النوع الاجتماعي واختلال العلاقة بين الانوثة والذكورة
أحمد شحيمط
تقديم :
يرمي هذا الموضوع للتأمل في مرامي الخطاب الدائر عن المرأة واختلال العلاقة بين الذكورة والانوثة . في مجالات عدة من الحياة الاجتماعية . وفي التاريخ البعيد والقريب الذي تحولت فيه الارادة العامة والمشتركة في صناعة الحياة واستقامة العلاقة بين المرأة والرجل نحو تبادل الادوار الى مشكلة واختلال التوازن بين الجنسين . في تحقيق اهداف منها ترسيخ العلاقة التفاعلية بدون مركب نقص وعدم النزوع نحو خطاب راديكالي ينتقص من المرأة وادوارها أو يقلل من قيمة الرجل ومكانته .فالخطاب النسائي في العالم يعتبر أن التحالف بين القوى الفاعلة في المجتمعات الانسانية ظل يميل لكفة الرجل في نزعة ذكورية استعلائية . والتي ساهمت في تحديد ادوار المرأة بناء على رؤية احادية . غير محددة في الجانب البيولوجي . بل في العوامل الاجتماعية والثقافية والتاريخية التي شلت حركة المرأة. وقلصت من أدوارها ووظائفها . وبذلك جاء الخطاب النسائي في العالم كرد فعل سلمي لإعادة العلاقة الى طبيعتها في تمكين المرأة من حقها الوجودي. وبذلك اكتسب الخطاب دلالة حقوقية لانتزاع ما هو مشروع من السيادة على الذات والتعبير بصوت خافت عن القهر والحيف الذي لحق المرأة ومكانتها في المجتمع . أحيانا أخرى تعالت أصوات النساء في حركات مدنية راديكالية للتمرد على الرجل والقيم المدافعة عنه لإنزاله من عرشه. وارغامه في قبول قواعد جديدة تملي عليه احترام المرأة وتقاسم المهام والادوار. وفي العالم العربي يميل الخطاب النسائي بأشكاله . الاسلامي والعلماني الحداثي في اعادة النظر لكل ما يتعلق بوظائف المرأة في الحل الوسطي المسالم للرجل. أو في الرفض ومحاولة خلخلة الترسبات العالقة في الوعي الجمعي . من منطلق المرجعيات الحقوقية المدافعة عن حق المرأة في الوجود. والتعبير عن ذاتها وصيانة حقوقها . وفي ظل تباين المرجعيات يسود في العالم اليوم موجة أخرى من الخطاب الميال للرفض والتمرد على القيم الاجتماعية . من منطلق عدم الانصاف للمرأة .
الجندر أو النوع الاجتماعي نماذج من الاصوات في العالم تتعالى وتدعو للحقوق الكاملة وتبادل الادوار في مجتمع ديمقراطي مبني على المساواة في الحقوق والواجبات . مجتمع خال من الاصفاد والسلاسل التي كانت من الاسباب في اعاقة المرأة وشللها النهائي عن العطاء . وابراز ذاتها ككيان بكل الامكانيات والطاقات الذهنية . ليست المرأة ناقصة عقل والفروق البيولوجية ليست مقياسا لاختلال العلاقة بين الذكورة والانوثة . وبالتالي يطرح الموضوع مجالا للتأمل في مرامي وغايات الخطاب عن المرأة والرجل . وما يحمله الجندر من افكار ومواقف تحمل المسؤولية للرجل الذي صنع القيم واستولى على العقول والقلوب وجعل المرأة في تبعية عمياء .
أولا : في مفهوم النوع الاجتماعي
يرتبط مفهوم النوع الاجتماعي أو الجندر بالحركات النسائية في نضال المرأة للحرية والتحرر من ترسبات التقاليد والعادات والقيم الذكورية التي هيمنت على الحياة الثقافية والاجتماعية . فاستخدم مفهوم الجندر في اوائل السبعينات ليشير الى المنظومة الثقافية التي تشكل الانوثة والذكورة في مقابل الفروق البيولوجية بين الجنسين . في العادة يضمن مفهوم الجنسانية الهويات والرغبات والممارسات الحسية باعتبارها مفهوما مميزا ومغايرا للجندر(1). فالنوع الاجتماعي موجة جديدة في عالم ينادي بالمساواة وتبادل الادوار. واعادة تشكيل ثقافة جديدة تنصب على التوازن بين الذكورة والانوثة . وتستند الرؤى في الموجة الجديدة على تراكمات النضال للحركات النسائية . واستيعاب انتاجات فكر ما بعد الحداثة . في ميل واضح نحو التفكيك والخلخلة للفكر الذكوري . وكل اشكال الهيمنة والقهر . واعادة الاعتبار للمنسي واللامفكر فيه . فمن اوليات الفكر الجديد الذي تبلورت معالمه في فلسفة ميشيل فوكو وجاك دريدا وفي جوهر الفلسفة الوجودية . تتبع مسار الاختلال الذي قاد الحركات النسائية في العالم الغربي الى الفكر الفلسفي القديم والحديث . والفكر الديني وحمولة القيم السائدة في المجتمعات التي تغذي الفعل والسلوك .وتساهم في النظرة الدونية والاستعلائية للمرأة . الانثى ذكر مشوه عند ارسطو. ومرتبة المرأة الى جانب العبيد والحرفيين . ودورها مساعدة الرجل في الوصول الى الخير الاسمى . وعند ديكارت فقد ربط العقل بالذكورة والمادة بالأنوثة . وعند الغزالي ليست المرأة سوى اداة في الاكثار من النسل واطفاء الغريزة . فتنة على الرجال . فالمرأة هي الغواية والشر. الخيانة والحذر. حرباء في الاساطير والحكايات الشعبية . تتلون ولا تستقر على حال. انها فكرة توحي باختلال العلاقة بين الجنسين . قوة النظام الذكوري تتراءى فيه امرا يستغني عن التبرير . ذلك ان الرؤية مركزية الذكورة تفرض نفسها كأنها محايدة . وانها ليست بحاجة الى ان تعلن عن نفسها في خطب تهدف الى شرعنتها باعتبارها الية رمزية هائلة. تصبو الى المصادقة على الهيمنة الذكورية التي يتأسس عليها (2).عند التأمل في الخطاب المهيمن تلوح في الافق مرامي المجتمع في تقسيم الادوار. وتحديد الوظائف في ارادة الاقوى . وفي التعبير عن القيم الثابتة التي تستهدف مراقبة الرجل والمرأة من قبل وصايا وتقاليد المجتمع . الشرف والكبرياء والانتقام . ومكانة الرجل وسمعته تلزم الرجل ان يتصرف وفق القواعد المرسومة في الواقع دون القدرة على نقدها . فالتقسيم الجنسي للعمل يعتمد من البداية على تصنيفات بيولوجية وقدرات نفسية واجتماعية . السوق للرجال والمنزل للنساء . والتكليف بالمهام لا ينبني على التشارك والتعاون في العمل وفي تربية الابناء وتوزيع الادوار بالمناصفة . هذا التقسيم الجنساني الخاص بالعمل بين الجنسين من اولويات الخطاب النسائي لأجل تحرير النساء .والغاء الفروق الاجتماعية والثقافية التي وضعت الرجل في مكانة اعتبارية . وعلاقات الانتاج في تقسيم لا متكافئ في العمل والانتاج . حيث ساهم في انتاج علاقة السيد بالعبد . وعلاقة المالك لوسائل الانتاج والعمال في المنطق الماركسي .النشاط في الخارج ينتج عملا وقيمة . والعمل داخل المنزل لا يكون ملموسا ومرئيا الا بالنسبة للنتائج على مستوى الاسرة . فالحركات النسوية على تعدد مكوناتها واهدافها . تعبر بصيحة عالية عن الوضع السيء المتسم بالتبعية للرجل .اللامساواة ظاهرة في العلاقة .وتماطل الرجل وتحايله في صناعة القوانين هي بالفعل ضد الرجل والمرأة معا. فمادامت فكرة اللامساواة بين الجنسين متأصلة الجذور في مشاعر الناس . فان الحجة ضدها يزيدها رسوخا بدلا من ان يزعزعها (3).
اذن لا يمكن للعلاقة بين الانوثة والذكورة أن تستقيم وتتوازن الا بالفصل التام بين التقليد الذي رسخ الافكار الجاهزة . واقامة وعي جديد يؤسس للعلاقة المنتظمة بدون مركب نقص . يعني قدرة المرأة في القيادة والرئاسة . وفي تحمل المسؤولية وتبادل الادوار. الانسان قبل كل شيء. قبل أن يصير رجلا أو امرأة . وعندما تعود الحركة النسوية للماضي في الحضارات القديمة . الشرقية والغربية ظلت المرأة قريبة من الرجل . بل حتى في الدراسات الانثروبوجية للمجتمعات البدائية تبدو مكانة المرأة معقولة . تلك مجتمعات تعيش في أحضان الطبيعة وتنمو ثقافتها من بنية داخلية قوامها التماسك بين البنيات الاساسية . وفي تفاعل مستمر. وبذلك فالنوع الاجتماعي أو الجندر انعكاس مباشر لاختلال الواقع المادي في انقلاب العلاقة التي كانت في صالح الرجل وفق رؤية الحركة النسوية . الجنس الاخر بتعبير سيمون دوبوفوار. الفيلسوفة الوجودية التي استلهمت أعمالها الحركات النسوية في العالم الغربي .
واعتبرت افكارها عن غرائز المرأة ورغباتها وتفكيرها نوع من التحريض الايجابي. ويقظة وعي للنضال وانتزاع الحق المشروع . كتبت فكرتها الشهيرة " لا نولد نساء بل نصبح كذلك ". يعني اختيارنا للجنس لا دخل للرجل والمرأة فيه. ذلك ان فكرة الوجودية الاساسية أن الوجود سابق على الماهية . والانسان قدف به الى العالم . ولم يختر الوجود في هذا العالم . فالوجود لذاته يعني امكانية الاختيار بقناعة وحرية . أي الاختيار لأنماط الوجود كفكر ووعي .ومبادئ ممكنة في ظل الاكراهات والحتميات وقدرة الانسان في التجاوز . من يدرك معالم الفلسفة الوجودية ومبادئها. يقتنع بفكرة الحرية التي تعتبر جوهر الكائن . المرأة هنا صيرورة ينبغي مقاربتها مع الرجل في صيرورته . ليس المجتمع نوعا من الانواع . ففي المجتمع يحقق النوع نفسه كوجود ويجاوز ذاته نحو العالم والمستقبل . وأن اخلاق المجتمع لا تستنتج من البيولوجيا . والاشخاص ليسوا متروكين لطبيعتهم . بل يخضعون لطبيعة ثابتة هي العرف .والتي تنعكس فيها رغبات ومخاوف تعبر عن وضعهم البشري (4).
علاقة الناس بعضهم البعض لا تستند على دلالة بيولوجية أصيلة في الانسان. من المفروض تحليل الاختلاف الثقافي والاجتماعي. في مجال الطبقات الاجتماعية تبدو الحقيقة واقعية من نزعة الصراع وارادة الاقوى . الخطاب النسائي يحمل المسؤولية لاختلال العلاقة بين الانوثة والذكورة .وتصاعد موجات المد الراديكالي الى النظام الرأسمالي ومخاوف البورجوازية من المساواة . وللنظام الابوي والتحالفات التاريخية بين السياسة والاقتصاد والثقافة .اضافة الى الاديان بأنواعها .الانسانية بالمنطق المادي في الماركسية واقع مادي تاريخي يؤدي للعلاقات المضطربة بين قوى الانتاج والعلاقات الانتاجية . وبين البنية التحتية والبنية الفوقية . والنهوض بالمرأة ككيان ينطلق من تقويض النظام الرأسمالي وانخراط المرأة في الحركة العمالية الدافعة للتغيير وبناء منظومة اشتراكية لإعادة الاعتبار للإنسان وتحقيق المساواة . فأسوأ ما في الملكية أن يمتلك الانسان اخيه الانسان. حيازة الشيء وتملكه بدعوى الحق والتقاليد . أفكار ترفضها الحركات النسوية المحسوبة على اليسار أو اليمين من منطلقات ايديولوجية تفند فكرة التشيئ وتقليص نفود المرأة في اعمال روتينية . فاليسار مستمر بالعمل وفق ذهنية الاختزال الطبقي التي تنخر بقدرته على تطوير ذلك النوع من التحليل الثقافي الذي يحتاجه الفرد لفهم وظيفة " الايديولوجية الجندرية" في تنظيم القوى العمالية. وبالتالي نجد غالبية النشطاء النسويين .والذين هم على ما اعتقد ليبراليون غالبا . ينحصر تركيزهم على الطبقات العليا من النساء العاملات . فيما ينحصر تركيز اليساريين على طبقة لا تختلف كثيرا . لتبقى غالبية النسوة العاملات مهمشة (5). مقياس الحق والمساواة في المجتمع البديل من منظور اليسار. والحق والقانون والثبات على مبادئ النظام الرأسمالي والانخراط في النضال من قلب المجتمع المدني من منظور اليمين. وهكذا نلمس تعدد الخطاب النسوي في العالم وفق مرجعيات متنوعة . ووفق الاهداف والغايات المرسومة في النضال . الموجة الاولى بدأت من اصوات نسوية في العالم الغربي. فالاختلاف البيولوجي حتمي. والمشكلة هنا في الثقافة ومنظومة القيم العالمية.
والفكر الذكوري المهيمن على القرار والفعل .
والموجة الثانية في صيحة المرأة نحو انتزاع الحقوق. أما الموجة الثالثة فهي النسوية المتمردة والمتطرفة في اصوات تدعو للصيحة الفكرية للمرأة والكف عن الممارسة الجنسية مع العدو (الرجل ). رافعة الحقوق الى أعلى سقف من المطالب .وداعية للرفض المطلق لاستعمار الاجساد واستيلاب العقول .وتشبعت الحركات النسوية بثقافة الاختلاف والنقد. أي ثقافة ما بعد الحداثة في تفكيك النزعة الذكورية والهيمنة بأشكالها .وتقويض مركزية المركز ومنطق الفحولة والعناية بالهامش والمنسي . فالنقد النسوي يؤكد وجود ابداع نسائي واخر ذكوري . ولكل منهما هويته الخاصة. وعلاقته بجدور ثقافة المبدع وموروثه الاجتماعي والثقافي .وتجاربه الخاصة من نفسية وفكرية تؤثر في فهمه من حوله . والمرحلة التاريخية التي يعيشها(6).
ويتسع النقد النسوي للعلاقة بين الانوثة والذكورية في التغلغل داخل القيم الاجتماعية التي ساهمت في تشكيل المخيال الاجتماعي والنظرة الراسخة عن صورة المرأة كذات حاملة للفكر. اضافة لكل ما يكتب عن المرأة في الادب والفلسفة والشعر والرواية .هذا الفكر المسكون بلغة ذكورية تعتبره المرأة انتقاصا في حقها . وتبقى في الهامش والدونية علما ان أدوارها في المجتمع تمنحها القدرة في اعادة تربية الرجل وتهذيبه من الطفولة . فالأدوار الجندرية للمرأة على تنوعها من الدور الانجابي .الدور الانتاجي. الدور الاجتماعي الى الدور التشاركي .تلزم الكل على احترام نشاطها ووجودها في قلب المجتمع والانتاج . هنا تبلور مفهوم الجندر أو النوع الاجتماعي الذي يتجلى في الادوار الاجتماعية التي يتم تشكيلها ثقافيا في اطار مجتمع ما . كانت أن أوكلي ann oaklay 1972 من اوائل من ميزن بين الجنس الذي نولد به .والجندر الذي نكسبه .
ولم تخترع أوكلي التمييز بين الجنس والجندر . وانما استعاراته من روبرت ستولر robert stoller . ومهو معالج نفسي عمل مع الافراد الذين ولدوا بأعضاء جنسية غير محددة(7). هذا المصطلح كان في الولايات المتحدة الامريكية . وادخل في حقل الدراسات النسائية .ويشير الجندر بالمعنى الجديد للفوارق غير البيولوجية . من أجل وضع المرأة في مكانها الطبيعي . فنحن لا نملك الاختيار في تحديد الهوية الجنسية .بل نملك القدرة في اختيار القناعات والمبادئ وفق ما ترسمه الفلسفة الوجودية . وبذلك فالعلاقة بين الانوثة والذكورة تسند على اسباب ايديولوجية وعوامل موجودة في التقاليد والقيم والخطاب المحدد بالسلطة والقوة . ومن مهمة الباحث في مجال الدراسات الاجتماعية والثقافية السعي في تتبع العلاقة بين الجنسين وتحديد مكامن الخلل في النفاد لما هو ثقافي وقيمي في الثقافة العالمية والمحلية .
ثانيا : الانوثة والذكورة في الثقافة العربية
اختلال العلاقة بين الانوثة والذكورة في الثقافة العربية تجابه دائما بالرفض وعدم التقبل عند التيارات المحافظة التي تعتبر أن الدين كرم المرأة وعمل على صيانة حقوقها الكاملة في تبادل للأدوار والوظائف . أو لنقل التأويل الفقهي للدين ومرامي الفقهاء في التأويل من دون الاستناد على الفكر الدخيل من الثقافة الغربية المحملة بالهدم والتقويض لأسس الاسرة في العالم الاسلامي . لكن في غمار التحليل نعثر كثيرا على دراسات عن اختلال العلاقة بين الرجل والمرأة في منطق التقاليد والعادات .وفي الثقافة الشعبية .في كتاب "الف ليلة وليلة " وحكاية شهريار وشهرزاد . والقتل الذي يطال الانثى دون كوابح اجتماعية غير ما يراه شهريار المريض والعنيف من الحق لإبادة للنساء في عطش للقتل . حكاية من التاريخ التي تغدي المخيال الشعبي للرجل في تكوين صورة نمطية عن النساء . هموم المرأة ومعاناة النساء في المجتمعات المنغلقة . الوضع الاجتماعي للمرأة العربية المتسم بالتبعية للرجل . فالمجتمع قيد المرأة بسلاسل من القيم الموروثة من قبل. أما الطبيعة فهي بريئة .وحقائق العلم تثبت ذكائها وقوتها في التحمل. من الانجاب الى الاعباء المنزلية .وأدوار أخرى غير متكافئة في المجتمع .ان سلبية المرأة ليست صفة طبيعية في المرأة. ولكنها صفة غير طبيعية نتجت عن ضغوط المجتمع وكبته لنموها. وكذلك ايضا جميع الصفات الاخرى التي ألصقها المجتمع بالمرأة والانوثة . وكلها صفات غير طبيعية دخيلة على طبيعة المرأة السوية(8).
المجتمع بقيمه وتقاليده من يفرض ألوانا من الافكار المترسبة من الماضي أو افكار مصطنعة وليدة قوانين غير منصفة. والتي تؤدي لاختلال العلاقة بين الرجل والمرأة .من المجتمع القبائلي بالجزائر قام عالم الاجتماع الفرنسي "بيير بورديو" بالدراسة عن الجنسين . وتوصل للكثير من النتائج عن تقسيم العمل والنظام الاجتماعي والاخلاقي . فالرجال يمارسون اعمالا من قبيل الفلاحة والحصاد والحرب .وللنساء قطف الزيتون وجمع الحطب . والشرف من القيم وسمعة الرجل في المجتمع . هذا النوع من العنف الرمزي الذي يمارس على المرأة . ويساهم في الهيمنة الذكورية بدافع القيم الاجتماعية .وعلاقة الوقائع بالوعي الذاتي والموضوعي الذي ينعكس مباشرة على الفعل والسلوك. ويؤدي لاختلال العلاقة بين الرجل والمرأة .ان الامتياز الذكوري هو فخ ايضا . يجد نقيضه في التوتر وتركيز الانتباه الدائمين اللذين يفرض الواجب على كل رجل تأكيد رجولته في كل الظروف(9).
وبذلك يعمل الرجل وفق ما تمليه القبيلة والثقافة في وضع نفسه داخل اطار ضيق من المراقبة والمعاقبة لكل فعل خارج نطاق القيم السائدة .في اعادة انتاج منظومة القيم الخاصة بالرأسمال المادي والرمزي .ويزيد الامر في دهاء ومكر المرأة على المغامرة والانفلات من الرقابة . وتحييد الرجل في سلطته المادية. وينعكس الامر كذلك على العلاقة المتوازنة بين الانوثة والذكورة. كأن تلجأ المرأة على حيل كالشعوذة وممارسة السحر لإرغام الرجل أو اسكاته. أو تنتهي العلاقة بينهما للنفور الجنسي .والكراهية المتبادلة . فالبنت تولد طبيعية تم تتعلم لحظة ولادتها كيف تصبح أنثى. وكذلك الولد يتعلم كيف يصبح ذكرا . كما قالت "مرجريت ميد" أن الفتاة تتعلم أن تجلس وتضم ساقيها وتحافظ على بكارتها. وتخجل من جسمها ثم تنتظر دورها السلبي في الحياة كامرأة. أما الولد فيحرك ساقيه بحرية ويفخر بجسده (10).
الادوار الجندرية محددة سلفا في القيم الاجتماعية . والسؤال الذي يطرح ذاته . من صنع هذه القيم ؟ للبحث عن الحقيقة ودلالة السؤال ينبغي العودة للأصل. نحتاج جينيالوجيا نيتشه. وأركيولوجيا فوكو للتنقيب والنبش في حيثيات الثقافة .والقيم التي وضعها الناس في المجتمع .النزعة الذكورية القضيبية ممتدة في كل المجالات وحاضرة بقوة في الكتب المكتوبة والتراث المسموع . ومتشعبة في ميدان التربية والسياسة . في موضوع المرأة بالذات . وفي مجتمعاتنا العربية بالذات . يشعر الباحث أو الباحثة العلمية. أنه يسير في أرض مليئة بالألغام . وانه في كل خطوة من خطواته يصطدم بالأسلاك الكهربائية العارية . والمقدمات الحساسة في المجتمع (11).
قضية المرأة هنا سياسية بالدرجة الاولى . وليست نابعة من الفكر الشعبي الذي ينتقص من المرأة في أدوارها ووظائفها .لا بد من خلخلة قيم المفاضلة بين المرأة والرجل . ان يقتنع الرجل ان الاختلافات البيولوجية لا نقاش فيها. وبالتالي يدور السجال عن جدارة المرأة في عدة وظائف لازالت حكرا على الرجل في السياسة والتدبير. وفي الكتابة والتعبير. وفي الابداع الفكري والعلمي . فالعامل البيولوجي والاقتصادي ليسا من العوامل المحددة للأدوار في المجتمع. بل هناك عوامل مركبة . وفكر مستنبت في الوعي الاجتماعي ومنطق الرجل. وما نلاحظه هو تردد النسوية العربية في الغالب بين طرحين لقضية المرأة : طرح انساني يلح على الاشتراك في المنزلة الانسانية .وهو الطرح الذي ظهر منذ كتابات سيمون دوبوفوار عن "الجنس الاخر " . وطرح اختلافي يلح على الاختلاف. وهو قد يفضي الى تفضيل المرأة على الرجل(12). مجتمعنا في غالب الاحيان يخفي الاسباب المادية من وراء القيم. ويعلل القضية بدافع الشرف والفضيلة والعفة والاستقامة . وينتج عن ذلك حق الرجل في التعدد والطلاق والطاعة .
كتبت المرأة العربية من شجون وهموم الذات .ومن سلطة شهريار. وذكورية المجتمع عن قضايا واقعية . من التحرش الجنسي والاستغلال بأنواعه . نوال السعداوي وسنوات الكتابة عن الاختلال السافر في العالم بين المرأة والرجل . كتبت عن الوجه العاري للمرأة العربية. وعن الرجل والجنس. وعن الحجاب والشرف. وقالت أن الانثى هي الاصل . ودافعت عن حضور المرأة ككيان يحمل فكرا ووعيا . وكتبت مي غصوب عن المرأة العربية وذكورية الاصالة. ورجاء بن سلامة عن المؤنث والمذكر وعن الفحولة واختلال التوازن بين الرجل والمرأة في مجتمع ذكوري. ذو نزعة قضيبية استقوائية . كما كتبت ليلى بعلبكي عن الحرية ضد القيود. فاتحة مرشيد عن شهرزاد وحكايات من الذات في مجرى الصراع بين المرأة والواقع المعاش.
وكتبت فاطمة المرنيسي عن الجنس كهندسة اجتماعية وعن النسوية الاسلامية من عمق التقاليد والعادات المغربية. وفي الابداعات السينمائية حاولت المرأة العربية المبدعة ايصال صوتها .عند تكييف الحكاية حتى تلامس عمق الوعي الاجتماعي . في خلخلة ترسبات الافكار الجاهزة عن المرأة . ثلاثية نجيب محفوظ وعلاقة الرجل العربي بالمرأة من زمن الامس .أحمد عبد الجواد والزوجة أمينة وليالي السهر والمجون. وحكاية الرجل العربي الانفصامي بين الخطاب الخارجي في تلميع الصورة وخطاب الداخل للأسرة . وكتبت المرأة العربية لإزالة ترسبات الف ليلة وليلة .وترسبات الزجل الخاص عن المرأة (عبد الرحمان المجدوب وحكايات عن المرأة في المجتمع المغربي ) وصورة الجنية في الحكايات المغربية "عائشة قنديشة " قاهرة الرجال. وكل ما يتعلق بالكتب التراثية والحكايات الشعبية .حقيقة المرأة في العالم. من هيمنة النظام الرأسمالي والفكر الذكوري. والحقيقة أن الذي عقد طريق المرأة الى الانوثة هو "سيغموند فرويد" نفسه بنظريته المعقدة عن أن البنت الطبيعية حين تولد تحسد أخاها الولد بسبب امتلاكه عضو الذكر. وانها تقترب الى أبيها بأمل الحصول على طفل يعوضها عن فقدانها عضو الذكر(13). كلام لا ينبغي أخده مسلمة وحقيقة بدليل .أن الابحاث النفسية لفرويد كانت نتاج تشخيص للوقائع والحالات في عينها. ولن تكون حقائق قصوى في تحليل مكامن الخلل في اختلال التوازن بين الانوثة والذكورة .فالأمر هنا يتعلق باليات التحليل والادوات الجديدة المنتقاة من تيارات الفكر الغربي المعاصر. من البنيوية واللسانيات المعاصرة .وتيارات ما بعد الحداثة في محاول لفهم جدور المشكلة والعمل على حل العقدة .فالرجال الذين صاغوا القوانين ووضعوا القيم والمثل هم الذين يحكمون هذا العالم. والمرأة عندما تريد ازالة هذه القيود نحو التحرر من خطاب المفاضلة والفوارق الثقافية والاجتماعية بين الجنسين نحو اقامة مجتمعات ديمقراطية .أساسها القانون الوضعية والمواطنة الكاملة .
خاتمة :
تحاول الحركات النسائية في العالم ايصال صوتها واثبات مصداقية الخطاب الذي يستند على حق المرأة كانسان في العيش بكرامة . وحقها في الحرية الكاملة في مجتمعات ذكورية هيمنت على القرار والسلطة . وانتجت معالم ثقافة غير متوازنة بين الانوثة والذكورة . وفي عالمنا العربي تبقى المرأة تراوح ذاتها في خطاب حقوقي يحاول انتزاع الاساسي من الرجل في أمل تغيير القيم الراسخة في العقول والتي ترسبت بفعل هيمنة ارادة الرجل .الهوامش :
(1)هالة كمال واية سامي " النسوية والجنسانية " ترجمة عايدة سيف الدولة . سلسلة ترجمات نسوية العدد 7 -2016 ص95(2) بيير بورديو " الهيمنة الذكورية " ترجمة سامي قعفراني . مركز دراسات الوحدة العربية . الطبعة الاولى بيروت 2009 ص 27
(3)جون ستيوارت مل " استعباد النساء " ترجمة امام عبد الفتاح امام . الناشر مكتبة مدبولي الطبعة الاولى 1998 ص35
(4)سيمون دوبوفوار " الجنس الاخر " ترجمة محمد قدري عمارة (سلسلة العلوم الاجتماعية . مكتبة الاسرة 2006)
(5) ليندا مارتن ألكوف " النسوية واليسار " حوار –المصدر : حكمة . اعداد مكتبة التنوير ص07
(6) حفناوي بعلي " مدخل في نظرية النقد النسوي وما بعد النسوية " منشورات الاختلاف والدار العربية للعلوم ناشرون . الطبعة الاولى 2009 ص31
(7) هالة كمال واية سامي" النسوية والجنسانية . ص 97
(8) نوال السعداوي " دراسات عن المرأة والرجل في المجتمع العربي " المؤسسة العربية للدراسات والنشر . الطبعة الثانية 1990 ص 38
(09) بيير بورديو " الهيمنة الذكورية " ص83
(10) نوال السعداوي " المرأة والجنس " دار ومطابع المستقبل الاسكندرية . الطبعة الرابعة 1990 ص53
(11) نوال السعداوي " الانثى هي الاصل " مؤسسة هنداوي . 2017 ص19
(12) رجاء بن سلامة " بنيان الفحولة ابحاث في المذكر والمؤنث " دار بترا للنشر والتوزيع . الطبعة الاولى 2005 ص140
(13) نوال السعداوي " الانثى هي الاصل " ص67
♡ إدعمنا بمشارك المنشور مع المهتمين . شكرا


مرحبا بك في بوابة علم الاجتماع
يسعدنا تلقي تعليقاتكم وسعداء بتواجدكم معنا على البوابة