تتنشبع " العولة وتتغذى من العجرفة الثقافية التي تمنح أصلها من الجهل واللامبالاة تجاه أنساق قيم أخرى وتجاه حقها في الوجود . هذا يؤدي بشكل تدريجي وفعلي إلى نزعة ثقافية تسلطية عالمية : افعل مثلي إن كنت تتشبت بحقك في الوجود " . هذا النوع من الابتزاز يغيظ ملايير الخاضعين لسوء التعامل سلفا من طرف أنظمة خضعت برمتها للعولة ، والتي ترى فيها الملجأ الوحيد والدعم الوحيد أمام التذمر الشعبي . وإذا لم تتغير الأشياء " فدمار العالم لا مفر منه ، إما عن طريق الأنبجاس أو الانفجار ، بعد جيل ، جيلين ، أو ثلاثة أجيال .
مقتطف من مقدمة الكتاب
من النادر أن يجد المرء للدكتور المهدي المنجرة كتابات أو محاضرات يستخدم فيها مصطلح العولمة أو يوظف مفهومها لمقاربة العلاقات الدولية إذ غالبا ما يتحفظ من المبالغة السيميائية التي اصبح المصطلح عرضة لها من لدن المتبنين لها وحتى من قبل مناهضيها.
والواقع أن المهدي المنجرة في كتابه هذا، وفي سواه من ابحاثه لا يرتاح الى المصطلح إياه ولا يستسيغه ليس لأن للرجل منظومته الفكرية المستقلة وفضاءه السيميائي الخاص، ولكن لأنه مقتنع بان هذا المنظور المرتكز على قراءة تطور علاقات الشمال بالجنوب على خلفية من مصطلح العولمة السائدة لا ينتصر ( ولا يمكنه أن ينتصر ) في التصور الذي قضى جزءا كبيرا من حياته متشبتا به مدافعا عنه ومقدما له على غيره من التصورات.
فظاهرة العولمة من وجهة نظر المهدي المنجرة، إنما هي بصرف النظر عن كل المقاربات التاولات – مرحلة من مراحل الاستعمار الجديد الذي تعمل القوى الكبرى ( وفي مقدمتها الولايات المتحدة الامريكيةكقوة اولى) على التاسيس والترويج لها، ليس فقط على مستوى الممارسة والتطبيق، ولكن ايضا على مستوى الثقافة والفكر.
إن العولمة القائمة، في نظر المنجرة، هي فرض نمط معين من القيم من لدن دول الشمال على دول الجنوب، بتزكية ومباركة من أنظمة وحكومات هذه الأخيرة، وكذا بواسطة أقلام مرتزقة رهنت فكرها وتحليلها لفائدة حكام متواطئين – في مرحلة ما بعد الاستعمار- مع مستعمريهم القدامى.
والتحليل اعلاه لا يشير إلى حكام العالم الثالث ونخبه فحسب، بل ويتعداهم إلى حكام العالم العربي والاسلامي ومثقفيه، لكونهم لم يتكفلوا بخلق وضمان سبل المناعة ضد الاستهداف الثقافي والحضاري الذي كانت أممهم وشعوبهم، وما تزال، هدفه ومادته لزمن طويل.
لا ينتفض المهدي المنجرة، وهو السابر لأغوار العلاقات الدولية والمعارف بعظم تفاصيلها، لا ينتفض ضد العولمة كظاهرة استعمارية جديدة فحسب، بل وأيضا كتوظيف لغوي يحرم الدول والشعوب من حقها في اختيار مصطلحاتها ومفاهيمها ومفرداتها للتعبير عن واقعها ومىلاتها في التحرر والاستقلال والكرامة.
إن رفض المؤلف لظاهرة العولمة السائدة إنما هو بامتياز، رفض لحمولتها الاستعمارية الجديدة، لبعدها الاقتصادوي الإقصائي، لمحتواها الفكري المتمركز حول المنظومة الغربية ذات المرجعية المسيحية/ اليهودية، لتطلعها على صهر كل ثقافات العالم والهيمنة عليه، وهي تكرس في ذلك قوة النار والحديد ( كما حدث في العراق وغيره)، ورفضها مبادئ التعدد والتنوع اللذين لا مستقبل للبشرية بدونهما.
- المهدي المنجرة
- اقتصادي وعالم اجتماع مغربي مختص في الدراسات المستقبلية. يعتبر أحد أكبر المراجع العربية والدولية في القضايا السياسية والعلاقات الدولية والدراسات المستقبلية. عمل مستشارا أولا في الوفد الدائم للمغرب بهيئة الأمم المتحدة بين عامي 1958 و1959، وأستاذا محاضرا وباحثا بمركز الدراسات التابع لجامعة لندن.
- الميلاد: 13 مارس 1933، الرباط
- الوفاة: 13 يونيو 2014، الرباط
- عضو في: منظمة نادي روما
- التعليم: The Putney School، كلية لندن للاقتصاد، جامعة كورنيل
- الجوائز: وسام الشمس المشرقة
♡ إدعمنا بمشارك الكتاب مع المهتمين . شكرا

مرحبا بك في بوابة علم الاجتماع
يسعدنا تلقي تعليقاتكم وسعداء بتواجدكم معنا على البوابة