📁 آخر الأخبار

الزواج التقليدي - أ. بسام أبو عليان

الزواج التقليدي - أ. بسام أبو عليان

الزواج التقليدي

تم التحقق من هوية الكاتب
أ. بسام أبو عليان
أثير موضوع "الزواج التقليدي" في إحدى مجموعات مواقع التواصل الاجتماعي، بالسؤال عن رأي الفتيات فيه، وقد قرأت ردود الأعضاء على السؤال، فدفعتني إلى التعليق على الموضوع، فوجدت قلمي سال فطال الرد، وتحول إلى مقال، فرغبت أن يكون مقالًا مستقلًا.

بداية ماذا يقصد بالزواج التقليدي؟:
الزواج التقليدي: هو تولي أولي أمر الشاب زواجه بالبحث عن عروس مناسبة له وفق معاييرهم. في الغالب هذا الزواج تحكمه اعتبارات أسرية قرابية، واقتصادية، وسياسية، واجتماعية، وثقافية، حيث تتولى الأم مهمة البحث عن عروس، ويتولى الأب مهمة بحث تكاليف الزواج من مهر، وأثاث، وموعد عقد القران، وموعد الزفاف... إلخ مع والد العروس. في الغالب هذا الزواج زواج مصلحة، يُغَيَّب فيه رأي المعنيَيَن بالأمر (الشاب، والفتاة)، وتُقَدَّم فيه مصلحة العائلتان بالدرجة الأولى، فلا يهمهم إن كانا العروسين متقاربين في العمر، أو التعليم، أو الجمال... إلخ من معايير التكافؤ الزوجي.

هل الزواج التقليدي قائم إلى الآن؟:

لا يمكن الجزم بأن الزواج التقليدي قائم إلى الآن بنفس الصورة التي ذكرتها آنفًا، وفي نفس الوقت لم يلغَ تمامًا، لكنه ليس منتشرًا بنفس الدرجة التي كانت سابقًا، فقد خفت درجة انتشاره؛ وما ذلك إلا بسبب التغيرات الاجتماعية، والاقتصادية، والتعليمية، والثقافية التي حلت بالمجتمع. فما نراه اليوم في مجتمعنا ليس زواجًا تقليديًا بالمعنى الحرفي والدقيق لكلمة زواج تقليدي، فأغلب الشباب والفتيات منحوا درجات متفاوتة من حرية التعبير عن آرائهم وأفكارهم في مسألة اختيار شريك/ة الحياة.
الزواج المنتشر في مجتمعنا اليوم يمكن أن أسميه (عصريدي)، ـ إن جاز التعبير ـ، أي يجمع بين العصري والتقليدي. ليس هو تقليدي بحت، ولا عصري بحت. فالشاب لم يعد يقبل أن تبادر أمه بمهمة البحث عن عروس له دون أن تأخذ رأيه، أو يحرضها هو للبحث عن عروس. فالشاب غالبًا هو الذي يحدد لأمه الأسرة التي ستذهب لها؛ لتتفقد الفتاة، ويحدد لها المعايير التي يتوق أن تتوفر في زوجته وفق رؤيته، وليس رؤية والديه في جوانب، مثل: (القوام، الشعر طوله ولونه، لون البشرة، العيون لونها وسعتها، البنية الجسدية، التعليم، السكن... إلخ). كذلك الفتاة ما عادت مضطهدة ورأيها مصادَر، وتقبل بكلام الوالدين دون نقاش، وتقبل بأي طارق للباب ومتقدم لها دون أن تفصح عن رأيها، فهي تعبِّر عن رأيها بالقبول أو الرفض بكل أريحية وصراحة بدون خجل، ـ بدون احمرار الوجه، وطأطأة الرأس الذي كانت سابقًا ـ.
بعض الفتيات (الآنسات) يتحدثن من سعة وبدون خبرة حياتية، ويرفعن شعار لا نريد الزواج بطريقة تقليدية، نريد الزواج بطريقة عصرية.
اعلمي، عزيزتي الفتاة: توجد ثقافة مجتمع تضبط وتحكم سلوك الأفراد، فلا يمكن للفرد الخروج عليها، ويقبلها رغم ما تمارسه عليه من قهر اجتماعي، فالفرد لم يشعر بقهرها؛ لأنه تربى عليها في الصغر، فصارت سلوكًا اعتياديًا لديه. وعليه، لا يمكن أن نتصور فتاة تكون جريئة ومتمردة على ثقافة المجتمع، وتقول: "سأتقدم لشاب وأختار شريك حياتي"؛ لأن المعتاد في مجتمعنا أن تكون مبادرة عرض الزواج من قبل الشاب. من ناحية شرعية لا توجد مشكلة بأن تعرض المرأة الزواج على من تجده مناسبًا، فقد عرضت خديجة نفسها على رسول الله ﷺ؛ ليتزوجها، وكذلك فعلن العديد من الصحابيات. ولو كان في الأمر سوءًا لأنكر رسول الله ﷺ فعلهن، ونهاهن ألا يعدن الكرة، لكنه لم يفعل، بل كان يرفض عرضهن بأدب جم، وخلق حسن. رغم شرعية الأمر تخيل لو أقدمت امرأة على هكذا فعل، ماذا سيكون مصيرها؟! بدون شك ستلحق بها كل عبارات اللوم، والتأنيب، والاحتقار، والازدراء، وسوء الألفاظ. إذن هي ثقافة مجتمع، وليس أخلاق وأحكام دين التي تحكم سلوكهم.

من ضمن التعليقات التي قرأتها لفتاة (مخطوبة مستجدة) تقول: "تعرفت عليه [خطيبها] في العمل، ثم تحول لإعجاب وحب، ـ استمرت العلاقة بينهما ثلاث سنوات، ـ نص البلد تعرف بالقصة، وفق تعبيرها ـ، ثم رآها مناسبة فتقدم لها، وأهلها وافقوا عليه".

أولًا| عزيزتي المخطوبة: أنت زوجة على الورق، ولم تخوضي غمار الحياة الزوجية فعلًا، فلا تتعجلي في الحكم قبل التجربة، فأنت الآن في مرحلة (السَُكْر)، حيث المجاملات، والكلام المنمق، والمشاعر الدافقة، والأحاسيس الملتهبة. فزيف المشاعر هو سيد الموقف، أما التفكير العقلاني والمنطقي مغيب إلى حد كبير.

ثانيًا| أقول جازمًا، والكلام يصدق على أغلب الحالات: (كل حب قبل الزواج فاشل.. فاشل.. فاشل)، وقد أثبت البحث العلمي والمشاهدات الواقعية صحة قولي. فحب ما قبل الزواج بعد الزواج قد تستمر شعلة الحب لثلاث سنوات كأقصى حد، أو يتحول الحب إلى علاقة عادية بين كائنين يجمعهما بيت، أو يتحول الحب إلى إهمال. وهذا أسوأ ما في حب قبل الزواج. اقرئي كتابات واسألي من تزوجن عن حب، ستجدي ما يشيب له رؤوس الولدان من سوء المعاملة، والصدمات النفسية، والاكتئاب، والطلاق.

ثالثًا| في حب ما قبل الزواج لم يجعل الحبيبان شيئًا يقال لما بعد الزواج، فقد استنفذا كل الطاقة الإيجابية. فتجد الفتاة تصدم من تصرفات زوجها بعد الزواج (حبيبها)، لم يعد الرجل الرومانسي، الأديب، المهذب، الخلوق الذي كان أثناء حب ما قبل الزواج. بالطبع سيتغير؛ لأنه استنفذ كل الطاقة الرومانسية في فترة الحب، وبدأ يخلع القناع ويكشف عن وجهه الحقيقي من حيث تصرفاته وتفكيره.
رابعًا| تقول أن زواجها ليس تقليديًا. كيف غير تقليدي وقد أتت أمه ومن معها؛ ليتفقدوا العروس؟. أليست هذه طريقة تقليدية؟!

خامسًا| التعارف قبل الزواج شيء، والحب قبل الزواج شيء آخر.
الأول: يحكمه العقل والمنطق، أما الآخر: يحكمه العاطفة وتعلو العين غشاوة، فلا تجعلها تبصر بوضوح.

سادسًا| البعض يقول فترة خطبة نتعارف فيها، ثم كتب الكتاب (عقد القران) إن تم التوافق والانسجام بين الشاب والفتاة. من ناحية شرعية لا يجوز للخاطب الخلوة بخطيبته ما لم يكن بينهما محرم. فكيف لها أن تتعرف وتتحدث في موضوعات عميقة ويوجد طرف ثالث بينهما؟! فالأسرة الفلسطينية تتشدد في هذا الموضوع. إن لم يكن الطرف الثالث فردًا كبيرًا، قد يكون عينًا صغيرة ومندوب للوالدين والأخوة (آخر العنقود)، أو يكون بواسطة ضيافة الأم المفاجئة والمتكررة على حين غفلة. هذا يحدث والكتاب مكتوب، فما بالك لو لم يكن الكتاب مكتوبًا؟!

سابعًا| الذي أراه مناسبًا خروجًا لحالة الجدل بين (تعارف، وخطبة، وكتب كتاب)، هو خطبة مقرونة بعقد قران؛ حتى يتمكن الخطيبان من الخلوة براحة، وتمتد من (شهرين إلى ستة أشهر)، لا تقل عن ذلك، ولا تزيد. إن قلت لم يفهما بعضهما جيدًا، وإن زادت افتعلت المشكلات بينهما أكثر لأتفه الأمور. فإن وجدا تناغمًا وتوافقًا بينهما فبها ونعمت، ويكملان مشوار الزواج، وإن كان غير ذلك، فيذهب كل منهما في طريقة. أما قول: (الصدمة والأذى النفسي بعد فسخ الكتاب)، هو نفس الأذى بعد الفراق إن كانت خطبة دون كتب كتاب، فالأمر سيان. وأذى نفسي قبل الدخول، أفضل من أذى نفسي بعد الدخول، فهذا لا يجبره إلا تجرع الألم خشية الطلاق، أو خشية ترك الأطفال الصغار، أو الطلاق.
♡ إدعمنا بمشارك المنشور مع المهتمين . شكرا

فريق موقع بوابة علم الاجتماع
فريق موقع بوابة علم الاجتماع
تعليقات