📁 آخر الأخبار

الجذبة : و تنويم العقل الجمعي

الجذبة : و تنويم العقل الجمعي

الجذبة : و تنويم العقل الجمعي 


الفرفار العياشي

طقوس استثنائية تلك التي تعيشها المدينة  خلال الاحتفالات بذكرى الولد النبوي و الذي يعتبر احتفالا مقدسا لاسيما لدى بعض الزوايا الطرقية مثل الزاوية العيساوية , بغض النظر على الموقف الفقهي من الظاهرة حول جوازها من عدمه و سؤال متروك لفقهاء و ذوي الاختصاص , فان الظاهرة اصبحت فعلا اجتماعيا يشغل الناس و يحتل الفضاء العمومي و الشوارع العامة لاسيما الرئيسية منها حيت تتوقف الحركة نهائيا من اجل فسح المجال للحشود كي تمارس طقوسها الخاصة في فضاء عام .

    احتفالات هذه السنة رافقتها الكثير من الملاحظات و الانتقادات منها : الرقص و و الجذبة و العنف و التحرش و غيرها من السلوكات التي انتقدت الحدث و اعتبرته سلوكا خارج نظام القيم الدينية .

    الحدث يشكل مدخلا مهما للتفكير في الحدث من زوايا متعددة المقاربة السوسيولوجية احدى هذه زوايا النظر , لسبب بسيط ان الحدث هو فعل اجتماعي له سياقاته و اسبابع و نتائجة و قيمه الاجتماعية .

الكثيرون اصبحوةا يعتبرون الظاهرة مشكلة اجتماعية يجب التصدي لها , مع تعدد الخلفيات المبررة لهذا التصدي سواء الفتاوي الفقهية و الاصولية و سواء المواقف الحداثية و التي تعتبر الظاهرة خروجا عن القيم الحداثية و تكريسا للتخلف الفكري .

   حتى لو ان الظاهرة اصبحت مشكلة اجتماعية فان الامر يقتضي فهما اولا  وهو ما يتيح تفسير الظاهرة و فهم طبيعة المجتمع و طبيعة قيمه و مشاكله و بالتالي بناء تصورات حول سبل و طرق المعالجة .

الفعل المركزي و الاساسي في طقوس الاحتفال من خلال المواكب التي تجوب اهم شوارع المدينة هو لحظة الجذبة , و هي اوج الانفعال السلوكي حيت الرقص الهستيري و الذي يصل الى حد الاغماء .

ممارسة الرقص و بشكل هستيري و في فضاءات عامة يشكل مؤشرا مهما للتفكير في الظاهرة و يشكل فعبلا اجتماعيا استثنائيا يتجاوز الحزام القيمي للمجتمع و خروجا عن العادات وتقاليد المجتمع المتسمة بالمحافظة

الخروج عن النسق الاجتماعي  بشكل مؤقت و في سياق حدث اجتماعي تضفى عليه صبغة القداسة الدينية يحجعل من فعل الرقص و في الشارع العام حدثا عاديا , و بالتالي لا يمكن ان يشكل مشكلة اجتماعية بقدر ما يشكل الية نفسية اجتماعية للتخفيف من حدة الضغوطات الاجتماعية المتراكمة .

    فالجذبة و الرقص الجماعي و الصراخ يشكل منفذا مهما لتفريغ شحنات سلبية مما يشكل اداة للتفريغ و استعادة الهدوء و تحقيق التوازن النفسي .

  فالحدث يطلق عليه جون بيير فرنان كرائد للانتربولوجيا الثقافية نوم العقل الجماعي و هي الية نفسية و اجتماعية تعتمدها الذات التي تعيش جملة ضغوطات و لم تجد الوسائل الكفيلة لتفريغها .

   غالبا عندما يدرك الأفراد وجود مشكلة اجتماعية يتخذون مواقف متباينة ومتنوعة تجاهها وتتباين مواقف الأفراد على حسب درجة القرب أو البعد عن المشكلة جغرافياً واجتماعياً وعلمياً و كذا باختلاف الوضع الاجتماعي و طبيعة الشخصية و مدى قدرتها على تدبير مشاكلها .

ومن هذه الاليات


  •      تصرف اللامبالاة وهو موقف سلوكي يتخذه الفرد يتسم بعدم الجدية و الاستهتار و عدم تحمل المسؤولية كرد فعل مقصود , وكرسالة غضصب و احتجاج على الوضعية التي يعيشها  

  •      الاستسلام القدري:

  •      الشك الساخر والتهكم :

  •      الجزاء الديني (عقوبة الآخرة) :

  •      الإفراط العاطفي    

و يمكن اظافة مواقف اخرى و  مثل الجذبة أي الانفلات من الرقابة الاجتماعية عبر تنيوم سلطة الرقابة الاجتماعية و تحييد سلطة العقل الجمعي كسلطة رقابة و منع و انضباط

لقد انتبه علماء علم الاجتماع في دراسة المشكلات الاجتماعية الناتجة عن الاختلالات الاجتماعية نتيجة التغييرات السريعة التي مست نسق المجتمع المعاصرة أطلق عليه مصطلح العلة الاجتماعية

و تعني العلة الاجتماعية تعني الخروج عما هو مألوف في الوضع السوي والسائد في التنظيم الاجتماعي.

ودخل مصطلح العلة الاجتماعية إلى علم الاجتماع من منظور سوسيولوجي للدراونية الإحيائية ”البيولوجية“ . حيث شبهوا المجتمع بالعضو الجسمي من حيث تطوره وعلاقته بوظائف أجزاء الجسم الأخرى من حيث السواء ويتميز المجتمع السوي عن المنحرف بسمات تتمثل في:الحالة الطبيعية من الصحة والظروف المعتادة الطبيعية Normal للمجتمع وأفراده، وأي انحراف عن هذه الحالة  يعتبر علة مرضية لأنها لا تمثل الحالة الطبيعية كما عدوها أو حالة شاذة أو غير سوية لأنها لا تعبر عن السواء الاجتماعي للمجتمع الإنساني.

ينتمي أصحاب هذا الاتجاه إلى أصول اجتماعية متماثلة، فمعضهم من أبناء الطبقة الوسطى البروتستانية، ومن مجتمعات زراعية صغيرة، وبعضهم كانوا من أبناء وزراء، ومعظمهم يمثلون تنظيمات ومؤسسات الرعاية الاجتماعية.

قاموا بدراسة أوضاع المعيشة للفقراء المهاجرين من الدول الأوربية والأفريقية والأسيوية واستوطنوا في المدن الحضرية التي تنمو بصورة سريعة وتتميز بالحراك الاجتماعي العمودي، واهتموا بدراسة المناطق المتخلفة Slums التي تعج بالعديد من الظواهر الفقر والجرائم والانحراف والطلاق والأسر المتصدعة والصراع العرقي وأطلقوا عليها مصطلح العلل الاجتماعية.

 و بمعاينة انصار و مريدي و المتعاطفين و المنخرطين في هذه الاحتفالات الشعبية و التي تصر الى ان تكون الشوارع العامة مسرحا لها و العمل على تحويلها من فضاءات خاصة و مغلقة / الزوايا و نقلها الى الشوارع العامة  و ما يوفره هذا الفعل من راحة نفسية مؤقتة و اشباع لمركزية الذات الفردية و الجماعية المنخرطة في هذه الطقوس نتيجة الاحساس بالتميز و التفوق و الاستحواذ على الشارع الرئيسي و احتكاره لمدة من الزمن .

فاحتلال الساحات العمومية يشكل فعل تعويضي لذات راكمت مجموعة من الضغوطات و لم تجد الفرصة للتعبيير عنها و تفريغها ,فالجذبة لها وظيفة علاجية اكثر منها طقسا دينيا , وانما يتم توظيف الاطار الديني كخلفية لتبرير سلوكات التفريغعن طريق تنويم العقل الجمعي و تحييد الرقابة الاخلاقية و القيمية على مجموعة من التصرفات التي كانت ممنوعة في الحالات العادية مثل الرقص في الشارع و احتلال الشارع و الجدبة و حتى استهلاك المخدرات .

 النظريات السوسيولوجية لاسيما الوظيفية اعتبرت ان فشل المجتمع في إشباع احتياجات الأفراد وتحديد الأدوار الاجتماعية بفعالية ينتج عنه شعور  الأفراد بالإحباط نتيجة الإخفاق في تحقيق الأهداف وهو ما يؤدي الى ارتفاع منسوب الكبث و بالتالي البحث عن منافذ للتفريغ في حالة عجز الفرد عن  تحقيق طموحاته و التخلص من ضغوطاته .

ما يؤكد هذه الفرضية  هو حجم التحولات الاجتماعية التي طرأت على المعيش اليومي نتيجة ارتفاع مستوى المعيشة و ارتفاع منسوب الفقر و الهشاشة مما يدفع الفئات المعوزة و التي تعيش الاحياء الهامشية المحتضن الاول لظاهرة لحمادشة الطرقية و التي تجعل من عيد المولد النبوي مناسبة اجتماعية للتفريغ و استعادة التوازن النفسي

المؤشرات الاولية تشير ان الاحتفالت ذات الطابع الديني , لا تشكل ممارسة لمعتقدات دينية صرفة بقدر ماهي اليات نفشية و اجتماعية للتفريغ من خلال البحث عن مسوغات التفريغ مقبولة اجتماعيا و دينيا , فالذين يمارسون الجذبة فهو يفعلون ذلك ليس احتفاءا بالمولد النبوي و لكن دفاعا عن ذواتهم المكتظة بالاكراهات و الضغوطات القاسية و التي تبحت عن مجال للتفريغ .


♡ إدعمنا بمشارك المنشور مع المهتمين . شكرا
فريق موقع بوابة علم الاجتماع
فريق موقع بوابة علم الاجتماع
تعليقات