📁 آخر الأخبار

المجتمع الافتراضي و التصور الدوركايمي: قراءة في طبيعة التحولات الاجتماعية - الفرفار العياشي

المجتمع الافتراضي و التصور الدوركايمي: قراءة في طبيعة التحولات الاجتماعية - الفرفار العياشي

المجتمع الافتراضي و التصور الدوركايمي : قراءة في طبيعة التحولات الاجتماعية .

تم التحقق من هوية الكاتب
الفرفار العياشي

 "  ان تكلم ضميرنا فان المجتمع هو الذي يتكلم فينا " العبارة لسوسيولوجي اميل دوركايم   قبل اكثر  مئة 100 عام  هو تصريح رصين و صلب يؤسس لرؤيته لدور المؤسسات الاجتماعية الصلبة  في بناء الهوية الفردية  حين صرح في كتابه “التربية الأخلاقية”: “إن ضميرنا الأخلاقي لم ينتج إلا عن المجتمع، ولا يعبر إلا عنه، وإذا تكلم ضميرنا، فإنما يردد صوت المجتمع فينا”.  القولة الدوركايمية تكشف ان المجتمع هو أساس بناء و تشييد القيم الاجتماعية و المفضية بدورها الى بناء مواطن صلب و مؤسسات صلبة و منسجمة قادرة على الاستمرار و مقاومة عناصر و أسباب التغير  .

   أتخيل دوركايم و هو يحادث طلبته  , و الطلبة في حالة تركيز تام لان صوت الاستاذ يمثل صوت المجتمع, و صوت المرشد  الموجه و المحدد لكل تفاصيل الحياة الفردية و خصوصياتها.     التصور الدوركايمي يكشف ان الإنسان منتوج اجتماعي و صناعة اجتماعية يتم تحويله من كائن فيسولوجي الى كائن اجتماعي  , عبر مسارات التنشئة الاجتماعية المعقدة  الهادفة الى  بناء ذاوات فردية منسجة مع هوية و توابث المجتمع .

  حسب  الدرس الدوركايمي  دائما ، يشكل المجتمع المصدر الوحيد لبناء شخصية الفرد و قيمه  ؛ ذلك لأن سلطة المجتمع يتم ترسيخها في  وعي الأفراد  عبر ما اسماه رالف لنتون بالصنارة الاجتماعية كالية لربط الفرد بمجتمعه .

 وبهذا يكون الوعي الأخلاقي و الاجتماعي للفرد مجرد صدى للوعي الجماعي.  حيت يكون  المجتمع هو الذي يحدد الواجبات /  قهرية الظاهرة الاجتماعية ، و ماينتج عنه من تضاءل مساحات الحرية الفردية أمام عمومية الظاهرة الاجتماعية و قهريتها  و سلطة المجتمع المنتشرة في كل مكان .  .

بعد اكثر من 102 على وفاة دوركايم , تحولات جذرية عرفها العالم و اثرت على شكل الدول و المجتمعات و حتى على الهويات الفردية و الجماعية و مسارات بنائهما .

أصبح الحديث عن المجتمع الفعلي و فق التأسيس الدوركايمي باردا بالمقارنة مع الحيوية و الأهمية التي يحضى بها المجتمع الافتراضي .

ماذا  لو افترضنا  ان دوركايم عاد من جديد , و قام بجولة بالمدينة و بمقاهي المدينة و بشوارعها و حدائقها و عاد الى بيته و هو يلاحظ و يلتقط و يجمع المعطيات بعين سوسيولوجي فاحص , سيكتشف  مظاهر العزلة الاجتماعية المنتشرة في كل زوايا المجتمع و في كل الأمكنة , و ان العالم الفعلي أصبح موحشا و ان الناس أصبحت لا تحاور بعضها البعض و ان الصمت هو المتكلم الوحيد .  حالة انغماس شبه كلي في عوالم افتراضية .

     الناس مختبؤن في هواتفهم الخلوية في عزلة شبه تامة عن الواقع  , و ان العلاقات الإنسانية أصبحت باردة و ان التواصل أصبح مع البعيد اللامرئي و اصبح فاترا مع الغريب في مفارقة حادة تقريب البعيد و ابعاد القريب ! 

  و المجتمع الذي كان سابقا يصنع الفرد و قيم الفرد وعاداته و انماط سلوكه . على اعتبار ان  السلوك هو نتيجة فعل تنشئة اجتماعية و هو عبارة عن نسق من التصرفات التي تعم  المجتمع، ويباشر على الفرد قهرا خارجيا  على الافراد المنتمين لهذا المجتمع  .

الأكيد ان دوركايم العائد  سيكتشف حجم التحولات و حجم الانقلاب الجذري في تصوراته والتي اعتبرت صلبة و متينة قبل مئة عام من الآن , وان تصوراته لم تعد قادرة على فهم و استيعاب حجم التحولات .

 دوركايم في مشروعه السوسولوجي  يكشف دور و أدوات التنشئة الاجتماعية في بناء و الهوية الجماعية و التي تستمد مقوماتها و خصائصها و قيمها من المجتمع التي تنتمي اليه , هو بناء وظيفي من اجل بناء هوية جماعية صلبة  و بالتالي بناء دولة قوية و صلبة .

     الآن بسبب نسق العولمة  الجارف والذي استطاع اختراق كل المجالات و الخصوصيات , ساهم في تفتيث الهويات الصلبة وواء الفردية و الجماعية بما يسمح له بالاستمرارية و التحكم و الهيمنة , انه نسق مفترس يعيش على التغذي على هويات الاخرى , فالعولمة هي هوية عملاقة مهمتها تكريس نموذج نمطي في السلوك و الحياة و الوجود و تحويل و صناعة كائن معولم له نفس القيم. فالعولمة حسب الباحثة ساسيكا ساسن في كتابها الصدار سنة 2008 انها اعتبرت العولمة حيوان يصول ويجول بقوة .

  مع العولمة وموجة العولمة  هل هناك حاجة الى المنجز الدوركايمي لفهم طبيعة المجتمع و رهاناته و هل التصورات الدوركايمية مازالت صلبة و قادرة على تفسير الظواهر الاجتماعية  , و هل مفاهيم القهرية و العمومية كخصائص افعل الاجتماعي مازلت صالحة في زمن العولمة و الذي يشتغل على تفتيت الصلب و اذابته !

ربما دراسة التحولات الاجتماعية في علاقتها بنسق العولمة يمكن الاشتغال على مفهوم الهوية باعتباره إطاراً نظريا  أكثر نجاعة في فهم التحولات و طبيعتها و نتائجها ؟

العولمة أنتجت عوالم متغيرة مما يفرض اعادة قراءة الواقع الاجتماعي و إعادة بناء تصوراتنا انطلاقا من التحولات الجذرية التي مست نسق الهوية .

بروز الهويات الافتراضية و ترسيخ سلوك قاعدي اصبح سائدا  و مؤسسا لانماط سلوك جديدة  و المتمثلة في الانسحاب من الواقع الاجتماعي  , و الاقامة الدائمة او الشبه الدائمة في  عوالم الشبكات الاجتماعية يكشفان أدوات التنشئة الاجتماعية المحددة في التصور الدوركايمي اصبحت متجاوزة ؟

و لربما انها سبب من الاسباب في هذا التحول لان الفضاءات الافتراضية تمتلك جاذبية الحرية و اغراءات التحررمن كل القيود و الواجبات الاجتماعية و الدينية , و التي اعتبرها دوركايم قهرية لا ترحم الافراد و الذين لا وظيفة لهم سوى الامتثال لها و الخضوع لها .

أدوات التنشئة الاجتماعية و التي تهدف إلى التأثير و التعبئة و التوجيه من اجل ربط الفرد بقيم مجتمعه سواء عن طريق بالاعتماد على سلطة قهرية كما هو الحال مع دوركايم او عبر سلطة ناعمة غير مرئية لكنها فعالة مع بورديو ؟

 العولمة صنعت فجوة كبيرة و عميقة بين الفرد و المجتمع نتيجة اكتساح قيم العولمة , و ما نتج عنها من انسحاب شبه كلي من الفضاءات الاجتماعية وترك القيم الاجتماعية بلا فائدة .

ربما هناك حالة عجز من طرف البحث السوسيولوجي للامساك بهذه التحولات المتسارعة , او على الاقل تسجيل  حالة البطء في  سرعة التفاعل من اجل الإمساك بهذه التحولات المتسارعة .

فريدرك هيجل حين تحدث عن حركية التاريخ الإنساني فقط حدد نقطة البداية المفترضة لمنه حدد بدقة لحظة النهاية والتي تتحقق حين يتطابق الواقع مع الفكر يصبح واقعي عقليا و العقلي واقعيا .

 ربما رؤية لها مايبررها و قيمتها المعرفية لكن التحولات المتسارعة في زمن العولمة تكشف أن كل فكر مهما كانت قيمته يبق فكرا نسبيا ؟

العالم اليوم أصبح متشابكا بسبب التطور التقني قي شبكات و آليات التواصل , فقد تحول العالم الى قرية  صغيرة مما منح الإنسان الاعتقاد انه أصبح بإمكانه التجوال  فيها بسهولة و حتى الإقامة فيها نظرا لسهولة فعل ذلك

 ربما حان الوقت ان نقلب رؤية الفيلسوف فريدرك  هيجل  حتى تنسجم مع طبيعة التحولات الواقعة فالواقعي لم يعد عقليا و إنما أصبح افتراضيا ؟

  أن يصبح الواقعي افتراضيا  , يصبح الافتراضي واقعيا فالأمر يكشف جملة تحولات عميقة مست النسق العام للفكر و الثقافة و أنماط السلوك وطبيعة الشخصية المعولمة  .

 من بين التحولات العميقة و التي مست هوية الإنسان في العالم الافتراضي  حيت أصبحت الذات تعيش وحدة رغم تواجدها وسط عدد لانهائي من المتفاعلين  و المنخرطين في شبكات التواصل .

  الكاتب الصحفي البريطاني ويل ستور will storr  يناقش التحولات التي مست شخصية الفرد في زمن العولمة و يتعلق الأمر الاهتمام المبالغ فيه بالذات  والهوس بها حيت الإقامة فيها و خارجها في الوقت ذاته  , و هي مفارقة غريبة و حادة .

نعيش في عصر العولمة , التي ساهمت في بناء نمط سلوكي عالمي بجعل الإنسان كائنا مستهلكا و سعيدا , وان سعادته مرتبطة بنوع العطر و نوع السيارة و حتى نوع البيسكوي او نوع الشمبوان الذي يستعمله , السعادة تعني استمرارية الاستهلاك من اغلي سلعة الى أرخصها , لا احد ينبغي ان ينفلت من شبكة الاستهلاك .

 بهذا المعنى فالعولمة صنعت فردا مستهلكا يعيش من اجل اللذة , بجعل  الليبدو هو محور حياته و سر سعادته . الانسان المستهلك هو الباحث عن لذته و عن سعادته و لو اقتضى الامر ان يتخلى عن كل شئ عن ذاته و هويته من اجل اللذة .

 طريق اللذة الذي رسمته العولمة هو طريق بلا نهاية , لأنه يولد كائنات هجينة و سطحية تعيش وفق مبدأ الحاضر , أي بناء شخصية بلا حس واقعي او إشكالي , تعيش بالبعد اللذي كبعد وحيد  حيت تصبح اللذة هي معيار السعادة .

لم يعد الفرد انتاج مجتمعه كماعبر عن ذلك دوركايم في تصوره لطبيعة العلاقة بين الفرد و المجتمع و انه حتى الفرح الذي يبديه المجتمع بالمواليد الجدد ليس فرحا بالاطفال انفسهم ,  و انما هي اجراء وظيفي حتى يتم تربية و تنشئة هولاء بما يفيد المجتمع  , و ان لا يكونوا عناصر تشويش وعرقلة لوظائف المجتمع .

 مع الهويات الافتراضية هناك شبه انسحاب من المجتمع الواقعي او حالة من التمرد الجماعي عليه بالانخراط في قيم الافتراضية و الفضاءات الافتراضية و المجتماعات الافتراضية و هو ما يفترض استبدال الفيم الدوركايمية و اعتبار الظاهرة الاجتماعية قهرية وعومية و خارجية لم تعد كما كانت ؟

ربما الهويات الافتراضية و ما نتج عنها من تحولات جدرية في نسق السلوك الفردي و الاجتماعي و الثقافي لمواطن العولمة يفرض تغييرا في النسق الدوركايمي ,  و الذي وضع اطار صارما للعلاقة بين الفرد و المجتمع , و لعل عنوان هذه التحول يكشفه عبارة دوركايم : اذا تكلم ضميرنا فان المتكلم هو المجتمع , فان هذه العبارة ربما اصبحت جزءا من الماضي و قعة تراتية لا تاثير لها فس نسق التنشئة و التاثير , و وجب استبدالها بعبارة اذا تكلم  ضميرنا فان المتكلم هو شبكة الانترنيت كعالم افتراضي .

العالم لم يعد كما كان صلبا و الهوية الفردية الصلبة و المتمسكة بقيمها تلاشت او على الاقل تراخت و بدأت في التلاشي ,  و المجتمعات تحولت من مجتمعات عضوية و إلية الى مجتمعات افتراضية موجودة في اللامكان .

فالعواطف و الحب و الكراهية و الغضب تحولت من انفعالات واقعية الى مجرد ايقوانات مرئية , حيت اصبحت الصورة اهم من الفرد ,

اما قيم التقدير و الاحترام فهي مفاهيم و قيم متلاشية , لان قيمة الفرد تحددها صورته و عدد المتفاعلين  معها يتم توظيفه من اجل التفاعل مع الآخرين التواصل مع الآخرين، و بناء العلاقات الايجابية او السلبية مع الاخر الافتراضي عبر إيقونة J AIME   , فالصورة التي تحضي بأكبر كم من الإجابات يعني انها ذات افتراضية اجتماعية و لها اكبر عدد من الأصدقاء المنتشرين في كل مكان , عكس الصورة التي لا تحضى باهيمة تقدير ايجابي فان صاحبها يعيش عزلة افتراضية و يعيش في فضاء ازرق بلا أصدقاء .

 فالتواصل أصبح مرئيا و صامتا يتم عن طريق الصورة التي التهمت الذات و حولتها الى مجرد صورة قابلة للتداول و التقييم و الإعجاب في فضاء مفتوح  .

  التواصل الافتراضي هو تواصل غير اجتماعي لانه مؤسس على صور و ليس على تفاعل حي يفترض ذوات متحاورة و سياق ولغة حوار اظافة الى كثلة من الانفعالات المرتبطة بطبيعة التواصل و مضمونه .

 لقد نجحت  التوصل الافتراضي في تحويل التواصل الاجتماعي داخل المؤسسات الحية و اليومية في البيت وفي المقهى في الشارع الى تواصل افتراضي , الأمر الذي يقود إلى تأكيد فرضية التهام الافتراضي للواقعي .  لكل شخص هاتفين او اكثر و هو ما يجعل هواتف المغاربة تتجاوز 65 مليون هاتف خلوي . أي ان عدد الهواتف يتجاوز عدد المواطنين أنفسهم .

مواطن العولمة غير بطاقة هويته كما غير موطن إقامته حيت أصبح الإقامة الدائمة في شبكات التواصل الاجتماعي و هو ما يجعل إقامته فيها هي اقامة من اجل الموت ,ان أخذنا بالبعد الاستشعاري لكلمة شبكة العنكوت , وهي عبارة عن خيوط رقيقة ناعمة و ملساء و تسمح بالتأرجح و الدوران و الخفة , لكنها خيوط قاتلة , بمجرد الالتصاق بها فكل حركة تعني قيدا جديدا ,   و النتيجة صيد سهل للعنكوت و التي لا تحتاج الى الخروج من اقامتها للاصطياد لأنها تمارس الصيد و القتل الناعم فضحاياه هم من يبحثون عنها.

 المجتمع الافتراضي و الهوية الافتراضية احدثت قطيعة مع الإرث الدوركايمي في تأصيله لهوية و طبيعة المجتمعات و طبيعة العلاقة بين الفرد و المجتمع ساهم في بروز الفردانية بشكل متطرف كاطار لبناء هويات فردية منعزلة و متحررة من كل القيم و المعايير الاجتماعية او على القل التمرد ضدها .

 بذلك يكون المجتمع الافتراضي المؤسس و الحامل لحقيقة افتراضية كما سمها السوسيولوجي برنارد جو ليفارت قد انهت العلاقة مع أسس التصور الدوركايمي  في نظرته لطبيعة المجتمع و خصوصيات الظاهرة الاجتماعية .

الاعتراف بصعوبة استيعاب المنجز الدوركايمي لطبيعة التحولات المتسارعة و الخاصة بالمجتمع الافتراضي تكشف القيمة العلمية لهذا الارث السوسيولوجي المهم , لان علمية اية نظرية تتحدد بمتلاكها ميزو النسبية و إمكانية مجاوزتها او حتى قابيلة تكذيبها وفق تصور كارل بوبر
♡ إدعمنا بمشارك المنشور مع المهتمين . شكرا
فريق موقع بوابة علم الاجتماع
فريق موقع بوابة علم الاجتماع
تعليقات