📁 آخر الأخبار

التعليم من أجل عالم متعدد الثقافات.. صابر جيدوري

التعليم من أجل عالم متعدد الثقافات.. صابر جيدوري
التعليم من أجل عالم متعدد الثقافات

هوية موثقة
صابر جيدوري

     تعرضت السياسات التعليمية التقليدية القائمة على افتراض وجود ثقافة وطنية متجانسة إلى نقد متزايد في السنوات الأخيرة. كما تزايد عدد البلدان التي لم تعدّ تكتفي بقبول أشكال التعبير عن التنوع الثقافي، وإنما أصبحت تعترف أيضاً بأن التعددية الثقافية والتعددية الإثنية، تُشكلان ركنين أساسيين من أركان الاندماج الاجتماعي الديمقراطي، وليسا بأي حال عقبة في سبيل هذا الاندماج.
     وهذا يعني أنه ينبغي للتعليم أن يتصدى لهذا التحدي في القرن الحادي والعشرين، كما ينبغي للنظم التعليمية (بأوسع معانيها) أن تتصف بقدر من المرونة وسعة الخيال يكفي لإيجاد نقطة التوازن بين التوجهين الهيكليين اللذين أشرنا إليهما.

     ووفقا لذلك، فإن تعليماً قائماً على التعدد الثقافي الحق ينبغي أن يكون قادراً على الاستجابة في آن واحد لمقتضيات التكامل على الصعيدين العالمي والوطني، وللاحتياجات المحددة لجماعات خاصة (ريفية أو حضرية)، لكل منها ثقافة خاصة بها. فمثل هذا التعليم سيُمكّن كل فرد من أن يعي واقع التنوع ويحترم الآخرين، سواء أكانوا جيرانه أم زملاءه في موقع العمل، أم سكان العالم.
     ولكي يظهر إلى الوجود تعليم كهذا يستهدف التعددية حقاً، سيتطلب الأمر إعادة التفكير في أهداف التعليم: ما معنى التعليم؟ وما معنى المتعلم؟ وكذلك إعادة تصميم مضامين وبرامج المدارس التقليدية، وابتداع طرق تدريس ومناهج تعليمية جديدة، والتشجيع على نشوء أجيال جديدة تؤمن بالتعدد الثقافي على المستوى النظري وتسلك بموجبه.
     إن التعليم التعددي حقاً، إنما ينهض على أساس فلسفة ذات نزعة إنسانية، أي على مبدأ أخلاقي ينظر إلى الآثار الاجتماعية للتعددية الثقافية نظرة إيجابية. غير أن الواقع يفتقر أحياناً إلى قيم التعددية الإنسانية والثقافية اللازمة، للتشجيع على إجراء مثل هذا التحول على مسار التعليم، وينبغي العمل على نشر هذه القيم عن طريق التعليم الذي ستعززه تلك القيم بدورها.
     ومع ذلك، فإن هناك من المراقبين من يساورهم شك عميق فيما يتعلق بالتعددية الثقافية، وإمكانية انعكاسها على تعليم متعدد الثقافات. فمع تأييدهم للتنوع الثقافي، الذي لا يمكن نكرانه في عالم اليوم، فإنهم يبدون الشك في صواب العمل على إبرازه عن طريق التعليم، خشية أن يؤدي ذلك إلى بلورة هويات مستقلة، أو إلى تعزيز النزاعات الإثنية وتكاثرها النزاعات مما يؤدي إلى تفسخ النماذج القائمة للدولة الأمة. 

     وما من شك في أن هناك اليوم أمثلة على المغالاة في النزعة القومية لدى مجموعات إثنية تدفعها إلى الانفصال السياسي، وتفضي إلى التفكك الاجتماعي، ناهيك عن المجازر التي تشارف أعمال الإبادة، وعن حملات التطهير الاثني التي تغذيها مشاعر الحقد.
     ومع ذلك فإن التنوع الإثني لن يمكن طمسه بفعل السحر، وليس من الواقع أن تلام سياسات التعددية الثقافية على ما ينشب من نزاعات عديدة، كثيراً ما يكون مصدرها عدم الاعتراف بالتعددية الإثنية أو محاولات القضاء عليها.
     والانتقادات التي توجه إلى التعددية الثقافية (التي تحمل معاني مختلفة تبعاً لاختلاف السياقات) تصدر أحياناً من مجموعات إثنية ذات نزعة قومية، وتعتقد أن عناصر أجنبية (من مهاجرين وأقليات مختلفة ثقافياً) تهدد بالخطر "جوهر" وجودها القومي. ولكن من الانتقادات ما يصدر أيضاً من ليبراليين حسني النية، ينشدون تكوين أمة "مدنية" يكون جميع أفرادها متساوين، بصرف النظر عن العنصر أو اللغة أو الأصل أو الدين أو الثقافة.

     ويعتقد الليبراليون أن التركيز على الفروق الثقافية أو الإثنية يؤدي إلى إقامة حدود وجدران تفصل بين بشر متساوين في الواقع، إن لم يكونوا متماثلين. والتعليم الذي يستهدف إيجاد ثقافة ذات طابع مدني حقاً، ويشارك فيه الجميع، هو وحده القادر على الحيلولة دون استمرار تسبب الفروق في ظهور أوجه عدم التكافؤ، ودون أن تصبح الخصائص مميزة مثاراً لمشاعر العداء.
     وفي هذا التصور الجديد للعالم، تصبح الهوية الإثنية جزءاً من مجال الحياة الخاصة على وجه الحصر (شأنها شأن الدين في الدولة العلمانية الحديثة)، وتخرج من عداد اهتمامات السياسات العامة.
     بيد أنه على الرغم من هذا التصور المشرّف للغاية، يجد المرء في كل مكان مجموعات إثنية لا تزال تحشد قواها لنصرة معتقدات ورموز ثقافية، بل إن النظم التعليمية ذاتها تصبح طرفاً في هذه "الحروب الثقافية"، التي يشهدها عصرنا.

     وسواء أكان منشأ هذه الصرعات راسخاً في أعماق اللاوعي الجماعي (كما يدعي البعض)، أم كانت مجرد نتيجة للتلاعبات الانتهازية "للمتجرين بالقضايا الإثنية" (كما يؤكد آخرون)، فإن تعزيز القيم الديمقراطية ذات النزعة الإنسانية لن يتم بنجاح من خلال التغطية على هذه الصراعات.
     فمن المؤكد أن العالم قد بلغ اليوم من النضج ما يكفي لتمكينه من إقامة ثقافة مدنية ديمقراطية تنهض على أساس حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، ومن العمل في الوقت نفسه على تشجيع الاحترام المتبادل بين الثقافات، على أساس الاعتراف بالحقوق الجماعية للشعوب كافة، التي لا يقل أحدها جدارة عن غيره. هذا هو التحدي الذي يتعين على التعليم من أجل عالم متعدد الثقافات أن يتصدى له في القرن الحادي والعشرين.

♡ إدعمنا بمشارك المنشور مع المهتمين . شكرا
فريق موقع بوابة علم الاجتماع
فريق موقع بوابة علم الاجتماع
تعليقات