![]() |
| التأسيس السوسيولوجي للحداثة |
إميل دوركايم والتأسيس السوسيولوجي للحداثة pdf
من الصعب جدا عندما يتعلق الأمر بالحداثة وبشكل أدق علاقة الحداثة بالعلم الاجتماعي ، إنكار النقاش المعرفي الذي ارتبط بظهور السوسيولوجيا كعلم يهتم بدراسة المجتمعات الغربية الحديثة ، والأنتربولوجيا من حيث هي اتجاه معرفي يهتم بدراسة المجتمعات المسماة بدائية أو متوحشة ، إن هذا الفصل بين موضوع المعرفتين السوسيولوجية والأنتربولوجية ، ظهر بشكل أولي عند فردیناند تونيس Tannies ، عندما الأخير بالتمييز بين الجماعة Communauté والمجتمع Société ، وعند دوركايم نفسه في الاجتماعي De la division de travail sociale ، أو في الأشكال الأولية للحياة الدينية formes élémentaires de la vie religieuses ، وفي بعض الأشكال البدائية للتصنيف quelques formes primitives de classification ، كما ظهر عند ماكس فيبر في الاقتصاد والمجتمع ، الأسس العقلانية للموسيقى ، وعند طوكفيل في الديموقراطية في أمريكا الخ وبدا عند سبنسر وباريتو ومارکس بأشكال مختلفة.إن الفكرة التي انتهت إليها المتون السوسيولوجية الكلاسيكية - والتي اكتملت بشكل واضح عند بداية تشكل الأنتربولوجيا كمعرفة بالمجتمعات غير الأوربية ، تقوم على أن دراسة المجتمعات المسماة بدائية تحتاج إلى معرفة علمية مختلفة ومتميزة عن تلك التي يجب استخدامها في فهم وتحليل المجتمعات التي وصلت بنياتها المجتمعية إلى أشد مستويات التمايز والاختلاف ، بفعل مسار طويل من التغير الذي لم يتوقف حتى بعد ظهور السوسيولوجيا، بعد أن كان حافزا أساسيا لوجودها ؛ إما من أجل تفسيره والتحكم فيه وضبطه وكبحه ، وإما لغاية تغذيته وتعزيزه وتشجيعه.
لقد عبر كونت عن هذا الموقف بوضوح لا غموض بعده ، عندما اعتبر في مخطط الأعمال العلمية الضرورية من أجل إعادة تنظيم المجتمع ؛ أن الحالة الراهنة التي تعيشها المجتمعات الغربية يمكن تلخيصها في وجود ’ ’ نسق اجتماعي يغلق وآخر يقترب من الوصول إلى النضج ويدنو بناءه من التشكل ... وانطلاقا من ذلك يمكن القول أن هناك حركتين اثنتين تفعلان في المجتمع ، الأولى هي فقدان النظام Désorganisation والثانية هي إعادة التنظيم Réorganisation ، أما الأولى فتبدو في الفوضى الأخلاقية والسياسية التي يبدو أنها تقود هذه المجتمعات نحو الزوال الحتمي ، أما الثانية فإنها تقود لا محالة نحو حالة اكتمال النوع البشري ووصوله إلى الحالة الأكثر توافقة مع طبيعته ... إن تجاور هاتين الحالتين المتناقضتين هو الأزمة الكبرى التي تعاني منها المجتمعات الأكثر تحضرة » ، .
أما المجتمعات الأقل تحضرة والتي يدرج على تسميتها بالمجتمعات البدائية أو المتوحشة ، فإنها المجتمعات التي لم تصل بعد إلى هذه المرحلة من التطور التي تستفز فيها كل البنيات الاجتماعية سواء للوصول إلى المرحلة العلمية الوضعية ، أو للوصول إلى حالة التفكك التي تعيشها أوروبا المتحضرة والتي يسميها كونت بالفوضى أو التنظيم ، وبإعادة التنظيم . في نفس السياق لم يكن صعبا على كونت و هو يكتب قانون الحالات الثلاث ، باعتباره تعبيرا صريحا تطور الفكر الإنساني ، أن يعدد خصائص المجتمع الحديث مقارنة مع غيره من المجتمعات الأخرى ، خاصة تلك التي ترتبط بنمط الوعي والتفكير الحديثين ، أن يجعل من الحداثة صفة للمجتمعات الغربية ، فهو يقدم الحداثة كما لو أنها حالة غربية عندما يكرر غير ما مرة في كتاباته الكثيرة ، عبارات من قبيل : " حضارتنا الحديثة ، نحن مجتمعات الحداثة ، نحن الحداثيون والحداثيون الغربيون .. الخ .
إن أهم خلاصة يمكن أن ننتهي إليها عندما يتعلق الأمر بمفهوم الحداثة في صيغته الكونتية ، من حيث هي لحظة ولادة وتشكل الفكر السوسيولوجي في صيغته الأولى والأولية ، هو أن الحداثة لا تعني الزمن فقط ، أي أنها لا تتحدد بالانتماء إلى الزمن الراهن أو المجتمعات المعاصرة ، بقدر ما تعني ، حالة فكر تتميز يسيادة العلم وهيمنة التفسير الوضعي على الفكر الإنساني كلما اتجه الإنسان نحو فهم العالم وتفسير ظواهره وأفعالها ، لاسيما وأن تاريخ المجتمعات وتاريخ الفكر غير منفصلين ولا يتميز الواحد منهما عن الآخر . إن الحداثة بالنسبة لكونت لا تعني فقط لحظة استعمال العلم في فهم العالم والنظر إلى الكون في كل مستويات تشكله وتكوينه ، ولكنها تعني كذلك اللحظة التي تم من خلالها الاعتراف بوحدة النوع البشري من خلال الاعتراف والإيمان بوحدة التاريخ الإنساني ، فالحداثة حالة لا تخص مجالا خاصة في الحياة الاجتماعية دون أخرى ، كما أنها كما يقول هابرماس في الخطاب الفلسفي للحداثة مشروع لم يكتمل بعد ، ولن يكتمل أبدا مادام أن الحداثة سيرورة لا تسير عناصرها بنفس السرعة ولا تحتكم لنفس المنطق ، فالحديث Moderne في الفن قد لا يكون كذلك في السياسة ، والحديث Moderne في الاقتصاد قد لا يكون هو نفسه في وسائل الاتصال والتواصل وهكذا دواليك ، إن عدم اكتمال الحداثة باعتبارها مشروعا إنسانيا ، هو ربما ما دفع الان تورين إلى القول عندما تحدث في نقد الحداثة عن ماركس باعتباره ’ ’ أول أكبر مثقف مابعد حداثي ... لأنه اعتبر التقدم مسارا لتحرر الطبيعة ، وليس - فقط - كتحقق لتمثل معين للإنسان » . بل إنها هي نفسها هي التي دفعت رایمون آرون عند كتابته لتاريخ الفكر السوسيولوجي إلى الجمع بين ماركس وكونت ، رغم اختلاف النسق والمشروع الفكري والعلمي لكل واحد منهما ، عندما قال أن ما يجمع الرجلين : ليس فقط رغبة كل واحد منهما في تأسيس علم جديد قادر على فهم و تفسير وإصلاح المجتمع بالنسبة للثاني ، أو علم خليق بتغيير المجتمع الذي لم يعمل المهتمون به إلى حدود اليوم إلا على تفسيره ، وإنما لأن كل واحد منهما انتهى إلا أن اللحظة التاريخية التي تعيشها المجتمعات الغربية تتميز بشكل أساسي بموت مجتمع وولادة أخر جديد ، بنهاية تنظيم اجتماعي وبداية تشكل الآخر ، لقد كان كونت يعتقد أن اللحظة التي تعيشها أوروبا اليوم تعرف بداية أفول المجتمع الثيولوجي العسكري ، الذي ميز القرون الوسطى ، والذي كانت تحتل فيه الكنسية الكاثوليكية وتعاليمها ، والقوة العسكرية موقعا مركزيا في المجتمع ، أصبح ينسحب تدريجيا من الحياة العامة ، مقابل السماح لنوع آخر من المجتمعات بالظهور ، إنه المجتمع العلمي الصناعي ؛ الذي ولد في نهاية القرن الماضي ، واستعاض عن الأنبياء ورجال الدين بالعلماء ، حيث تحول المجتمع بعدما كان يعتمد في بناء أسسه الفكرية والأخلاقية على رجال الكنسية ، نحو العلماء الذين أصبحوا المصدر الأول للأفكار والقيم والمعرفة ، والورثة الشرعيون للسلطة الروحية بالمجتمع إن الخلاصة التي انتهى إليها كونت هي نفسها النهاية التي پری آرون أن مارکس انطلق منها في تحليله لواقع المجتمعات الغربية وخاصة انجلترا ، وهو الأمر الذي عبر عنه مارکس بشكل واضح في مقدمة الطبعة الأولى لكتاب الرأسمال قائلا إن عملية التحول الاجتماعي في إنجلترا يمكن لمسها لمس اليد ، إن التحول الذي يتحدث عنه هاهنا صاحب الرأسمال ، ليس إلا تحولا في أنماط الإنتاج ، خاصة وأن نمط الإنتاج يعادل من حيث وجوده شكل ونمط وجود المجتمع بشكل عام ، أي التحول من نمط الإنتاج الفيودالي إلى نمط الإنتاج الرأسمالي.
إن ما يقال على كونت وعلى ماركس باعتبارهما مدخلين للتفكير السوسيولوجي في الحداثة ، يمكن إسقاطه على أعمال الكسيس دي توكفيل خاصة في « الديمقراطية في أمريكا » ، ذلك أن اهتمام كونت بحالة الفكر السائدة في عصره ومعها طبيعة التنظيم الجديد للعمل القائم على العلم وما انتهى إليه الفكر الوضعي ، واتجاه مارکس نحو تحلیل تغير أنماط الإنتاج الرأسمالي للعمل وللمجتمع والعلاقات الاجتماعية بشكل عام ، لا ولم يوازيه من حيث الأهمية عندما يتعلق الأمر بالبعد السوسيولوجي للحداثة ، غير اهتمام دي توكفيل بالديمقراطية ، باعتبارها المظهر السياسي للمجتمع الحديث ، خاصة وأن الفرق بين المجتمعات الحديثة وغيرها من المجتمعات الإنسانية الأخرى سواء سميت بالمتخلفة أو المتأخرة أو السائرة في طريق النمو أو التقليدية ، لا يقف فقط عند شكل الوعي أو الفهم السائد في هذه المجتمعات ، كما لا يوجد في شكل نظامها الاقتصادي ، وإنما كذلك في نوع تدبيرها السياسي ، فالاقتراب من الحداثة والمجتمعات الحديثة كما اتجهت إلى ذلك أعمال دي توكفيل ، هو اقتراب واتجاه نحو الديمقراطية من حيث هي نظام وفلسفة في تدبير الشأن العمومي والشرط الإنساني بشكل عام .

مرحبا بك في بوابة علم الاجتماع
يسعدنا تلقي تعليقاتكم وسعداء بتواجدكم معنا على البوابة