محتويات المقا ل
الزواج
أ.بسام أبو عليان
محاضر بقسم علم الاجتماع ـ جامعة الأقصى
تعريف الزواج:
"رباط مقدس بين رجل وامرأة يهدف لإشباع الحاجات الغريزية وإنجاب الذرية وفق التشريعات الدينية والمعايير المجتمعية".التعريف السابق فيه أكثر من محطة بحاجة إلى الوقوف عندها.
المحطة الأولى: "الزواج رباط مقدس": للزواج قدسية ورمزية كبيرة، فهو ليس علاقة مؤقتة يمكن تبديلها، وتغييرها، والعتق منها كلما أراد أحد الزوجين ذلك، كما أنه ليس وسيلة للتسلية وقضاء الوطر فحسب، بل وصف الله تعالى رباط الزوجية بالميثاق الغليظ، فقال: {وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا} [النساء:21]، وقول النبي r: "أحقُّ الشروطِ أن توفوا به ما اسْتَحْلَلْتم به الفروجَ" [البخاري:5151].
المحطة الثانية: "لا يكون الزواج إلا بين رجل وامرأة": الفطرة السليمة والزواج الصحيح لا يكون إلا بين ذكر وأنثى، وإن كان غير ذلك عُد من الشذوذ، فلا يصح أن يكون بين رجلين، أو بين امرأتين. الأول يطلق عليه "فعل قوم لوط" ، والثاني يطلق عليه "السحاق".
المحطة الثالثة: "إشباع الحاجات الغريزية": هذا مقصد الزواج الأول، فحين خلق الله تعالى الخلق غرس في الجنسين ميلًا نحو الآخر. هذه حاجة يجب إشباعها، لكنها لا تشبع بطريقة مشاعية أو فوضوية، بل تشبع بالزواج، وما عدا ذلك هو: (زنا)، وقد حرمه الله، قال تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} [الإسراء:32].
المحطة الرابعة: "إنجاب الذرية": هذا مقصد الزواج الثاني، بالزواج يضمن المجتمع تناسل وتكاثر أفراده، لكن لا يعترف المجتمع إلا بالأطفال الشرعيين، الذين أَتوا من والدين معلومين، أما اللقطاء، ـ أبناء السفاح ـ، لا يعترف بهم المجتمع، حتى وإن وفِّرت لهم مؤسسات الرعاية الاجتماعية والإيواء، فتهمة جهل نسب تظل تلاحقهم وتطاردهم مهما طال بهم العمر، وإنْ حققوا مواقع متقدمة في التعليم والوظائف، رغم أنهم لا ذنب لهم في فعل مشين ارتكبه شهواني وشهوانية!.
المحطة الخامسة: "لا يصح الزواج إلا وفق التشريعات الدينية": في كل مجتمع سواء يدين بدين سماوي أو وضعي يوجد تشريعات تنظم شؤون الزواج، ولا يصح الزواج إلا بها، مثلًا: في الإسلام لا يجوز للفتاة البكر أن تزوج نفسها بنفسها، إلا بموافقة ولي أمرها، ولا يجوز لها الزواج إلا من مسلم، في حين يجوز للمسلم الزواج من مسلمة وكتابية، أما في اليهودية والنصرانية إن لم يكن الزوجان من نفس الديانة تعد العلاقة بينهما علاقة زنا، ويجب تفريقهما. قِس عليها العديد من الأحكام الدينية الأخرى.
المحطة الأخيرة: من العوامل المتحكمة والمؤثرة في الزواج: "العادات والتقاليد الاجتماعية". هذه بطبعها تختلف من مجتمع لآخر، وتتغير في المجتمع الواحد من فترة زمنية لأخرى، ومن طبقة اجتماعية لأخرى، مثلًا: عادات الزواج في المجتمع الفلسطيني تختلف عن المجتمع اليمني، أو المصري، أو الجزائري، أو العراقي. كذلك عادات الزواج في المجتمع الفلسطيني تختلف بين البدو، والريف، والحضر. وكذلك تختلف عادات الزواج في المجتمع الفلسطيني قبل التهجير عنها اليوم.
يعتبر الزواج أحد أنساق النظام الأسري الفرعية، مما يعني أنه يؤثر ويتأثر بالأنساق الأخرى، فهو يتأثر بالحالة السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والتعليمية، والصحية السائدة في المجتمع هذا من جهة، ويؤثر فيها من جهة أخرى. خذ مثلًا: السياسة تؤثر في الأسرة/ الزواج كما في الصين، بحيث لا تسمح التشريعات الصينية للأسرة الحضرية أن تنجب أكثر من طفل واحد، ولا يسمح للأسرة الريفية أن تنجب أكثر من طفلين بحكم طبيعة المجتمع الزراعي؛ بهدف تحديد النسل والحد من الكثافة السكانية العالية. في المقابل يؤثر الزواج/ الأسرة في السياسة من خلال مشاركة أفراد الأسرة في العمليات السياسية المختلفة (الانتخابات، والأحزاب، والإضرابات، والاحتجاجات... إلخ). قِس عليها بقية النظم الاجتماعية.
مراحل تطور الزواج:
الزواج له صفة العالمية، فهو موجود في كل المجتمعات البشرية مذ خلق الله الخلق، فأول حالة زواج شهدتها البشرية كانت بين آدم u وحواء؛ لحكمة يريدها الله تعالى جعل كل ولادة تتكون من توأم (ذكر، وأنثى)؛ لاستكمال دورة الحياة البشرية وتكاثر النسل. كل ذكر يتزوج بأنثى الولادة الثانية. وقد مر الزواج في عدة مراحل تاريخية حتى وصل إلى صورته الحالية، إلا أن علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا اختلفوا في تحديد شكله في المجتمعات الأولى، وقدموا تفسيرات مختلفة، منها أن الزواج مَرَّ في ثلاث مراحل رئيسية، هي: (المشاعية، والأمومية، والأبوية) . فيما يلي الحديث عن كل مرحلة من تلك المراحل.المرحلة الأولى| المجتمعات المشاعية:
في المجتمعات المشاعية لا مجال للحديث عن الخصوصية والملكية الفردية، كل شيء في المجتمع مباح ومستباح، على صعيد الزواج عرفت (الإباحية الجنسية)، حيث يشبع الفرد شهوته بصورة مشاعية دون أية ضوابط دينية، أو قواعد أخلاقية، أو محرمات مجتمعية. المبدأ الذي كان سائدًا وقتئذٍ: "كل النساء لكل الرجال"، أما الأطفال ثمرة تلك المعاشرة يعدون ملكًا للجميع. يؤيد هذا القول العديد من العلماء، مثل: (باخوفن، وماك لينان). مشاعية النساء كانت معروفة لدى شعوب كثيرة، مثل: سكان المغاور والكهوف .أغلب ما ورد من آراء حول المشاعية الجنسية تتعارض مع ما جاء به التشريعات السماوية، إذ أول ما عُرِف من أشكال الزواج هو الزواج الأحادي الذي تم بين آدم u وحواء، وما ورد في حادثة مقتل "هابيل" على يد شقيقه "قابيل" هو بسبب رفض الأخير زواج الأول من أخته، ولو كان الأمر مشاعيًا لما اضطر قابيل لقتل هابيل، ولتزوج واستمتع كل منهما بأخت الآخر، لكن الانحراف في الزواج تم بعد ذلك. بمعنى آخر بدأ الزواج بفطرة سليمة، ثم انحرف في مراحل لاحقة.
المرحلة الثانية| المجتمعات الأمومية:
في المجتمعات الأمومية تسير القرابة في خط الأم، ولا يسمح للزوج الإقامة عند زوجته إقامة دائمة، إنما يكفيه زيارتها من حين لآخر في منزل والدتها، ويبقى أولادهما تحت رعاية الأم. فيما يتعلق بمصير الأولاد: لا يحرم الأب منهم مطلقًا، فعند بلوغهم سنًا معينة يخيرون بين البقاء عند أمهم أو انتقالهم عند أبيهم .قدمت تفسيرات مختلفة توضح أسباب انتشار المجتمعات الأمومية قبل المجتمعات الأبوية. علل (باخوفن*) ذلك أنه في المرحلة الأمومية انتشرت المشاعية الجنسية، فكان نسب الأم معروفًا ونسب الأب مجهولًا، هذا الأمر أعطى المرأة مكانة اجتماعية أعلى من الرجل. حدد باخوفن بداية ظهور هذه المرحلة مع اكتشاف الزراعة ومعرفة الإنسان الاستقرار الاجتماعي، واعتقد أن سلطة المرأة بقيت مستمرة حتى عُرِفَ الزواج الأحادي الذي قيّد امرأة واحدة لرجل واحد. اعتمد باخوفن في تفسيره هذا على الخرافات والأساطير، وليس على الأدلة العلمية الدامغة . في تفسير آخر لـ(ماك لينان) أيّد رأي باخوفن بأن نَسَب الأم معروفًا ونَسَب الأب مجهولًا؛ بسبب الإباحية الجنسية، وتعدد الأزواج .
رغم ما سبق، لا يوجد دليل قطعي يؤكد أن المجتمعات الأمومية سابقة على المجتمعات الأبوية، هذا ما ذهب إليه (سيدني هانلاند)، إذ يقول: "لا يوجد دليل ثابت بأن النظام الأمومي عرف في كل المجتمعات القديمة، إلا أن هذا لا يمنع وجوده عند بعض الشعوب" . أي لم ينفِ المسألة نفيًا قطعيًا، إنما هي مسألة نسبية. عرفته مجتمعات، ولم تعرفه أخرى.
المرحلة الثالثة| المجتمعات الأبوية:
في المجتمعات الأبوية تسير القرابة في خط الأب، عليه التزامات أسرية، مثل: حماية أفراد أسرته، وتوفير الطعام والسكن. من واجباته عند هنود الإيروكوا: يُعد كوخًا لزوجته، ويفرشه ببساط، وعائدات القنص في عام الزواج الأول تمنح كلها للزوجة، وما يتحصل عليه بعد ذلك يقسم بين الزوجين . من يتأمل تلك الالتزامات يجدها شبيهة بالالتزامات المطلوبة من الزوج في عصرنا، فالكوخ يقابله (البيت)، والبساط يقابله (الأثاث)، وعائدات قنص العام الأول يقابلها (المهر)، وعائدات القنص بعد العام الأول يقابلها (النفقة).أنماط الزواج من حيث العدد:
1.الزواج الأحادي:
لا يسمح للرجل الزواج بأكثر من امرأة، ولا يسمح للمرأة الزواج بأكثر من رجل. يعد هذا النمط أكثر أنماط الزواج انتشارًا في المجتمعات البشرية.2. تعدد الزوجات:
يجوز للرجل الزواج بأكثر من امرأة. هناك مجتمعات أباحت التعدد على إطلاقه، ولم تقيد الرجل بعدد محدد من الزوجات، هذا الشكل عرفته الحضارات القديمة كالفرعونية التي لم تقيد الملك الفرعوني بعدد محدد، في المقابل هناك مجتمعات قيدت التعدد كما في الإسلام، إذ أباح للرجل التعدد بشرط ألا يزيد على أربع.3.تعدد الأزواج:
يجوز للمرأة الزواج بأكثر من رجل في آن واحد، لكنهم أخوة، حيث يكون للمرأة حرية اختيار الزوج (الأخ الأكبر)، وبمجرد انتقالها إلى بيته يصبح أخوته الأصغر منه أزواجها، ويقيمون في بيت واحد. ذكر الكاتب الصيني "ما تون لين" أن الأخوة... جميعهم يشتركون في زوجة واحدة، والأولاد ينسبون إلى الأخ البكر. وأي شخص ليس له أخوة بإمكانه أن يشارك رجال آخرين .سبب انتشاره: ارتفاع أعداد الذكور وتدني أعداد الإناث.
عرف هذا الزوج عند بعض قبائل الأسكيمو، وقبائل التبت.
4.زواج المجموعة:
يتزوج مجموعة رجال مجموعة نساء. يعتقد العلماء أن هذا الزواج امتدادًا للمرحلة المشاعية، لكنه يختلف عنها إلى حد ما، ففي المشاعية تنتشر الإباحية الجنسية، بينما في زواج المجموعة تقيَّد العلاقة بعدد محدد من الرجال والنساء، ولا يجوز لأحد من خارج المجموعة أن يدخل فيها.أنماط الزواج في الجاهلية:
1.الزواج بولي:
يتقدم الرجل لخطبة الفتاة من وليها، فإن حصل القبول يتفقان على قدر معلوم من المهر. هذا الزواج أقره الإسلام وأبقى عليه، ولازال معمولًا به إلى اليوم.2.الاستبضاع:
بعد أن تطهر الزوجة من حيضها يرسلها زوجها إلى رجل آخر فيه صفات محببة إليه كـ(الشجاعة، أو الفروسية، أو الكرم، أو الحكمة)، ويرغب أن تكون صفة من تلك الصفات في ذريته. فيأتيها الرجل. بعد أن يتبين حملها إن شاء أتاها زوجها، وإن شاء اعتزلها حتى تلد.3.زواج الرهط :
يعاشر المرأة مجموعة رجال دون العشرة، إن حدث الحمل تنتظر حتى تضع مولودها، ثم تجمعهم وتذكّرهم بالذي كان منهم، فلا يستطيع أحدهم الإنكار أو التهرب، ثم تختار لوليدها أبًا منهم، فيقبل دون رفض. أي الذي يتحكم في اختيار والد الطفل هوى ومزاج المرأة، ولا يوجد أية معايير أخرى تحدد الأبوة.4.البغايا:
هن الزانيات اللائي يتاجرن بأعراضهن، يعرفن في المجتمع بوضع علامات على أبواب بيوتهن. هذا الزواج حرام، قال تعالى: {الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [النور:3].إذا حملت البغية، بعد أن تضع مولودها تجمع كل من عاشرها؛ لتبحث عن شبيه للمولود يلحق به النسب، فإذا وقع الاختيار على أحدهم يقبل بنوته ولا يعترض، أي الذي يتحكم في اختيار والد الطفل المرأة، لكن بناءً على معيار الشبه، وهو خلاف زواج الرهط الذي يترك أمر الاختيار لهوى المرأة.
5.زواج البدل:
زواج البدل شكل آخر للزنا، يكون بين رجلين متزوجين بحيث يتنازل كل منهما عن زوجته للآخر؛ لإشباع شهوته!. لم يكن هذا الزواج عند العرب في الجاهلية فحسب، بل عرفته شعوب وقبائل أخرى كأنغولا، وأفريقيا الغربية، والأسكيمو .6.زواج المقت (وراثة الأرامل):
انتشر زواج المقت في المجتمع الفارسي، ثم انتقل إلى المجتمع الجاهلي، إلا أنه كان مذمومًا وغير مرغوب فيه عند العرب . ثم جاء الإسلام وحرمه، قال تعالى: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء} [النساء:22].يعرف هذا الزواج باسم: (وراثة الأرامل)، حيث أن المرأة التي يموت عنها زوجها يقوم ابن زوجها، أو أيًا من أقارب زوجها فيرمي عليها ثوبه، بعد ذلك إن شاء تزوجها، فإنْ أنجبت يسمى المولود (مقتي، أو مقت)، وإن شاء منعها من الزواج حتى تموت فيرثها، أو تفدي نفسها بمالها . قال ابن عباسt: "كان الرجل إذا مات أبوه أو حموه فهو أحق بامرأته، إن شاء أمسكها أو يحبسها حتى تفتدي بصداقها، أو تموت فيذهب بمالها" .
♡ إدعمنا بمشارك المنشور مع المهتمين . شكرا


مرحبا بك في بوابة علم الاجتماع
يسعدنا تلقي تعليقاتكم وسعداء بتواجدكم معنا على البوابة