📁 آخر الأخبار

التباكي على تهميش علم اجتماع في تونس من الدولة و مؤسساتها


التباكي على تهميش علم اجتماع في تونس من الدولة و مؤسساتها

هوية موثقة
جعفر حسين، باحث في علم الاجتماع

في متابعتنا لواقع علم الاجتماع في تونس و بالخصوص حول ما قيل بأن" التنمية البشرية تعوض علم الاجتماع" و ذلك حسب ما ورد في دليل التوجيه الجامعي التونسي التي من أحد مظاهرها التنمية البشرية تعوض علم الاجتماع في معهد العالي للعلوم الإنسانية إبن شرف تونس انطلاقا من السنة الجامعية المقبلة و يأتي هذا الجدل في سياق التركيز على تهميش الدولة و مؤسساتها لعلم الاجتماع في تونس في تغافل و إخفاء عوامل أخرى مساهمة بشكل مباشر في تردي واقع علم الاجتماع في تونس و ذلك من خلال ملاحظتين مركزيتين:

الملاحظة الأولى:
تتعلق بخطاب سائد و مهيمن يريد إقناع العاملين في علم الاجتماع في تونس أنه يتعرض للتضييق
و المحاصرة من الدولة و السلطة السياسية و هو أمر سمعناه منذ سنوات و لكن السؤال الحقيقي لماذا وصل علم الاجتماع في تونس إلى هذا المستوى رغم عراقته و تواجده قديما في الجامعة التونسية، لماذا جميع الأجيال التي تعاقبت على هذا العلم لم تفكر في تطويره و إصلاحه و إرساء قانون أساسي في حدوده الدنيا ينظم عمل المتخرج في علم الاجتماع في مختلف مؤسسات الدولة، العديد من المختصين في علم الاجتماع في تونس تقلدوا مسؤوليات كبرى في الدولة
و مؤسساتها لكن على مستوى مأسسة العلم في هياكل الدولة و السلطة بقي محدودا و ضعيفا ما مدى مساهمة هؤلاء الأفراد الذين تقلدوا مسؤوليات باعتبارهم قوة ضغط و اقتراح على الدولة و مؤسساتها في مأسسة علم اجتماع و تحوله إلى علم محترم يقرأ له حساب كما هو موجود في اختصاصات أخرى في ميادين العلوم الإنسانية، و هو ما يقلل
و يضعف مبرر تضييق الدولة على علم الاجتماع.

الملاحظة الثانية:
و هي ملاحظة للعديد من الدارسين لعلم الاجتماع في تونس و هو أن الإقصاء و التهميش ليس كما يدعي البعض من الدولة و مؤسساتها لكن هل أن من داخل البيت السوسيولوجي في تونس نفسه لا يوجد إقصاء و تغول و محاباة و تحويل الاختلاف إلى عداوة و كراهية و" وضع العصا في العجلة" حسب المنطوق اليومي التونسي و هنا يتساؤل حول أحلام المئات و المئات من الدراسين لهذا العلم هل ضيعت أحلامهم؟ أم تبقى فئة قليلة و موالية متحكمة في المشهد السوسيولوجي و توزع فيما بينها الغنائم أسئلة محتاجة إلى إجابة واضحة و دقيقة.

إن العلم الذي لا يقبل الاختلاف في الرأي و يغيب فيه التواضع العلمي و المعرفي و تنتشر فيه الصراعات الشخصية و المزاجية و الاحتكار كأنك في شركات متعددة الجنسيات و التي لا علاقة لها بالعلم و المعرفة و يترصد العاملين فيه لإقصاء بعضهم أو الجزء من بعضهم حتى لا تتاح فرصة لفئة واسعة لتحقيق أهدافهم و طموحاتهم فإن واقعه و مستقبله لا يبشر بخير. 

إن مستقبل المختصين في علم الاجتماع عادة ما يحصر في المبادرة الفردية أو بواسطة انتماءات سياسية للعديد من الجامعيين في تونس الذين انخرطوا في الأحزاب السياسية ليس حبا في اختصاص علم الاجتماع بل لأغراض شخصية و نفعية تفيد أقلية قليلة ماديا و مصلحيا و تموقعهم داخل بعض الهياكل( بعض مراكز الدراسات و البحوث...) إضافة إلى أن خيار هذه النزعة المصلحية قد لا تتماشى مع قناعات العديد من الدارسين و هو خيار ظرفي و يتساءل الدارس لهذا الاختصاص إلى متى سيستمر و يبقى المختص في علم الاجتماع تحت رحمة هذه التموقعات الغير دائمة و الظرفية.
و مهما أعطيت له من سلطة و نفوذ و جاه يبقى في حالة انكماش و غير متحرر من سطوة هذه الهياكل حتى و إن كانت مجزية ماديا و تلمع الصورة و تحقق ما يسمى في مختلف الأوساط ب"الإشعاع و النجاح" نظرا لاستعمالاتها المطلقة و الواسعة داخل المجتمع التونسي و هو كذلك لا يبني علما فعليا و قويا و صلبا يفرض احترام مؤسسات الدولة و السلطة
و المجتمع. 

في النهاية، إن علم الاجتماع في تونس يستحق مكانة أفضل بكثير مما عليه الآن و لكن عوامل التكبيل الداخلية هي محدد جوهري في ما وصل إليه علم اجتماع في تونس و ما دامت التكتلات و النعرات و الحسابات الضيقة سائدة و مهيمنة فإن مستقبل طلبته يبقى مجهول و ضبابي فهل يمكن أن توجد أجيال قادمة تغير هذه الصورة لعلم الاجتماع في تونس؟

♡ إدعمنا بمشارك المنشور مع المهتمين . شكرا
فريق موقع بوابة علم الاجتماع
فريق موقع بوابة علم الاجتماع
تعليقات