قول في أزمة التربية العربية واغترابها
صابر جيدوري
إن الإجابة عن هذين السؤالين تُشير إلى أن التربية العربية مازالت تقليدية، تجتر أساليبها وطرقها وأهدافها من فلسفات اجتماعية لم ترقى بعد إلى الفلسفات الاجتماعية والتربوية التي توجه أنظمة التعليم في الدول المتقدمة، وما زالت التربية العربية تؤدي الوظيفة التي كانت تؤديها منذ مئات السنين، كما أنها لا زالت في جوهرها غير متغيرة في عالم سريع التغير، ولا يعني هذا أن بعض التغيرات لم تحدث أثرًا في جسد التربية العربية، ولكن هذه التغيرات بقيت شكلية وليست جوهرية، فبالرغم من إعادة تنظيم الأجهزة والوحدات الإدارية التربوية، وبالرغم من بناء مدارس جديدة، وتأليف كتب جديدة تعكس محتوى بعض التطورات العلمية، ظلت التربية العربية تُركز على هدف رئيس واحد هو تمكين المتعلم من النجاح في الامتحانات، وهذه الامتحانات بقيت بصورة عامة محور النشاط التربوي بعيدة عن جوهر الحياة خارج المدرسة.
أما القول باغتراب التربية العربية عن محيطها الاجتماعي فله ما يبرره، بسبب عدم فاعلية هذه التربية في التنمية الشاملة، وعدم مشاركة مخرجاتها في تطوير وتقدم المجتمعات التي تنتمي إليها. فالملاحظ أننا لم نأخذ بعد تحديات القرن الجديد مأخذ الجد، ولم يدرك صانعو القرار لدينا أن التربية والتعليم هما المفتاح الأساسي لكل تقدم أو تطور مرتقب، فرغم كل الإصلاحات والتعديلات في المناهج التعليمية والنظم التربوية، ورغم كل الجهود والمبادرات في مجال تعميم التعليم وتوسيع قاعدة انتشاره، إلا أن الواضح هو أن جميع هذه الخطوات والترتيبات تشكو من ثغرات ونواقص عديدة.
ومع أن التربية العربية نجحت نجاحًا ملحوظًا في إعداد الأخصائيين من أطباء ومهندسين ومحاميين، وأساتذة وغيرهم، إلاّ أن نجاحها في صقل الإنسان وخلقه، وتطوير مفاهيمه الاجتماعية والوطنية والإنسانية، وتمكينه من التعامل مع عالم معقد متغير مازال محدودًا جدًا، إذ يتضح فشل النتاج التربوي من خلال الممارسات الاجتماعية السائدة في المجتمع، بعد أن أصبح الطابع العام لسلوكنا يزداد في سلبيته، كعدم الاكتراث بحقوق الآخرين وحرياتهم الأساسية، واللامبالاة تجاه المسؤولية العامة والإنسانية وغيرها.وعلى الرغم من التوسع الكمي السريع الذي يحدث في البلدان العربية من زيادة في الخدمات التربوية والأبنية المدرسية والإنفاق، لا تزال المجتمعات العربية عاجزة عن تعميم التعليم على جميع الأطفال، وهذا الأمر إن دلّ على شيء إنما يدل على عجز النظم التربوية القديمة والتقليدية عن مسايرة التفجر السكاني السريع في مجتمعاتها.
ولعل ما يؤكد وجود أزمة التربية العربية واغترابها هو مظاهر الانفصام بين السياسة التربوية والسياسة الاقتصادية والاجتماعية المتجسدة في الواقع من خلال بطالة واسعة لدى المتعلمين، ولدى أصحاب الاختصاصات التقنية، وما نجده في الوقت نفسه من حاجات المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية إلى الكثير من الاختصاصات التي لا يوفرها نظام التربية العربي السائد.
ومن مظاهر هذا الانفصام البارزة في الجانبين: السياسة التربوية من جانب، والسياسة الاقتصادية والاجتماعية من جانب آخر، ضعف العناية بتعليم الكبار، وضعف العناية بشتى أشكال التربية غير النظامية، فضلًا عن ضعف الكفاية الداخلية للنظم التربوية العربية، وارتفاع معدلات الرسوب والتسرب، ومن ثم ارتفاع كلفة التعليم.
ولعل المستقرئ لواقع التربية العربية يجد أن أهم مظاهر أزمة التربية العربية هو غياب الفلسفة التربوية الواضحة، التي يقع على عاتقها نقد وتحليل وتنسيق وتوجيه العمل التربوي من جوانبه كافة، وأن عدم وضوح هذه الفلسفة في معظم البلدان العربية أدى إلى انخفاض كفاية الأنظمة التعليمية العربية، ونظرة سريعة إلى مخرجات هذه الأنظمة التعليمية تدلنا على مدى الضعف والانهيار الذي وصلت إليه، وبخاصة إذا ما قارنا مخرجات العملية التعليمية في بلداننا مع مخرجات العملية التربوية في دولة مثل سنغافورة مثلًا.
ومع أن الأزمة التربوية التي تعاني منها الدول العربية، هي امتداد للأزمة السياسية التي تعاني منها هذه الدول، فهذا لا يبرر الحالة السيئة التي وصلت إليها التربية، فإذا كانت طبيعة الأزمة في المجتمع العربي والمجتمعات النامية الأخرى ناجمة عن عدم التوافق بين التربية وحاجات المجتمع التكنولوجي السريع، وقيم هذا المجتمع، فإن القيم الاجتماعية في هذه المجتمعات أخذت تتداعى أمام التقدم التقني المذهل، الأمر الذي أدى إلى انفصال الجيل الجديد عن قيم مجتمعه، وأخذت التربية تلهث وتجمع أنفاسها للحاق بهذا التطور التقني لمواجهة المشاكل الإنسانية والقيمية التي رافقته.
لا شك أن الخروج من مظاهر هذه الأزمة يتطلب أشياء كثيرة يأتي في مقدمتها تربية مشتركة تتمخض عنها أشكال تربوية جديدة، تهدف إلى تعليم يوفر للتلاميذ فرص التفكير بحرية، والانتقال للنقاش الديمقراطي كبديل للتعليم القائم على التلقين والتبعية في التفكير. تعليم يُمكّن التلاميذ من إظهار قدرتهم على التحليل والخلق والإبداع والأصالة، كبديل للتعليم الذي يُشجع على الحفظ والتقليد والاقتباس، تعليم يُدرب التلاميذ على أن يفكروا "كيف يعرفون" بدلاً من أن يفكروا "ماذا يعرفون". تعليم يكشف المواهب وينميها، بدلًا من تعليم يطمس المواهب ويقتلها.
♡ إدعمنا بمشارك المنشور مع المهتمين . شكرا


مرحبا بك في بوابة علم الاجتماع
يسعدنا تلقي تعليقاتكم وسعداء بتواجدكم معنا على البوابة