العولمة والجامعة وسؤال الهُوية
![]() |
| هوية موثقة |
أ.د. صابر جيدوري
وأياً كانت الآراء بشأن العولمة وتوجهاتها، إلا أن ثمة تقارباً بأن ظاهرة العولمة هزت عدداً من الأسس والمقومات التي اعتمدت عليها الدول، كالسيادة والأمن القومي، كما قلصت العولمة من شأن "المواطنة" وأعلت من شأن "الفردية" التي تتجاوز الإقليمية أو الوطنية، وباتت الديمقراطية وحقوق الإنسان والمنظمات غير الحكومية شأناً دولياً لا تنحصر في السياسة الداخلية.
من هنا، فإن المتتبع للأدبيات التي تناولت العولمة من جوانبها كافة يمكنه تحديد توجهاتها وتأثيراتها التي تتمثل في: الانتقال الحر للأفكار والثقافات والمعتقدات عبر الدول، والتي تشكل خطراً على تربية النشء، وبخاصة قيمهم الأخلاقية، وكذلك طمس الهوية الوطنية للشعوب، وفرض الثقافة الغربية بدعوى الدفاع عن حقوق الإنسان، فضلاً عن تهميش الدين والقيم والأخلاق لتصبح مسائل شخصية في إطار ثقافة عالمية.
كما تمتد هذه التأثيرات إلى بلورة ثقافة عالمية تتسم بسمات خاصة تستفيد منها الفئات المسيطرة على العمليات الاقتصادية والسياسية والإعلامية، ولا شك أن ذلك من شأنه تشكيل الوعي الثقافي وفرض النماذج والفلسفات الغربية، فضلاً عن العمل على إبراز قيادة عالمية تستحوذ على النفوذ والقوة، وتتحكم في أضخم أدوات التغيير المطلوبة لترسيخ قيم عالمية رأسمالية.
ومع افتراض أن ما سبق هو خليط متكامل من خصائص العولمة وآليات الهيمنة الموجهة إلى الدول خارج نطاق الرأسمالية وداخلها أيضاً، فمن المفترض أن هذه العولمة تؤدي إلى التوحيد لا إلى التفكك، إلا أن الشواهد التاريخية تبرز عكس ذلك تماماً، إذ ظهرت النزعات القومية كرد فعل لعملية العولمة ودفاعاً عن الهوية والانتماء الوطني، أو دفاعاً عن مصالح قومية، أو دفاعاً عن انتماء ديني ناتج عن الاختراق الثقافي.
من هنا ارتبط سؤال الهُوية بعملية العولمة باعتباره القضية المحورية والهاجس الدائم في أي معالجة لصيرورة العولمة، خاصة وأن بعضهم يرى العولمة وكأنها مخطط أو استراتيجية محددة تم تخطيطها وتنفيذها بوعي وقصد، بهدف اجتياح بقية العالم، وتهديد الثقافات المحلية والقومية الأخرى، وهذا ما يجعل حضور وصعود سؤال الهُوية عادياً لمواجهة تسارع التحولات التي يعيشها العالم الذي تحول فعلياً إلى قرية كونية صغيرة مع التقارب وتهاوى الحدود بسبب دور التكنولوجيا في الاتصال والمواصلات وحركة العمليات التجارية، بالإضافة إلى تعميم قيم ومبادئ سياسية وقانونية ودستورية مثل: الديمقراطية وحقوق الإنسان وغيرها، وكذلك انتشار أنماط في السلوك والمظهر والثقافة عموماً ذات مصادر ومرجعية غربية أو حتى أمريكية.
كل هذا يجعل السؤال عن مدى تأثير العولمة في الهُوية أو الثقافة الوطنية، سؤالاً مشروعاً، وفي هذا الاتجاه برزت عدة أراء حول العلاقة بين العولمة والهُوية، نذكر منها:
الرأي الأول:
يناقش العلاقة في إطار فهم العولمة كمفهوم متغير وليس ثابت، وبأنه مصطلح سياسي أو إيديولوجي، ومن ثم يحاول التركيز على تاريخية ونسبية الهُوية وعدم الإقرار بثباتها، مما يعني عدم التفاعل مع نظرية المواجهة بين العولمة والهُوية، كما أن نسبية الهُوية تجعلها مرنة قد تتعايش أو تقتبس من ثقافات أخرى، بل قد تساعدها عوامل التقارب وسقوط الحواجز على تفاعل إيجابي وخلاق مع العولمة. (Paul,1996,125)الرأي الثاني:
يرى بحدود الهُوية وثباتها، ومن ثم ينظر لأي تغيير قادم في إطار الغزو الثقافي والاختراق لتلك الهُوية، وبهذا الاتجاه يشير "الطيب تيزينى" إلى أن النظام العولمي الجديد وموقفه من الهُوية يقوم على الدعوة إلى تفكيكها (أي الهُوية) ومن ثم إلى ترك العالم مفتوحاً دون ضوابط، متحولاً إلى عالم من الفوضى الشاملة، وأن النظام المذكور يسعى إلى تفكيك الهُوية كي يتسنى له الهيمنة غير المشروطة على العالم من خلال هوية سوقية سلعية كونية عالمية، وعلى هذا فإنه يقف في مساره الاقتصادي والسياسي ضد المعيقات التي تقف في وجهه تحت أسماء الأمة والقومية والوطنية وغيرها. (تيزيني، 2001، 122)الرأي الثالث:
يرى العولمة في عدم تعارضها مع الهُوية، وفى علاقتها التفاعلية والتكاملية، إذ ينظر "رونالدو روبرتسون" إلى العولمة باعتبارها عملية لبلورة العالم في مكان واحد، وأن يفضي ذلك إلى ظهور حالة إنسانية عالمية (هوية كونية). والحالة الإنسانية هذه يفترض فيها عدم التعارض مع الهُوية أو الهُويات، وعدم تذويبها قسرياً، ولكن قد يكون للعولمة القدرة على تضمين الهُويات وليس دمجها إذا استبعدت فكرة الهيمنة. (Robertson,1987,82)وفي هذا السياق يرى "علي حرب" أن العولمة كواقع يومي معيشي يتغير معه نمط الحياة تحتاج إلى من يتناولها بلغة المفهوم، فإذا كانت تقنيات الاتصال وتكنولوجيا المعلومات تغير علاقاتنا بالهُوية والمعرفة والتربية والسياسة، فالأجدى إعادة النظر في شبكة المفاهيم التي نستخدمها في قراءة العالم وفهم الواقع، بهذا المعنى ليست العولمة مجرد ادلجة يمكن نقضها، ولا هي مجرد مظهر للأمركة تنبغي مقاومته، وإنما هي معطى وجودي يمكن تحويله بالاشتغال على الأفكار والعمل على تغييرها، وعلى إعادة ابتكارها لنسج علاقات جديدة مع الحقيقة، بذلك نتغير عما نحن عليه ونغير الواقع بقدر ما نسهم في إنتاج الحقائق وخلق الوقائع. (حرب، 1998، 88)
وهكذا، فإنه إذا وضعنا القضية في إطارها الصحيح لرأينا أن مهمة الحفاظ على الهُوية هي وظيفة الأجهزة التعليمية وعلى رأسها الجامعة والمدرسة ووسائل الإعلام، هذه الأجهزة التي يتعين عليها أن تغذي الشباب الجامعي بمقومات هويته، بدءاً باللغة والدين والشعور بالمواطنة، وصولاً إلى رؤية العالم من زاوية الثقافة الوطنية. ومن ثم فإن السؤال المهم هنا هو: ما دور التعليم الجامعي في تعزيز الهُوية؟
لا شك أن قراءة عمليه التنشئة الاجتماعية في أي مجتمع هي مسألة في غاية الأهمية، بوصفها مفتاحاً لفهم التكوين الاجتماعي والثقافي لأي شعب من الشعوب، ويكاد يُجمع علماء العلوم الإنسانية على أن العادات والتقاليد والقيم واتجاهات الرأي العام وما إلى ذلك، أقرب إلى أن تكون جميعاً أموراً يكتسبها المرء من بيئته الاجتماعية.
وهذا يعني أن المجتمع يقوم بتعليم أفراده ويغرس فيهم العادات والتقاليد والقيم والاتجاهات وما إلى ذلك عبر مؤسساته التربوية والتعليمية، فالشباب العربي بطبيعته باحث عن هوية اجتماعيه وطنية، وعن انتماء يبدأ بالأسرة ثم الحي والمدينة ثم الوطن ثم الإقليم وصولاُ إلى الأمة، وهو يحاول تعريف نفسه على كل هذه الصعد، فكما أنه يحمل اسماً وينتمي إلى أسرة، كذلك هو بحاجة إلى انتماء إلى جماعة ومجتمع وإلى وطن، ولأن الأمر كذلك فلابد أن يبذل التعليم الجامعي جهوداً واضحة لتعزيز هذه الهُوية، من خلال بناء شبكة الانتماءات هذه، وهو بناء يتشكل بواسطة الثقافة ورموزها، والأيام والمناسبات والشعائر والأعياد، والتربية الوطنية والتربية الدينية والتاريخ والجغرافيا والاقتصاد والسياسة، والتي يُفترض أن تأخذ جميعها مكاناً متميزاً في التعليم عموماً والجامعي منه بشكل خاص.
كما أنه يقع على عاتق التعليم الجامعي نمذجة الشخصية الوطنية من خلال تدريس الطلبة الأدوار الوطنية التي قام بها الأبطال والقادة والرواد، لأنه من خلال هذه الشبكة المكونة لهيكل الشخصية الوطنية، والهُوية الوطنية والاعتزاز بالانتماء تبزغ روح التضحية والوفاء والعطاء، فالهُوية الوطنية تستحق ولا تمنح هبة، والانتماء له ثمن لابد أن يُدفع، ومن خلال هذا التعزيز يتم الانفتاح على العالم، ويصبح الانفتاح فرصه إسهام في بناء الحضارة الجديدة التي تشكل طموحاً واعياً أو كافياً لدى المجتمعات البشرية، وأخذ مكانة فاعله في صناعة التاريخ.
لا شك أن التعليم الجامعي قادر على خلق نموذج مثالي لما يتطلبه الفرد المنتمى إلى المجتمع، وبقدر نجاح التعليم الجامعي في دفع الأفراد المنتمين إلى المجتمع إلى تبنى ذلك النموذج واعتباره بمثابة مثلهم الأعلى، تكون درجة تأثيره في تعزيز هوية هؤلاء الأفراد من حيث عاداتهم وقيمهم واتجاهاتهم وأنماطهم السلوكية، فمن خلال ما يُطرح في فضاءات المؤسسة الجامعية من قضايا تتصل بالانتماء، يكتسب الطلبة من خلالها طبيعتهم الإنسانية، كما أن الطلبة يتمثلون عن طريقها القيم والاتجاهات والأعراف، ومعايير السلوك السائدة في مجتمعهم، والتي بدورها تُسهم في تعزيز هوية الأفراد وتمسكهم بوطنيتهم.
وهكذا، فإن طبيعة التحديات المطروحة تفرض على التعليم الجامعي وضع برامج وسياسات متكاملة يتم التأكيد من خلالها على القيم المجتمعية التي تعمل على تحقيق الانسجام والوئام في المجتمع من خلال المؤسسة التعليمية والإعلامية والخطاب السياسي والخطاب الديني، وكذا من خلال مؤسسات المجتمع المدني، وكذلك التأكيد على مبدأ العدالة والمساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات، مع إتاحة فرصه واسعة للتيارات الفكرية والسياسية المختلفة للتعبير عن آرائها وبرامجها وأفكارها في إطار المصلحة الوطنية، فضلاً عن التأكيد على غرس عناصر الهُوية العربية وتقويتها لدى الطلاب من خلال المناهج والمحتويات والأنشطة والممارسات الطلابية.
مراجع المقال
- - تيزينى، الطيب (2001). الواقع العربي وتحديات الألفية الثالثة، في حوارات في الفكر العربي المعاصر المجلد (3)، مجموعة الباحثين، عمان، مؤسسة عبد الحميد شومان.
- - حرب، علي (1998). صدمه العولمة في خطاب النخبة حول الهوية، سلسلة أبحاث المؤتمرات، المجلد (7) المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية.
- - Paul, H.(1996). Globalization in Question. Cambridge, polity press.
- - Robertson, R.(1987). Globalization and social Modernization: A note on Japan and Japanese religion in Sociological analysis.
♡ إدعمنا بمشارك المنشور مع المهتمين . شكرا


مرحبا بك في بوابة علم الاجتماع
يسعدنا تلقي تعليقاتكم وسعداء بتواجدكم معنا على البوابة