📁 آخر الأخبار

التحولات القيمية للمراهق وسط المدرسة المغربية.. التلميذ أنموذجا

التحولات القيمية للمراهق وسط المدرسة المغربية.. التلميذ أنموذجا

التحولات القيمية للمراهق وسط المدرسة المغربية.. التلميذ أنموذجا

هوية موثقة
 ذ عبد الحق بن درى

 لعل ما تعرفه المدرسة من تحولات على كل الأصعدة والمجالات، ونظرا لما تلعبه المدرسة من أدوار أساسية في تربية النشأ تربية سليمة على مجموعة من القيم والمبادئ الأساسية، وبالنظر الى ما تشغله مسألة القيم من مكانة بالغة الأهمية في المدرسة المغربية، و التي تتأثر بكل ما يحيط بالمدرسة من عوامل ومؤشرات كثيرة، وبالنظر كذلك الى مرحلة المراهقة التي باعتبارها مرحلة حساسة والتي يعرف فيها الفرد تحولات وتغيرات نفسية بيولوجية واجتماعية.

 ان هذه المؤشرات كلها تبين مدى الترابط الوثيق بين التلاميذ في هذه المرحلة وما يصاحبه من حساسية المرحلة، فهي سيف دو حدين، من جهة يستوجب على التلاميذ التحصيل الدراسي والمعرفي، وهو ما يتطلب إرادة قوية مجهودات جبارة من اجل مواكبة تنوع المواد واختلافها، ذلك ان التلميذ يجد نفسه امام تحدي تعدد المواد وتنوعها، والجمع بين ما هو ادبي تعبيري ثقافي وبين ما علمي تقني محض. واذا كان التلميذ في هذه المرحلة يدرك أهمية ما يتلقاه من رصيد معرفي أساسي، وخصوصا في مرحلة الثانوي الإعدادي والثانوي التأهيلية، والتي تساهم في بناء شخصيته ورسم معالم حياته المستقبلية[1].

 ومن جهة أخرى نجد الطفل يواجه تحديات التحولات النفسية والبيولوجية والاجتماعية التي يعرفها في هذه الفترة، الشيء الذي يستوجب على الاسرة معرفته ومعرفة كيفية التعامل معه. ولا تفوتنا الفرصة الى ان نعرج على ما تلعبه كذلك وسائط التواصل الاجتماعي من أدوار أساسية في التأثير على هذه الفئة بشكل كبير، بل أصبحت تشكل وجهة هامة لهم في تجسيد التمثلات التي تشغل بالهم، وفضاء للتعبير عن ما يخالجهم في الوقت التي يعيش فيه فراغا كبيرا في الوسط الاجتماعي الذي يعيش فيه، ويسعى الى تعويضه بالعالم الافتراضي من خلال مشاركة الصور وبعض التعليقات والأمثال التي تثير انتباهه، ولعل الساعات الطوال التي يقضيها امام الهواتف الذكية والتعرف على مختلف أشكال وأنماط العيش والحياة، والتواصل الدائم مع الثقافات الأخرى يجعل المراهق تسكنه هواجس متفرقة، تجعله يتطلع دائما الى أمور مستقبلية قد لا تكون في مستواه الاجتماعي بالخصوص، وهو ما يشكل انفصام في شخصيته ويبحث عن الكمال في العالم الافتراضي بعيدا عن الواقع المعيشي المؤلم. مخطئ من يعتقد ان هذه الفئة لا تعي ما تفعل ولا تعرف ما يحيط بها من متغيرات اجتماعية وثقافية، بل في الوقت الذي تجد فرصة للنقاش وإطلاق العنان للأفكار والمواقف الشخصية تجاه الواقع الذي تعيش فيه، قد تُفاجأ بما تقدمه من حقائق ومعطيات منقطعة النظير، وترصد لك جملة من الأسباب والدوافع التي تجعلها تبني اراء ومواقف حول موضوع معين، وغير ما مرو ناقشت مع هذه الفئة مختلف المواضيع ومن بينها ما يتعلق بالقيم وما تتعرض له من تحولات متغيرات على كل الأصعدة والمجالات. ولعل من اهم ما نوقش معهم حالة القيم داخل المدرسة المغربية وما صاحبها من تحولات مهمة، وكان النقاش مستفيض وسطهم فيه أخد ورد وتضارب في الأفكار والقناعات، ومن اهم ما استُخلص من هذه النقاشات ما يلي:

 1. لابد من إعادة النظر في المدرسة المغربية وفي التعليم بشكل عام، للحالة التي اصبح عليها، ضعف في البرامج التربوية ونقص في المناهج ووسائل الاشتغال، معاناة بالجملة في بنيات الاستقبال العمومية التي لا تستجيب لمعايير العمل الجاد والنفع. وان تكون البرامج التربوية تنسجم مع الواقع ومتطلباته الشيء الذي سينعكس إيجابا على مردودية التلاميذ وعلى التكم في نسب البطالة، والربع من منسوب البحث العليمي والاكاديمي. ان القيم يجب ان تتجسد في كل مكونات العملية التعليمية التعلمية بدءا بالسرعة، مرورا بالتلميذ نفسه وقوفا عند الأطر التربوية والإدارية وانتهاء بالفضاءات وسوق الشغل.

 2. الاهتمام بالفرد داخل المجتمع باعتباره نواه أساسية تساهم في تقدم المجتمعات أو تخلفها، عبر تنشئة اجتماعية متينة تراعي لخصوصية المجتمع وثقافته المحلية، مسلحة بكل ما يجعل منه مجتمعا مستقلا واعيا بما يحيط به وما ينتظره.

 3. نشر الوعي في المجتمع، ذلك ان نحضة بمجتمع مغربي واعي ومسؤول هي مسؤولية الجميع، ويجب تظافر الجهود من اجل غرس قيم التعاون والتضامن وكل ما من شانه تطوير إنجاح الفرد داخل الوسط الذي يعيش فيه

 4. إزالة تلك الصورة القاتمة حول السياسية في المغرب وإعادة النظر في طريقة مقاربته للأشياء، والعمل على إعادة الثقة في الأحزاب السياسية لتكون صرحا مهما للشباب. والرجوع الى موضوع القيم داخل المدرسة المغربية حيث الفضاء الثاني الذي يتردد اليه التلميذ بعد المنزل، المكان الذي يقضي فيه جزء مهم من حياته رفقة طاقم تربوي واداري ، يتعلم منه مجموعة من المهارات والمعارف والتجارب، مال اصبح جزء لا يتجزأ من حياته، وخصوصا في القطاع الخاص الذي تجد فيه فئة ابقى طيلة اليوم داخل المؤسسة. اعتقد ان القيم داخل المدرسة المغربية اصبح موضوعا يفرض نفسه على الحقل التربوي، والذي يجب ان يبقى فيه النقاش مفتوحا بشكل دائم حتى نتمكن من استيعاب التحولات التي يعرفها الطفل في هذه المرحلة. ان بناء صرح قوي من القيم الإنسانية والاجتماعية لدى الأطفال سيساهم حتما في خلق جيل من مَن يعول عليهم في الدفع قدما بتنمية البلد عموما وبناء مستقبل قوي ومسؤول يتجاوز ما يعيشه الشباب من تيهان منقطع النظير، ولابد في هذه المناسبة الوقوف على موجعة من المرتكزات التي تساهم في جعل جيل اليوم يأخذ الأمور بمحمل جد، والمتعلقة بمجال العملية التعليمية التعلمية.

 أولا: علاقة التلميذ بالأسرة

 ان الناظر للعلاقة التي أصبحت تربط الطفل بالأسرة نجدها تتميز بنوع من التعقيد، ذلك ان اهتمامات الأطفال وميولاتهم ارتبطت بما يجري في الخارج، ولم تعد الاسرة قادرة على مواكبة ما يحصل من تطورات ومطالب هذه الفئة، وبالتالي بدأت تتشكل نوع من الهوة بين الطرفين، لاسيما والتطورات التي يعرفها العالم الرقمي، وقل التواصل بين أفراد الاسرة إذ خلقت الهواتف الذكية مشكلا كبيرا في خلق الانعزالية والذاتية و إدخال قيم جديدة الى قلب المنزل، مما يزيد من صعوبة فهم واستيعاب ما يميل اليه جيل الشباب اليوم. زد على ذلك المنسوب الثقافي الذي ما زال ضعيفا وانشغال الآباء بالعمل ومشاغل الحياة. ان الاسرة نكاد نقول انها قدمت استقالتها من تربية الأبناء ورفعت يدها عن تتبعهم بالشكل الذي ينبغي، وهو ما خلق فراغا لدى الأطفال والبحث عن بديل الدفء الاسري في مجالات أخرى، أخينا مع الأصدقاء واحيانا في هوايات وتمثلاث أخرى. وهذا ما حملنا على قيم جديدة بلغة مختلفة عن المألوف، واهتمامات جديدة مخالفة تماما لما كان عليه الإنسان من قبل. ولا يمكن ان نفوت الإشارة الى ما يمكن ان تعيشه الاسرة من مشاكل ينعكس على شخصية الطفل وتكوينها، كما ينعكس على مردوديته الدراسية والمعرفية، لقد اشتغلت على الموضوع مجموعة من المؤسسات والتي خلصت الى ان الجانب النفسي والاستقرار الاسري شرط أساسي لاستقرار الطفل وتطوره، على اعتبار ان الاسرة هي الداعم الأول لكل طموحات الأطفال وميولاته، الا اذا كانت الاسرة تعاني من مشاكل اجتماعية ومادية[2].

 ثانيا : علاقة التلميذ بالمدرسة :

    لعل المدرسة هي الفاعل الثاني في تكوين شخصية الإنسان بعد الاسرة، وهي المحدد الأساسي في تلقي مجموعة من القيم والمبادئ، والفضاء الثاني الذي يقضي فيه الطفل وقتا مهما مت حياته، تتفاعل فيه مجموعة من العوامل والاعتبارات، الإدارة، الأصدقاء والأساتذة والتي تساهم كلها في التأثير على الطفل بنسب مختلفة. ولعل ما يعيشه الفرد داخل فضاء المؤسسة كاف ليكون مجالا للبحث والدراسة، مجال لتقلي جزء من تربيته، ومن اهم أسس هذه المؤسسة نجد البرامج التربوية التي تطرح مواضيع وأهداف لابد من الوقوف عدنا لنعرف ما إذا كانت فعلا تقدم للطفل ما يحتاجه لبناء شخصيته ورسم معالم مستقبله[3].

  وبما ان العملية التعليمية التعلمية في المغرب ما زالت تعيش تدهورا كبيرا، على الرغم من كل المحاولات التي تسعى الى تخطي هذه المرحلة الحرجة، ذلك ان البرامج التي تعاقبت على التربية والتعليم لم تجدي نفعا في التأثير بشكل إيجابي في المتعلم، ولم تغير من تمثلاته لمجموعة من الأشياء ووضع المتعلم مسافة طويلة بين ما يدرسه وما يعيشه بالنظر الى العلاقة التي تربطه بالمدرسة والتي يكتبها الغموض والتركيب. إضافة الى بعض الظواهر التي برزت داخل فضاءات المؤسسات نظرا لغياب المراقبة والمواكبة والتتبع، من هنا يمكن القول انه وجب التفكير في برامج موازية تستهوي الأطفال وتساهم في تكون شخصيتهم المستقبلية واستثمار الإقبال على الهواتف الذكية والعالم الافتراضي، وتفعيل الأنشطة المدرسية عبر النوادي والمراكز المختصة، لكي يصبح فضاء المؤسسة المكان الذي يمكن ان يتردد اليه الطفل في أوقات الفراغ. كما يجب على الدولة والزوار الوصية ان تعبئ الموارد البشرية والاطر القادرة على أداء هذا الدور لا ان يقتصر على تلقي التعليمات وفقط.

    ان جعل فضاء المدرسة يمضى باهتمام التلاميذ سيكون جزءا مهما من حل العديد من المعضلات التي يعيشها المجتمع، فبها ان يمكن ان نكون جيلا حاملا لقيم إنسانية واجتماعية رفيعة المستوى، تجعل طاقة الشباب تستثمر في ما يعود بالنفع على الجميع. واعتقد ان مسالة التمويل والامكانيات المادية واللوجستيكية لم تعد عائقا امام، فهناك برامج ومخططات تشتغل على هذا المجال، ولعل البرامج الجديدة للمرحلة الثالثة للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية ركزت على أهمية التمدرس ودعم الصحة المدرسية التي ستساهم في جعل التلميذ يدرس في أجواء وظروف مناسبة، وان كان العائق الان هو الرأسمال البشري القادر على تأطير هذا النوع من البرامج والأنشطة. ان مجال القيم سيكون الفرصة لمحاربة الهوة التي يعيشها الطفل المغربي في هويته، ذلك ان التحولات التي يعرفها المجتمع بفعل مجموعة من الأسس والتفاعلات، والانتقال من وسط اجتماعي كان يطبعه التضامن والتعاون وكل وسائل العمل الجماعي، والحفاظ على الثقافة المحلية مع الانفتاح على مختلف الثقافات الاخرى الى الفكر الفردان الرأسمالي الدخيل على المجتمع الذي غير من طبيعة العلاقات الاجتماعية. كما أثر على أولويات الشباب وتوجهاتهم، حيث النظر الى العالم الغربي بالنظرة المثالية، واللحم الدائم في الهجرة ومغادرة الوطن، وهو في الحقيقة امر مقلق، وغير ما مرة عندما يتم فتح نقاش مع هذه الفئة كلها امل ورغبة في التنقل والتحالف والانتقال الى دول الغرب وأمريكا، ويبقى على عاتق هو المسؤولين مهمة تغيير هذه النظرة السودوية القاتمة في زرع الامل في صفوف رجال المستقبل. ان مجال القيم يصعب الإحاطة به من كل الجوانب، باعتباره مجال شاسع وغير محدود، مجال يعرف تطورات وتغييرات في كل وقت وحين، هو رهان تقدم المجتمعات أو تخلفها، مجال أصبح يدق ناقوس الخطر، ومادام يعيش فتورا وترهلا. يبقى الموضوع مفتوحا على نقاش فكري واسع يحتاج الى مزيد من التدافع وإبداء الآراء لكي نجعل من القيم أولوية في الطرح والنقاش.


[1] يمكن للبعض ان يتحدث عن جودة التعلمات وراهنيتها بالنظر الى التحولات التي يعرفها المجتمع والعلم، ولكن على الأقل وجب على التلاميذ ضبط هذه المعطيات قبل البحث عن البدائل.
[2] هناك تجربة لجمعية الامل للتنمية سيدي البرنوصي للآتي أنجزت مشروعا في اطار للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية حول الدعم النفسي والتربوي للتلاميذ المتعثرين دراسيا، اشرف عليه أساتذة وطلبة علم الاجتماع والتي أنتجت تقريرا مهما في الموضوع. كما ساهمت وتدخلاتها في تحسين الأداء الدراسي للفئة المستهدفة.
[3] . يمكون الرجوع الى كتاب التنشئة الاجتماعية والهوية للكاتب مصطفى حدية، أشار فيه الى أهمية المؤسسات الاجتماعية .
♡ إدعمنا بمشارك المنشور مع المهتمين . شكرا
فريق موقع بوابة علم الاجتماع
فريق موقع بوابة علم الاجتماع
تعليقات