📁 آخر الأخبار

تجليات الأيديولوجيا في التربية

تجليات الأيديولوجيا في التربية

تم التحقق من هوية الكاتب
صابر جيدوري

     لا يمكن النظر إلى آراء روسو ولوك وسبنسر في التربية الحرة، وآراء فلاسفة الاقتصاد السياسي البورجوازي في التربية، والأساليب التربوية التي نادى بها ديوي ومونتيسوري وغيرهم فيما يدعى بـ "التربية الجديدة"، بعيداً عن الايديولوجيا، فقد نادى روسو بالتربية الطبيعية التي تشجب أي تدخل من جانب المربي، وهذا ينسجم مع تطلعات ايديولوجيا البورجوازية الناشئة في تلك الفترة وفكرها الليبرالي.

     ومن المعلوم أن الحرية التي نادى بها روسو في ميدان التربية هي الحرية نفسها التي نادى بها ريكاردو وآدم سميث وغيرهما في الميدان الاقتصادي، حيث كان شعار روسو في التربية هو: دعوا الطفل يتربى وفق الطبيعة، وكان شعار الاقتصاديين هو: دعوا الاقتصاد يسير وفق "قوانين الطبيعة"، دعه يسير، دعه يعمل.  وهذا يعني أن آراء روسو ولوك وسبنسر في التربية كانت جزءاً من ايديولوجيا عامة هي الأيديولوجيا الليبرالية، التي كانت بدورها جزءاً من ثورة عامة اجتماعية وفكرية ضد أوضاع القرون الوسطى، وأوضاع النظام الاقطاعي.

     وفي هذا الإطار كانت ثورة فولتير على الكنيسة في فرنسا، وكانت الدعوة إلى علمانية الدولة، وعلمانية التعليم جزءاً من الثورة نفسها، فلم يكن فولتير فيلسوفاً نموذجياً على شاكلة الفلاسفة المشغولين ببناء منهج عقلي، وبناء فلسفي محكم، بقدر انشغاله بهدم الثوابت والتقاليد البالية التي تمنع التفكير الحر من انطلاقته، فكان صراعه مع الكنيسة ليس باعتباره مهرطقاً أو خارجاً عن تقاليد الكاثوليكية، بل كان هجومه منصباً على التدخل الكنسي في شؤون الحياة اليومية للفرنسيين، ومنتقداً الوجه القاسي للكنيسة الكاثوليكية التي لا تعرف التسامح. ولذلك عندما ندرس اليوم الآراء التربوية التي نادى بها فلاسفة الثورة البورجوازية الأوروبية (موليير وفولتير وروسو ومونتيسكو)، يجب ألا يغيب عن فكرنا الإطار التاريخي والاجتماعي والثقافي للثورة الفرنسية.

     وإذا انتقلنا إلى آراء فلاسفة الاقتصاد البورجوازي في التربية، فإننا نجد أنها لا تخلو من دلالة إيديولوجية، وفي مقدمتها آراء آدم سميث، وستيوارت ميل، وألفريد مارشال، لأن آراء هؤلاء الفلاسفة تنظر إلى العمل والتربية نظرة وحيدة الجانب، نظرة من يُقوّم الأشياء بمقياس المردودية فقط، أو بمقياس الاستثمار والاستغلال، أي إنها آراء مستوحاة من النظام الرأسمالي وحاجاته، ومن ثم فهي على الرغم من جوانبها الإيجابية، تعمل في نهاية الأمر على خدمة النظام الرأسمالي نفسه".
     ومن هنا نجد أن الفريد مارشال أكد على الدور الاقتصادي للقدرات البشرية، وأنه كلما خضعت هذه القدرات للتعليم يمكن استغلال مواهب الفرد إلى أقصى حد ممكن. كما عدّ ستيوارت ميل قدرات الفرد المكتسبة بالتربية والتعليم من جملة الموارد الاقتصادية المستثمرة، وكذلك فعل آدم سميث حين أبرز قوة إنتاجية التعليم من خلال كون التربية التي يتلقاها الإنسان تمكنه من الحصول على إنتاج يفوق النفقات التي استلزمها العمل التربوي الذي استثمر فيه.

     ونجد الشيء نفسه في الآراء التي نادى بها أصحاب التربية الجديدة، فهي على الرغم من جوانبها الإيجابية، إلا أنها لا تخلو من دلالة إيديولوجية، وما يدعى بالتربية الجديدة، أي الأساليب التربوية التي نادى بها ديوي ومونتيسوري وغيرهم، لها جوانب إيجابية جديرة بكل اعتبار، ولكن يجب ألا تخفى علينا عيوبها ودلالاتها الإيديولوجية. صحيح أن التربية الجديدة، على اختلاف منطلقاتها واتجاهاتها، تلح الحاًحاً كبيراً على ترك الطفل يتعلم بنفسه، وعلى تجنب اخضاعه لأية سلطة كيفما كانت، بحيث يقتصر دور المعلم على خلق الشروط الملائمة التي تساعده على أن يكون لنفسه أستاذاً ومعلماً، كل هذا مهم وإيجابي يجب الأخذ به، ولكن علينا أن ننتبه إلى أن "الحرية" التي تنادي بها "التربية الجديدة" هي حرية مستمدة من الحرية التي يمجدها النظام الرأسمالي، حرية المنافسة والمبادرات الفردية.

     وفي السياق نفسه يمكن أن نذكر النظريات التربوية الأمريكية، وفي مقدمتها نظريات جون ديوي، التي تستند إلى الفلسفة العامة السائدة في المجتمع الأمريكي، فلسفة النفعية البرجماتية التي تؤكد أن الحقيقة هي ما يفيد، ما ينفع، ولذلك اتجهت الفلسفة التربوية عند الأمريكيين اتجاهاً نفعياً، والخبرة التي يبني عليها ديوي نظريته التربوية هي خبرة الحاضر، الخبرة التي تحقق منفعة في الحاضر، وتُستوحى من معطيات الحاضر. والسبب في ذلك هو أن المجتمع الأمريكي مجتمع جديد لا يجر وراءه تاريخاً طويلاً متواصلاً كالمجتمعات الأوروبية والإسلامية، ولذلك تتجه التربية في أمريكا إلى الحاضر أكثر من اتجاهها إلى الماضي كما في حضارات أخرى، ومن ثم فإن منطق المنفعة والوضعية الجديدة هما داعمتا الفكر الأمريكي، ونظريات التربية الأمريكية مؤسسة على هاتين الدعامتين اللتين تعكسان نمطاً من الحياة الاجتماعية يقوم على المبادرة الفردية والتنافس وغير ذلك من خصائص النظام الرأسمالي.

     وهكذا يتضح أن لكل نظرية تربوية، ولكل طريقة بيداغوجية، خلفيات أيديولوجية، ومعنى ذلك أن التربية كنظرية وطريقة لابد أن تكون مستوحاة من أيديولوجيا معينة، ولابد أن تكون أيضاً خادمة لهذه الأيديولوجيا، فالتاريخ يؤكد أن التربية في معظم أحوالها أيديولوجيا، وهذا ما يمكن لمسه على سبيل المثال في التربية المسيحية التي عرفتها العصور الوسطى، حيث كانت متشربة بالدين في كل عناصرها: المحتوى ديني، والمعلم قسّ، والمدرسة قائمة في داخل الكنيسة، أو ملحقة بها، والأهداف دينية.

     وفي العصر الحديث فإن التربية، أياً كانت، يستحيل أن تكون محايدة، حتى التربية العلمانية هي تربية غير محايدة في مضامينها وتوجهاتها وأساليبها، إذ إن لها موقفاً ورؤية من الكون والخالق والوجود والأحداث المعاصرة، فالكتاب الأحمر لماوتسي تونغ، والميثاق القومي لعبد الناصر، والكتاب الأخضر لمعمر القذافي، والمنطلقات النظرية لحزب البعث، هي كتب الإيديولوجيا التي تم تدريسها في المدارس، ولقنها المدرسون للصغار والشباب. ومن ثم فإنه من السذاجة اعتبار المدرسة مؤسسة محايدة، فعلى الرغم من أنها لا تكتسي طابعاً حزبياً رسمياً، ولا صيغة طبقية مكشوفة، فإنها كانت وماتزال، جهاز للتأطير الأيديولوجي، يخدم الايديولوجية السائدة في المجتمع، أي الوضعية الطبقية السائدة، وتعمل على إعادة إنتاجها.

     وبالرغم من وضوح الدور الأيديولوجي الذي تمارسه التربية، فإن هذه الحقيقة يمكن تأكيدها من خلال عدد من المظاهر، فمن خلال الهياكل التعليمية القائمة، والقوانين والتشريعات التي تنظم سير التعليم، تتسرب إلى المدرسة عناصر كثيرة وأساسية من الأيديولوجيا السائدة، فضلاً عن المواد الدراسية ذات الطابع الأيديولوجي الواضح، كالتربية الوطنية والتاريخ والفلسفة والعلوم الإنسانية والمواد التراثية عامة. ولهذا فإن المدرسة في المجتمعات المتقدمة والمتخلفة تُعدّ جهازاً ايديولوجياً فعّالاً تمارس بواسطته الطبقة الحاكمة سلطتها، وترويج نسقها القيمي، ربما بشكل أكثر عمقاً وأكثر تأثيراً من الأجهزة السلطوية الأخرى، كالجيش والشرطة، ذلك لأن سلطة المدرسة تنفذ إلى الميادين التي لا تستطيع هذه الأجهزة السلطوية بلوغها والتأثير فيها، فهي تعمل على قولبة سلوك الطفل منذ اللحظة التي يبدأ فيها في التفتح على الحياة بشكل واضح منظم.

ساهم معنا في نشر المعرفة 

فريق موقع بوابة علم الاجتماع
فريق موقع بوابة علم الاجتماع
تعليقات