📁 آخر الأخبار

عبد الكبير الخطيبي: المثقف/ المناضل الممتنع عن التصنيف. - ديرار عبد السلام.

عبد الكبير الخطيبي: المثقف/ المناضل الممتنع عن التصنيف. -  ديرار عبد السلام.

عبد الكبير الخطيبي: المثقف/ المناضل
الممتنع عن التصنيف.

تم التحقق من هوية الكاتب
 ديرار عبد السلام. 

- تـوطـئـة :

     أن يكتب المرء عن شاعر من عيار شكسبير أو بابلو نيرودا، أو ليوباردي، أو ألن بو أو المتنبي أو محمود درويش...أو غيرهم من الذين جعلوا شعرهم تقطيرا لوجودهم، مضمونٌ رفعه منسوب إحساس من حولهم، فهي مغامرة !. و أن يكتب عن روائي بحجم ميلان كونديرا أو غابرييل غارسيا ماركيز أو غوستاف لوكليزيو أو دوستويفسكي أو ماكسيم غورغي، أو أمبيرتو إكو...أو غيرهم من الروائيين الذين توقد أعمالهم خيال ، و تلهب إحساس و مخيال من حولهم، فهي مخاطرة !. و أن يكتب عن علماء اجتماع من طينة ماكس فيبر و جان بودريار و ريمون بودون و بيير بورديو و لوسيان غولدمان و بول  هنري شومباردولو و كولمان جيمس و إدغارد موران...، فهي و ورطة !. وأن يكتب عن فلاسفة زعزعوا استقرار يقينيات و مسلّمات، و أزاحوا أقنعة و غشاوات من حجم حنا أرندت و ميشيل فوكو  و جاك ديريدا و جيل دولوز و فيليكس غاتاري و نيتشه و هيدغر و فيد غينشتاين...، فهي مجازفة !. و أن يكتب عن أنتروبولوجيين بوزن كلود ليفي ستروس و مالينوفسكي و مارغريت ميد و كليفورد غيرتز... و غيرهم ممن ففككوا الثقافات و اللغات و المعتقدات و المجتمعات، و كشفوا الاختلافات  و التنوعات، فهي مكابرة !. و أن تكتب عن سيميائيين من أمثال شارل ساندرز بيرس و دينيس برتراند و توماس سيبوك و ألخيرداس جوليان غرماس و رولان بارت...ممن غاصوا في مغاليق الرموز و العلامات و حياتها ضمن الحياة الاجتماعية، و تحويلها من حال "البكم" إلى حال "النطق" بدلالاتها ومعانيها و وظائفها و الرهانات حولها...،فهي مغامرة مضاعفة !.
    و نقصد ب"المغامرة" و "المخاطرة" و"الورطة"و "المجازفة" و "المكابرة" ، الإشارة إلى ما تقتضيه الكتابة حول  هؤلاء الكبار  من  زاد  ثقيل، ومن  تواضع  كبير، و شعور


بالمسؤولية فادح، خوفا من الإساءة لأفكارهم و أعمالهم أو عدم إدراك مقاصدهم،أو(وهو الأفظع) جعلها مبتذلة، كحال الذي يلامس الذهب و يحيله ترابا !.
أما أن يكتب المرء عن مغربي، أي بعيدا عن مراكز الفلسفة و العلم و الفنون أو الآداب في الزمن المعاصر، و بكل أثقال المغرب الخارج للتوّ من المرحلة الاستعمارية المباشرة، كما عايشه هذا المغربي، و يستحق اعتراف عمالقة متوجين باستحقاق، بمختلف الأصناف المعرفية السابقة، كما الحال بالنسبة للراحل الكبير عبد الكبير الخطيبي، فلا نملك غير الاعتراف بكوننا أمام موقف فيه الكثير من الرهبة و وابل روحانيات، و شيء من ارتباك، يفاقمه تداخل الفرح (بنيل شرف الكتابة عن "قديس")، و الحزن(على عدم نيله ما يستحقه في حياته، و عدم انتباه المغاربة بعد، إلى إرثه)، و التمجيد و الغبط، و النشوة(بنيله اعتراف الآخرين) و الغضب العارم ( على تنكر كثير من "ذوي القربى" له). فهذا جاك ديريدا ، كواحد من أكبر و أشهر فلاسفة القرن العشرين، لا يتردد في القول أنه يعتبر الخطيبي واحدا من كبار الكتاب و الشعراء و المفكرين ضمن اللغة الفرنسية في زمننا...و أنه حريص على تأكيد أن عمله المعترف به بشكل واسع بالعالم الفرانكفوني، هو في نفس الوقت ابتكار شعري ضخم و تفكير نظري قوي...(1). و هذا رولان بارت الناقد الأدبي و السيميولوجي و اللساني و الفيلسوف اللامع يكتب عن هذا الخطيبي تحت عنوان شديد الإرباك (بالنسبة لي أنا على الأقل"المتورط" في الكتابة عنه ) :  " ما أدين به للخطيبي" (Ce que je dois à Khatibi)، و يقول: "الخطيبي و انا ، نهتم بنفس الأشياء، بالصور، بالرموز، بالآثار، بالحروف، بالعلامات، و في نفس الوقتن ولأنه يحرك هذه الأشكال كما أراها، لأنه يجرّني بعيدا عن ذاتي، إلى إقليمه الخاص، كما  إلى نهاية  ذاتي،  فإن  الخطيبي  يعلمني
________________________________________
1-   aux œuvres de Abdelkebir khatibi" Exergue " Jacques Derrida :   
 - Tome 1- Romans et recits - Editions La difference- Paris -2008 

شيئا جديدا يزعزع معرفتي"(2). ويقول كثيرون آخرون ما يشبه ما قاله ديريدا و بارت في حق الخطيبي، من أمثال الروائي و الناقد الأدبي و الفيلسوف موريس بلانشو، و أستاذ الأدب و المختص في الأدب الفرانكفوني غونتارمارك، و أشهر الموسوعات العالمية(3). و هو ما لن نفصله، لأنه مفصل في أعمال كثيرة، بلغات عديدة حوله أولا، و احتراما لروحه التي اختارت العمل بعيدا عن الأضواء ثانيا.
    فمن يكون عبد الكبير الخطيبي هذا؟ أي سيرة هذه التي أنتجته؟ ما هي أهم أفكاره و أعماله؟ ماذا عن التزاماته الأخلاقية و السياسية تجاه وطنه، و الإنسانية عموما(فهو اشتهر بعدم فصل حياته الفكرية عن الاهتمامات الكبرى و القضايا الشائكة للقرن العشرين و بداية الواحد والعشرين)؟. ثم ماهي محطاته النضالية، أو محطات "نزوله إلى الحدث" بلغة جيل دولوز، لأنه لم يكن أبدا من نمط المثقفين الذين ينتجون من "أبراج" ! بل من الذين "يرتطمون" بالواقع، مهما كان الثمن، و مهما تطلب ذلك من تضحيات.
________________________________________
2-Roland Barthes : « Ce que je dois à Khatibi’’- Préface à ‘’ la              
                         mémoire tatouée » - Paris- Denoel - 1971.                     
3- أنظر على سبيل المثال:
Gontard, Marc : «Khatibi (Abdelkebie), Le Livre du sang : L’enjeu d’une hyper écriture », Annuaire de l’Afrique du nord.
N° :XVIII - Paris- CNRS1979                                

   اـ عبد الكبير الخطيبي:الشخصية الفذة و السيرة الإشكالية:

أ- سيرة مركبة بالقياس إلى السياق و الزمن:

  جاء الطفل عبد الكبير الخطيبي إلى العالم يوم 11 فبراير من عام 1938 بالجديدة، أي بعد ستة و عشرين عاما من احتلال المغرب، بعد قرون من الضياع و التردي الشامل، الاقتصادي و الاجتماعي و السياسي و الثقافي...و لنا في كتابات الرحالة و الأنتروبولوجيين و السوسيولوجيين الاستعماريين (بعد غربلتها) وصف لما كانت آلت إليه أحوال دكالة و الدكاليين، و المغاربة عموما من بؤس فظيع و تقهقر رهيب، فاقمها قدوم الغزاة، و صادف يوم ميلاده يوم الاحتفال بعيد الأضحى، و من تمّ إسمه الشخصي. كان الإبن الثاني لأسرة مكوّنة من ثلاثة أطفال و طفلين، من أب متعلم من أصل فاسي ! ( ها هي ذي واحدة من مكونات تركيب شخصية الخطيبي)، اشتغل في البداية إماما لمسجد(مكون تركيب ثان)، ثم تحول إلى التجارة (مكون تركيب ثالث يضاعف أثر المكوّن الثاني !)، و اختار الاستقرار بالجديدة بعيدا من فاس. و اختار شريكة حياته واحدة من "بني هلال" ! أي دكالية (التركيب يتفاقم : فاسي متعلم، فقيه ثم تاجر، بكل "ثقافة" فاس، العاصمة القديمة ! و دكالية بكل تقاطيع "بني هلال" في تلك الفترة)... أما جده فكان "معلما" - جبّاصا (مكون تركيب إضافي كبير)، و هو ما سيستدعيه هبد الكبير الخطيبي في آخر رواية له "Pèlerinage d’un artiste amoureux" (4).
    تابع الشاب عبد الكبير فصوله الدراسية الأولى  بمراكش  كتلميذ  داخلي (5)، (ها هو ________________________________________
4-Abdelkabir Khatibi : Pèlerinage d’un artiste amoureux - Edition : Le serpent à plumes 2006.                                          
5- حاولنا بكل الوسائل الممكنة، معرفة إن كان الخطيبي / الطفل تابع دراسته الابتدائية بالجديدة أم بمراكش، و لم نتوفق.

عنصر تركيب إضافي بارز في سيرته، فلمراكش خصوصياتها و" روحها "الخاصة!) (6)،قبل أن ينتقل في السنة النهائية لتعليمه الثانوي، إلى ثانوية ليوطي بالدار البيضاء حيث سيحصل على الباكالوريا ( ما زال التركيب يتفاقم، خصوصا بالقياس إلى حال معظم شبان جيله، الذين كانوا إلى غاية 1956 و ما بعدها، لم يغادروا - في الغالب- دواويرهم (أصغر وحدة اجتماعية- مجالية بالبادية المغربية) أو قراهم. و في بداية الستينات، سينتقل عبد الكبير الشاب إلى باريس، و بالضبط إلى واحدة من الجامعات العالمية "الصاخبة" آنذاك، ألا وهي السوربون لمتابعة دراسته الجامعية بشعبة الفلسفة (ذروة تركيب شخصيته). و هناك سينخرط في الحركة الشيوعية المغربية للطلبة الملتفّين حول الاتحاد الوطني لطلبة المغرب(L’U.N.E.M.)(7) و سيبدأ الكتابة في صحيفة "المكافح" (8)، مما شكل علامات بارزة على إصراره و تصميمه الواضح على الانخراط في قضايا وطنه ( و هو تحت الاحتلال) و التزامه الأخلاقي و السياسي الذي سيظل يطبع مشواره مفكرا و سوسيولوجيا و أديبا لامعا.

________________________________________
6- تلزم الاشارة إلى أن الاستعمار الفرنسي، رغم كون التعليم الذي أحدثه بالمغرب، كان طبقيا و عنصريا و يخدم رهانات تأبيد الاحتلال، فإن المنظمة المدرسية التي أحدثها كانت تمتلك مواصفات مؤسسة تعليمية بالفعل، و حين نتحدث عن "تلميذ داخلي" آنذاك، فهو تلميذ يتعلم و يستفيد من إقامته بداخلية المؤسسة التعليمية تتوفر فيها شروط الحياة و التعلم (تغذية ملائمة، نظام تربوي، مراقبة تربوية...).
7- كان الاتحاد الوطني لطلبة المغرب فاعلا أساسيا و وازنا في أحداث المغرب طيلة الستينات و السبعينات و حتى الثمانينات من القرن المضي، رغم كل أشكال التضييق و القمع الشديد و الحظر.
8- "المكافح": صحيفة أسبوعية مكتوبة باللغة العربية كان يصدرها الحزب الشيوعي المغربي خلال الستينات، ترأس تحريرها في البداية علي يطا ثم عبد الله العياشي - استمر نشرها حتى 1964 حيث تم حضرها.

ب- عبد الكبير الخطيبي: الشخصية الفذة، العائد من باريس بكل
" صخب" السوربون، و بدون "ضجيج" :

  عام 1964، كان عبد الكبير الخطيبي حصل على دكتوراه الدولة في السوسيولوجيا من جامعة السوربون، و عاد إلى المغرب بكل حماس و إرادة المشمين على سواعدهم و عقولهم ! للنهوض بالوطن الخارج للتو من مرحلة الاستعمار المباشر، فعُين أستاذا جامعيا بجامعة محمد الخامس بالرباط. و في سنة 1966 سيصبح مديرا لمعهد السوسيولوجيا، بالرباط دائما، هذا المعهد الناذر الطي كان يملك كل مؤهلات الوعد بالخير و الجميل للمغرب و المغاربة. و في سنة 1968 نشر عملا تحت عنوان "Le Roman Maghrébin" (9)، إيذانا بانطلاقة مختلفة لمشروع معرفي مختلف، لن يعرف التوقف، و لا نال منه التعب أو الصدمات ! على امتداد أربعة عقود، كانت حصيلتها هائلة و مدهشة كما سنفصل ذلك في مرحلة لاحقة من هذا العمل. مما جعل منه شخصية معرفية فذة، بارزة في المشهد الثقافي المغربي و المغاربي، و الأوسع منهما، لا بل و الأبعد من ذلك بكثير، إذ يوصف بكونه ساهم في الانتقال من "فرنسية" كانت فرنسا منارتها بدون منازع ، إلى فرنسية متعددة حسب المجالات و الوضعيات، و بكونه لو يدع "سالما" اي صنف من أصناف الكتابة، لم يفعل داخله، كما بكونه سار على درب تطوير إبستيميّة هجينة (مركبة/أصيلة)، مُستجدة بالنسبة للمغرب، و لكنها تمتد إلى ما بعد المغرب، إلى الثقافة الإنسانية ككل، كما سنفصل ذلك في تحليلنا لأهم أفكاره و مشروعه الإصلاحي.
________________________________________
9-  Abdekebir Khatibi : Le Roman Maghrébin - Maspero- Paris 1969

اا- عبد الكبير الخطيبي:أهم أفكاره و مشروعه الإصلاحي: 

 نشير في البداية إلى أننا بعيدون عن الإحاطة بكل أفكار الخطيبي، و بكل جوانب و أبعاد مشروعه الإصلاحي (أو الإنتشالي ! على الأصح). فهو الفيلسوف و عالم الاجتماع و الروائي و الشاعر و الناقد الأدبي و المختص في الأدب المغاربي...، و بعُد البون بيننا و بين القدرة على اقتفاء أثره و إسهاماته في كل هذه الحقول المعرفية، فذلك شكّل مواضيع أطروحات وأبحاث و دراسات و ندوات عبر العالم، بلغات عديدة. إنه من صنف الكبار كميشيل فوكو و حنا أرندت و لويس ألتوسير و رولان بارت و بيير بورديو...الذين يصعب تصنيفهم...فلاسفة؟ علماء اجتماع؟ انتروبولوجيين؟ دارسو أدب؟ نقّاد أدبيون؟ مؤرخون؟...فهم في كل ذلك. و كل ما سنقدمه هو تركيب متواضع لأهم أفكاره، و محاولة تبسيط لمرتكزات مشروعه الإصلاحي.
   و الخطيبي - كما يقول عثمان بيساني- (الذي يبدو شديد الإعجاب به، و بالتالي الغوص في "مثنه")، من المؤسسين للثقافة المغاربية الحديثة، مع كاتب ياسين و ألبير ميمي و محمد ديب و عبد الفتاح كليطو و عبد الله العروي... لم يفصل حياته الفكرية عن الاهتمامات الكبرى و القضايا الكبرى للقرن العشرين و بداية الواحد و العشرين: الالتزام و النضال، الهوية و الاختلاف، التعدد اللغوي و اللغات الأم، الغيرية و الكون المتعدد،ما بعد الحداثة و هجرة الثقافات، التسامح و الإنسانية، الاستعمار و الوطنية، الصوفية و الفلسفة، الصداقة و التحَابّ، الغريب و المضيف، je و/ هو e(s)t الآخر، السيميولوجي و البين - علامات...لائحة المعادلات ذات الحدّين، بل و الثواليث بعيدة عن أن تغلق(9). إنه " الفكر المغاير " الذي راهن الخطيبي من  خلاله على  انتشالنا من  سباتنا المعمّر و
________________________________________
9-Atman Bissani : Abdelkibir Khatibi - Le penser - écrire d’un intellectuel perspectiviste - in : Intellectuel Francophonies
 - N° : 34- Décembre 2018- (Corpus philosophique et 
Littéraire de Khatibi).           

 دفعنا لإعادة النظر في كثير من العلائق: في العلاقة بالجسد أولا، كي لا يظل مرادفا للخطيئة و الدنس و الشر، ليغدو قوة خلاقة و تدفقا للرغبات. و في العلاقة بالمقدس كي لا يظل موضوعا متعاليا، و إنما ليتجلى في حضوره في المعمار و الفنون و في تجربة التصوّف التي يَنْبَجسُ فيها اللامرئي في المرئي. ثم في العلاقة باللغة كي لا تظل هوية متوحشة، و إنما تعاش في تجربة تعددية كمجال لفعل الاختلاف، حيث تتفاعل اللغات و تستدعي إحداها الأخرى مبقية عليها كخارج (10). و إلى جانب الج و المقدس و اللغة (و هي من كبريات النقط العمياء في نسيجنا الاجتماعي)، لم يتردد في النّبش في اتجاهات أخرى تكمل مساره و مشروعه في تشخيصه لوضعية المغرب و المجتمعات المغاربية،و للمعوقات و مواطن الاختلال التي تقف في وجه انعتاقها، كضعف المجتمع المدني، و الطبيعة الصلبة للسلطة،  و نقص المهارات التقنية، و الثقل التيوقراطي الذي يمنع التمييز بين الدين و الدولة ] و يختلط في مخيال الحشود بين الله و الحاكم[ ، و ضعف الصورة التي للمغرب على نفسه (11).  و يضيف اننا نحتاج للعقل السوسيولوجي في المجال التطبيقي كذلك... هناك مشاكل الطبقات، و مشكل تهميش البادية، و مسألة العائلة، و مسألة التأثيرات الحضارية العالمية على المجتمع المغربي...الخ (12). ثم إنه سلّط "مسلاطه" الكاشف على التراث و مغزاه، و الصهيونية و مفارقاتها، و " التاريخي" و "الوجود التاريخي الأصيل" و "الوحدة اللاهوتية" و "الوحدة التعددية"...، منبّها إيانا كوننا نحمل في أعماقنا ما قبل الاسلامي و الاسلامي و الأمازيغـي و العربي و الغربي، أي أنـنا هوية  متعددة، و هو  بـذلك إنـما يـراهـن على تخليصنا مما يسميه المفكر اللبناني علي حرب "فخ الهوية"، بل سجنها !.
________________________________________
10- عبد السلام بن عبد العالي: غياب صاحب مشروع النقد المزدوج - الزمان - 
                السنة 11 - العدد: 3253- مارس 2009. 
11- Abdelkebir Khatibi : Penser Le Maghreb - Edition : SMER. 1993. 
12- حوار مع الخطيبي: "عشت مع الكتاب الأحياء و الأموات قبل أن أكون كاتبا"
              - الزمان - العدد : 3253- 28 - مارس- 2009.

  و ضمن هذا السياق يتأطر نحته لمفهوم " النقد المزدوج" ، و الذي أراده نقدا موجها للتراث و موجها للغرب في الآن ذاته، لأنهما معا سلطتان مرجعيتان عائقتين أو معوّقتين. فالغرب يدعي مطلقية غير مشروعة، و التراث هو المطلق الآخر الذي يستقيل عنده التفكير و يتوقف الاجتهاد، مما يقتضي تفجيرهما معا، و هو ما سيفضي إلى حداثة جديدة(13). و يقودنا معه إلى حفر أعمق، حين يشير إلى المفهوم المتداول عن الاختلاف في الفكر العربي فيقول: " ما زال الكثير منا في ميدان ما أسميه "التباين الساذج" . التباين الساذج انفصام وهمي بين الأنا و الآخر. يتوهَّم الكثير منا أن الآخر يكون خارج ذاتيتنا و أن "الأنا" وحدة موحدة تخضع أساسا لقياس الحرية الفردية، كلام فارغ و مضحك. إن مسألة الوجود أوسع و أعمق من تلك الآراء الشائعة" (14).ثم يميز بين مجرد "التباين الساذج" و بين الاختلاف. الاختلاف يضَعنا أمام متخالفين، مبعدا أحدهما عن الآخر، مقربا بينهما في الوقت ذاته. أما "التباين الساذج"، فإنه يعرضهما منفصلين متباينين، بينهما تباين و بون. الاختلاف يقوم في "الهوية" . أما التباين فيتم بين " هويات" متباعدة و كيانات منفصلة.
  الاختلاف مفهوم أنطولوجي و ليس مجرد مفهوم انتروبولوجي، إنه ما بفضله يتحدد الكائن كزمان و حركة، و ما يصبح به التعدد خاصية الهوية، و الانفتاح سمة الوجود(15).
  و انطلاقا من كون كتابة الخطيبي ليست أبدا من النوع الذي يقدم المعاني الجاهزة، ليست شاطئا يعثر فيه القارئ على المعاني،  بل هي  بمتابة " ورشة  فلسفية "، أي مكان لإنتاج المعاني، فإننا نجد أنفسنا معه، و هو يسائل هويتنا و آخرنا، و لغتنا و لغات الآخرين و ميتافيزيقانا و ميتافيزيقا  الغرب...، أن  ليس علينا - فيما نحن عالم ثالث- أن
________________________________________
13- عبد الكبير الخطيبي: النقد المزدوج - ترجمة خليل عوض- دار العودة 
                    - بيروت- 1980.
14- عبد الكبير الخطيبي: نحو فكر مغاير - تقديم و ترجمة عبد السلام بنعبد العالي -
                   وزارة الثقافة و الفنون و التراث - قطر- كتاب الدوحة : 24- مايو-
                   2013- ص:19.
15- عبد الكبير الخطيبي: نحو فكر مغاير - نفس المرجع  - ص:19.

نسلك إلا مسلكا ثالثا، ليس هو مسلك العقل و لا مسلك اللاعقل كما فكر فيهما الغرب، و إنما خلخلة مزدوجة تقول بفكر لا يختزل الآخرين (أفراد و جماعات) و لا يضمهم إلى دائرة اكتفائه الذاتي (16).
   و لم يقتصر الخطيبي على سبيل واحد لتخليصنا مما نحن فيه من عجز و انغلاق و تحجر و تسليم و انخداع بالثنائيات الميتافيزيقية و بالإيديولوجيا...، بل وظف كل " الأسلحة الممكنة...لم يطمئن إلى أن أخذه لنا في رحلاته و هو يضرب بمطرقته الرفيعة (فيلسوفا، مع عدم اعتبار نفسه فيلسوفا !)، على وقائعنا و أحداثنا، س "ويوقظنا" و لا إلى كشفه للوظائف و العلاقات و التفاعلات ( سوسيولوجيا ماهرا) في ظواهرنا ، سيعلّمنا، بل قاتل و قطّر وجوده فنانا و أديبا، لرفع منْسُوب إحساسنا و إشعال خيالنا و مخيالنا، روائيا و شاعرا و مسرحيا... و يجعل - في الغالب- الفلسفة و الأدب و العلوم الانسانية، تتداخل، ضمن نصوص مسكونة بلغات و ثقافات متعددة، مما يجعلها تقاوم كل انغلاق أو انسداد، و لو كانت ذاتها نفسها، إذ أنها تعمّق ذات الخطيبي - ككتابة -، و تورّطنا معه في عمل خلاّق (رهانه الانعتاق !) لكشف و تصفية الحساب مع المقيّد المعطل المانع من الانبثاق، من لغة و بنيات و علاقات و تصورات و "قيم" يتم تأبيدها، عبر تكريسها "بكماء" ، و محاصرتها ضمن دائرة اللا مفكر فيه، فنجد أنفسنا - مع الخطيبي- أمام نثر شاعري ! و خيال نظري ! و أفق جديد للبحث السوسيولوجي و السيميائي النّابش في اللا مفكر فيه، و الشاعرية المفككة (deconstructive) ! كما بصدد نص نيتشوي أو دولوزي... !!. ففي كتابه (المؤسس) "La mémoire tatouée" يحول السيرة الذاتية و يخلخل ما ألفناه عنها و الايدولوجيا التي تنطوي عليها، و يجعل الاستعارة الإسمية و علاقات السّارد بالسرد و المحاكاة الساخرة للخطابات  الكليانية هي  الأمكنة التي  يجري فيها هذا التحول العميق (17)، ليجعلنا
________________________________________
16- عبد الكبير الخطيبي: نحو فكر مغاير - نفس المرجع - ص:14.
17-Abderrahim Blaoui : A- Khatibi : poétique de l’écriture - Thèse de doctorat - sous la direction de Guy Dugas - 1999
- Paris 4.                                                 

نرافقه ضمن دروب شاعرية، تدين المستعمر و عنفه و غطرسته أحيانا، و تمجّد الفلسفة
والقراءة عموما أحينا أخرى، و تنتقد الطريقة العتيقة للتعليم بالكتاتيب القرآنية تارة، و تقتحم المقموع تارة أخرى...و تبسط حال الآخر و هو متوثب (حيته بالسوربون) تارة أخرى. إنها الرواية - الأطروحة التي سيكرس صاحبها مشروعه بالكامل،للإمساك بالآخر انطلاقا من الذات، أو على الأصح انطلاقا من "تشريحها" و تفجير مقموعاتها قيودها و "سجونها" ، و هو ما سيستكشف سبلا متعددة من أجله (شعر، رواية، مقالات أدبية، أعمال سوسيولوجية...). إنها نفس الروح التي تسكن كتاب "Le livre du sang" حيث تتم إعادة توظيف التصوف الاسلامي ك "بين- نصية" لشجب الغير معلن الذي يكتبه (الجنس، العلاقة مع الآخر)، كما تُبنين خطاب السَّارد - عبر المجاز- حول الحب و الموت (18).إنها خلخلة بعض "إبستمياتنا" و "إبستميات" الآخر في نفس الوقت، برهان تملك الذات الخارجة للتوّ من قبضة الغزاة، و الرازحة لقرون تحت وطأة الجامد المغلق الممنوع من "الصرف" الثقافي و الحضاري. و يجعل لها (الخلخلة) الخطيبي أساسا و قاعدة (كي لا تتيه) : الاختلاف و التفاوض (لا الانغلاق و النبذ، أو الانسلاخ و التقمص الأعمى). ذلك ما يستمر مع نص "Amour bilingue"، و كذلك مع "Maghreb pluriel" أو "Penser le Maghreb"، حيث التشريح المفكك/ و الباني لتمزقات الذات بين لغة أم في حال هوان، و اللغة الفرنسية (لغة الكتابة و المرأة المحبوبة)، و حيث النظرة المتبصّرة لسياقنا التاريخي الذي تتفاعل فيه (و تفاعلت منذ زمن بعيد) لغات و ثقافات، و يشير لنا الخطيبي - عبر حجج و مهمة و سرد ! إلى درب كتابة " وجود " ضمن حوار دائم  بين الذات و الآخر، مستلهما في ذلك روح فلسفة  فلاسفة  كبار  من أمثال نيتشه و هيدغر و بلانشو...، متفاعلا مع الفلسفة بمعناها الأكثر جدة عند صديقه جاك دريدا، و ميشيل فوكو...(19).
________________________________________
18- Abderrahim Blaoui : op.cit- p : 60.  19- Alfonso De Toro : Epistémologie, le Maghreb : hybridité, transtextualité, corps, globalisation, diasporisation - 
Ed . L’Harmattan - 2009. P : 54.                               
       
      و في كتاب "La blessure du nom propre"، يقودنا الخطيبي (نحن المغاربة) إلى حيث يمكننا قراءة تاريخنا، و الذي لم ننتبه له،و لن ينتظرنا كثيرا للانتباه له، إلى الأدب الشعبي (الغير مكتوب) و الوشم والرسم التشكيلي الذي يستعمله الحرفيون، و آداب الصوفية، و الغناء و الرقص... فالمغرب العتيق، هذا الذي لم يعرف الكتابة، ما زال حالاًّ في جسد الشعب، تتجلى مظاهره بالرغم من الأدب الرسمي. و هي مظاهر تتخذ في بعض الأحيان شكلا رائعا يتجلى في الأدب الشعبي و في آداب الصوفية، و في الوشم و الرسم التشكيلي الذي يستعمله الحرفيون، وفي روعة الغناء و الرقص، إنها صور تكشف عن نشوة مغرب تميل وَثْبَتُه المشتهاة نحو المحيط (20). و كذلك في قضايا غير مفكر فيهل قبل الخطيبي، و أصبحت موضوع تفكير بعده، كما الحال في اعتماده على كتاب الشيخ النفزاوي "الروض العطر في نزهة الخاطر"، إي أنه أتى بعنصر جديد في الدراسة العلمية لتاريخنا و ثقافتنا إلا وهو العودة إلى الأعمال التي دأبنا على جعلها في مكان (الانحطاط)، فحرمنا أنفسنا من خزان ثمين (21).
   و في كتاب "Vomito blanco" ، الذي قاتل الصهاينة من أجل ألا يرى النور، لولا نبل و شجاعة صاحب دار النشر التي نشرته، يفكك الخطيبي تناقضات كيان مصطنع و وعيه الشقي، و الوعي الشقي للغرب الذي وفر كل شروط اقتلاع جذور شعب هو الشعب الفلسطيني و سرقة الصهاينة لوطنه، و هو ما يعتبر موقفا أخلاقيا شجاعا ناذرا. و واضح تماما أن الخطيبي إنما راهن بذلك، على "إصلاح" ما فينا (و بالضبط ما في نُخبتنا) من جبن و ابتعاد عن الشائك من الأسئلة.
   و في كتاب "Le prophète Voilé" و الذي هو مسرحية، تأويل للقصة المبهرة ل حكيم بنو هاشم المشهور ب "المقنع" ، و هي القصة الت تدور في القرن الثامن الميلادي بإيران، لنبي مغشوش !! و كم كان الأنبياء المغشوشون كثيرون بعد ظهور الاسلام... ها
________________________________________
20- عبد الكبير الخطيبي: نحو فكر مغاير - مصدر مذكور سابقا- ص:37.
21- عبد السلام بنعبد العالي : غياب صاحب مشروع النقد المزدوج - مذكور سابقا.

   هو الخطيبي يحملنا إلى عالم خيالي/ واقعي ! لنتساءل عن النبي المغشوش ؟و لنكتشف الراهنية السياسية للنص المسرحي، و نعلن العصيان على "الانبياء المغشوشين !!.
    و في كتاب "Du bilinguisme" (و هو كتاب جماعي)، كما في كتاب "La langue de l’autre" ، يحفر الخطيبي عميقا في تاريخ تمازج اللغات و تلاقحها و تلاقيها، قبل أن يُنبّهنا إلى ان الكشف عن الفوارق بين الرموز تسمح بخلق صلات بين اللغات و الثقافات و المخيالات، و كأني به يحذرنا من الوقوع في فخّ التقوقع داخل لغتنا، بدل الاستفادة من محاصيل التفاعل بين لغات (و ثقافات) عديدة. فمزدوج اللغة هنا، ليس حالا سلبيا، بل هو مصدر غنى و ثراء، و قد يبلغ حدّ أن يكون وراء احترام صاحب اللغة الثانية (المعمر السابق) لك و اعترافك بك، كما جسد الخطيبي نفسه ذلك، ‘ذ يعتبر من وجوده الأنتلجنسيا المغربية التي أبهرت الكتّاب الفرنسيين، لأنه كشف عن دروب غير مطروقة بل غير مستكشفة في لغتهم، بل و نحت مفاهيم جديدة فيها.
  و في كتاب " Figures de l’étranger dans la litt. Franc" ، نجد أنفسنا أمام خريطة طريق للسياسة الثقافية، ليس على طريقة "الوصايا" ، بل من خلال مواقف نقدية عميقة لفرنسا و للفراكوفونية، من يركّبها  (المواقف) يحصل على عناصر نظرية في الثقافة و اللغة أصيلة، نظرية تريدنا أن نحيا الاختلاف باتجاه ذواتنا كما باتجاه الآخر، و أن نحيا، كما ب "أنا" متعددة، بلغات متعددة، بأقطاب متعددة للحضارة هي الأخرى بلغات متعددة، و بإعداد تقني و علمي متعدد، أي بعيدا عن سجن تلك الانشطارات الثنائية (22) أو الثنائيات الميتافيزيقية التي كثيرا ما نفكر بها ، فلا نفكر . وكل ذلك عبر" النقد المزدوج" الذي لا هوادة فيه عند الخطيبي، كما فصلنا ذلك سابقا.
   إننا لا ندعي الإحاطة بكل اهتمامات و انشغالات من جعل النقد و التأمل و التحليل يشمل كل معطيات ثقافتنا و تراثنا، و علاقتنا بالآخر، و يفكك و يسائل كل نظمنا المادية و الرمزية، تارة بعتاد الفن (الرواية، المسرح، الشعر...)، و تارة باللغة السوسيولوجية و
______________________________
22- Alfonso de Toro : Op-cit- p. :107.                                                     

السيميولوجية، و ضمن تناوب منفلت بين "رسائل" ضمن سيرة ذاتية معلنة أو مقنعة، و بناء عالم خيالي يزعزع الأسس التاريخية و الثقافية و النفسية للقارئ، و المشترك في أذواقه و قيمه و ذكرياته، و يضع علاقته باللغة في أزمة(23).و كل ما رمناه -من خلال محاولة الإمساك بروح بعض أعماله- هو تقديم هو تقديم نماذج لما حاول ترميمه فينا ، أو دفعنا للتساؤل بصدده، أو للقضايا الإنسانية الكبرى التي شغلته. و هو ما استمر متقدا عنده إلى آخر حياته. فها هو-في نهاية التسعينات، و بعد ما عرف بالمغرب بحكومة التناوب، يصدر"L’alternance et les partis politique " ،تحليلا (سياسيا) بأرقى أدوات تحليل سوسيو-تاريخية السياسي، لمعنى " الأحزاب السياسية" و "التناوب" و"الديمقراطية"... باعتبارها منظومة، بمقتضيات، و إلا ف " الأحزاب المصطنعة "    (partis artificiels)، أي "أحزاب مساعدة" (partis auxiliaires)!!. و مما له الكثير من المعنى، أن يختتم الكتاب برسالة لمناضل شاب، هي في نفس الوقت درس في السياسة، و درس رائع في الأخلاق(24). ثم عودة إلى النبش في "أغلالنا" مع كتاب "Le corps Oriental"، و قبله عودة لتعميق فضح الكيان الصهيوني في كتاب "Paradoxes du sionisme"، و كشف عميق لعاهاته، ثم عودة - في الغالب - إلى تشريح محاصيل "تناوب الأحزاب السياسية" في مغرب " يوجد بين التاريخ، و ما قبل التاريخ، بين الميتافيزيقا و ما يناقضها ...، بين الدين و السحر، بين القبيلة و الإقطاعية من جهة، و الرأسمالية من جهة أخرى، بين - بين...(25)، ضمن كتابة فائقة، تمزج بين الخطاب (الحادّ) و السرد، و  تلجأ إلى الخطاب السحري، بمجازات و شعرية، مع جرعة سخرية على طريقة جيمس جويس، الساخرة و الحاقدة! (على القبح و التكلس و الانغلاق و الخبث ... و اللا إنساني)، ففي "Triptyque de Rabat" يصبح النضال عند إدريس
________________________________________
23- Roland Barthes : Le plaisir du texte - Paris- Seuil - Coll. : ‘’ Tel quel’’ -1973- p :25.                                                
24- Nancy Dolhem  : Le monde diplomatique- Avril 1999. 25 
- عبد الكبير الخطيبي: مجلة أقلام المغربية - العدد 3 - أبريل 1978. 

 (الكُذبة الوجودية في الرواية)، مصرّفا  (conjugué) في الماضي البسيط، أي الذي جرت أحداثه بشكل متلاحق متسارع و انتهت! و زمن الأحلام بات زمن مشاريع، فهو اليوم موظف كبير مكلف بإصلاح الإدارة ضمن وزارة بدون حقيبة !. و رغم حداثة تعيينه، تلاءم بكل سهولة مع اللغة الدبلوماسية المصحوبة بالكوكتيلات المقدّمة بحدائق فيلات آكدال العُلوي. فهو اليوم يريد أن يعيش بعيدا عن الشعر الذي ألّفه أصدقاؤه القدماء في شكل ثوابت !. ثم إنه قرر أن يكون براغماتيا، فاليوتوبيا و العدمية لم يعودا صالحين لشيء، و التساؤل لا ينتج غير الوعي البئيس. و لم التفكير و التساؤل، و الفرصة قائمة؟ يكفي فقط، الامساك بها...من قبل لم يحلم إدريس أبدا بالسفر إلى بلاد العم سام، أما الآن، بعد أ، أصبح متعاطفا مع زوجة الدبلوماسي، بالإضافة إلى وضعه الجديد، يستطيع إدريس، بسهولة، تغيير لونه كحرباء (26). فالنسق رهيب و قادر على "صهر" الثوابت، و مسخ "الشعر" و استعمال "الأحزاب المساعدة" حسب الحاجة...
   مجنون من يراهن على الإحاطة بكل إنتاجات هذا "الشاعر-المفكر" كما لقبه كثيرون كبار، أو على الأقل فهو مرشح للتيه! أو لدوخة كبرى !! . فها هو يعود بنا مرة أخرى -عبر كتاب "Le corps oriental"إلى الحفر في جسدنا، لشعوره العميق بهول حجم الأغلال التي تكبلنا بتكبيله فينا. ثم يراهن على جعلنا نتعلم اكتشاف نقط الالتقاء الخصبة للشعوب و الحضارات و الديانات، فوق التاريخ الضمني للاستعمار البغيض و ما بعد الاستعمار، حيث يشعُّ وعد التسامح، بعيدا عن معناه المبتذل الذي  يريده  البعض  مرادفا للتسامح مع من  يشرط  وجوده  بإبادتنا،  ضمن رواية " Pèlerinage d’un artiste amoureux". ثم يخاطبنا شعرا، ليعلمنا المشاعر الإنسانية الرفيعة، عبر نحته لمفهوم جديد  كلية  هو مفهوم " L’aimance " (التحابُّ)  الذي يتجاوز الصداقة  و  الحب  و يشملهما، والذي جعله عنوان ديوانه.
_____________
26-Abdelmajid Baroudi : in : https//www.Tolerance.com.                 

   هذا هو عبد الكبير الخطيبي، وهذه أهم جوانب مشروعه الإصلاحي الضخم الذي تداخلت فيه الفلسفة و الأدب و العلوم الإنسانية، بالرغم من عدم اعتبار نفسه فيلسوفا !، و هو ما يعتبر رهانا إصلاحيا إضافيا، إصلاح الفلسفة كما رآها تشتغل حوله، ربما كنا بصدد مفكر من أولئك الذين يحسون نفورا من اقتحام باب الشروح و التعليقات و التأويلات التي تتطلبها كل متابعة لتاريخ الفلسفة، و هذا التصور يعني نفورا من الأستاذية(27)، و بدل ذلك، فسح لها المجال - على طريقة الفلسفة المتقدمة- للاشتغال ضمن الأدب، و جنبا إلى جنب مع العلوم الإنسانية، تساؤلا مخلخلا، و نبشا و حفرا، و نقدا مزدوجا عبر اإقامة "داخل" المواقف لتفجيرها و تقويضها، و و ضعها في أزمة، لا عبر معارضتها بموقف آخر مضاد(28)، و كذلك عبر السخرية المستمرة التي هي عنده خلخلة للوجود، وهي السلاح النقدي الجاد، كما هي نقيض العقيدة و الفكر الوثوقي، متوّجا كل ذلك (الذي يشكل روح الفلسفة بمعناها المعاصر)، بما جعله جيل دولوز ( في آخر مشواره أي بعد رحلة طويلة في ممارسة التفلسف و الإبداع الفلسفي) المهمة الأساسية للفلسفة ( المعاصرة)، و ما مارسه بيير بورديو( دون أن يُنظّر له)، ألا و هو نحت المفاهيم (المزلزلة، الفاضحة، الكاشفة،...المالكة ما يؤهلها لجعلنا نسمع ما لم نكن قادرين على سماعه، و ما كان يراد لنا عدم سماعه، من رنات و تقاسيم الوقائع و الأحداث حولنا). فصاحب الفكر المغاير،  هذا الفكر الذي ليس  نداء إلى التعلق  بنموذج فكري جديد، بعد أن بليت النماذج " القديمة" ، بعد أن شاخ النموذج الماركسي، و "بلي" نموذج سارتر، بل يريد "بناء عالم بلا نماذج :  عالم يتموقع بين- بين، هذه  البينية  التي تكاد تطبع الخطيبي في جميع أعماله (29). و صاحب الدعوة إلى الفلسفة كاستراتيجية و
________________________________________
27- عبد السلام بنعبد العالي: الخطيبي و التراث الفلسفي- في : " التراث و الهوية -        
 دراسات في الفكر الفلسفي بالمغرب" - دار توبقال - الدار البيضاء- 1987- ص:45.  
28- عبد الكبير الخطيبي: مصدر مذكور سابقا - ص:28. 
29-عبد الكبير الخطيبي: نحو فكر مغاير - مرجع مذكور سابقا- ص:12.

برنامج...، والذي يزهر فكره خارج الفلسفة و على هوامشها(على طريقة الفلسفة المعاصرة)، و على هامش العلوم أيضا...، و الذي ينبّه إلى أن نسيان اللحمة بين الفلسفة و العلوم يعني التمسّك بالعمل في العماء(30)، و الصديق الحميم لجاك دريدا لسنين طويلة، و لرولان بارت، و للراحل الكبير إدوارد سعيد و الشاعر أدونيس، و الصديق (الغير المباشر) لنيتشه و هايدغر و ألتوسير و ليوطار و ميشيل فوكو ...، خلّف جهازا مفاهيميا خاصا، عبر اللغات و الثقافات(النقد المزدوج، الهوية العمياء، فكر المغايرة، التحابّ، الاختلاف( أعاد تحريكه كما استعمله دريدا) ، النقد/الوضع في أزمة(critiquer/mettre en crise)، الأحزاب المساعدة(les partis auxiliaires)....)، ممّا جعله موضوع اهتمام مفكرين كبار عبر العالم. و مما له الكثير من الدلالات و عمقيها- في سياقنا- أن يحضى باهتمام باذخ و تجاوب فيه الكثير من المتعة، من طرف واحد من المشتغلين بالفلسفة بمعناها الأكثر جدة و هو عبدالسلام بنعبدالعالي، الذي وجد عنده ما يحفر فيه و ينبش! من سخرية بالنصوص الوثوقية و العقيدة الوثوقية، و ما يطبعهما من "أخلاق" و إيديولوجية(31)، و نقد لاذع للتصورات السائدة (في الكتابات المغربية عللى الخصوص، دون ذكر أسماء أصحابها) عن المقصود بالتراث و الطرق التي يفترض التعامل بها معه...، مما يجعل ترجمات بنعبدالعالي لنصوص الخطيبي أو قراءته لها، تصدر "رنّات" و"تقاسيم" إضافية، أكثر عمقا  في العديد  من الحالات،  ممّا  يصدر من  النصوص  الأصلية، و تلك  هي  القيمة المضافة للمترجمين الكبار الذين "يخونون" النصوص التي يترجمونها! و النقاد الكبار الذين لا يتعيّشون على رحيق النصوص التي يخضعونها للنقد.
________________________________________
30- عبد الكبير الخطيبي: النقد المزدوج- مرجع مذكور سابقا - ص:162.
31- مما له الكثير من المعنى و الدلالات أن يكون الجهل و "أخلاقياته" موضوع فيلسوف أمريكي معاصر بارز هوDaniel R.Denicola، و أن يصدر كتابا تحت عنوان"Understanding ignorance"(The MITPRESS2017)،أي بعد الخطيبي و بنعبد العالي بكثير، يحمل أحد فصوله عنوان"أخلاقيات الجهل" (Ethics of ignorance). 

    و الآن نتساءل: ماذا عن الالتزامات الأخلاقية و السياسية لصاحب هذا المشروع الفكري الضخم؟ ماذا عن محطاته النضالية البارزة؟

    ااا- المحطات النضالية البارزة في مسيرة الخطيبي:

    نشير في البداية إلى أن تمييزنا في مسيرة الرجل بين نضاله المعرفي، و نضاله بالمعنى الضيق الشائع (و هو مغلوط) (أي السياسي و ما شابهه)، هو تمييز إجرائي ليس إلاّ، و إلا فرهاناتهما واحدة (إصلاح حالنا)، و حجم المكابدة فيهما واحدة، و الروح الرافضة المتمردة فيهما واحدة...لا بل إنهما يتقاطعان و يتداخلان كما سنفصل ذلك. فالشاب عبد الكبير، ما أن وصل إلى باريس في بداية الستينات لمتابعة دراسته بشعبة الفلسفة، حتى التحق بالحركة الشيوعية المغربية للطلبة الملتفّين حول الاتحاد الوطني لطلبة المغرب ( المنظمة الطلابية العتيدة آنذاك و التي كانت فاعلا أساسيا في المشهد السياسي المغربي)، و شرع يكتب في جريدة " المكافح" ، و هي صحيفة أسبوعية مكتوبة باللغة العربية، كان يصدرها الحزب الشيوعي المغربي خلال الستينات. و بعد عودته  للمغرب سنة 1964، وتعينه أستاذا بجامعة محمد الخامس بالرباط، سيصبح رئيسا أو مديرا لمعهد السوسيولوجيا (الشهير) بالرباط، ذلك المعهد الذي كان يحمل " وعودا" تنموية و تحريرية للمغاربة، لأن البحث السوسيولوجي أصلا، كان مرادفا لفعل سياسي، فعل يراهن على تحرير الخطاب السوسيولوجي حول المجتمع المغربي من النزعة الاستعمارية (للسوسيولوجيا الاستعمارية) و من التمركز العرقي حول الذات (الاستعمارية) غبر تحرير الجهاز المفاهيمي الاستعماري عبر تفكيكه، من جهة، و نقد وتفكيك المعرفة و الخطابات التي أنتج المغاربة عن أنفسهم. ثم البناء العلمي لظواهر المجتمع المغربي لمعرفة "منطق" اشتغالها. و هي الخطوة الضرورية لتغييرها و التحكم
في مسارها. و هو عمل نضالي جبار و  طموح و عميق  لا يضاهيه  أي  فعل  سياسي بالمعنى الضيق و "العاري" للفعل السياسي، بل إن هذا الأخير يبقى بدون بوصلة ،إن هو لم يتسلح بالأول، وهي واحدة من النقط العمياء في العمل السياسي بالمغرب  اليوم، و من


فداحتها كون المعنيين بها باتوا بحساسية مفرطة مرضية تجاه كل إثارة للحديث عنها.
إنها بنية البحث العلمي الأولى في مغرب خارج للتو من المرحلة الاستعمارية المباشرة، أحدثها الراحل إلى جانب آخر كبير هو بول باسكون، و التي سماها الأخير ب "سوسيولوجية الفعل"(Sociologie de l’action). وأي نضال أجدى و أنفع من هذا الذي ينير الطريق، و يكشف شعاب "ساحة الوغى" ! و يحدد متى يلزم "القصف" و إلى أين يوجه، و كيف يوجه بدقة !. و لذلك تظل أطياف أفكار الخطيبي(و باسكون) حاضرة، و بكل راهنيتها، خصوصا في زمننا (المستعار) الحاضر، حيث باتت "الأحزاب السياسية" (بعد أن غادرها معظم المشتغلين بالرمزي) حكرا على حفظة الشعارات الطقوسية الميتة، و الظواهر الصوتية...، كالذي فقد البصر و البصيرة معا.مما سهل سوقها إلى حتفها و العبث بها من طرف من لا ينكر إلا جاهل، كونه يستند إلى زاد ثقيل من المعرفة، موظفة تنكيلية بلغة الراحل إدوارد سعيد.
  و لم يكن غريبا أن تسارع السلطة (أو بالأحرى السلطان)(Le pouvoir) إلى لإغلاق معهد السوسيولوجيا عام 1969، أي بعد مدة وجيزة من إحداثه، و هي التي كانت شديدة التوجس منه، نتيجة تأثيره على الطلبة( 32) الذين كانوا -بالمطلق- ضد النظام. و كان الإغلاق مباشرة، بعد الأحداث الطلابية الشهيرة بفرنسا عام 1968، و التي تخطى حجمها فرنسا إلى باقي أوربا، بل و ما وراء البحر، حتى أن الكثير من المعنيين بها خالوها نهاية النظام الرأسمالي ! و انتصار النموذج الاشتراكي على الكرة الأرضية !! ، فالزمن كان زمن اليوتوبيات! التي لم تكن تخلو  من واقعية  (33).  فالشعوب  بأمريكا
________________________________________
32- لفهم أثر هذا المعهد، يكفي الإشارة إلى "مخرجاته" رغم قصر عمره، فعبد الله الحمودي، الأنتروبولوجي الشهير اليوم عالميا، من خريجيه، و كذلك أحمد زوغاري و عبد الله حرزني....
33- للوقوف على حجم الرّعب الذي أحدثته أحداث 1968 في نفوس الماسكين بالسلطة بالمغرب (و بالعالم). يرجى الرجوع إلى مذكرات الرئيس الفرنسي جاك شراك "Mémoires - T1+T2(avec la collaboration : de Jean Luc Barre- Nil éditions -2009" فهو كان آن ذاك مسؤولا في الحكومة الفرنسية كاتبا للدولة.

اللاتينية و آسيا و افريقيا ، التي كانت طردت الغزاة، كانت في حيوية مدهشة، ربما بفعل
نشوة الانتصار على الاستعمار المباشر، و كثير منها يتخلص من حكام عملاء، و يلتحق بالمعسكر الاشتراكي و هو في حال امتداد، قبل أن يتم الإجهاز عليه، أو أن يتفكك تحت تأثير عوامل داخلية، أو بهما معا، و هو التحليل الأقرب إلى الصواب.
  و في نفس السنة (المشؤومة) التي تم فيها إغلاق معهد السوسيولوجيا (1969)، غادر الخطيبي الحزب الشيوعي المغربي، و هي خطوة جريئة، و كانت تحمل الكثير من الخاطر !، عكس ما قد يعتقده الكثيرون، خصوصا حين نقرأها في سياقها. و خذا بعين الاعتبار ما انكشف - بعد سنين طويلة من تلك الخطوة- مما كان يشتغل في الخفاء في هذا التنظيم (وفي غيره)، و ما آل إليه حال مشاريع مثقفين حقيقيين، ممن لم يخاطروا بالانسحاب (34). وهل كان يليق بصاحب "النقد المزدوج" و "الفكر المغاير" و السخرية على طريقة جويس، حيث تتضافر المتعة التي تطبع النص، مع ارتعاشة الممكن التي تهزّ القارئ، و رقصة الكلمات و الأساطير، لتفتح صدر القارئ على حرية مفرطة (35)، و حيث لا مجال ل"العقيدة و الفكر الوثوقي" و حيث "الخلخلة و التقويض"...، هل كان يليق به أن يتعايش مع التحجر و الدوغمائية و الارتهان وضيق الأفق...؟! أو ضمن ما سيسميه لاحقا ب"الأحزاب المساعدة" (Les partis auxiliaires) !. و مما له الكثير من الدلالات في هذا السياق، كون الخطيبي، حافظ على صداقات متينة جد عميقة، مع عدد ممن اشتغل معهم ضمن الحزب الشيوعي، فعلاقته بالراحل عزيز بلال مثلا، ظلت على أعلى مستويات العلاقات الانسانية، و ما قاله في حقه - بعد رحيله المفجع-و في أكثر من مناسبة، تجسيد فعلي لما سماه الخطيبي ب "التحاب" (L’aimance).
________________________________________
34- قد يجهل الكثيرون أن الراحل التهامي الخياري، كان مشروع باحث و مثقف من العيار الثقيل، و أن أطروحته حول الفلاحة المغربية، التي أعدها تحت إشراف كل من سمير أمين و عزيز بلال، كانت عملا رائدا، يعد بالكثير، إلا أنه انتهى إلى ما انتهى إليه ضمن " الأحزاب المساندة " .
35- عبد الكبير الخطيبي: نحو فكر مغاير - مرجع مذكور سابقا- ص:24.

و لم تكن مغادرة عبد الكريم الخطيبي للحزب الشيوعي، انسحابا من الحياة السياسية، إلا بالنسبة لمن يتمثل الفعل السياسي مختزلا و مرادفا لحمل "بطاقة حزب"، فها هو ينطلق - مع الآخرين - لتأسيس النقابة الوطنية للتعليم العالي، ثم مديرا للمجلة الشهيرة "Le Bulletin économique et sociologique du Maroc " ، و التي تحولت انطلاقا من 1987 إلى "Signes du présent" ، و من يعرف هذه المجلة، بعمق، بكل تاريخها الطويل و عمق القضايا التي كانت تخوض فيها، و الروح الجادة التي ظلت تسكن الساهرين عليها، يدرك أنها إلى جانب كونها شكلت مدرسة حقيقية لأجيال في العمل اعلمي، في تخصصات متعددة، تصب كلها في البناء العلمي لبنيات المجتمع المغربي الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية و الثقافية...، كانت أيضا، مدرسة "سياسية" ( كما الحال بالنسبة لكل أعمال المعهد الجامعي للبحث العلمي الذي أداره لمدة تزيد عن عقدين)، ف"السياسي" في صلب "الثقافي" و"الاقتصادي" في عمق " السياسي"... و "الرمزي" بوصلة "السياسي" و الحرمان منه يجعل "السياسي" أعمى !. ذلك ما أشار إليه الخطيبي بكل وضوح في أحد كتيه، بقوله: "منذ نهاية دراساتي بباريس (في 1964) أعيش و أعمل بالمغرب...، و قد التحقت بالجامعة منذ عودتي كباحث و أستاذ، و شاركت كما أفعل الآن في النشاطات السياسية المباشرة. الانزياح عن الاهتياج هو طريقة عملي، ولكن غير أن ننسى أني واحد من المؤسسين للنقابة الوطنية للتعليم . لقد كانت تلك فترة كنت أبحث فيها عن ذاتي، فكل مجالات المجتمع المغربي كانت تهمني" (36). إنه الخطيبي،المفكر و المثقف العالم و الأديب، المصلح الكبير الذي راهن على إصلاح "الجذور" لا "القشور" ، لأنه تكشّفنا لهو "عرّانا" مغربا عجيبا في طريقه إلى الاضمحلال، و ذاكرته كادت تدخل طي النسيان و اللامبالاة... دون أن يعني ذلك أي حنين إلى بعث ما هو عتيق... بل رسم مغرب كأفق للتفكير، و النظر إليه كمنبع يفيض
________________________________________
36- Abdel Kebir Khatibi : Penser le Maghreb - op-cit- p.p. :71- 72. 

فنا و روعة، أي جعله في مستوى الوجود في حقيقته (37). وما " وجودنا في حقيقته" غير ذلك الذي يستنهض هممنا للمضي نحو بنائه من جديد عبر تفكيك مزدوج لخطاب الغرب (الغارق في تمركزه حول ذاته) حولنا، و ل "ميتافيزيقانا" أو تراثنا، و تكسير قيود "فخ الهوية" التي تعوق كل تقدم لنا، و تفجير مكبوتاتنا و مقموعاتنا، و عدم الخوف (أو بالأحرى الوقوع في فخّ) من الثنائية اللغوية (و حتى التعدد)، بل الانخراط في "الروابي" الخصبة للعلاقات بين اللغات، و الثقافات و المخيالات، والتسلح بقيم الالتزام وعدم تغيير اللون كالحرباء، و التسامح، و عشق الشعر ! و "اليوتوبيا " و الانسانية... و هو ما كرّس له حياته، مثقفا جديرا بلقبه، مدركا بكل عمق لرسالته المتمثلة في الوظيفة البيداغوجية و التقنية من خلال التحفيز على مسائل الفكر و الفن، و ذلك بأن منح نفسه كنموذج. و الوظيفة الاجتماعية المتمثلة في إيقاد الفكر لأن يكون ذكيا و ذو حساسية، ولكنه من الناذر أن يجعل من ذلك مهنته الدائمة. ثم الوظيفة الإيتيقية، بأن يكون ملزما أن يتكيّف و باستمرار مع المبادئ و القيم التي يدافع عنها (38).
  و الخطيبي خلّد اسمه من الوجوه البارزة الناذرة للأنتلجنسيا المغربية التي لا انقطاع بين ما تقله و تكتبه، وما تحياه، أديبا لامعا ب "عالمه الخاص" الذي قاتل من أجل صيانته، و التضحية بكل ما من شأنه أن يمس به أو يوجّهه أو يعرفه مهما كان إغراءه، أو الآلام المترتبة عن الانصراف عنه... لا مجال عنده للانتصار لقيمه في "العلم الخاص" و لنقيضها في " العمل الإبداعي" ، لمواقف حادة و مغالية في جرأة البطل في الرواية، و التزامه و نضاليته ، و انتهازية و " براغماتية " و جبن في  الواقع. و فيلسوفا      بالمعنى الأكثر تقدما للفلسفة (لا بالمعاني المبتذلة و المخدومة السائدة في سياقنا و المنجمن أصحابها)،  ضربا شديد التوجيه بمطرقة  دقيقة  على الوقائع و الأحداث حولنا،
________________________________________
37- عبد الكبير الخطيبي: نحو فكر مغاير - مرجع مذكور سابقا - ص:37.
38- Abdelkibir Khatibi : Penser le Maghreb - op.cit- p.p. : 3.4.

لتمكيننا من "سماع" ما لم نكن مؤهلين لسماعه، و ما كان يراد لنا عدم سماعه، من رنّاتها و تقاسيمها، لعلّنا نفزع من حالها (و حالنا)، فننهض بعد طول سبات و هوان. ثم عالما للوظائف و العلاقات، مبرزا للتنوعات والاختلافات، بانيا للصلات و التقاطعات و التفاعلات، ضمن التزام أخلاقي رفيع بقضايا مجتمعه أولا، و بالقضايا الانسانية ككل ثانيا. و لكل ذلك استحق الخلود. لروحه انحـنـاءات .

lV- أعمــال الخطـيبـي:

   A- Littérature :
- La mémoire tatouée - Paris- Denoël- Lettres nouvelles - 1971.
- Le lutteur de classe à la mémoire taoïste - Paris - Sindibad - 1976.
- Le livre du sang - Paris - Gallimard - 1979 et 1986.
- Le prophète voilé - Paris L’Harmattan - 1979.
- Amour bilingue -Montpellier - Fata Morgana - 1983.
- Un été à Stockholm - Paris - Flammarion - 1990.
- Pèlerinage d’un artiste amoureux - Edition : Le Serpent à plumes -  Paris - 2006.
- Triptyque de Rabat - Paris - Noël Blandin - 1993.  

   B - Essais :
- Le roman maghrébin - Paris - Maspero - 1969.
- La blessure du nom propre - Paris, Denoël, lettres modernes -   1974 et 1986.
- Vomito blanco (le sionisme et la conscience malheureuse) - Paris -Collection 10/18 - 1974.

- L art calligraphique arabe (avec M.Sijelmassi), Paris - Ed. Chêne - 1976.
- De la mille et troisième nuit, Rabat, SMER-1980.
- Maghreb pluriel, Paris, Denoël, 1983.
- Du bilinguisme (collectif), Paris, Denoël ,1985.
- Figures de l étranger  (dans la littérature française) ? Paris, Denoël, 1987.
- Par-dessus l épaule ; Paris, aubier - 1988.
- Ombres japonaises, Montpellier, Fata Morgana- 1988.
- Francophonie et idiomes littéraires, Rabat, Al kalam-1989.
- Penser le Maghreb, Rabat, SMER -1993.
- Paradoxes du sionisme - essai, Rabat- Al kalam- 1989. 
- Du signe à l image (avec Ali Amahane)- Livre d art sur le tapis    marocain- Casablanca/Milan, Lak international, 1995. 
- L alternance et les partis politiques, Essai, Casablanca, Eddif, 1999.
- La langue de l’autre, Essai, New York -Les mains secrètes - 1999.
-Vœu de silence, Paris - Hazan -2000.
- Le corps oriental -Essai -Paris, Hazan, 2002.
- Jacques Derrida, en effet, Essai - éd. Al Manar - 2008.
- Le scribe et son ombre, Paris - 2d. La différence- 2008.
- Œuvres complètes (T1, T2, T3), Paris - éd. La différence- 2008.

♡ إدعمنا بمشارك المنشور مع المهتمين . شكرا

فريق موقع بوابة علم الاجتماع
فريق موقع بوابة علم الاجتماع
تعليقات