📁 آخر الأخبار

مشكلة العلمية في العلوم الإنسانية - أحمد شحيمط

مشكلة العلمية في العلوم الإنسانية - أحمد شحيمط

مشكلة العلمية في العلوم الإنسانية

 بقلم : أحمد شحيمط كاتب من المغرب

مقدمة :

 ظلت العلوم الإنسانية منذ تأسيسها في حاجة إلى منهج علمي في دراسة الظاهرة الإنسانية . وكان لا بد أن يستلهم الرواد الأوائل في علم الاجتماع منهجية العلوم الوضعية في دراسة الظاهرة الطبيعية . قوة المنهج الوضعي من خلال عملية الفصل بين الذات والموضوع . وتجاوز منطق الذاتية إلى تحقيق الموضوعية . فالذاتية من العوائق التي لا تساهم في بناء معرفة علمية بالظواهر الإنسانية . فعندما يتم دراسة الظواهر الاجتماعية كشئ .ذلك يعني تحري الموضوعية والسير وفق خطى العلوم الطبيعية . ولذلك نتج عن استلهام العلوم الإنسانية للمنهج العلمي انقسامات بين العلماء في الأخذ بمنطق التفسير السببي أو الأخذ بمنطق الفهم والتأويل أو استلهام المنهج الجدلي في قراءة الواقع .

1- طموح العلوم الإنسانية 

يهيمن الطموح العلمي والرغبة الملحمة في تحرير الفكر الإنساني من النزعة المثالية .والبديهيات الراسخة .من هيمنة المنطق الصوري والمبادئ الثابتة في مصداقية الحقيقة .ومعيار بنائها في النزعة العلمية للعلوم الطبيعية .والنزعة التاريخية والإنسانية من عصر النهضة وفلسفة الأنوار. وحتمية التاريخ في القراءة الماركسية . هنا تتقدم العلوم الإنسانية في بوادرها الأولى من مرحلة التأسيس للقول أن الإنسان يستدعي دراسات جديدة بالآليات العلمية ،وتقنيات الرصد والكشف .والملاحظة بالمشاركة في حضن المجتمعات الإنسانية . بالطبع الطموح هنا يتعلق ببناء نماذج  ونظريات كمنطلق للتأسيس المعرفي والمنهجي للظاهرة الإنسانية .حيث سيطرت التأملات الميتافيزيقية . وبقيت الحقيقة  مقياسها الفلسفة والعلم الوضعي. وكل الأبنية الصورية والوضعية في غياب معرفة بالإنسان من قبل العلوم الإنسانية. إلمام بالكائن المتفرد في أحواله ومظاهره الداخلية والخارجية . وما أنتجه من ثقافة مادية وغير مادية . جملة من المظاهر الواضحة والكامنة .الشعورية واللاشعورية . وسلوكات خارجية مباشرة ترشدنا في فهم الشخصية الفردية والعامة للمجتمع. وظواهر اجتماعية جديدة من نتائج المرحلة الصناعية في الغرب وانعكاسها على الوحدة والتماسك الاجتماعيين. لا شك أن البروز التاريخي لكل من علوم الإنسان حصل بالتزامن مع مشكلة  ما .أو حاجة  ملحة . أو عقبة  كانت أم عملية ، وكان  بالطبع لا بد  من ظهور المعايير التي  فرضها  المجتمع الصناعي على الأفراد كي تنشأ السيكولوجيا وتتكون شيئا فشيئا كعلم خلال القرن التاسع عشر(1). ومن يقينيات الحقيقية اعتقاد الفلاسفة بوجود الوعي والذات العاقلة والمفكرة . واستبعاد كل ما هو سلبي عالق بالوعي والحقيقة  كالخيال  والوهم والخطأ. أو التفكير  خارج  منطق الوعي الذاتي والموضوعي .بل وصل الوعي عند هيجل إلى الاكتمال والتعيين في مجالات مختلفة من الميادين الفكرية والسياسية والاجتماعية إلا أن الزحزحة الكبيرة التي عمقتها  السيكولوجية عند الإقرار بالعالم العميق والهوة بين الشعور الظاهر واللاشعور كمصدر للأفعال .مكون أساسي في تحليل وتفسير الشخصية الفردية. كانت نتاج عملية تعمق في أغوار النفس وسبر الترسبات الباطنية من مراحل سابقة من عمر الراشد. تقنيات بديلة عن الفهم والتأويل للإنسان. وحقائق تنتج من غموض النظر نحو الإنسان في الأجزاء المترامية والخفية .لذلك تناسلت النظريات والمدارس المختلفة في مقاربة الظاهرة الإنسانية . فروع من العلوم الإنسانية عرفت تراكم في الخبرات والتجارب . وفي احتكاك الدارس بالظواهر الإنسانية .وتركت تأويلات وحقائق نسبية .فالخطاب يروم قول الحقيقة بمنظار الرؤية العلمية. ما يسمى بالموضوعية في عملية فصل تام بين الذات والموضوع .وإقصاء التحيز الذاتي في الظاهرة. أو غياب الحياد العلمي وتواري الروح العلمية التي تعني أن الموضوعات تتميز بالوجود الخارجي .والاستقلالية عن وعي الأفراد . وأن الحقيقة تعني مكاشفة الذات والابتعاد عن التحيز أو التشبث  بنزعة  مركزية  ما . كلمة  الموضوعية تشير إلى  الالتزام بالموضوع مثار النظر. وتناوله بالبحث والدراسة بعيدا عن تطلعاتنا وتحيزاتنا وآرائنا المسبقة ورغباتنا . ومن ثم فهي ترادف "الحياد" وتقابل "الذاتية " وتعبر عن استبعاد المشاعر والعواطف عند تناول الوقائع وتفسيرها .وعدم إصدار أحكام أخلاقية وقيمية بشأنها (2). هذا يستدعي مسافة فاصلة من الظاهرة للقطع المعرفي مع  ترسبات المعرفة الجاهزة  والآراء العفوية التي تعتبر في غالب الأحيان عائقا معرفيا. كما قال غاستون باشلار . معرفة أولية تستلزم من العلم الطبيعي وحتى العلوم الإنسانية إحداث القطيعة الابستيمولوجية لبناء متن معرفي يرقى بالعلم إلى مستوى الموضوعية  والحقيقة. فعلى الباحث  في العلوم الإنسانية أن يجعل ذاته مستقلة عن دائرة  البحث . وان يجعل فهمه أو وصفه غير  محتاج  لما يجعله  مفتقرا للانضباط والدقة. وان يجرد  ذاته من الأحكام  الأخلاقية  والقيمية (3). ومن مصداقية العلم الوضعي تنبع حاجة العلوم الإنسانية إلى استلهام المنهج العلمي . وموضوعية الدراسات للظاهرة الطبيعية .وحياد العالم في استخلاص النتائج وتكميمها وفق قوانين مفسرة ، هذا الأمر ينطوي على اليسر إزاء قابلية الظواهر الطبيعية  للقياس والفصل التام بين الذات والموضوع .والنتائج القطعية المفيدة في التنبؤ .ولذلك تستخدم العلوم الطبيعية منهج التجربة. أي أنها تتوسل إلى عزل الظواهر الطبيعية صناعيا والتحكم فيها حتى تتوصل إلى تحقيق الظروف المتماثلة مرة أخرى. وما يترتب على هذه الظروف من  نتائج معينة (4). والموضوعية هنا مبدأ عام للبحث العلمي التجريبي الذي يختار فيه العالم الفرضيات بعناية ومدى قابليتها للتحقق في التجربة المختبرية .وعينة الدراسة من المادة القابلة للقياس والملاحظة  في المختبر .وتحويل المعطيات إلى قانون رياضي . وإيديولوجية العالم لا محل لها من الوجود في مقياس العلم الكلاسيكي باعتبار أن الأدوات  العلمية تلزمنا التجرد من منطق الذاتية والآراء العفوية . فصورة العلم المعاصر قللت كثيرا من شأن الوضعية العلمية على اعتبار الظواهر الجديدة المعقدة تستدعي تدخلا من قبل العالم .هذا الخطاب العلمي يروم تجديد شريان المعرفة عن الظواهر الطبيعية . وحاجة العلماء للمناهج البديلة عن المنهج التجريبي في عملية نوعية للقول عن موضوع العلم ومنهجه يتجددا باستمرار نحو أفق معرفي يعترف بالنسبية . ودينامية البحث العلمي. فالطموح الذي يؤرق منطق العلوم الإنسانية بناء نماذج نظرية . قصيرة ومتوسطة أو بعيدة المدى . نماذج تولي قيمة للموضوعية والنتائج  المفيدة  في دراسة  الظواهر الإنسانية .

2-الموضوعية/الذاتية 

 إن الموضوعية في العلوم الإنسانية تجعلنا نتحدث عن نتائج أبحاثنا وفق ما انتهت إليه تلك الأبحاث . لا وفق ميولنا ورغباتنا (5).هذه الرغبة في تحقيق الموضوعية والحياد جاءت بالنتائج المهمة في مجال الدراسات الاجتماعية والنفسية. في علم الاجتماع الكلاسيكي مع الرواد الأوائل من المدرسة الوضعية . وفي علم النفس التجريبي عند رواد المدرسة السلوكية والاتجاهات التي تأثرت بالبيولوجيا العصبية والفيسيولوجيا. إضافة للدراسات الانثروبولوجية من المدرسة الوظيفية والمدرسة البنيوية . فالظاهرة الطبيعية مثلا يجب أن تكون مستقلة عن وعي الفرد .ومستقلة عن قائلها. إن أولى القواعد في دراستها وأكثرها أهمية هي القاعدة التالية : يجب ملاحظة الظاهرة الاجتماعية على أنها أشياء(6). ومن خصائص الشيء الجمود والسكون وغياب الوعي والحركة .فالإسقاط الايجابي للمنهج الوضعي بالطريقة التي تدرس العلوم الطبيعية .ظواهرها تمنح لا محالة التميز لعلم الاجتماع في الارتقاء إلى مستوى العلمية . هذا العلم المستقل عن  التأملات الفلسفية والذي يندرج ضمن خانة العلوم الحقيقية في الفلسفة الوضعية لدى أوكست كونت يعتبر ثمرة التفكير في معرفة ضرورية ولازمة . للفهم والدراسة  للظاهرة  الإنسانية . فأولى الخطوات المضافة لمنطق الدراسة هي القاعدة القائلة بأنه يجب على عالم الاجتماع أن يتحرر بصفة مطردة من كل  فكرة سابقة .وليس ثمة ضرورة إقامة برهان خاص على هذه القاعدة . وذلك لأنها نتيجة لكل ما سبق  ذكره(7).
 هذا المنطق السائد في علم  الاجتماع  يملي على  الباحث الاجتماعي عدم التحيز وإفراغ  الذهن من كل الأحكام المسبقة والتجرد من الذاتية والأيديولوجيا التي تعيق مسار بناء معرفة موضوعية بالظاهرة . ففي دراسة دوركايم  للانتحار في المجتمع  الغربي يستبعد الأسباب غير الاجتماعية .ويستقر على المبدأ أو القاعدة القائلة أن الظاهرة الاجتماعية يجب أن  تفسر بالأسباب الاجتماعية .وهكذا فالانتحار لا يعود إلى الأسباب النفسية والاختلال العقلي أو للعوامل الجغرافية أو فصل من فصول السنة أو عامل العرق والوراثة. ولا ينتشر الانتحار عن طريق المحاكاة والعدوى . كلها أسباب خاصة بالحس المشترك .وما هو متداول  في سياق بعيد عن الدراسة الموضوعية  للظاهرة . والغموض الذي يكتنف حقيقة الظاهرة وجودها في المجتمعات الإنسانية. الفرق هنا في العدد بين المجتمعات والوسط الاجتماعي . ولا بد أن تنطلق الدراسة من المعاينة المباشرة والمقارنة والجداول الإحصائية التي تشير إلى ملاحظة أولية .أن البلدان الكاثوليكية  كإسبانيا وايطاليا والبرتغال  يقل فيها الانتحار عن الدول البروتستانتية كألمانيا والدنمارك... وهذا الآمر يعزى إلى العامل القيمي الأخلاقي .
انتهى دوركايم إلى القوانين المفسرة للانتحار وذلك في تصنيفه إلى ثلاث أنماط : الانتحار الأناني في وضع الفرد نهاية لحياته .والانتحار الغيري .والانتحار الفوضوي الذي تدفع إليه فوضى من اختلال النظام وفقدانه للشرعية . ويشتد في حالة الأزمات المالية والاقتصادية . والعسر الذي يشتد على المجتمع .ويدفع الإنسان لوضع نهاية لحياته مع  صعوبة التأقلم مع تزايد البؤس وتصاعد التفكك الاجتماعي من حالات طارئة .ومفاجئة تعصف بالتماسك والسير الطبيعي  للمجتمع . وتحت وطأة هذا الضغط . فان  كل إنسان . داخل ميدانه . يقدر بنحو  مبهم الحد  النهائي الذي  يمكن أن تبلغه طموحاته ورغباته. بحيث لا يتطلع إلى أي شيء أبعد من هذا الحد . فإذا كان يحترم القاعدة على أية حال. ويمتثل للسلطة الجمعية . أي إذا كان يتمتع ببنية أخلاقية سليمة . فهو يشعر بأنه ليس من الخير له أن يطلب أكثر (8). اعتدال في الذات وتوازن في البناء الاجتماعي والقيمي .والرضا بالوجود والعيش المشترك يزيل الأسباب والدوافع وراء الانتحار. ومن القوانين المفسرة  للظاهرة الاجتماعية  تنشأ معطيات .وحقائق جديدة مقياسها الموضوعية .وحياد الباحث . والحقيقة التي تكرس من الواقعة الاجتماعية . وإذا قمنا بدراسة الظاهرة في ميدان علم النفس أو الانثروبولوجيا  سنعثر على الأسباب الأخرى التي  تربط الظاهر بما هو نفسي أو ثقافي .لقد  نشأ علم الاجتماع الوضعي من الاعتقاد في أن النظم الاجتماعية هي كيانات طبيعية بالأساس . فالمجتمع لا يوجد بفعل قرار يتخذه المشرعون أو الفلاسفة بل انه ذو طبيعة عفوية ويتمتع بحركية أصيلة .من جهة ثانية . بما أن المجتمع  يتشكل من أفراد لهم كيانات حية فان القوانين البيولوجية تصبح ضرورية  لفهم كل ما هو اجتماعي (9). تطبيق المنهج العلمي يشير إلى النتائج المأمولة  في الرقي بالعلوم ا

 العلمية . والطموح من البداية أن العلم الوضعي أسبق في التشكل والنتائج العلمية. والحلقة التي كانت غائبة  تتجلى في علم الفرد وعلاقته بالمحيط  الاجتماعي وذاته. وما ينتجه من أشياء مادية  ورموز ذات قيمة ودلالة في الوجود الاجتماعي. فرغم مكاسب الفلسفة الديكارتية في عودة  الفيلسوف إلى ذاته واكتشاف اليقين والمبدأ في التفكير وقيمة الشك  المنهجي  للتخلص من الآراء الشائعة  والمعارف  التي  تبدو أنها يقينية . فان ملامح  الحقيقة والصدق عند ديكارت في قوة المنهج العلمي الاستنباطي والتدرج في القواعد من الآراء الجاهزة إلى الحكم النهائي الذي يتصف بالبداهة .فلا يكفي إذن في العلوم الإنسانية . كما يعتقد ذلك دوركايم أن نطبق المنهج الديكارتي. ونتشكك في  الحقائق المكتسبة وننفتح بشكل كلي على الوقائع . لان الباحث يواجه غالبا الوقائع بمقولات ومفاهيم جاهزة ضمنية وغير واعية تسد أمامه منذ البداية طريق الفهم الموضوعي(10).التجرد  من الذاتية  وبناء حقيقة  موضوعية هي الشروط التي تعلن عن ميلاد علم الاجتماع بالمواصفات المقبولة للعلم حيث سطر دوركايم  مجموعة  من القواعد  الملزمة  للتعامل  مع الظاهرة  الاجتماعية  في كتاب " قواعد المنهج في علم الاجتماع " . على منوال  القواعد  الأربعة  التي وضعها ديكارت في  الحكم على الأشياء  والقضايا الصعبة في ميدان الظواهر العلمية . مسح الطاولة التي تعني إزالة الأفكار العالقة بالذهن من هيمنة الحواس والمعرفة الحسية والمعارف الآتية  من الخبرة  الواقعة  والمكتسبة  من مصادر مختلفة . لكن في ميدان العلوم الإنسانية . يبدو  الفصل  بين التنظير والممارسة غير مقبول في ميدان الدراسات الإنسانية .نحن إذن في العلوم الاجتماعية بإزاء تفاعل شامل معقد بين المشاهد والمشاهد . بين الذات والموضوع . ومن المحتمل أن  يكون لوعينا بوجود الاتجاهات التي  قد تنسب  في المستقبل حادثا معينا .ولإدراكنا أيضا أن التنبؤ قد يؤثر هو نفسه في الحوادث (11).

 مقياس الموضوعية والحقيقة في العلوم الإنسانية هي الفصل بين الملاحظ كذات محملة بالآليات العلمية والموضوع الملاحظ . القابل  للقياس والتعميم .والبحث عن القانون المفسر للظاهرة . كما نقلت التجارب الميدانية كذلك من الحيوان إلى الإنسان في علم النفس التجريبي .في المدرسة  السلوكية عند بافلوف وسكينر واليات الرصد والبناء النفسي والوجداني في علم النفس التكويني . وفي مدرسة التحليل النفسي في نجاعة التنويم  المغناطيسي .والية  التداعي الحر حيث تحول علم النفس إلى فروع  علمية دقيقة للمعرفة بأغوار النفس والحالات السوية والمرضية . أما في المدرسة الانثروبولوجية . فالانغماس في المجتمع البدائي مدة معينة من الزمن من شروط الدراسات الثقافية .التي تعني وجود الباحث في قلب المجتمع .ورصد الأنساق ومختلفة التفاعلات بموضوعية تنم عن خصوصية الثقافات البشرية . وتبديد فكرة العرق والنزعة المركزية الغربية الميالة لاجتثاث الآخر في ثقافته . وقيمه بأوصاف بعيدة عن الحقيقة والصرامة العلمية. فالطريقة العلمية على بساطة روحها لم تكتسب إلا بمشقة بالغة. ولا يزال من يستخدمها قلة في الناس. وحتى هذه القلة تقصر استخدامها على قلة من المسائل التي تحكم عليها (12).  يرتقي الباحث  في الأنساق الثقافية  والبنية  الفكرية  للمجتمعات في النهاية  لدرجة  اليقين عند  القول أن الإنسانية  واحدة في  رأي كلود  ليفي ستراوس والطموح الظاهر للبنيوية .الدمج  بين عالم الطبيعة وعالم الثقافي  في  نقطة  البحث التي  تمثل قاعدة الفصل بين العالمين في مسألة اللغة المنطوقة . ويستوعب الباحث أن المعطيات العلمية المحصلة من دراسة ظاهرة كافية للقول أن سبب وجودها يعود بالدرجة الأولى إلى القوانين المتحكمة فيها . تترك  الوقائع الاجتماعية  في الأذهان  انطباعات حسية  وصورا ذهنية . نسعى بكل جهد إلى فهمها وبالتالي التعبير عنها بالحس المشترك والعفوية التي تنتهي إلى أحكام قطعية وتامة .إلا أن الدارس في العلوم الإنسانية يعتبر أن الرأي الأولي  بمثابة  خطوة أو درجة  في المعرفة الموضوعية خصوصا إذا كانت الأحكام مبنية على البعد الإيديولوجي والتحيز التام . لقد لفت ماركس الانتباه إلى أن مصالح الايديولوجيا البورجوازية تشوه علم الاجتماع الوضعي الناشئ حديثا.  والواقع أن "أوكست كونت" نفسه اعترف انه أسس هذا العلم مدفوعا بتمزق المجتمع بين صراعات التقدميين والمحافظين . ليغدو هذا العلم ليس فقط ضرورة معرفية بل أيضا مطلبا إيديولوجيا(13). وهنا تختفي دوافع الموضوعية والحياد . وتصبح الحقيقة العلمية منطقها كل التمثلات والتصورات الفكرية التي تعكس الواقع الاجتماعي .وإذا كانت الدوافع مغلفة بالهيمنة والسيطرة وتشويه الحقائق .فان علم الاجتماع الوضعي الذي يؤسس للظاهرة الإنسانية من خلال الدعوة للموضوعية يعكس التبرير للطبقة  السائدة . وتغدو مسألة إسقاط الواقع الاجتماعي على الواقع  البيولوجي والتماثل بين الظاهرة الطبيعية والظاهرة الاجتماعية في غاية الاستحالة .وضرب  من الالتواء الممارس على  الفكر الديالكتيكي الذي يكشف عن زيف التشويه والقلب للحقيقة الموضوعية في الفلسفة الماركسية . فرغم النقد من داخل أو خارج المشتغلين بالعلوم الإنسانية وأصحاب القراءات النقدية في مجال الابتسيمولوجيا . تظل  العلوم الإنسانية في سعي دائم  نحو الموضوعية وبلوغ درجة الحقيقة في الدراسات الميدانية . فهي العلوم التي حولت الإنسان من ذات للمعرفة  إلى موضوع. ونشأ عن هذا التحول قضية هامة في العلوم الإنسانية تتعلق  بالتبعية  والاستقلالية عن العلوم الطبيعية . والتفكير في المنهج المناسب للدراسة  بعد سجال  بين رواد علم  الاجتماع  في المرحلة  الحديثة  والمعاصرة.

الانقسام الذي عرفته العلوم الإنسانية للأخذ بآلية الفهم والتأويل للأفعال والمقاصد الذاتية للإنسان وآلية التفسير السببي  بإسقاط  الظاهرة الإنسانية على الظاهرة الطبيعية .ودراستها كشيء أو الميل  إلى التغيير في فهم  حركية  التاريخ  والمجتمع  بالمنهج الجدلي .الذي يعمل في الكشف عن تناقضات الواقع .وتعرية الفكر الجامد في التبرير والحفاظ على الأوضاع الطبقية . فالصعاب التي تواجه العلوم الإنسانية لا تنشأ فحسب عن التعقيد الهائل للظواهر الاجتماعية بل وأيضا ، في المحل الأول لان الأفعال الإنسانية واعية وتصدر عن روية وتدبر وبالتالي فهي عرضة للتعديل والتبديل على أساس من الفهم والتبصر .فالأفكار والآراء قوة محركة قادرة على تغيير الثقافات(14). وأكثر من هذا أن الغموض الذي يميز الكائن  الإنساني . والأشياء الظاهرة والكامنة الذي يحملها. فكرة استوعبها أغلب الباحثين باستحالة التطبيق الكلي للمنهج الوضعي على الإنسان. والسبب ببساطة  يعود إلى الأبعاد التي تخترق الكائن الإنساني كالبعد النفسي .والاجتماعي . والبيولوجي والأخلاقي . يمكن أن نوجز هذه  الصعوبات في دوائر أو مستويات ثلاثة رئيسية هي الذاتية والقيمة والإيديولوجية .  ففي الذاتية  يتقوم موقف الباحث من موضوع  دراسته بوصفه فردا وشخصا معينا . بينما يتحدد موقفه في القيمة (أو التقويم) بوصفه ملتزما بمعايير جماعته ومجتمعه. على حين يتعين موقفه في الإيديولوجية بوصفه متوحدا بجماعته متقمصا لمجتمعه(15). مشكلة العلوم الإنسانية في التخلص من الفكر الغائي الذي هيمن على الحقيقة عكس العلوم الطبيعية الذي يهيمن عليها منطق النجاعة والفاعلية في النتائج  القطعية المفيدة في فهم قوانين الطبيعة . فمن خصائص الفكر العلمي الجديد  القابلية للخطأ  والتجديد في المنهج والبناء  النظري .إن العقل العلمي يمنعنا من  تكوين رأي  حول  قضايا لا نفهمها ، حول قضايا لا نحسن صياغتها  بوضوح . قبل كل شيء لا بد من معرفة طرح المسائل. مهما قيل . في الحياة العملية . فان المسائل لا تطرح ذاتيا .ومن الواضح أن هذا المعنى هو الذي يعطي للعقل العلمي الحقيقي طابعه . فبالنسبة إلى  العقل العلمي تعتبر كل معرفة جوابا عن مسألة . فإذا لم يكن ثمة مسألة لا يمكن أن  يكون هناك معرفة علمية . لا شيء  ينطلق من بداهة .لا شيء معطى. كل شيء مبني(16). يستجيب البناء في العلوم الطبيعية من ملاحظة  الواقعة وبناء  فرضيات  وتجارب إلى القوانين المفسرة .هذا النموذج المغري في الدراسة للعلوم الإنسانية يغير من وظائف الباحث .ومن خصوصية الظاهرة التي تبنى في إزالة الأحكام العفوية والمسبقة  .والتنبيه  المنهجي الذي يستند على التدرج والتسلسل. والقطع بين التجربة العلمية القائمة على الملاحظة والمعاينة للظاهرة. والتجربة الساذجة من هيمنة الحس المشترك والآراء العامة في غالب الأحيان مغلوطة ويشوبها الغموض والضبابية .أو المنفعة الذاتية .

 ويرى دوركايم أن قاعدته القائلة بوجوب تناول الوقائع الاجتماعية على أنها أشياء .لا تنطوي على أية تصورات  ميتافيزيقية أو تأملات في جوهر الكائنات. فهي تعلن أن على عالم الاجتماع أن يضع نفسه في الحالة العقلية التي يضع فيها علماء  الفيزياء والكيمياء  والفسيولوجيا  أنفسهم عندما ينخرطون  في دراسة نطاق لم يكتشف بعد في مجالهم العلمي . فعليه  ( أي عالم الاجتماع) حينما ينفذ إلى العالم الاجتماعي أن يحس بأنه يدلف إلى المجهول(17). أن يكون الذهن فارغا من الأفكار الأولية وإلا تحول الموضوع من سؤال للبحث  في الحقيقة إلى  نوع من  اليقين الجاهز والنهائي الذي  يقضي على مصداقية  العلوم الإنسانية .ففي الطب النفسي من الصعوبة أن يحكم الطبيب النفسي على سلوك المريض من البداية . تشخيص وتأويل للأفعال ذات الطبيعة اللاشعورية الممتدة إلى مراحل معينة من طفولة الراشد . ظلت العلوم الإنسانية تنشد الموضوعية في مرحلة التأسيس .وسرعان ما تحول هذا الطموح المنهجي إلى فهم العلماء التمييز بين عالم الطبيعة والمادة وعالم الروح والثقافة عند عالم الاجتماع ديلتاي ومنتقدي العلوم الإنسانية  في مدارس مختلفة. إن علم الاجتماع الذي نقترح أن يمارس هو علم الواقع . إننا نحاول فهم أصالة واقع الحياة التي تحيط بنا والتي تقف وسطها . كي ننتزع  من ناحية . البنية الراهنة للعلاقات وللدلالة الثقافية التي لا تنفك عن مجالاتها المختلفة. ومن ناحية  أخرى . العلة التي جعلت تاريخيا هذه البنية  تتطور على هذا النحو وليس على ذلك(18). هذا المنطق يتجاوز السعي نحو الموضوعية ويرسم حدودا بين التفسير السببي كآلية علمية في دراسة الظاهرة الإنسانية كشيء . والية الفهم والتأويل للعلاقات الإنسانية .وكل ما يطبع الفعل الاجتماعي من السلوك والأهداف والقيم والغايات . ويعتبر هذا المنحى جديدا في العلوم الإنسانية الذي بدأ في علم الاجتماع مع الألماني ماكس فيبر. وفي ميدان علم النفس التكويني .وفي ميدان الانثروبولوجيا الثقافية والوظيفية .حقول معرفية ساهمت في اغناء الدراسات الإنسانية وتوسيع الخيال خارج وهم الحقيقة العلمية الثابتة والإقرار بنسبية الحقيقة في العلوم الإنسانية .

خاتمة 

حاولت العلوم الإنسانية بناء نماذج في الدراسة واستلهام المنهج العلمي في تحري الدقة والموضوعية وإتباع الخطوات العلمية في دراسة الظاهرة الإنسانية التي تتميز بالتعقيد والتركيب . مواصفات الظواهر الإنسانية قسمت العلماء بين دعاة التبعية للمنهج الوضعي ودعاة الفهم في التفريق بين عالم الطبيعة والمادة وعالم الروح والثقافة . ونتج عن الانقسام تنوع في المناهج والنظريات .

المراجع:

(1)ميشيل فوكو  "1989-1990 " الكلمات والأشياء " حقوق الترجمة مركز الإنماء العربي  بيروت لبنان مجموعة من الباحثين العرب . ص 283 .
(2)يوسف زيدان وآخرون "قضايا العلوم الإنسانية إشكالية المنهج " مشاركة مجموعة من الباحثين . سلسلة الفلسفة والعلم . وزارة الثقافة الهيئة العامة لقصور الثقافة ص35
(3) يوسف زيدان وآخرون " قضايا العلوم الإنسانية إشكالية المنهج " ص 39
(4)كارل بوبر "بؤس الايديولوجيا " 1992 ترجمة عبد الحميد صبره . دار الساقي . الطبعة الأولى  ص20
(5)يوسف زيدان وآخرون " قضايا العلوم الإنسانية إشكالية المنهج " ص39
(6)إميل دوركايم " قواعد المنهج في علم الاجتماع "1988 ترجمة محمود قاسم والسيد محمد بدوي . دار المعرفة الجامعية . ص70
(7)إميل دوركايم " قواعد المنهج في علم الاجتماع " ص97
(8) دوركايم " الانتحار " 2011 ترجمة حسن عودة . منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب . وزارة الثقافة دمشق  ص31
(9) جاك هارمان "خطابات علم الاجتماع في النظرية الاجتماعية " 2010 ترجمة العياشي عنصر . دار المسيرة للنشر والتوزيع والطباعة . الطبعة الأولى  ص31
(10) لوسيان غولدمان " العلوم الإنسانية والفلسفة "1996 ترجمة يوسف الانطكي . المجلس الأعلى للثقافة . المشروع القومي للترجمة . ص 64
(11)كارل بوبر " بؤس الايديولوجيا " ص26
(12) برتراند راسل " النظرة العلمية " 2008 ترجمة عثمان نويه . دار المدى للثقافة والنشر . الطبعة الأولى  ص10.11
(13) يمنى طريف الخولي " مشكلة العلوم الإنسانية "2012 مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة . ص73
(14)صلاح قنصوه "الموضوعية في العلوم الإنسانية " دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع . 2007 ص55
(15)صلاح قنصوه " الموضوعية في العلوم الإنسانية " ص57
(16) غاستون  باشلار " تكوين العقل العلمي " 1981 ترجمة خليل احمد خليل . المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع . الطبعة الأولى  ص14
(17)صلاح قنصوه " الموضوعية في العلوم الإنسانية " ص84
(18) بيير بورديو  وآخرون  " حرفة عالم الاجتماع " 1993ترجمة نظير جاهل . دار الحقيقة بيروت . الطبعة الأولى  ص 136

♡ إدعمنا بمشارك المنشور مع المهتمين . شكرا
فريق موقع بوابة علم الاجتماع
فريق موقع بوابة علم الاجتماع
تعليقات