![]() |
| مفهوم الإثنوميثودولوجيا |
الإثنوميثودولوجيا Ethnomethodology
الإثنوميثودولوجيا أحد مداخل علم الاجتماع التى ظهرت كثمرة لفترة انهيار الإجماع التقليدي (الأصولي) فى أواسط ستينات القرن العشرين. وقد صك المصطلح عالم الاجتماع الأمريكى هارولد جار فينكل، الذى وضع أسس الإثنوميثو دولوجيا، سواء كنظرية أو كنقد واع ذاتيا لعلم الاجتماع التقليدى برمته.كما قدم جارفينكل تفسيرا لأصول هذا المصطلح بقوله إن كلمة إثنو تدل بطريقة أو بأخرى على نوع من المعرفة البدهية أو الإدراك العام والمتاحة لعضو الجماعة عن مجتمعه فى شتى المناحى . فإذا كانت تلك المعرفة تدور حول النباتات المحلية، فإنها سوف تتعلق -على نحو ما - بمعرفته وفهمه بالطرق الملائمة للتعامل مع كافة شئون النبات، وهذا هو أساس فكرة الإثنوميثو دولوجيا. (انظر مقال جارفينكل المعنون: "أصول مصطلح الإثنوميثو دولوجيا" المنشور فى هيل وآريتندن (محرران)، أعمال مؤتمر بوردو عن . وقد قاد هذا الاهتمام جارفينكل إلى القيام (الإثنوميثو دولوجيا، المنشور عام ١٩٦٨) بتحليل مفصل للأساليب التى يستخدمها الناس فى حياتهم اليومية لتفسير أنشطتهم (وجعلها مفهومة) سواء لأنفسهم أو للآخرين.
وقد سجلت هذه الدراسات والبحوث غير التقليدية (بل التى قد يراها البعض غريبة) فى كتاب "دراسات فى الإثنوميثودولوجيا" المنشور عام ١٩٦٧. حيث قدم فيها جارفينكل تعريفا شديد الايجاز للدراسات التى أجراها باعتبارها: "تستهدف معرفة كيف تتكون الأنشطة العادية والفعلية لأفراد المجتمع من أساليب لجعل الأفعال العملية والظروف العملية، والمعرفة البدهية بالبناء الاجتماعي والتفسير السوسيولوجى العملى قابلا للتحليل"
وبعد أن نشر جارفينكل دراساته بعقد أو يزيد أصبحت الإثنوميثودولوجيا موضوعاً لحوار ساخن، يتسم بالعنف أحيانا، داخل أقسام علم الاجتماع. أما الآن فقد استقر هذا الاتجاه بوصفه توجها مقبولا فى البحث، ولكن لدى قلة من العلماء، هذا على الرغم من أن بعض آرائه قد أصبحت جزء من قلب نظرية علم الاجتماع، خاصة بفضل أعمال أنتونى جيدنز .
لقد نهضت الإثنوميثودولوجيا على خلفية فلسفية تتسم بالتنوع، لنذكر منها: الفينومينولوجيا من ناحية وفلسفة فيتجنشتين والفلسفة اللغوية من ناحية أخرى. وهى تمثل إلى جانب آثير من اتجاهات ما بعد البنيوية وما بعد الحداثة إسهام علم الاجتماع فيما أصبح يعرف باسم "المرحلة اللغوية" فى الفلسفة، التى شهدت تعاظم اهتمام فلسفة القرن العشرين بطبيعة اللغة والاستخدام اللغوى. وإذ يرى الإثنوميثودولوجيون أن الحياة الاجتماعية والظواهر والعلاقات الواضحة الاستقرار - التى تتجلى فيها تلك الحياة - إنما تمثل انجازا مستمرا يتحقق عن طريق استخدام اللغة . فاللغة شئ نشترك جميعا فى إبداعه ونعيد إنتاجه بشكل مستمر.
ولعل هذا هو السبب فى بناء الكلمة: حيث يشير مقطع ology إلى دراسة، وethno إلى الناس (أو الجماعة) ومنهج mehtod أو طريقة إلى طرق صنع النظام الاجتماعى. فالتأكيد هنا يدور حول فعل الأشياء: فنحن نصنع علاقة الصداقة، ونجعل من أنفسنا متخصصين فى علم الاجتماع، ونتنزه فى الشارع، ونصنع آل شئ آخر . وقد كان من الشائع فى فترة مضت التمييز بين الإثنوميثودولوجيا اللغوية عن الإثنوميثودولوجيا الموقفية . ولكن هذا ليس أكثر من مجرد اختلاف فى محور الاهتمام إذ أن الأساس الذى يجمعها واحد وهو الاستخدام اللغوى.
وهناك فكرتان أساسيتان فى المنهجية الشعبية هما الإشارية والانعكاسية . الأولى تؤكد أنه ليس هناك تعريف شامل واضح لأى كلمة أو مفهوم لغوى، حيث تستمد المعنى من خلال الإحالة إلى كلمات أخرى وإلى السياق الذى يتم التحدث فيه . لذا فمن الممكن دائما أن نسأل "ماذا تعنى؟" من وراء تعبير بعينه، ثم يمكن بعد ذلك أن نوجه نفس السؤال إلى ما لا نهاية عن أى إجابة تعطى. فليست هناك إجابة نهائية شافية. لذلك فإن كثيرا من أعمال جارفينكل الأولى قامت على تكليف طلابه ببحوث ميدانية تدريبية خلص منها إلى أننا نحن الذين نخلق الإحساس بالمعنى والوجود فى الحياة الاجتماعية، الذى قد لا يكون له وجود فى الواقع، ونحافظ على استمراره وبقائه . ومن تلك البحوث التدريبية أن يوجه الطلاب سؤال : "ماذا تعنى بذلك؟" بلا هوادة طوال الحوارات . وكانت نتيجة ذلك أن شعر الناس بالضيق والغضب لأن قواعد تحديد المعانى المستقرة التى يستخدمونها بشكل مسلم به تتعرض لتساؤل أو الاستهانة . لقد فقدوا إحساسهم السابق بالواقع الاجتماعى.
أما فكرة الانعكاسية فتشير إلى أن احساسنا بالنظام هو نتيجة لعمليات محادثية، أى تتخلق أثناء الكلام . ومع ذلك فنحن نعتبر أننا نصف النظام القائم حولنا فعلا . وفى رأى أصحاب الإثنوميثودولوجيا أن وصف الموقف معناه أننا نخلقه فى الوقت نفسه .
وهكذا شكلت هاتان الفكرتان جزءاً من النقد الراديكالى لعلم الإجتماع التقليدى برمته، الأمر الذى يفسر مرارة بعض الآراء التى أبديت فى هذا السياق . ففى رأى أصحاب الإثنوميثودولوجيا أن علماء الاجتماع التقليديين إنما يخلقون نوعا من الإحساس بالنظام الاجتماعى بنفس الطريقة التى يمارسها الفرد من عامة الناس : حيث تعد المعانى جوهرية ولا تمثل أى مشكلة . ومن هنا يجرى التسليم بها . فى مقابل ذلك يذهب المنهجيون الشعبيون إلى أن المهمة الحقيقية لعلم الاجتماع إنما تتمثل فى تحديد القواعد التأويلية التى نؤسس عن طريقها إحساسنا بالنظام وليس الانخراط فى تأسيس انعكاس لهذا الإحساس . وعلى هذا الأساس أصبح علم الاجتماع التقليدى يمثل موضوعا للدراسة الإثنوميثودولوجية، بنفس الطريقة التى يخضع بها أى نشاط اجتماعى إنسانى آخر للدراسة. وهكذا وجدنا آتاب جارفينكل يضم مقالا حول ترميز الإجابات فى المقابلات التى يجريها علماء الاجتماع، ومقالا آخر عن التحول الجنسى، والأنشطة التى تشترك فى نفس المكانة آسبل لخلق الواقع الاجتماعى .
ولعل عملية التمويه (التفسير) (*) Glossing تمثل نموذجا لنوع الإجراء التفسيرى الذى يهتم به أصحاب الاتجاه الإثنوميثودولوجى . فالتمويه يعنى فى الحياة اليومية تجنب القضايا والمسائل الخلافية . ففى رأى المنهجيين الشعبيين أن كل حديثنا إنما هو نوع من التمويه (التفسير)، حيث أن الموضوع لا يمكن التعبير عنه تعبيرا مباشرا . ونحن نستخدم فى عملية التمويه (التفسير) عددا من القواعد المسلم بها مثل قاعدة "هلم جرا" التى تضيف إلى كل قاعدة أخرى عبارة تقول : "فيما عدا الظروف المعقولة".
وهناك فكرتان أساسيتان فى المنهجية الشعبية هما الإشارية والانعكاسية . الأولى تؤكد أنه ليس هناك تعريف شامل واضح لأى كلمة أو مفهوم لغوى، حيث تستمد المعنى من خلال الإحالة إلى كلمات أخرى وإلى السياق الذى يتم التحدث فيه . لذا فمن الممكن دائما أن نسأل "ماذا تعنى؟" من وراء تعبير بعينه، ثم يمكن بعد ذلك أن نوجه نفس السؤال إلى ما لا نهاية عن أى إجابة تعطى. فليست هناك إجابة نهائية شافية. لذلك فإن كثيرا من أعمال جارفينكل الأولى قامت على تكليف طلابه ببحوث ميدانية تدريبية خلص منها إلى أننا نحن الذين نخلق الإحساس بالمعنى والوجود فى الحياة الاجتماعية، الذى قد لا يكون له وجود فى الواقع، ونحافظ على استمراره وبقائه . ومن تلك البحوث التدريبية أن يوجه الطلاب سؤال : "ماذا تعنى بذلك؟" بلا هوادة طوال الحوارات . وكانت نتيجة ذلك أن شعر الناس بالضيق والغضب لأن قواعد تحديد المعانى المستقرة التى يستخدمونها بشكل مسلم به تتعرض لتساؤل أو الاستهانة . لقد فقدوا إحساسهم السابق بالواقع الاجتماعى.
أما فكرة الانعكاسية فتشير إلى أن احساسنا بالنظام هو نتيجة لعمليات محادثية، أى تتخلق أثناء الكلام . ومع ذلك فنحن نعتبر أننا نصف النظام القائم حولنا فعلا . وفى رأى أصحاب الإثنوميثودولوجيا أن وصف الموقف معناه أننا نخلقه فى الوقت نفسه .
وهكذا شكلت هاتان الفكرتان جزءاً من النقد الراديكالى لعلم الإجتماع التقليدى برمته، الأمر الذى يفسر مرارة بعض الآراء التى أبديت فى هذا السياق . ففى رأى أصحاب الإثنوميثودولوجيا أن علماء الاجتماع التقليديين إنما يخلقون نوعا من الإحساس بالنظام الاجتماعى بنفس الطريقة التى يمارسها الفرد من عامة الناس : حيث تعد المعانى جوهرية ولا تمثل أى مشكلة . ومن هنا يجرى التسليم بها . فى مقابل ذلك يذهب المنهجيون الشعبيون إلى أن المهمة الحقيقية لعلم الاجتماع إنما تتمثل فى تحديد القواعد التأويلية التى نؤسس عن طريقها إحساسنا بالنظام وليس الانخراط فى تأسيس انعكاس لهذا الإحساس . وعلى هذا الأساس أصبح علم الاجتماع التقليدى يمثل موضوعا للدراسة الإثنوميثودولوجية، بنفس الطريقة التى يخضع بها أى نشاط اجتماعى إنسانى آخر للدراسة. وهكذا وجدنا آتاب جارفينكل يضم مقالا حول ترميز الإجابات فى المقابلات التى يجريها علماء الاجتماع، ومقالا آخر عن التحول الجنسى، والأنشطة التى تشترك فى نفس المكانة آسبل لخلق الواقع الاجتماعى .
ولعل عملية التمويه (التفسير) (*) Glossing تمثل نموذجا لنوع الإجراء التفسيرى الذى يهتم به أصحاب الاتجاه الإثنوميثودولوجى . فالتمويه يعنى فى الحياة اليومية تجنب القضايا والمسائل الخلافية . ففى رأى المنهجيين الشعبيين أن كل حديثنا إنما هو نوع من التمويه (التفسير)، حيث أن الموضوع لا يمكن التعبير عنه تعبيرا مباشرا . ونحن نستخدم فى عملية التمويه (التفسير) عددا من القواعد المسلم بها مثل قاعدة "هلم جرا" التى تضيف إلى كل قاعدة أخرى عبارة تقول : "فيما عدا الظروف المعقولة".
وقد بلور هارفى ساكس، وهو متخصص فى تحليل المحادثة، بلور عددا من القواعد المشابهة، بما فيها القاعدة التى تقول أن هناك دائما شخص واحد هو الذى يتكلم فى المرة الواحدة، وأن هذه القاعدة إذا كسرت، فإن ذلك لا يحدث إلا لفترة وجيزة تماما .
(*) المقصود عملية صقل الكلام وتطويعه باستخدام عدة طرق قد يكون منها التمويه (أى إخفاء الأهداف والنوايا والمقاصد الحقيقية)، أو التفسير بمعنى معين، نقصد به تفسيراً هادفاً لتوجيه المعنى إلى ناحية بعينها. ولا دخل لكل ذلك بأى نوايا شريرة أو سيئة بالضرورة (وإن آان ذلك ليس مستبعداً آلية)، حيث أن هذا التفسير الموجه يستهدف "صقل" الكلام أو التخلص من الاختلاف..إلخ ذلك من الأهداف. ومن هنا فقط لا يكون بالضرورة موظفاً لتحقيق غاية سلبية.(المحرر)
ومن الانتقادات التى وجهت إلى الإثنوميثودولوجيا بكثرة، ذلك الذى يتهمها بأنها لم تخبرنا بشئ فائق الأهمية. فهى بحكم تعريفها قد أخرجت من اهتمامها ومجالها القضايا السياسية والاجتماعية الكبرى التى تعتمل فى الحياة اليومية، حيث أن اهتمام أصحاب المنهجية الشعبية كان منصبا على معرفة "كيف نبنى ونركب عالمنا"، وليس منصبا على معرفة "ما هي مكونات هذا العالم". من هنا قيل إن ما انتهى إليه الإثنوميثودولوجيون إنما هي معلومات من مستوى متدن نسبيا، وأنها لا تعرفنا أكثر مما نعرفه عن العالم بالفعل .
ومازال جون جولد ثورب يعد من أكثر النقاد السوسيولوجيين التقليديين إدانة للإثنوميثودولوجيا، وذلك فى مقاله المعنون: "هل هى ثورة فى علم الاجتماع؟" المنشور فى مجلة علم الاجتماع، عام ١٩٧٣. ولكن ربما كان أقسى الانتقادات المعروفة للإثنوميثودولوجيا ذلك النقد الذى ورد فى ثنايا عرض جيمس آولمان لكتاب جارفينكل فى ونقد لويس كوزر فى خطابه الرئاسى الشهير أمام الجمعية الأمريكية لعلم الاجتماع فى عام ١٩٧٥) وكان عنوان كلمته ” ”طريقتان للبحث عن جوهر المادة "، ونشر فى المجلة الأمريكية لعلم الاجتماع).
آما ظهر من بين أصحاب الاتجاه الإثنوميثودولوجى باحث مثل آرون سيسرول وضع فى المحل الأول من اهتمامه إقامة جسور بين علم الاجتماع التقليدى والإثنوميثودولوجيا (انظر كتابه: علم الاجتماع المعرفى، ١٩٧٣). أما أكثر المحاولات منهجية لزرع بعض آراء ومفاهيم الإثنوميثودولوجيا فى علم الاجتماع التقليدى، فيمكن أن نجدها فى أعمال أنتونى جيدنز، وخاصة فى كتابه قواعد جديدة للمنهج فى علم الاجتماع، الصادر عام ١٩٧٦ وكتابه تكوين المجتمع الصادر عام ١٩٨٤ .
آما ظهر من بين أصحاب الاتجاه الإثنوميثودولوجى باحث مثل آرون سيسرول وضع فى المحل الأول من اهتمامه إقامة جسور بين علم الاجتماع التقليدى والإثنوميثودولوجيا (انظر كتابه: علم الاجتماع المعرفى، ١٩٧٣). أما أكثر المحاولات منهجية لزرع بعض آراء ومفاهيم الإثنوميثودولوجيا فى علم الاجتماع التقليدى، فيمكن أن نجدها فى أعمال أنتونى جيدنز، وخاصة فى كتابه قواعد جديدة للمنهج فى علم الاجتماع، الصادر عام ١٩٧٦ وكتابه تكوين المجتمع الصادر عام ١٩٨٤ .
فقد كف فيه عن النظر إلى الواقع ،
الاجتماعى والمجتمعات كتكوينات أو تصورات مبنية عـلى الكلام، وإنما أدرك أن قواعد
الكلام وكذلك الأفعال المسلم بها ذات أهمية أساسية للنظام الاجتماعى. واستخدم فكرة القاعدة
على نحو مماثل لاستخدامها فى الإثنوميثودولوجيا بوصفها أسلوبا لفهم كل من الفعل
الاجتماعى والبناء الاجتماعى والتقريب بينهما .
المصدر : موسوعة علم الاجتماع - جوردون مارشال
♡ إدعمنا بمشارك المنشور مع المهتمين . شكرا
المصدر : موسوعة علم الاجتماع - جوردون مارشال
♡ إدعمنا بمشارك المنشور مع المهتمين . شكرا

مرحبا بك في بوابة علم الاجتماع
يسعدنا تلقي تعليقاتكم وسعداء بتواجدكم معنا على البوابة