📁 آخر الأخبار

مفهوم الحقيقة

مفهوم الحقيقة

مفهوم الحقيقة 

إن الحقيقة الإنسانية المطلقة لا وجود لها ، وهي مجرد حلم دائم عزيز المنال ، وبأن الحقيقة موزعة هنا وهناك وهنالك ، ولا يحيط أو يمكن أن يحيط بها مذهب فكري واحد أو عالم واحد ، وليس أدل على ذلك ، من تبدل الحقائق العلمية والإجتماعية باستمرار ، وقصور العقل عن الإدعاء بالوصول إلى الحقيقة المطلقة .

 إن العلم بالرغم من تقدمه الهائل في حقل التكنولوجيا والفضاء والإختراعات ، لا يعرف حتى اليوم حقيقة الإنسان ولا مصيره وتكوينه ، ولا أسباب أو علاج كثير من الأمراض التي تفتك به . إن الإنسان لم يزل بالنسبة إلى العلم والعلماء لغز الكون الأكبر في طبيعة تركيبه وأحاسيسه ، ومازالت صرخة سقراط منذ حوالي ألفي سنة من الزمان [اعرف نفسك بنفسك] تعتبر أصدق تعبير عن جهل العلم بحقائق الإنسان والطبيعة الإنسانية.

مفهوم الحقيقة

إن الحديث عن الحقيقة الإنسانية الواحدة ، وعن وحدة الحقيقة في كل مكان وزمان ، كالحديث عن الجمال الذي لا يتمظهر في شئ واحد أو موجود واحد ، والذي قد يتغير باستمرار ، ولا يمكن لمخلوق واحد واحد أن يدعي بأنه يمتلك أو يمثل الجمال كله. 

إن الجميل غير الجمال ، كما أن العدالة غير العدل أو العادل . وبالرغم من وجود تصور عام ووضعي للجمال الفني والإنساني ، وبالرغم من إمكانية التحدث عن الجمال ومقاييسه بعامة ، وتبعا لذلك ، من إمكانية إجراء الاحتفالات المتعلقة بانتخاب ملكة جمال الكون أو بالأصح ملكة الجميلات ، فإن لكل إنسان ذوقه الخاص في الجمال ، ويعجبه جمال معين بذاته ودون آخر ، فيحب امرأة دون أخرى ، ويفضل لوحة فنية على أخرى ويعجب بمنظر دون آخر ، ويميل إلى شاعر دون غيره . والعدالة غير العدل والعادل .

العدالة مفهوم مطلق غير متحيز في مكان أو زمان ، يتلمسها وينشدها كل إنسان أينما كان ، في حين أن العدل ( نقول : شاهد عدل وشهداء عدول ، وحاكم عدل ، وكاتب العدل ) والعادل من [ما صدقها ] ، وهو وثيق الصلة بالجزء والحدث والمكان والزمان. وقد يتغير من زمان إلى زمان ، بل قد يختلف النظر إليه في الزمان نفسه من مكان لآخر...

...وكذلك الحال بالنسبة إلى الحقيقة . فلا أحد يمسك بها كلها بصورة تامة ، وإنما قد يحوز على جزء منها شخص معين ، أو عقيدة معينة ، أو مذهب فكري محدد ، كما يحوز على جزء آخر منها شخص آخر ، ومذهب فكري آخر ، وعقيدة أخرى ، وهكذا دواليك..فنحن مثلا قد لا نرى في الحدث الواحد ، وفي الرأي الواحد ، وجها للصحة ، ووجها آخر مغاير له ، كما قد نرى في المشهد الواحد ، رأيين مختلفين ، إذا نظرنا من موقعين متغايرين . وقد ننظر إلى الحقيقة من جهات مختلفة وبوجهات نظر متفاوتة ، وتكون كل منها صحيحة بحد ذاتها ، لأن أيا منها لا يعبر تماما عن الحقيقة كلها . ولهذا يقول كارل ياسبرز الفيلسوف الوجودي الألماني :
[إن الحقيقة ليست ملكا لأحد ، وإنما البشر جميعا هم ملك الحقيقة.]
كما يقول أفلاطون :
[إن الحق لم يصبه الناس في كل وجوهه ، بل أصاب منه كل إنسان جهة . ومثال ذلك عميان انطلقوا إلى فيل ، وأخذ كل واحد منهم جارحة منه ، فجسها بيده ومثلها في نفسه . فأخبر الذي مس الرجل أن خلقة الفيل طويلة ومدورة شبيهة بأصل الشجرة وجذع النخلة.
وأخبر الذي مس الظهر أن خلقته شبيهة بالهضبة العالية والرابية المرتفعة.
وأخبر الذي مس أذنه أنه منبسط دقيق . فكل واحد منهم قد أدى بعض ما أدرك...فانظر إلى الصدق كيف جمعهم ، وانظر إلى الكذب والخطأ كيف دخل عليهم حتى فرقهم .]
ويرى أرسطو بأن إدراك الحقيقة ، شئ عسير جدا ، لأنه محتاج إلى مساهمة كل العقول في ذلك مساهمة فعالة : عقول الماضيين ومساهماتهم ، كما عقول الحاضرين والآتين : حتى لو كانت مختلفة فيما بينها . (البحث عن الحقيقة عسير جدا من جهة ، وسهل من جهة أخرى . ويبرهن الواقع على أن لا أحد يدرك الحقيقة إدراكا كاملا . فكل فيلسوف يجد ما يقوله في الطبيعة. كل قول من هذه الأقوال هو لا شئ أو هو شئ زهيد جدا ، إذا نظرنا إليه على انفراد ، غير أن مجموع الأقوال يأتي بنتائج قوية . فمن العدل أن نشكر لا الذين نتفق وإياهم في الأفكار وحسب ، بل الذين يختلفون عنا في الآراء . لقد ساهم هؤلاء في البحث عن الحقيقة لكونهم أنموا فينا القدرة على التفكير .) [عن :جيروم غيث ، دائرة المعارف (لفؤاد أفرام البستاني) مادة (أرسطو)]..

وها هو الغزالي يقرر أن الحق لا يعدو أن يكون إما إلى جانب المتكلمين الذين يدعون أنهم أهل المنطق والبرهان ، أو الصوفية الذين يزعمون أنهم أهل المكاشفة والمشاهدة والحقيقة الخالصة الثابتة، أو الباطنية الذين يقولون إنهم أصحاب العلم المخصوص المستفاد من الإمام المعصوم.


♡ إدعمنا بمشارك المنشور مع المهتمين . شكرا
فريق موقع بوابة علم الاجتماع
فريق موقع بوابة علم الاجتماع
تعليقات