وعي الشباب
ذ. عبد الحق بن درى![]() |
| تم التحقق من هوية الكاتب |
الشباب كطاقة كبيرة، متجددة وحيوية. الشباب كرغبة من اجل الأفضل، التطلع الى ما هو أحسن، من اجل عيش كريم، مستقبل واعد، استقرار اجتماعي واقتصادي في المستقبل. الشباب كإرادة قوية في تغيير الأوضاع، حب الاستطلاع، حب عيش اللحظة وضمام المستقبل. الشباب يؤمن بما هو واقعي ملموس، يحقق له الرفاهية والفرح. الشباب حب المغامرة وعيش التجارب الجديدة واقتحام مجالات منذ الوهلة الأولى. كلها مواصفات وخصائص تميز مرحلة الشباب. قد نحمله جزءا من مسؤولية ما يعيشه، ولكن ليست المسؤولية كلها، لأنها امر مشترك بين مختلف الفاعلين في المجتمع. بناء جيل من الشباب تتحقق فيه انتظارا تنا لا يمكن ان ينطلق من فراغ، فهو مجهود لابد منه، والاستجابة لجزء مهم من مطالبه امر محتوم، وإلا فلا معنا لمطالبته بكثير من الأمور.
ان وعي الشباب رهين بالمحيط الذي يعيش فيه، والوسط الذي ترعرع فيه، بدءا بالأسرة، مرورا بالمدرسة والشارع، وانتهاء بالمؤسسات الأخرى. الوعي بمعنى ان يكون الشباب في مستوى التطلعات، وان يواكب التطورات التي يعرفها الانسان مع الحفاظ على جزء من تاريخه وثقافته، لا يمكن التخلي الكامل عن كل ما هو قديم كما تدعي بعض النظريات او التوجهات الفكرية والأيديولوجية، بل الدمج بين الامرين سيكون له وقع إيجابي على العيش في الوسطية والاعتدال. ان الشباب اليوم تعتريه مجموعة من الصعوبات وتواجهه جملة من التحديات، ان لم يكون الشاب في كامل قواه العقلية ويتمتع بالنضج والوعي الكامل، فلا مفر له من السقوط في بعض المتاهات والمثبطات الخطيرة، ذلك أن النضج في هذه المرحلة يكون عندما تتظافر الجهود، وتكون لدينا إرادة جماعية من بناء جيل قوي في الجوانب، الشيء الي سيتحقق اذا قمنا بالاهتمام بالإنسان منذ نعومة اظافره، وفي كل مراحل حياته، نتعامل معه كإنسان، لا كشيء او موضوع، يحس بنفسه بكامل انسانيته ويحظى بالاحترام والتقدير، بمعنى اخر رد الاعتبار للإنسان وتمتيعه بكل حقوقه ومساعدته على أداء واجباته. من هناك يمكن القول بأننا في حاجة الى شباب يتميز
أولا: شباب مثقف
ان السعي نحو شباب واعي لابد من استحضار البعد الثقافي، الذي من خلاله يحقق الانسان جزءا من نضجه، ويكون شخصيته بالتفاعل مه الفعل الثقافي، ذلك ان الثقافة تعلب دورا هاما في جعل الانسان يحس بالمسؤولية الملقاة على عاتقه، ويفهم ما يحيط به من احداث ووقائع وتحديات، إن الثقافة تجل الانسان في مراجعة مستمرة لذاته، في تقييم مستمر لمعارفه ومهاراته، يعطي للوقت المكانة التي يستحقه، ويحاول ان يضع لنفسه برامج واهداف واضحة المعالم. الثقافة تنقل الانسان من الاهتمام بأمور شكلية ثانوية الى التركيز على الفكر البناء والعمل الجاد، وجني الثمار من وراء المجهودات، يحارب ثقافة الفراغ والابتعاد عن الفضاءات المشبوهة، يختار لنفسه الرفقة الصالحة، الإيجابية والمفيدة، ويبتعد عن كل ما من شأنه ان يخدش شخصيته وعقله. الثقافة تساهم في جعل الشاب ينفتح على ثقافة الاخرين، وعن الأنماط الفكرية الأخرى يستوعب بها كل ما يحيط به.الثقافة تجعل الانسان يكتشف تجارب الاخرين في ظل التطور السريع للعلوم والمناهج، تجعل الانسان يواكب كل ما يقع في الساحة الفكرية والثقافية، ويعبر عن ما يخالجه ويراوده من قناعات. وهي حمالة أوجه ومتعددة الاشكال، الثقافة المكتوبة والموجدة في الكتب والمقالات وهي اسماها واقواها، والثقافة السمعة البصرية التي أصبحت تغزو العالم وحولته الى قرية الصغيرة، والثقافة الواقعية التي يكتسبها الانسان من خلال احتكاكه بالأخرين، لا تتوقف عملية التثقيف، ولا ترتبط بزمان او مكان معين، مفتوحة على مصرعيها تنتظر من ينفتح اليها لإغناء شخصيته، هي المجال الذي يعلم كل اشكال التواضع والانفتاح على الاخرين والتعايش معهم، تعلم الانسان ان يكون قلما حرا، قويا ومؤثرا، مروره بين الناس لا يكون عاديا بل يترك بصمته.
ثانيا: شباب متفائل
من اهم معالم وعي الشباب وثقافته التفاؤل المستمر، فلابد من النظر الى المستقبل بنظرة تفاؤلية إيجابية، لإعطاء الفرصة للإبداع والاجتهاد والعمل الجاد. قد تكون الأوضاع التي يعيشها الفرد مزرية، وقد تكون وضعية غير مقنعة، ولكن هذا لا يعطي الشرعية لبعض السلوكيات والمظاهر التي قد يمارسها الشباب في هذه المرحلة، ولا تبرر بعض التصرفات الطائشة التي تنتج لنا ظواهر فتاكة، مؤلمة وغير مقبولة اجتماعيا. وهذا من صميم الابتعاد عن كل اشكال التعاطي للمخدرات ورفقاء السوء، ومعالجة المشاكل بالأمراض والاعطاب الخطيرة، وهو الشيء الذي ينتج لنا اجراما يستشري في الناس ويهدد استقراراهم. التفاؤل يصنع الأمل، ويحفز على التطلع إلى الأفضل ويحقق فيه الانسان مزيدا من المكاسب وهو الخيار الناجع اذا ما قراناه بالبكاء على الاطلال والتشكي والمظلومية، وعلى النظرة السوداء القاتمة وفقدان الامل وفقدان الثقة في النفس، انه نفس سلبي قاتل، لا يشجع على تجاوز المشاكل وتخطي الصعاب، في الوقت الذي نجحت مجتمعات أخرى في خلق الفرص وما جهة التحديات انطلاقا من الصعوبات التي يعيشها الانسان، فالحاجة ام الاختراع كما يقال.ثالثا: شباب منخرط في الحياة الاجتماعية
إنه من اهم ما يمكن الإشارة اليه في هذا المجال أن الشاب ولكي يتم صقل ما يتعلمه من الحياة، وما يكتسبه من خلال احتكاكه مع المحيط الذي يعيش فيه يساهم أيضا في تكوين شخصيته. فأعتقد ان الانخراط في مؤسسات المجتمع السياسية والمدنية امر مهم، بل اعتبره من اهم أبواب التكوين والتأطير وترجمة ما يحمله الانسان من أفكار وقناعات، شاب منخرط في محيطه يعني التأثير فيما من حوله، عن طريق اعمال ومبادرات نوعية ونافعة، الانخراط هو جزء من إرادة تغيير بعض الاشياء التي تقلق الانسان، تكتسب شبكة مهمة من العلاقات وتتقاسم مع الاخرين ما يراودك، تفيد من حولك وتستفيد منهم. ولهذا العمل أوجه عدة نذكر بعضا منها :
• الانخراط السياسي:
على الرغم من كل ما يمكن قوله عن العمل السياسي في المغرب، ورغم كل المؤاخذات التي يمكن تسجيلها على الأحزاب السياسية من حيث الأداء والشكل والتأثير، ولكن لا ننكر أهمية الانخراط في الاحزاب السياسية باعتبارها فضاء للتدافع الفكري والسياسي، مجال لترجمة ما يفكر فيه الانسان الى برامج واعمال. تفهم بشكل جيد كيف تسير الأمور في تدبير وتسيير دواليب الدولة، تطل على ما يخص الشأن العام من نافدة السياسي الممارس. ان الانتماء يعني الاقتناع بأفكار الهيئة التي تنتمي إليها، وتتقاسم معهم عددا كبيرا قناعاتك، الانتماء قد يعطيك فرصة للاشتغال مع باقي الفاعلين في تدبير الشأن المحلي والوطني، تكتشف ميكانيزمات جديدة وواقع اخر تحكمه مجموعة من الاعتبارات القانونية والسياسية والواقعية. هي تجارب مهمة كيف ما كان الحال ولن تجدها حتى في الكتب، هي واقع يعاش. إنه تجل مهم من تجليات التثقيف والتكوين وتطوير القدرات الذاتية. الانخراط كشباب في السياسة هو المفتاح المهم للنهوض به، والدفع الى ما ينبغي ان يكون عليه، لا منازع لأهمية التغيير من داخل الاحزاب السياسية باعتبارها سلطة منتخبة تسعى الى وضع بصمتها في الحياة العامة للناس.• الانخراط في العمل الجمعوي
في الآونة الأخيرة لامسنا بشكل كبير الأدوار الجديدة المسندة للمجتمع المدني باعتباره شريكا أساسيا واستراتيجيا في التنمية المستدامة، اخد على عاتقه الاسهام الى جانب الدولة في تنزيل مجموعة من السياسات والتوجهات الاستراتيجية للدولة، وفي مجالات عدة، وخصوصا بعد دستور 2011 الذي عزز حضور الفاعل الجمعوي في كثير من المناسبات، حيث تم احداث مجالس وهيآت التي يقدم فيها النسيج الجمعوي المقترحات والأفكار، يمكن له ان يساهم فيما يخص السياسات العمومية من خلال العرائض والملتمسات، يشتغل في مقاربة تشاركية مع مدبري الشأن المحلي. مكان الفاعل الجمعوي لم تعد أمرا مكملا لوظائف الدولة ومهامها، بل أصبح بقوة الدستور حاضرا في كل مراحل بناء البرامج والمخططات العامة. من هنا يمكن القول عن أن العمل الجمعوي من الاواب المفتوحة في وجه الشباب للانخراط فيه والاسهام فيه، يمكن للشباب الاشتغال على مشاريع وأفكار وورشات عملية تسهم في تنمية قدرات الكائن البشري، وهو ضرب من ضروب التغيير، فهناك تجارب جمعوية قوية أصبحت تفرض نفسها على المجتمع، بفعل التمساك القوي بين أجهزتها، وأصبحت شريكا أساسيا للدولة في معالجة مجموعة من الإشكالات الكبرى، بل أصبح للمجتمع المدني ملفات كبرى وحساسة، يكفي فقط ان تكون الجمعيات في مستوى التطلعات والانتظارات. إما عن طريق الانخراط في جمعيات قائمة تشتغل مسبقا على قضايا وملفات مختلفة، او تأسيس جمعيات جديدة وفتية محددة الأهداف والمقاصد، بنفس جديد.خلاصة القول هي ان وعي الشباب مسؤولية الجميع، هم يجب ان يشغل بال الجميع، وان يحظى بالمكانة التي يستحقها، وعي الشباب هو ضمان لجيل من رحال المستقبل بعقلية مسؤولة، ناضجة وواعية. قادرة على تحمل المسؤولية والدفاع عن الهوية، جيل يحمل رسائل وهموم جادة من اجل الدفع بالتنمية الشاملة، شباب قادر على تجاوز كل المعضلات والتحديات التي قد تعترضه في المستقبل، امام المنافسة الشرسة بين الدول والقارات.


مرحبا بك في بوابة علم الاجتماع
يسعدنا تلقي تعليقاتكم وسعداء بتواجدكم معنا على البوابة