المدرسة العمومية في سياق التحولات القيمية
تعتبر المدرسة مؤسسة مركزية في المجتمعات المعاصرة، إذ تقع قضاياها و إشكالاتها في صلب أي مشروع مجتمعي طموح. ويعهد كل مجتمع إلى المدرسة بالتنشئة الاجتماعية الأولية، حيث تتعايش التنشئة المدرسية المؤسساتية والطويلة نسبيا مع تنشئة أسرية، من أجل صنع فرد بمواصفات خاصة. و تتحمل المدرسة مسؤولية الدفع نحو التقدم عن طريق المعرفة، و من أجل المعرفة، فهي بمثابة محرك أساسي و حاسم للتنمية، كما أنها تجسد في نفس الآن تلك المرآة العاكسة لكافة أوجه القصور المجتمعي عن اللحاق بالركب الحضاري و الإنساني، كما هو الحال في السياق المغربي.تعاني المدرسة العمومية عجزا بنيويا عن أداء وظائفها الإجتماعيةو الثقافية والاقتصادية و الاستراتيجية. و أوجه هذا الخلل الوظيفي (Dysfonctionnement) متعددة، تتمفصل بين عدم قدرة خريجي هذه المدرسة على التكيف الاجتماعي و الإخفاق المؤسساتي في أداء وظيفة التنشئة الاجتماعية، وصعوبة اندماجهم في سوق الشغل وتحقيق الحركية الاجتماعية أي الفشل في التوزيع الاجتماعي المنصف للعمل، بالإضافة إلى تخلف المدرسة عن مواكبة التحولات وديناميات ما يعرف بالعولمة، وكذلك عن بناء مواطن كوني منفتح على العالم وقادر على التعلم مدى الحياة. وتتكفل المدرسة ببناء الفرد و قولبته اجتماعيا من خلال مساهمتها في سيرورة التنشئة الاجتماعية، أو ما يسميه فرانسوا دوبي François Dubet بالاشتغال المهني على الآخر لنقله من وضعية الطفل إلى وضعية الراشد. إن مهمة المدرسة وفق نفس التصور هي إعادة الإنتاج الاجتماعي، أي إكساب الفرد أبيتوس (Habitus) التوافق مع القيم و المعايير الاجتماعية.
إن الحديث عن القيم في علاقتها بالمؤسسة المدرسية يطرح مفارقة صارخة. ففي الوقت الذي يتسم فيه الخطاب الإصلاحي المؤسساتي بحضور كثيف للقيم (الخطابات الملكية - الميثاق الوطني للتربية و التكوين – الكتاب الأبيض – دستور 2011 – الرؤية الاستراتيجية...)،من خلال التأكيد المتكرر على قيم حقوق الإنسان و الديموقراطية و المساواة والمواطنة والسلوك المدني و غير ذلك، يكشف الواقع السوسيولوجي عن أزمة قيمية مركبة تعبر عنها السلوكات المنافية لهذه القيم، سواء داخل المدرسة أو في محيطها، كظواهر العنف المدرسي والجامعي و الغش في الامتحانات و التحرش الجنسي...
يمكن تفسير هذه المفارقة بعوامل متعددة، منها محدودية مسايرة المقررات و المضامين الدراسية لهذه المستجدات، بل إن بعضها قد يتعارض تماما مع هذه القيم المعيارية، خاصة في ظل وجود بعض القيم غير المنسجمة والتي تنهل من مرجعيات مختلفة(دينية محافظة – حداثية..). كما أن واقع الممارسة البيداغوجية في المدارس غالبا ما يكون بعيدا تمام البعد عن أدبيات القيم. لا بد من الاعتراف في هذا الصدد أن المدرسة ما زالت تعيد إنتاج نفس المصطلحات و الصور النمطية التي تكرس نوعا من الميز و الإقصاء، إذ ما زلنا نسمع أوصافا كالتلميذ الكسول و الضعيف أو ذلك الذي لا يريد أن يقرأ(مبغاش يقرا بالعامية المغربية)، وهي أوصاف تحمل التلميذ المغلوب على أمره مسؤولية الهشاشات التي تعانيها المدرسة و تشعره بالدونية و النقص دون جدوى.
إن أساليب الماضي في التربية، والمبنية على العنف و العقاب البدني لم تعد صالحة في عالم اليوم. أولا لأن السلطة الأبوية التقليدية أصبحت تتآكل داخل المجتمع (سلطة الرجل – سلطة الأب...)، لتفسح المجال لقيم الحوار و التفاهم داخل الأسرة، الشيء الذي ألقى بظلاله على الحقل التربوي المؤسساتي الذي يجب أن يسير على منواله. وقد فسر الباحثون هذا التحول بثلاث ديناميات أساسية: تنظيم النسل ، ولوج المرأة إلى التعليم ثم إلى سوق الشغل. بالإضافة إلى ذلك، لا يمكن تغافل تأثيرات التحول الرقمي على سيكولوجية الأطفال و المراهقين، فشبكات التواصل الاجتماعي((Réseaux sociaux التي يرتادها الأطفال بعيدا عن رقابة الراشدين، تروج قيما قد تتعارض مع بعض القيم المجتمعية، إلا أن ذلك لا يعني اتخاذ موقف سلبي منها، بقدر ما يتطلب تأطيرا و ترسيخا للثقافة الرقمية((Culture numérique لدى هذه الأجيال. لقد أصبحت الحاجة ملحة اليوم إلى استحضار البعد الإنساني والعلائقي في التعامل مع أجيال شبكات التواصل الاجتماعي، عن طريق الحوار و الانصات لهمومهم و مشاكلهم، و محاولة تفهم أوضاعهم النفسية و الاجتماعية، بدل أسلوب التعالي و التراتبية الكلاسيكية التي لم تعد تخدم الفعل التربوي. فالمتعلم يبقى إنسانا له احتياجاته الفيزيولوجية و النفسية و هواجسه الخاصة وإكراهات معينة تحتاج إلى تفهم و توجيه و مصاحبة . إن أنسنة العلاقة بين أطراف العملية التربوية تقتضي توفر الفاعلين على مؤهلات نفسية و قدرات تواصلية تمكنهم من إرساء و ترسيخ هذه العلاقة، كما تتطلب كذلك إرساء آليات الوساطة الاجتماعية التي يجب أن يقوم بها أهل الاختصاص .
يبدو كذلك أن التحولات القيمية التي تعتمل داخل المجتمع المغربي تتجه نحو إعلاء النزعة الفردانية أو الفردنة Individuation، أي الوعي السيكولوجي بفرادة الذات و تميزها عن باقي أفراد المجتمع والبحث عن تحقيقها. هذه الفرضية تضع المدرسة أمام تحدي صعب يتمثل في مدى قدرتها على تنشئة أجيال تعيش فردانيتها باستقلالية و حرية و مسؤولية، وفي انسجام مع القيم الاجتماعية المشتركة. فكيف يمكن للمدرسة أن تكون حلقة أساسية في بناء مشروع مجتمعي يمكن في إطاره ترشيد و عقلنة الصراعات القيمية و المشروعيات المتناقضة، و هل هي قادرة على الاشتغال على الوساطة بين القيم الكونية و خصوصيات الأفراد، و على خلق مواطن ذو أفق معرفي واسع كوني و إنساني؟.
إن مقاربة إشكالات المدرسة ظلت منذ عقود مقاربة تقنية صرفة، تسلط الجهود على تخريج أطر إدارية و تلبية حاجات المقاولات والمؤسسات الانتاجية. بالمقابل، تم إغفال وعدم الاهتمام بالأبعاد التربوية و الثقافية للمدرسة، أي بناء مواطن تلتقي أهدافه و مشروعه الذاتي الخاص مع المشروع المجتمعي العام و رهاناته. ثم إن غياب التنوع و التمازج الاجتماعي (Mixité sociale) في المدرسة العمومية ينعكس بشكل كبير على الحركية و الارتقاء الاجتماعي، و من تم على التماسك و الوفاق الاجتماعي في ظل تكريس المنظومة للتمايزات و الفوارق داخل المجتمع.
- محمد مهذب،باحث في علم الاجتماع السياسي
- جامعة ابن زهر-المغرب
- mmouhadab3@gmail.com
♡ إدعمنا بمشارك المنشور مع المهتمين . شكرا

مرحبا بك في بوابة علم الاجتماع
يسعدنا تلقي تعليقاتكم وسعداء بتواجدكم معنا على البوابة