حربُ الدّيانات
(من السياسة إلى الحرب المُقدّسة)
الأستاذ الباحث محسن اعريوة
إنَّ الصراعَ الحاصل اليوم بين الشّعوب والحضارات ليس صراعاً ماديا اقتصادياً صرفاً "الغاز والبترول.. وسائر الثروات الطبيعية" كما تدّعي الماركسية وغيرها، وإنما هو صراعٌ عقديٌّ حضاري ديني خلّفه رجال الدّين وأتباعهم بالخصوص وكذا أعداء الأديان والإنسان، فـ"هذه ليست حرباً دنيوية؛ إنها حرب روحية". والصراع الدّيني على مرّ العصور هو صراعٌ وبشكل أدقّ بين قراءات وتأويلات رجال الأديان لا بين الأديان في ذاتها.. لأنّ الأديان في حقيقة الأمر ما جاءت إلا لإسعاد النّاس وتحقيق مصالحهم.. فكيف حادت الأديان عن هدفها الأسمى وغايتها النّبيلة.. وأصبحت وبالاً ومصدر شرور وإزعاج بالنسبية للإنسانية؟
ومناطُ ذلك راجعٌ إلى الحكمة الإلهية من بعثة الرّسل والأنبياء؛ كما جاء في القرآن الكريم "رسلاً مبشرين ومنذرين ليلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل"!فهؤلاء الرّسل والأنبياء؛ اصطفاهم الله واختارهم كي يرشدوا الناس إلى ما فيه صلاح معاشهم ومعادهم، ولا يكون هذا الصلاح إلا بالتعايش بين شتى الأجناس وأهل الديانات والتسامح فيما بينهم، إذ التعايش هو سفينةُ النّجاة التي ستقود الإنسانية جمعاء إلى برّ الأمان، وتطفو فوق كل أمواج أشكال الإقصاء والعنف والتمييز والتّعصب. فالغرض دائماً ليس هو الإيمان من أجل الإيمان وتبرير الأفعال.. أو الإلحاد من أجل الهروب من الشعائر والرّكون إلى الهوى والشّهوات.. وإنما الإتيان بالبدائل للإنسانية وإنقاذها من ركام العبثية.. وليس كذلك النّقد من أجل النّقد والنّقض وإنما من أجل المساهمة في بناء الحضارة الإنسانية المُتكاملة وإسعادها، واحترام الآخرين وتقديرهم.. وهذا المأزق يسقط فيه الكثير... فعلاقتُک مع الله تهمّک أنت، وتنفعک أنت! "فـأهم ما في الدّين هو تعدديته في الفهم، وكراهيته للاستبداد... التعدّد هو جوهر الدين وكنهه" كما أكد عالم اللاهوت فريدريك شلايرماخر.
- ومن هنا فالأديان كانت ولازالت باعثاً على الالتزام بالأوامر الإلهية واحترام الآخرين ومعتقداتهم وهذا ما دفع الامبراطور اشكوكا الذي ترك الهندوسة واعتنق البوذية إلى القول: إن في احترام المرء لكل الأديان هو احترامٌ لدينه!
فاليهودية هيَ أول الديانات الكتابية التي دعت إلى التوحيد كما جاء في التوراة: «اسمع يا إسرائيل: الرب إلهنا ربٌّ واحد» ثم جاءت المسيحية بعدها لنفس المقصد «الرب إلهنا ربٌّ واحدٌ» وكذلك الإسلام الذي يُعتبر آخر الديانات بالنسبة للإنسانية الحالية؛﴿وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ﴾. فالأصل في هذه الأديان واحد؛ وهو دعوة الناس إلى عبادة الله وحده ونبذ الشّريك والنّد، لكن الخطاب والطريقة إلى ذلك يختلفان باختلاف الزمان والمكان والأشخاص، لذا يقول المتصوف عبد الكريم القشيري: اختلاف الطريق مع اتحاد الأصل لا يمنع من حسن القبول.
لكن عُقدة تسلط بعض أهل الأديان على بعضهم البعض –قديما وحديثا- وأعني هنا الأديان السّماوية الثلاث، لهيَ راسخة في وجدان أهلها إلى اليوم، و هذا هو سبب تسلّطها هيَ كذلك.
فاليهود على مرّ العصور عانواْ من حرب الديانات، ومُورس عليهم كل أشكال العُنف والإقصاء والاضطهاد، منذ بداية الديانة العبرية التي مهّدت الطريق للديانات التّوحيدية الأخرى، وكما قال محمود عبّاس العقاد: فالديانة العبرية تحمّلت أعباء التوسط بين الديانات الوثنية وديانات التوحيد الكتابية!
وعليه، فما السبي البابلي للهيود على يد الامبراطورية الفارسية في القرن السادس قبل الميلاد، وتسلّط الديانات الوثنية عليها، وكذلك الإبادة الجماعية وتطهيرهم من أوربا وقتلهم وتهجيرهم منها في القرن العشرين إبّان الحرب العالمية الثانية (الهولوكوست) لهيَ عوامل ساعدت على اضطرام جذوة الصراع بين الأديان قبل الإسلام وبعده، حتى في المشكلة الفلسطينة المعقدة اليوم -كما يقول جراهام إي فولار- فإن جذورها لا تعود للإسلام بل للاضطهاد الغربي والمجازر التي أقيمت ضد يهود أوربا!
أما المسيحية فمنذ بدايتها وهيَ مُضطهدة، ابتداء من اليهود، وانتهاء بالإمبراطورية الرومانية التي مارست على أهلها أشدّ التنكيل والعذاب طيلة قرونها الثلاث إلى حدود دخول الإمبراطور قسطنطين إليها.
إلى أن جاء القرن الثامن عشر الميلادي فبدأ الازدراء والاضطهاد للمسلمين في شتى أقطار هذه البسيطة، وأصبح الإسلام هو العدوّ للإنسانيّة، عدو للأديان.. فاحتُلّت أراضيهم، وسُلبت علومهم وتمّ طمس فضلهم ومكانتهم.. إلى اليوم.
ولهذا جاء الإسلام مُعلناً السّلام العالمي بين أهل الديانات والشعوب والحضارات.. مصفيّاً ومكمّلا لما لديهم من شرائع واعتقادات.. ومدّ جسور التّواصل والتّفاعل بينهم ونبذ الحزازات.. فجمع بين قبائل الأوس والخزرج، وآخى بين الأنصار والمهاجرين، وأعطى الحقوق لأهل الذّمة وتعامل معهم على أساس المشترك الدّيني الذي يجمعهم.
فالحرب والقتال قديمان قدم وجود الإنسان، بل أوّل ما بدأت به الإنسانية صفحات تاريخها على هذه الأرض، وهما غير مرتبطان بديانة ما أو عِرق ما، ما دامت النفس البشرية مجبولة على حبّ التّملك والسيطرة من أجل البقاء، لكن أن تُلصق هذه التّهمة الملفّقة بالإسلام وأهله. يقول كارين آرمسترونغ: "من التخيلات الفانتازية التي نسجها المسيحيون عن الإسلام في زمن الحملات الصليبية أنه دين عنف وعدم تسامح في جوهره، وهذا غير صحيح" البتة. والإنجيل المقدّس ذاته لم يتورّع عن ذكر الحروب، رغم ما قيل عن سماحة المسيحية ووداعتها المتمثّلة في قول المسيح –عليه السلام_: من ضربك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر" وكذلك التفسير المضطرب لترنيمة الملائكة في الليلة التي ولد فيها المسيح الواردة في إنجيل لوقا: "وعلى الأرض السلام، وبالناس المسرة" لكن في إنجيل برنابا نجد عكس هذا: "لا تظنوا أني جئت لأرسى سلاماً على الأرض، ما جئت لأرسى سلاماً ، بل سيفاً" فأين هو السلام إذن وتاريخ المسيحية كما أكد شلبي "بحارٌ من الدماء، وأكداس من رماد الذين أُحْرِقوا، ويُتْم، وأنين ووحشية، وبربرية طال عمرها وأتيح لها السلطان فكانت نقمةً وشراً، ولو ضممنا إلى هذا ما فعله المسيحيون بالمسلمين في الحروب الصليبية، وفي الأندلس بعد سقوط غرناطة، وما فعله الاستعمار المسيحي بأقطار المسلمين، لَتبيَّن لنا أن المسيحية التي هيَ دين الرحمة كانت تُسْتغَل بابا من العذاب، وجحيما من التنكيل، وحشدا من الغل والكراهية والحقد، كانت جرحاً أليما أصاب الإنسانية، وكان للبشرية مصدر قلق وآلام وشجون"
يقول كارين آرمسترونغ في كتابه "الحرب المقدسة":لم يكن جهاد نور الدين ضد المسيحية بما هي ديانة مسيحية، فالقرآن يحثّ المسلمين على احترام أهل الكتاب... (والمسلمون) مدعوون إلى احترام حُرمة الكُنُس والكنائس، فضلا عن المساجد. إذن، كان الجهاد حرباً مقدّسة للدفاع عن النفس، والقرآن يُحرّم على المسلمين البدء بالحرب وتوجيه الضربة الأولى... لكنه يستطرد فيقول: إن الفتنة أشد من القتل، وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة. وطيلة خمسين سنة، والفرنجة يذبحون المسلمين ويُخرجونهم من ديارهم. والمسلمون لم يفعلوا شيئا لإثارة هذا العدوان الغربي غير المبرَّر، وعدم اكتراثهم بهذا البلاء زاد الأمر سوءً؛ وأي زعيم مسلم يقع على عاتقه واجب قاطع، ألا وهو حماية شعبه من مثل هذا العدو" إذن "واضح أن المثل الأعلى الإسلامي بخصوص الحرب المقدسة يختلف جدا عن الحرب الصليبية: فهو بالأساس دفاعي، في حين أن الصليبيين، وكذلك رجال الحرب المقدسة اليهود، تولّوا هم المبادرة "المقدسة" حين هاجموا أعداء الله وأعداء شعبه المختار"
فإن المسلمين أذنوا للمجوس بالبقاء على دينهم، ولم يحاولوا استكراههم على إيمان. أفهذا ما صنعه المسيحيون الظافرون بالوثنية وأهلها؟ كلا.
♡ إدعمنا بمشارك المنشور مع المهتمين . شكرا


مرحبا بك في بوابة علم الاجتماع
يسعدنا تلقي تعليقاتكم وسعداء بتواجدكم معنا على البوابة