قراءة في كتاب "هدي القران في السياسة و الحكم
أطروحة بناء فقه المعاملات السياسية على القيم" للباحث
✔️ عبد الرحيم بودلال
✔️ باحث في علم الإجتماع
تهدف هذه القراءة الى الوقوف على أهم الأفكار التي تنظم المشروع الفكري للباحث امحمد جبرون، التي تشكل بداية نقلة نوعية في العقل السياسي الإسلامي في بناء المعاملات على أساس القيم مطلقة عابرة للزمن، و ليس على أحكام متأثرة ببيئة معينة. فوجود مساحة بين النص الديني و الواقع سببه بالأساس عند الأستاذ جبرون غياب المشروع الكلي الشمولي في الفكر الإسلامي، ما جعل المسلمين يتعلقون ببيئة معينة مضت في التاريخ دون الإستفادة من التجارب الأخرى رغم أنها شكلت عمران بشريا ضخما. سواء في البيئة الإسلامية أو البيئة الغربية، فالتعلق بمرحلة الخلافة و التركيز عليها هو إختزال و إجحاف في قراءة التاريخ.
الباحث الإسلامي امحمد جبرون من خلال كتاباته الكثيرة يسير بخطى ثابتة نحو الحداثة، ملتمسا طريق أجداده التنويريون الافغاني و محمد عبدو و محمد رشيد رضا، الذين ما بات يستشهد بأفكارهم و إجتهاداتهم المتقدمة على عصورهم. إنه يدفع بالحركة الإصلاحية الإسلامية التي يعتبر نفسه أحد روادها دفعا للتوفيق بين الفكر السياسي الإسلامي و الحداثة السياسية، رغم ما أصاب الفكر الإسلامي من صدمة الحداثة الذي جعلته ينتج الحاكمية و حركات متشددة.
لهذا فخطورة كتاباته أنها تتم من داخل الحركة الإسلامية و ليست من خارجها، و أنها تستهدف أبناء الحركة الإسلامية أنفسهم من أجل ربط واقعهم المعاصر بالنص الديني، ليس قفزا على النص الديني، بل إعادة قراءته قراءة قيمية مقاصدية تحقق تصالحا مع الواقع، لهذا يحتاط من المفاهيم و المصطلحات التي جاءت بها العلوم الحديثة فيستعمل ألفاظ و مفاهيم تقليدية، كما أنه لا يخاطب الذين يودون إحداث قطيعة تامة مع النص، لأنه حسب جبرون النص القراني يحتوي العالمية و الكونية.
و محمد جبرون يعتبره البعض العلماني الذي إنشق من صفوف الحركة الإسلامية دون أن يبتعد عنها كثيرا، حيث إنفصل عنها تنظيميا لكن بقي متعلقا بها فكريا، لانه يقدم مراجعات عميقة في فكر الحركة الإسلامية خصوصا كتابه الأخير محور القراءة " هدي القران في السياسة و الحكم أطروحة بناء فقه المعاملات السياسية على القيم ". كما يعتبر نفسه أحد الإصلاحيين الإسلاميين المعاصرين المؤمنين أشد الإيمان بقضية الإصلاح و التجديد من داخل الحركة الإسلامية، إذ يقو ل في مقدمة كتابه "تجديد يناسب ضرورات العصر و مقتضيات من جهة، و يتمتع بالصدقية من جهة ثانية"،
و الذي جعل كتاباته تتلقى إنتقادات لاذعة من طرف الواقفين على ثغور هذه الحركات الإسلامية، المؤدلجين بالصراع الإسلامي/العلماني.
السياق العام للكتاب:
بدأ الأستاذ محمد جبرون إهتمامه بالتراث الإسلامي مبكرا؛ حيث بدأ بكتابة مجموعة من الدراسات و الابحاث حول الحركة الإسلامية و قضاياها من سنة 2009، بعضها نشر في مواقع الحركة الإسلامية، و البعض الاخر في مواقع وطنية عامة، هذه الدراسات تهتم بالأساس بإعادة تفسير بعض الأحكام القرآنية و إعادة قراءتها في سياقها التاريخي، أحكاما يراها الأستاذ جبرون معيقة للكونية الإسلامية. لينتقل بعد ذلك الى كتابة أمهات الكتب في الموضوع نفسه، و أهم هذه الكتب في إعتقادي الشخصي التي تحتوي مشروعه هي؛ الحركة الإصلاحية في تمحلاتها و مفهوم الدولة الإسلامية أزمة الأسس و حتمية الحداثة و نشأة الفكر السياسي الإسلامي و تطوره، و كتابه الذي بين أيدينا هدي القران في السياسة و الحكم؛ أطروحة بناء فقه المعاملات السياسية على القيم.هذه الكتب شكلت مشروع امحمد جبرون الفكري في نقد التراث الإسلامي لكن دون تجاوزه، و في بناء نظرية جديدة في التعامل مع القران مبنية على القيم و الغايات، حيث بقيت له إصدارات قليلة يطبق فيها منهجه الاصولي القيمي الذي توصل إليه في الكتاب لتكتمل أطروحته في التجديد؛ كتب تشمل مجالات أخرى إقتصادية و إجتماعية و سياسية.
الانتقادات التي رافقت الكتاب:
قبل صدور الكتاب؛ ألقى الأستاذ جبرون مداخلة في المركز العربي للأبحاث و دراسة السياسات بقطر حول منهجه المعتمد في قراءة التراث، والتي عنونها بقوله "في أصول فقه القيم و منهجه، دراسة في الازمة المنهجية في الفقه الاسلامي"، و هي المنهجية التي إعتمدها في كتابه موضوع القراءة، كان ذلك قبل دخول الكتاب الى المغرب الذي تزامن مع بداية المعرض الدولي للكتاب بالدار البيضاء " ما بين 07 و 17 فبراير 2019 ". من خلال هذه الورقة التي أصل فيها لمنهجه المتبع، تحدث عن الأزمة المنهجية في أصول الفقه، و التي أرجعها بالأساس الى المؤسس الأول الشافعي.ليرفق هذه الورقة مجموعة مقالات من طرف من يحسبون أنفسهم على التيار الإسلامي المغربي؛ المشتغلون بالخصوص بقضايا "التجديد" و الكتابة، تهاجم الكاتب و ليس الكتاب، ليس مدافعة الفكرة بالفكرة بل مصادرة الراي و الشخصنة.
و بعد ظهور الكتاب في المغرب و قراءته من طرف مهتمين و أكاديميين و تخصيص فضاءات لذلك، و الباحث نفسه إهتم بهذه القراءات و شجعها، لأنه يعتبرها هي حواشي المطورة لأطروحته، كما أن أغلب هذه النقاشات تمت في مقرات حركة التوحيد و الإصلاح أو بعض المنظمات التابعة لها؛ يسجل من هذه القراءات كلها هو سعة صدر الباحث إتجاه كل الإنتقادات التي وجهت إليه و الغير المبررة أحيانا، و رده الموضوعي الرصين على كل الإنتقادات، كما يحكي هو نفسه أنه قبل طباعة الكتب قام بإستدعاء مجموعة من المختصين الى منزله و عرض عليهم المستودة و طلب ملاحظاتهم.
إلا أني أسجل من جهتي كمتتبع لكل هذه القراءات؛ أن الكتاب لحد الآن لم يُقرؤ بشكل علمي و موضوعي من طرف مختصون سواء جماعة العلماء الشرعيين خصوصا الأصوليين و المقاصديين، أو جماعة علماء العلوم الحديثة خصوصا المختصين في الفلسفة الدينية و الإيتيقا؛ لأن الكتاب أيضا يقيم سجالا واسعا مع مجموعة من القضايا الفكرية الحديثة.
كما ان الكتاب لم يقرأ بروية و تأن و تدافع فكري رصين، بل صوحب في أغلب الحالات بالحس الأيديولوجي المدافع عن "الإسلام".
مقدمة حول الكتاب:
تأتي قراءة محمد جبرون للسياسة و الحكم في القران على ضوء إشكالية يراها مؤرقة للعقل العربي المسلم، رغم الكثير الذي قدم في الموضوع، إلا أنها لم تستطع الجمع بين النص و الواقع دون المساس بالجانب الأخلاقي القيمي.فالاجتهادات الأولى التي بدأت أواخر القرن 19 غلب عليها حسب الباحث البراديغم السلفي رغم حداثتها، في مقابلها قُدمت أيضا إجتهادات أخرى غلب عليها الطابع العلماني الذي ينتصر للعقل على حساب النص.
أما مع النصف الثاني من القرن 20 فقد ظهرت قراءات معاصرة للقران الكريم يراها الباحث مهمة، سواء التي إعتمدت المنهج المقاصدي أو التي إعتمدت المناهج الحديثة المأخوذة من اللسانيات و الأنثروبولوجيا، لكنها بقيت محدودة الأثر و مخرجاتها لم ترقى للمستوى المطلوب، و بعضها رغم تجاوزها للقراءات الكلاسيكية فإنها ما لبثت أن ألبست اللبوس التقليدي لباسا عصريا، "إذ إقتصر تجديدها على الأشكال و الظواهر و لم ينفذ الى عمق الإشكالية". و اغلب الاطروحات حسب الباحث ظلت تتأرجح بين العلمنة الشاملة المؤسسة لقطيعة إبستيمولوجية مع النص، و أخرى تتبنى الحاكمية الإلهية و تطبيق الشريعة و لم تستطع تجاوز "المازق الأخلاقي للسياسة". لتتشكلت أطروحة الباحث جبرون بين التفسير السلفي الذي يريد إستنساخ تجربة الصحابة، و بين الأطروحة التاريخانية التي تتجاوز النص؛ أطروحة مبنية على حاكمية القيم و ليس على حاكمية الشريعة.
منهجية الباحث امحمد جبرون في الكتاب:
يفترض الباحث جبرون من الأساس أن المشكل في الفكر السياسي الإسلامي هو مشكل منهجي، يتعلق بأصول الفقه عند الشافعي التي لم تستطع حتى القراءات المقاصدية تجاوزه، و المنهج الذي يؤسس له جبرون يتعلق بمنهجية جديدة تقارب النصوص المعاملاتية بالبحث في المناهج و القيم الكامنة وراءها، و الفصل بين الظروف التاريخية المرتبطة بها لإستخراج القيم المؤسسة للنص من أجل الوصول الى ما هو كوني مطلق.و في هذا فهو يفرق بين الدين و التدين؛ ليس التدين كما أصلت له المدرسة الوضعية في علم الاجتماع، بل هو يعتر أن العقيدة و العبادات هي دين مطلق متعال لا يقبل الإجتهاد و التأويل، بينما التدين هو تلك المعاملات التي تشكلت في بيئة محلية معينة أو تلك التي جاءت من سياقات تاريخية أخرى تم إستدماجها في الإسلام.
هذه المعاملات التي تسبطن مجموعة من القيم المثالية المتعالية عن الزمان و المكان هي ما يبحث فيها المؤلف.بمعنى أن هذه الدراسة تسعى إلى إثبات التاريخي في القرآن السياسي و إستخلاص القيم الكلية منه لتصير صالحة لكل زمان و مكان، و هي ما عبر عنه بالإثبات و النفي، الذي يعني إثبات التاريخية من الأحكام من أجل تجاوزها الى قيم عليا.
و الباحث لا ينكر أنه إستعان في تشكيل منهجه بثلاث أطروحات كبرى يراها مهمة في الموضوع؛ و هي أطروحة المفكر فضل الرحمن حيث تركز هي الأخرى على القيم؛ قيم كونية متعالية عن التاريخ و قيم تاريخية محلية تتعلق بالجماعة و لا تتعداها الى الكونية، و الأطروحة الثانية هي المقاربة السياقية لعبد الله سعيد، التي هي الأخرى تحاول ملاءمة التراث الإسلامي مع العصر الحالي، حيث تعتمد ثلاث مفاهيم أساسية؛ السياق العام "1" الذي يعني السياق السياسي و الاجتماعي و الثقافي و الاقتصادي للنص القراني، و السياق العام "2" الذي يعني به السياق المعاصر المحيط بالنص، ثم مفهوم ثالث و هو الرابط السياقي الذي يجمع بين الإثنين.
ثم إستفاد من أطروحة المفكر التونسي محمد الطالبي الذي عالج موضوع تأديب المرأة في سياقه التاريخي...إلا أن الباحث امحمد جبرون إستفاد من هذه المناهج الثلاث كلها و تجاوزها الى ما هو عملي تطبيقي.
في البداية يعمد هذا المنهج الى حصر القرآن السياسي و بيان دلالاته التاريخية. ثم بعد ذلك يقوم بيان الخلل الفقهي الذي سببه إهمال أصول الفقه للجانب التاريخي و تركيزها فقط على الجانب اللغوي فقط. ثم بعد ذلك يتم التأصيل للمنهج القيمي في المعاملات المبني على إعتماد القيم الكبرى في فهم النصوص الدينية. و في الأخير يقدم مجموعة تطبيقات عملية في الموضوع من خلال تطبيق المنهج القيمي.
في البداية يقيم الباحث أمحمد جبرون سجالا واسعا مع من كل الأطروحات المقاصدية و أطروحات القراءات المعاصرة للقران الكريم، ثم ينتقل الى التشابك مع أصول الفقه لدى الشافعي، ليؤسس لمنهجية جديدة يراها هي السبيل الوحيد بين كل هذه المناهج التي بمقدورها قراءة الإسلام قراءة موضوعية تتوافق و متطلبات العصر:
يقدم أمحمد جبرون قراءة لأهم الأطروحات التي إعتمدت مقاصد الشريعة في قراءة النص القراني، والتي قسمها الى صنفين؛ الاطروحات الكلاسيكية و التي تتمثل في كل من الشاطبي و الامام الطوفي، و أطروحات معاصرة أصحابها كل من مصطفى شلبي و الفقيه احمد الريسوني و محمد سعيد رمضان البوطي ثم الشيخ يوسف القرضاوي.
ليخلص الباحث الى نتيجة شاملة؛ أن هذه الأطروحات كلها رغم إختلافها سواء من يرى أن النص يوافق المصلحة او من يرى ان النص يخالف المصلحة؛ لم تستطع أن تقرأ النص على ضوء المصلحة، وإنما قيدت المصلحة و حدت منها و حجمت من دور العقل، خصوصا فيما يتعلق من المعاملات بـ "المُقدَرات" كأحكام الإرث و الحدود و القصاص، و أن حكمها لدى هؤلاء حكم العبادات لا يستخدم فيها العقل، و أن المصلحة هي مصلحة الشارع سبحانه.
من ذلك قول الشاطبي عن الشريعة و هو إمامهم: "جارية على مقتضى العقول، لا أن العقول حاكمة عليها و لا محسنة فيها و لا مقبحة".
أما القراءات المعاصرة سواء التي إعتمدت المنهج اللغوي أو التي اعتمدت المنهج التاريخي حسب جبرون أنها إستعملت قاموس جديد من الالفاظ غريب عن التفاسير التقليدية غير مألوف لدى العامة، و بعضها صعب الفهم و صعب التطبيق، كما أنها لم تراعي العقل الجمعي المسلم و لم تحترم الشعور العام في بعض القضايا العقائدية.
أطروحة محمد جبرون حول بناء المعاملات السياسية على القيم:
قبل الحديث عن كتابه "هدي القران في السياسة و الحكم" لابد من إستعراض أهم الأفكار التي وردت في بعض كتبه و التي أراها مهمة كمدخل لفهم كتابنا هذا، خصوصا كتابه " مفهوم الدولة الإسلامية أزمة الأسس و حتمية الحداثة "؛ حيث يقوم في هذا الكتاب بتقديم قراءة للتاريخ للسياسي الإسلامي لكل من دولة الخلافة و دولة العصبية الأموية و العباسية و العثمانية؛ قراءة في حركية الدولة و المجتمع و العمران و ليست قراءة تاريخية مجردة، يقوم بهذه القراءة من أجل الوقوف على منسوب الأسس الثلاث التي يراها تشكل العمران البشري و هي البيعة التي تشكل سيادة الامة، و العدل و المصالح العامة. حيث وجد أن دولة الراشدين نجحت الى حد كبير في الحفاظ على شرعية الأمة في تعيين الخلفاء و تنصيبهم و إقرار قدر من العدل، لكنها فشلت في توسيع مجال المعروف "المصالح"؛ فباستثناء التوسعات العسكرية، أما الاقتصاد و زيادة الإنتاج و العناية بالعلوم و تدريسها لم يكن للدولة إهتماما بالغا بها. ثم يرصد الباحث إجتهادات الصحابة في السياسة و الاجتماع و إنفتاحهم على الأمم الأخرى و على التاريخ؛ فقد تم إستراد نظام الجيش من الحضارة الرومانية، و إستراد نظام التجارة و إستخدام العملة...
أما في الدولة العصبية فالبيعة لم تكن كما كانت في عهد الخلافة الراشدة، حيث تقوم المدينة بالنيابة عن المدن الأخرى في إختيار الحاكم، بل أصبحت حكرا على عصبية الدولة و الأمة تبع لها...
هذا التحول كما يقول جبرون ليس إنحرافا أخلاقيا أو ذكاء سياسيا بقدر ما كان تحولا تاريخيا عميقا، ساهمت فيه مجموعة من العوامل الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية.
كما أن المعروف إزداد فتوسعت الأرزاق و قل الفقراء و المحتاجين، و سبب توسع المعروف حسب الباحث هو "زوال الهاجس العسكري الذي كان موجودا في السابق".
عموما يرى الباحث في كتابه مفهوم الدولة أن المسلمين عبر العصور كانوا منفتحين على التاريخ على الأمم الأخرى، كما أن الفكر النهضوي الإسلامي هو الأخر كان منفتحا على التجربة الحداثية المعاصرة لولا تدخل المستعمر على الخط، الذي أجهز على الحركة الإصلاحية التي بدأت في القرن 19. لهذا دولة ما بعد الاستعمار حسب جبرون عرفت ولادة قيصرية أحدثت مشكلة في السياق التاريخي، "أصبحت مؤسسات و تنظيمات سابقة لواقعها"، كما سبب لها أزمة شرعية أخلاقية، و هو ما جعل منسوبها من الأسس الثلاث "العدل و البيعة و المعروف" يقل جدا، لتظهر بعد ذلك حركات إسلامية كردة فعل تتبنى حاكمية الشريعة و تريد إستنساخ تجربة الخلافة.
أما في كتابه هدي القران في السياسة و الحكم يرى الباحث جبرون أن الاسلام رسالة شاملة مطلقة صالحة لكل زمان و مكان، تتضمن الديني و السياسي و الاجتماعي و الاقتصادي، و أن هدي القران يتجلى في قيم كلية مطلقة تتجاوز أسباب النزول و الظروف و الأماكن.
و من خلال الاستقرار الكلي للقرآن يستنبط الباحث مجموعة من القيم العليا تُمثل هدي القران في السياسة و الحكم و هي؛ العدل و المساواة، الحرية و المسؤولية، المعاهدة و المعاقدة و المبايعة، الخير و المعروف و المصلحة، الكرامة. و هذه القيم تتوافق و ما أنتجه العقل الإنساني الكوني. فالقيم التي أصل لها الباحث جبرون تتقاطع نسبيا مع القيم الحداثية المعاصرة، و تختلف معها في بعض الجزئيات التي تشكل خصوصية الإسلام؛ فالعدل مثلا ليس مصدره العقل الذي يتعلق بتحقيق مصلحة فردية أو جماعية، و ليس مصدره الأعراف لدى المجتمع أو الجماعة القائم على التوافقات الثقافية و السياسية، بل "أن المسلم لا يكتمل إسلامه و إيمانه إلا بامتثال أمر العدل في نفسه و في من حَكمه الله فيهم"، و من تمت فجزاء العادل و أجره يتجاوز الدار الدنيا الى الدار الاخرة، فهم على منابر من نور يوم القيامة. كما أنه من العدل أيضا الإعتراف بالجريمة و الرضى بالعقوبة كأمر إلهي و نوع من التطهير، من ذلك "قصة الغامدية".
و هنا يكمن الإختلاف بين فلسفة الواجب في الفلسفة الغربية خصوصا لدى كانط، و بين الإسلام الذي يتجاوز الواقع المادي الى الأخروي الغيبي، الذي يقدم للإنسان الحافز الداخلي المساعد على الامتثال للقيمة.
كما أن الحرية و المسؤولية كقيمة في الإسلام حسب جبرون تتعلق بالأساس بطريقة مخاطبة الله تعالى للإنسان، المتكررة دائما في فردانيته و في شخصه. بمعنى ان الله تعالى يُقيم للإنسان الفرد مكانة و وزنا.
و لو أن سياق ظهور الحرية في الإسلام ليس هو سياق ظهوره في الحداثة؛ فالحرية في الإسلام إرتبطت بالأساس بالتصوف و العرفان، و هو أنه كلما تقرب الإنسان الى الله عن طريق العبادة إلا و تحرر من قيود المادة و من الشهوات والنزوات، و كذلك إرتبطت الحرية بنقاش الإختيار و الجبر بين المعتزلة و أهل الحديث، إلا أن جبرون يقدم قراءة أخرى مغايرة تماما، حيث حيث يربط الحرية بعلاقة الفرد الربانية بالله تعالى.
أما المبايعة و التعاقد فإنه نوع من التعاقد الاجتماعي و السياسي و إعطاء السيادة للأمة.
أما الكرامة في المدلول القرآني فهي تعني تشريف الله للإنسان و تعظيمه و تسخير كل شيء له، و تفضيله على كثير من الخلق تفضيلا.
خلاصة و إستنتاجات:
الباحث جبرون يحاول ما أمكن إخراج الأمة من المأزق التاريخي الأصولي الذي ربط الحياة السياسية بوقت الصحابة و لم يتعاداها الى الأزمنة الأخرى، كما يبعدها على التصور الوضعاني العلماني الذي يفصل النص على الواقع و يقرأه أحداث و وقائع مرت لا علاقة لنا بها.فالدولة الإسلامية حسب جبرون مبنية على قيم كبرى كونية متعالية عن الزمان و المكان، لا ترتبط بأحكام خاصة و جزئيات فقهية، بل هي القيمة و الغاية و المقصد من الحكم، و منه فالحفاظ على القيمة أهم من الحفاظ على الحكم الشرعي. كما ان القيم الكبرى تخرج العقل العربي من تلك الفقهيات التفصيلية و جزئياته الى سعة الكون و شموليته، لهذا حسب جبرون أنه كلما إرتفع منسوب هذه القيم الخمسة فنحن نقترب من الدولة الإسلامية و كلما إبتعدنا عن هذه القيم إبتعدنا عن الدولة الإسلامية.
♡ إدعمنا بمشارك المنشور مع المهتمين .
شكرا على زيارتكم


مرحبا بك في بوابة علم الاجتماع
يسعدنا تلقي تعليقاتكم وسعداء بتواجدكم معنا على البوابة