإسلام،" فالملك أمير المؤمنين هو "حامي حمى الدين"، وهذا الطرح يساعد على فهم أبعاد وظيفة إمارة المؤمنين على هذا المستوى، فهي تتحدد في "عقائد" مواطني الدولة سواءا كانوا مسلمين أو يهود . أو بتعبير واضح فإن "حماية حمى الدين تطال المعتقدات والشرائع المعترف بها للمواطنين المغاربة:" الإسلام" و "اليهودية"، فأمير المؤمنين لا يختص بحماية حمى الدين الإسلامي فقط، بل حماية حمى الدين اليهودي كذلك" .
إن دسترة إمارة المؤمنين، يكتسي ثلاث دلالات:
- الدلالة الأولى: منح الأولوية للمشروعية الدينية.
- الدلالة الثانية: عدم الفصل بين الوظائف الدينية والوظائف الزمنية للملك.
- الدلالة الثالثة: تأكيد المرجعية الإسلامية للنظام السياسي المغربي.
وفي هذا الصدد فإن الأستاذ ضريف يميز بين مرحلتين، في إطار الاستخدام المزدوج لإمارة المؤمنين21
المرحلة الأولى: تبدأ منذ صدور دستور 1962، وتنتهي مع مطلع الثمانينات ، حيث استخدمت إمارة المؤمنين لمواجهة تيار "سياسي" كان يطمح إلى تقليص صلاحيات الملك باعتماد نظام سياسي برلماني على الطريق الانجليزية.
المرحلة الثانية: تبدأ مع مطلع الثمانينات حيث استخدم "إمارة المؤمنين "لمواجهة تيار"ديني" كان يطمح لتأسيس ممارسة سياسية على أساس فهم محدد للإسلام يجادل في طبيعة الإسلام المعتمد من قبل السلطة السياسية.
خلاصة:
الملك المغربي هو في آن واحد خليفة لدولة إسلامية وأمير المؤمنين القريشي الاصل، رئيس لما يسمى تاريخيا بالمخزن الشريفي، رئيس لدولة حديثة تسعى لكي تصير دولة قانون22ظل التوظيف الإيديولوجي للدين الإسلامي واتخاذه كمرجعية أساسية للنظام السياسي المغربي، وكنمط تقليدي لإحقاق المشروعية، إحدى المميزات الأساسية اللصيقة بالنسق السياسي المغربي .فقد لعب الدين الإسلامي سواء على المستوى السياسي أو المجتمع المغربي دورا حيويا في سيرورة الدولة المغربية خلال فترات طويلة... فاليوم، باسم هذا اللقب الذي منح الملك وظائف دينية، أضحى للمغرب مؤسسات دينية متعددة، لا شك أنها امتداد حي له في الواقع وتعبير مادي عنه، وهو تطور حصل بفعل التطور النوعي والتراكمي للسياسية الدينية المتبعة، ولعل مؤسسات مثل المجلس العلمي الأعلى والمجالس العلمية الإقليمية، والهيئة العليا للإفتاء، والمجلس الأعلى للأوقاف، والرابطة المحمدية للعلماء، ومؤسسة محمد السادس لنشر المصحف الشريف. كلها تستدعي إعادة النظر في موقع هذه الصفة، في اتجاه تقويتها وترسيخها، بل وتوسيع مدلولها الدستوري. لتعبر فعلا وواقعا عن استمرار الإمامة العظمى في هذه المنطقة القصية من العالم الإسلامي. وهي مؤسسات لا شك أنها تحتاج إلى دسترة مقومات أخرى لهذه الإمامة، منها نظام البيعة الذي يتجاوز أن يكون مجرد تنظيم لانتقال العرش كما تنص عليه المادة 20 من الدستور. إن البيعة إجراء عميق بمقتضاه يتم تجديد التعاقد السياسي بين الملك والشعب.
المراجع
- محمد نويري الديني والسياسي بالمغرب : محاولة لفهم طبيعة العلاقة بين المجال. http://www.m.ahewar.2 - انظر موقع https://www.almaany.com
3 - انظر، أمير_المؤمنين https://ar.wikipedia.org/wiki
4- المرجع السابق.
5- مفهوم إمارة المؤمنين في النظام الإسلامي انظر، https://www.maghress.com
6 - عبد اللطيف أكنوش، المؤسسات السياسية في مغرب الامس واليوم، ص 55، مكتبة بروفانس الدار البيضاء.
7 - د. عبدالعزيز غوردو ، امارة المؤمنين:التاريخ السياسي والثقافة الدستورية ، ص11.
8 - عبد اللطيف أكنوش، المؤسسات السياسية في مغرب الامس واليوم، مرجع سابق.
9 - د اللطيف أكنوش، تاريخ المؤسسات والوقائع الاجتماعية بالمغرب، ص 70 أفريقيا الشرق
10- د. عبدالعزيز غوردو ، أمارة المؤمنين:التاريخ السياسي والثقافة الدستورية ص 23-24
11 - أنظر، أمير المؤمنين في المغرب المقاربة التاريخية 7 Février 2013 http://marockpress.over-blog.com
12- حمد المرابطي، تاريخ الفكر السياسي بالمغـرب كما يقدّمه الباحث، د. محمد ظريف https://www.marocdroit.com
13 - د.عبدالعزيز غوردو، امارة المؤمنين:التاريخ السياسي والثقافة الدستورية، ص 28
14- إمارةالمؤمنين في التاريخ المغربي.. بدايات المرابطين وتحول الموحدين ثم العلويين. نشر في التجديد 25-03-2011. https://www.maghress.com
15 - المرجع السابق.
16 - عبد اللطيف أكنوش، المؤسسات السياسية في مغرب الامس واليوم، مرجع سابق ص 158.
17- إمارةالمؤمنين في التاريخ المغربي.. بدايات المرابطين وتحول الموحدين ثم العلويين نشر في التجديد 25-03-2011. https://www.maghress.com
18- د.عبدالعزيز غوردو. امارة المؤمنين: التاريخ السياسي والثقافة الدستورية، ص ص 41-42
19- د.عبدالعزيز غوردو. امارة المؤمنين: التاريخ السياسي والثقافة الدستورية، ص ص49-50.
20- عبد اللطيف أكنوش، المؤسسات السياسية في مغرب الامس واليوم، مرجع سابق.ص4
21- محمد نويري الديني والسياسي بالمغرب : محاولة لفهم طبيعة العلاقة بين المجال. http://www.m.ahewar.
22- عبد اللطيف أكنوش، المؤسسات السياسية في مغرب الامس واليوم، مرجع سابق.
♡ إدعمنا بمشارك المنشور مع المهتمين . شكرا


مرحبا بك في بوابة علم الاجتماع
يسعدنا تلقي تعليقاتكم وسعداء بتواجدكم معنا على البوابة