📁 آخر الأخبار

حتى لا يكون الطالب الجامعي مغترباً عن حقوقه وواجباته

حتى لا يكون الطالب الجامعي مغترباً عن حقوقه وواجباته

حتى لا يكون الطالب الجامعي مغترباً عن حقوقه وواجباته

هوية موثقة
أ.د. صابر جيدوري

    من المعروف أن الاهتمام بفكرة حقوق الإنسان وحمايتها ليست فكرة حديثة، وإنما فكرة قديمة قدم الإنسان نفسه، إذ تطرق لها الكثير من الفلاسفة والمفكرين أمثال "جون لوك" و"جان جاك روسو" و "مونتسكيو" وغيرهم ممن كانت لآرائهم آثاراً مباشرة على معطيات الفكر الإنساني في ترسيخ مفهوم حقوق الإنسان وواجباته تجاه المجتمع، حيث تبلورت هذه المعطيات في مجموعة من المبادئ الإنسانية صاغها المجتمع الدولي في إعلان الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1948.

     ومع ما لهذه الأفكار الحقوقية من أهمية في تنمية وعي الإنسان بحقوقه وواجباته، إلا أن المتتبع لما يجري في الجامعات العربية يجد أن هناك نقصاً واضحاً في معرفة الطلبة بحقوقهم الأكاديمية داخل فضاءات الجامعات التي يدرسون فيها، إلى درجة أن حقوقهم تُنتهك ولا يعرفون أن انتهاكها ممنوع في اللوائح والتعليمات التي تُنظم العمل الجامعي، كما أن الكثير من الطلبة يجهلون الواجبات الملقاة على عاتقهم تجاه جامعاتهم.     

    وفي هذا السياق لا يستطيع أحد أن ينكر أهمية حقوق الطلبة وما يقابلها من واجبات، لأن فكرة حق الإنسان لا يصبح لها معنى إلا إذا اعترفنا بواجبه تجاه احترامها، ولأن العلاقات الإنسانية تقوم عالمياً على وجود الحقوق والواجبات على السواء، بغض النظر عن قيم أي مجتمع. ولأن واجبات الطالب مكمل ضروري لحقوقه، فإنه يمكن معرفة العلاقة بين الواجبات والحقوق من خلال ما جاء في وثائق الجامعات حول حقوق الطالب وواجباته، فقد جاء مثلاً في المادة الأولى من لائحة حقوق الطالب وواجباته التي أقرتها جامعة كيل في بريطانيا "ضرورة توفير البيئة الدراسية بيسر وسهولة من خلال توفير كافة الإمكانات التعليمية المتاحة لخدمة هذا الهدف" (David, 2003,61). وإذا كان هذا حق من حقوق الطالب، فإن هذا الحق يقابله واجب يجب أن يقوم به الطالب وهو المحافظة على البيئة الدراسية وإمكاناتها المادية والبشرية، والعمل على إنجاحها بكل السبل والوسائل.
     كما أن حق الطالب في الحصول على المادة العلمية والمعرفة المرتبطة بالمقررات الجامعية، يرتبط بقيام الطالب بواجبه المتمثل بضرورة احترام أعضاء هيئة التدريس الذين يقدمون له هذه المعرفة، والاجتهاد في الدراسة من أجل استيعاب المعرفة العلمية، وتوظيفها التوظيف المناسب في المجالات الاجتماعية المختلفة. 
    بالإضافة إلى ذلك، إذا كان حق الاستفسار والمناقشة العلمية مع أعضاء هيئة التدريس حق من حقوق الطالب الذي يجب أن يحصل عليه، فإن من واجب الطالب أن يستفسر ويناقش أساتذته مناقشة لائقة لا تتجاوز ما تقتضيه الآداب العامة، وحدود اللياقة والسلوك، سواء أكان ذلك في أثناء المحاضرة أو في أثناء الساعات المكتبية، وإذا كان من حق الطالب التعبير عن رأيه صراحة، ونقد الممارسات الإدارية داخل المؤسسة الجامعية، فلا بد وأن يمارس الطالب هذا الحق وغيره في ضوء اللوائح والأنظمة والقوانين المنظمة لذلك.

     كما أنه إذا كان من حق الطلبة التمتع بالإعانة والرعاية الاجتماعية والمشاركة في الأنشطة الجامعية، فمن واجبهم أيضاً الانتظام في الدراسة والقيام بالمتطلبات الدراسية كافة، واحترام أعضاء هيئة التدريس، وعدم التعرض لهم بالإيذاء بالقول أو الفعل أو بأية صورة كانت، وإذا كان من حق الطلبة ممارسة حرياتهم المختلفة، فإن من واجبهم احترام حرية الآخرين، كما أن التعليم الذي تقدمه الجامعة لهم يفرض عليهم واجب التعلم إلى أقصى ما تتيحه لهم قدراتهم في الوصول للمعرفة والخبرة، كما عليهم أن يؤدوا دورهم بإيجابية تجاه ما يطلب منهم من ممارسات تربوية وتعليمية تسعى إلى تحسين كفاياتهم المختلفة، حتى يصبح الطالب قادراً على المشاركة الإيجابية في عملية التنمية الشاملة في المجتمع الذي يعيش فيه. لذا فإن إيجابية العلاقة بين حقوق الطالب وواجباته تفرض على المؤسسة الجامعية إشاعة روح العدالة في فضاءاتها، وبقدر ما يُعنى التعليم الجامعي بترسيخ قيم العدل ومبادئه في أركان منظومته بقدر ما تتوثق العلاقة بين ممارسة الطالب لحقوقه وواجباته.

     من هنا تتأكد أهمية تربية الطالب الجامعي على حقوقه الأكاديمية، "لأن هذه التربية تعمل على توعية الطالب بحقوقه وعياً كاملاً، بحيث يدفعه هذا الوعي إلى حمايتها والدفاع عنها، ذلك لأن الوعي الصحيح لحقوق الطالب هو الكفيل بالتأثير على عقليات الطلبة وسلوكهم وممارساتهم السليمة، إذ إن من يعرف حقوقه يصبح أكثر حرصاً على احترام حقوق غيره" (محسن، 2004، 245). كما أن معرفة الطالب لحقوقه تقيه من مخاطر انتهاكات حقوقه من قبل الآخرين، فضلاً عن أن معرفة الطالب بحقوقه الأساسية تُعد مقدمة ضرورية نحو تمسكه بها، وتمسكه بهذه الحقوق هو الشرط الضروري لوقف انتهاكها.
     من هنا، فإنه يجب على المؤسسة الجامعية العربية عموماً في سياق تأصيل حقوق الطالب وواجباته أن تعلن الحرب على كل المفاهيم والقيم العرقية والتعصبية التي توجد في عقول بعض الطلبة، ويجب عليها من أجل ذلك أن تضيف إلى مناهجها مقررات حول التسامح والسلام وحقوق الإنسان، وأن تُعرف الطلبة على أهمية ذلك في الحياة العربية المعاصرة والمستقبلية للإنسان العربي.

    مع التأكيد أن الكثير من الدول بدأت العمل على إيجاد استراتيجيات تربوية تضمن رفع وعي المتعلمين بحقوقهم وواجباتهم في إطار برامج نظرية وعملية، وهنا يقع العبء الأكبر في هذه المسؤولية على الجامعات التي يمكنها أن تُدرس طلابها هذه الحقوق والواجبات عبر المنهج الرسمي، ولهذا فقد تعهد وزراء التربية في العالم في المؤتمر الدولي للتربية في دورته الرابعة والأربعين الذي عقد في جنيف عام /1994/ على إرساء التربية التي يتم تقديمها لشعوبهم على أساس مجموعة من الأسس التربوية التي تسهم في تفتح شخصيات الطلبة في ظل احترام الآخرين ، ومن منظور تعزيز حقوق الطلبة وواجباتهم، وكذلك التدابير الملائمة لإشاعة مناخ الحرية والعدالة في فضاء المؤسسات الجامعية، لكي تصبح هذه المؤسسات أماكن متميزة لممارسة التسامح، واحترام حقوق الإنسان، والتعرف على تنوع الذاتيات الثقافية وثرائها.    

مراجع المقال
- محسن، مصطفى (2004) إشكالية التربية على المواطنة وحقوق الإنسان بين الفضاء المؤسسي والمحيط الاجتماعي، مجلة عالم التربية، العدد /15/، الدار البيضاء، مطبعة النجاح الجديدة.
- David (2003) Human Rights in Highr Education.
  J.Education,Vol,6,No,16.P. 61.

♡ إدعمنا بمشارك المنشور مع المهتمين . شكرا
فريق موقع بوابة علم الاجتماع
فريق موقع بوابة علم الاجتماع
تعليقات